الفلسفة للأطفالديداكتيك تدريس الفلسفةفلسفة

ليبيا تؤسس أول جمعية متخصصة في فلسفة الأطفال بشمال أفريقيا


الجمعية الليبية لفلسفة الأطفال تحت مظلة الهيئة الليبية للبحث العلمي.. مبادرة لتعزيز التفكير النقدي والحوار وبناء شخصية الطفل

طرابلس 18-10-2026

في خطوة جديدة لدعم مسارات التطوير العلمي والتربوي في ليبيا، تأسست الجمعية الليبية لفلسفة الأطفال، التابعة للهيئة الليبية للبحث العلمي، لتكون، وفق المعلومات المتاحة بشأن المؤسسات المتخصصة في هذا المجال، أول جمعية من نوعها على مستوى شمال أفريقيا، تُعنى بفلسفة الأطفال من خلال العمل المؤسسي المنظم، ونشر ثقافة التفكير والحوار، وتنمية مهارات التساؤل والتأمل والتفكير النقدي والإبداعي لدى الأجيال الجديدة.
وتأتي هذه المبادرة استجابة للحاجة إلى تطوير الممارسات التعليمية والتربوية، وتعزيز حضور المناهج التي تمنح الطفل مساحة أوسع للتفكير المستقل، والتعبير عن الرأي، ومناقشة الأفكار، وفهم الاختلاف، بعيدًا عن الاقتصار على أساليب التلقين والحفظ. كما تمثل خطوة نحو ترسيخ الفلسفة بوصفها ممارسة معرفية وتربوية يمكن أن تسهم في بناء شخصية الطفل، وتعزيز قدرته على التحليل والاستدلال، والمشاركة الواعية في محيطه الاجتماعي والثقافي.
وتعود فكرة تأسيس الجمعية إلى الدكتورة سرتية صالح العاتي، المتخصصة في الفلسفة السياسية المعاصرة والخبيرة الإقليمية المعتمدة في مجال الفلسفة مع الأطفال، التي تبنّت مشروع إنشاء إطار مؤسسي متخصص يُعنى بتطوير هذا المجال في ليبيا، ونقله من نطاق المبادرات والأنشطة التدريبية إلى مسار علمي وتربوي مستدام، قادر على بناء البرامج، وتأهيل الميسّرين، وتوسيع مجالات التعاون مع المؤسسات العلمية والتربوية داخل ليبيا وخارجها.

من المبادرة إلى العمل المؤسسي

يمثل تأسيس الجمعية انتقالًا نحو تنظيم الجهود المعنية بفلسفة الأطفال ضمن إطار مؤسسي يجمع الباحثين والمهتمين والممارسين، ويوفر بيئة مناسبة لتطوير الأفكار والمناهج والبرامج التي تستهدف تنمية قدرات الأطفال الفكرية والمعرفية.
وتقوم فلسفة الأطفال على رؤية تربوية تعتبر الطفل شريكًا في عملية التعلم، يمتلك القدرة على طرح الأسئلة، ومناقشة القضايا التي تثير اهتمامه، وبناء تصورات خاصة به، متى توفرت له البيئة المناسبة التي تشجعه على التفكير والتعبير والحوار.
ومن هذا المنطلق، تسعى الجمعية إلى نشر هذه الرؤية في المؤسسات التعليمية والثقافية، والعمل على تطوير ممارسات تربوية تجعل من التفكير نشاطًا يوميًا في حياة الطفل، وتمنحه الفرصة لاكتشاف الأفكار واختبارها، والتعبير عن مواقفه بالحجة، والاستماع إلى الآخرين، وإعادة النظر في آرائه عندما تستدعي المناقشة ذلك.
ويُنتظر أن يشكل العمل المؤسسي للجمعية قاعدة لتوسيع نطاق الأنشطة المتخصصة، وتحويل الاهتمام بفلسفة الأطفال إلى برامج قابلة للتطوير والاستمرار، بما يتيح الاستفادة من الخبرات العلمية والتجارب التربوية ذات الصلة، مع مراعاة خصوصية البيئة الليبية واحتياجات أطفالها.

«مجتمع التساؤل».. مدخل لتعليم الأطفال كيف يفكرون

تستند فلسفة الأطفال إلى منهجية حوارية تقوم على بناء ما يُعرف بـ«مجتمع التساؤل»، وهو فضاء تعليمي يتشارك فيه الأطفال طرح الأسئلة ومناقشة الأفكار وتبادل وجهات النظر، في أجواء تقوم على الاحترام المتبادل، والاستماع، والبحث عن المعنى، وتقديم المبررات.
ولا تقتصر هذه المنهجية على تشجيع الأطفال على الكلام أو إبداء آرائهم، بل تمتد إلى تدريبهم على التفكير في ما يقولون، والتمييز بين الرأي والحجة، وفهم العلاقة بين الأفكار، وتقييم المواقف المختلفة، والتعامل مع الأسئلة المفتوحة التي لا تكون لها دائمًا إجابة واحدة جاهزة.
وفي هذا السياق، يصبح دور المعلم أو الميسّر قائمًا على إدارة الحوار وتهيئة البيئة الملائمة للتفكير، بدلًا من تقديم الإجابات النهائية بصورة مباشرة. ويُمنح الطفل مجالًا لاكتشاف المعرفة من خلال التساؤل والمناقشة، والتعلم مع الآخرين، وبناء فهم أكثر عمقًا للقضايا التي يتناولها.
ومن شأن هذه المقاربة أن تسهم في تنمية مهارات التفكير النقدي والإبداعي، وتعزيز الثقة بالنفس، والقدرة على التعبير المنظم، واحترام الاختلاف، وتقبّل تعدد وجهات النظر، وهي مهارات تزداد أهميتها في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.
برامج تدريبية وبحوث وشراكات علمية
تتجه الجمعية الليبية لفلسفة الأطفال إلى العمل على مجموعة من المسارات العلمية والتربوية التي تستهدف نشر هذا التخصص وتوسيع قاعدة المهتمين به، وفي مقدمتها تنظيم الورش والبرامج التدريبية، وتأهيل الميسّرين والمعلمين، وتشجيع البحوث والدراسات المتخصصة، وإقامة الفعاليات العلمية والثقافية ذات الصلة.
كما تشمل توجهاتها بناء شراكات مع المؤسسات التعليمية والبحثية والمراكز المعنية بالفلسفة والتفكير، والاستفادة من التجارب الدولية الرائدة في مجال الفلسفة مع الأطفال، بما يساعد على تطوير برامج تستجيب للاحتياجات الفعلية للمؤسسات التعليمية والمجتمع.
ويكتسب تأهيل الميسّرين أهمية خاصة في هذا المجال، إذ تتطلب إدارة الحوارات الفلسفية مع الأطفال مهارات تتجاوز أساليب التدريس التقليدية، من بينها القدرة على صياغة الأسئلة المحفزة للتفكير، وإدارة النقاش دون فرض إجابات مسبقة، وتشجيع الأطفال على تقديم الأدلة، وضمان مشاركة الجميع في بيئة تحترم الفروق الفردية وتنوع الآراء.
كما يمكن للبحوث والدراسات المتخصصة أن توفر قاعدة معرفية لتقييم أثر هذه البرامج، وتطوير أساليب تطبيقها، والتعرف على مدى إسهامها في تنمية مهارات التفكير والتواصل لدى الأطفال، بما يعزز فرص انتقال فلسفة الأطفال من المبادرات المحدودة إلى الممارسة التربوية المنظمة.

فلسفة الأطفال في مواجهة تحديات العصر

لا تنحصر أهمية فلسفة الأطفال في تحسين مهارات الحوار داخل الفصل الدراسي، بل تمتد إلى إعداد الأجيال الجديدة للتعامل مع عالم تتزايد فيه المعلومات وتتسارع فيه التحولات التكنولوجية والمعرفية.
ففي ظل الانتشار المتنامي للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، باتت الحاجة ملحّة إلى تنمية قدرة الطفل على طرح الأسئلة الصحيحة، والتمييز بين المعلومات والآراء، وفحص مصادر المعرفة، والتفكير في النتائج المترتبة على استخدام الأدوات الرقمية، بدلًا من الاكتفاء بتلقي المعلومات أو التعامل معها بوصفها حقائق نهائية.
وتتيح الممارسات الحوارية القائمة على التساؤل والتفكير المنطقي فرصة لمناقشة موضوعات تتصل بالحياة اليومية للأطفال، مثل الصداقة والعدالة والحرية والمسؤولية والصدق والتعاون، وصولًا إلى القضايا المرتبطة بالتكنولوجيا والبيئة والعلاقات الإنسانية.
ومن خلال هذه الموضوعات، يتعلم الطفل أن التفكير لا يعني الوصول السريع إلى إجابة، وإنما يتطلب التأمل، وفهم وجهات النظر المختلفة، ومراجعة المواقف، وتحمل مسؤولية ما يعبّر عنه من آراء وأحكام.
وتتسق هذه الرؤية مع التوجهات التربوية التي تسعى إلى بناء متعلم قادر على التعلم المستمر، والتعامل الواعي مع المعرفة، والمشاركة الإيجابية في المجتمع، وهي أهداف تزداد أهميتها في ظل التغيرات التي تشهدها منظومات التعليم في العالم.
ريادة ليبية تفتح آفاق التعاون العربي والدولي
تكتسب الجمعية الليبية لفلسفة الأطفال أهمية إضافية من موقعها بوصفها مبادرة متخصصة تستهدف تنظيم هذا المجال علميًا وتربويًا على مستوى ليبيا، مع تطلع إلى توسيع حضوره إقليميًا ودوليًا.
وإذا تأكدت ريادة الجمعية على مستوى شمال أفريقيا من حيث التخصص والعمل الجمعياتي المنظم، فإن ذلك يتيح فرصة أمام المؤسسات العلمية والتربوية الليبية للمساهمة في تطوير حركة الفلسفة مع الأطفال في المنطقة، وفتح قنوات للتعاون وتبادل الخبرات مع المراكز والهيئات المعنية بهذا المجال.
كما يوفر تأسيس الجمعية إمكانية تطوير برامج تراعي خصوصية المجتمع الليبي، وتستفيد في الوقت نفسه من الخبرات الدولية، بما يحقق التوازن بين الانفتاح على المناهج والتجارب الحديثة والاستجابة للاحتياجات الثقافية والتربوية المحلية.
ومن المتوقع أن يسهم هذا المسار، مع تطور أنشطة الجمعية واتساع قاعدة المشاركين فيها، في تعزيز حضور فلسفة الأطفال ضمن النقاشات المتعلقة بتطوير التعليم، والبحث عن وسائل عملية لتنمية قدرات الأجيال الجديدة على التفكير والحوار والتعامل مع الاختلاف.

الاستثمار في عقل الطفل هو استثمار في المستقبل

إن تأسيس الجمعية الليبية لفلسفة الأطفال يتجاوز حدود إضافة مؤسسة جديدة إلى منظومة العمل العلمي، ليعكس اهتمامًا بمجال تربوي يضع عقل الطفل وقدرته على التفكير في صميم العملية التعليمية.
فبناء الإنسان القادر على الحوار والنقد والتحليل لا يبدأ عند بلوغه مراحل التعليم الجامعي، بل يتشكل منذ السنوات الأولى، حين تتاح له الفرصة لطرح الأسئلة، والتعبير عن فضوله، واكتشاف العالم من حوله، ومناقشة ما يواجهه من أفكار وتجارب.
ومن هنا، تبرز أهمية المبادرات التي تسعى إلى تحويل التساؤل من مجرد استفسار عابر إلى أداة للتعلم، والحوار من تبادل للكلمات إلى وسيلة للفهم، والتفكير المستقل إلى مهارة تُكتسب بالممارسة والتدريب.
ومع انطلاق الجمعية في أداء رسالتها، تتطلع هذه المبادرة إلى الإسهام في بناء بيئة تربوية أكثر انفتاحًا على الحوار، وأكثر احترامًا لقدرات الطفل، وأكثر اهتمامًا بتطوير أدواته الفكرية والمعرفية، بما يعزز فرص إعداد أجيال تمتلك القدرة على التفكير الواعي، واحترام الاختلاف، والمشاركة المسؤولة في بناء المجتمع.
فالسؤال بداية المعرفة، والحوار طريق الفهم، واحترام عقل الطفل خطوة أساسية نحو بناء إنسان قادر على التفكير وصناعة المستقبل.

Related posts
تربية وتعليمعامةفلسفة

تعليقات مؤقتة على مستقبل -العقل العربي-

الفلسفة بصيغة المؤنثفلسفة

ابن سينا كتب بالفارسية

تربية وتعليمترجمةديداكتيك تدريس الفلسفةفلسفة

دليل كامبريدج للمنهج الفلسفية

تربية وتعليمفلسفة

فصل المقال فيما بين الرياضة والسياسة من اتصال !

Sign up for our Newsletter and
stay informed