الفلسفة بصيغة المؤنثفلسفة

ابن سينا كتب بالفارسية

نور حريري

كتب ابن سينا، ذو الأصول الفارسية، معظم أعماله الفلسفية بالعربية، ولم يكتب إلا كتاباً واحداً بالفارسية هو كتاب الدانشنامه، وقد ألف هذا الكتاب بالفارسية تلبية لطلب علاء الدولة، مؤسِّس الدولة الكاكوية في إيران.  أراد علاء الدولة أن يعرّفه ابن سينا إلى العلوم والفلسفات بالفارسية، إذا كانت العلوم متاحة في ذلك الوقت بالعربية وحسب، فشرع ابن سينا في تأليف “دانشنامه علائي”، وهي موسوعة فلسفية بالفارسية، عَرَضَ فيها المنطق والطبيعيات والإلهيات والرياضيات، وأصبحت من أوائل المحاولات الكبرى لصياغة موسوعة فلسفية باللغة الفارسية.
المفارقة أن علاء الدولة، بعد أن لبّى ابن سينا طلبه وبذل جهدًا كبيرًا في تأليف هذه الموسوعة بالفارسية، لم يفهم منها شيئًا، ولم يقدّر الجهد الذي بذله ابن سينا في تأليفها، بل إن علاء الدولة لم يكن وحده في ذلك، فكثيرون من أهل الفارسية لم يكونوا قادرين على فهم ما كُتب فيها.
على عكس الاعتقاد الشائع، لم تكن الفارسية لغة فلسفة، فلم تكن قد طوّرت بعد جهازًا مفاهيميًا واصطلاحيًا للفلسفة. كان جهازها الأدبي أكثر تطورًا من جهازها الفلسفي، ولذلك استعصى عليها استيعاب الفلسفة.
لكن من الضروري هنا أيضًا نقد الاعتقاد الميتافيزيقي النقيض، الشائع بدوره، الذي يرى أن العربية “لغة فلسفة”. والحال أن العربية لم تكن، في ذاتها، لغة فلسفة، لكنها أصبحت كذلك في مرحلة معينة. ليست هناك “لغة” للفلسفة أصلًا مهما اتسع معجمها. لا تكون اللغة لغة فلسفة إلا بقدر تطويرها لجهاز مفاهيمي واصطلاحي يسمح بالتفكير من خلال المفاهيم داخل اللغة في الفلسفة، وهنا تأتي الترجمة.
ليست الترجمة “جسرًا” بين الثقافات، ولا فضاءً “للهجنة”، ولا نقلًا أميناً لنصوص أصلية، إلا بالمعنى السطحي، بل كل “خيانة” في الترجمة هي خيانة دالة وكل “انحراف” في الترجمة هو انحراف دال.
إن الترجمة، بما هي إمكان، وفقد، وانحراف، واستحالة، هي “فضاء”، فضاء تتكشف فيه حدود اللغة، فتنمو فيه كائنًا حيًا أو تضمر، وتُنتج ذاتاً، بجهاز مفاهيمي خاص، في احتكاكها بما ليس هي. هي فضاء للتذويت، لتشكيل الذات من خلال العلاقات البين-ذاتية. وبهذا المعنى تحديدًا، كان الفضاء “الإسلاماتي” اللامركزي (أستخدم هنا مصطلح مارشال هودجسون) فضاءً فكريًا سمح بتطوير المفاهيم، وتشكّل بفضل “حركة” الترجمة المنظمة ومتعددة الاتجاهات، لا بوصفها نقلًا للنصوص أو تعريبًا، بل بوصفها قراءةً للذات من خلال الآخر، تنتج في هذه العلاقة ذاتًا أخرى ولغة أخرى وآخرَ جديدًا لا علاقة له بأي أصل.

Related posts
تربية وتعليمترجمةديداكتيك تدريس الفلسفةفلسفة

دليل كامبريدج للمنهج الفلسفية

تربية وتعليمفلسفة

فصل المقال فيما بين الرياضة والسياسة من اتصال !

ترجمةغير مصنففلسفة

روبرت حسن: كيف غيّرت الكتابة وعي نيتشه

ترجمةفلسفة

الماركسية وأزمة الرأسمالية

Sign up for our Newsletter and
stay informed