تربية وتعليمترجمةديداكتيك تدريس الفلسفةفلسفة

دليل كامبريدج للمنهج الفلسفية

مناهج الفلسفة المعاصرة قراءة في دليل كامبريدج وأسئلة الصنعة الفلسفية بعد الانقسام الكبير

ما الذي يفعله الفيلسوف حين يمارس الفلسفة. سؤال يبدو ساذجا للوهلة الأولى لأنه سؤال عن الحرفة لا عن موضوعها. لكن هذا السؤال بالذات هو ما تصدى له كتاب دليل كامبريدج في المنهجية الفلسفية الصادر سنة 2017 بإشراف المحررين جوزيفينا دأورو أستاذة الفلسفة في جامعة كيل وسورين أوفيرغارد الأستاذ المشارك بجامعة كوبنهاغن. وقد أراد المحرران أن يقدما مسحا شاملا ومنفتحا لطرق التفلسف المعاصرة بعد أن أعياها الانقسام الطويل بين التقليدين التحليلي والقاري وبعد أن هزتها في العقود الأخيرة موجات النقد التجريبي والطبيعاني (1).

يأتي الكتاب في لحظة توتر ميتا فلسفي حاد، فبعد عقود ظلت فيها الفلسفة الأكاديمية الإنجلو أمريكية مرتاحة إلى منهجها القائم على التحليل المفاهيمي من فوق الكرسي المريح جاءت النزعة الطبيعانية لتشكك في مشروعية هذا المنهج جملة وتفصيلا وجاءت الفلسفة التجريبية لتضع الحدوس التي طالما اعتمد عليها الفلاسفة تحت مجهر الاختبار المخبري. وفي الوقت نفسه بقيت الفلسفة القارية بمشاربها الفينومينولوجية والهرمنيوطيقية والتفكيكية تشتغل بأسئلة الوجود والمعنى واللغة والسياسة بمعزل تام تقريبا عن هذا السجال. ومن هنا انبثقت الحاجة الملحة إلى مسح يعيد رسم الخريطة ويكشف عن التداخلات الممكنة بين مقاربات ظاهرها التنافر وباطنها في أحيان كثيرة التكامل (2).

يبدأ الكتاب بفصل استفزازي من توقيع أليساندرا تانسيني عنوانه ممارسة الفلسفة، تدافع تانسيني عن أن الفلسفة ليست مذهبا يبنى بل صنعة تمارس. وتفرق في هذا السياق بين تصورين. تصور عقائدي يهيمن على الفلسفة الأكاديمية اليوم يعامل الفلسفة كعلم تقريري يهدف إلى إنتاج ادعاءات صادقة حول العالم كما نجد عند ويليامسون وسيلرز وويليامز. وتصور فني يمتد من سقراط والرواقيين إلى نيتشه وفتغنشتاين وفوكو يرى الفلسفة عناية بالنفس وممارسة للعيش الجيد (3).

الجدة الحقيقية في طرح تانسيني ليست في هذا التمييز الكلاسيكي بل في التمييز الذي تبنيه بين نوعين من الصنائع، الصنائع الإنتاجية كالحذاء والطب تنتج شيئا منفصلا عن ممارستها. الحذاء غير صنعه والشفاء غير معالجة الطبيب. أما الصنائع الأدائية كالرقص والموسيقى فلا يوجد فيها منتج منفصل عن الممارسة نفسها. الرقص يوجد أثناء الرقص فقط ويختفي بانتهائه. صنعة العيش الجيد بهذا المعنى فن أدائي لا فن إنتاجي لأن الحياة لا تنتج شيئا خارجا عنها بل تعاش. ومن هنا يصبح المحرك في الفلسفة كصنعة عيش هو الحب لا الرغبة لأن الرغبة تنطفئ ببلوغ غايتها بينما الحب يستمر داخل الممارسة ذاتها (4).الثقة الفكرية بالنفس تصير عندئذ شرطا وجوديا للتفلسف، فمن يمارس الفلسفة كطريقة عيش يحتاج إلى ثقة تمكنه من إصدار أحكام أخلاقية ومعرفية والالتزام بها في الفضاء العام دون أن تشله الشكوك اللامتناهية. وهذه الثقة لا تنبع من امتلاك مهارات عفوية بل من معرفة بالمبادئ وقدرة على تقديم تعليل عقلاني للأفعال وفق النموذج السقراطي الذي يربط بين الفضيلة والمعرفة بالنفس (5)

يأتي بعد ذلك فصل نيكولاس ريشر الموسوم بالفلسفة بوصفها نسقا عقلانيا وهو فصل يعيد ترتيب الأوراق من زاوية مختلفة، يرى ريشر أن الفلسفة مشروع للتقصي العقلاني حول الأسئلة الكبرى المتعلقة بالاعتقاد الصحيح والتقييم الملائم والفعل الصائب. وهذا المشروع لا ينطلق من الصفر بل من خبرة متراكمة تجمع الحس المشترك والحقائق العلمية وآراء الخبراء والتقاليد والحكمة التاريخية. لكن هذه المعطيات ليست مقدسة ولا معفاة من النقد ولا يمكن اعتبارها معرفة يقينية لأنها تتناقض فيما بينها. ومن هنا تتحول منهجية الفلسفة عند ريشر إلى ما يشبه التحكم في الأضرار حيث تحاول إنقاذ أكبر قدر ممكن من هذه المعطيات في نسق متسق (6).

المعطيات ضرورية لكنها قاصرة.

الأسئلة الكبرى تتجاوز أفق التجربة المباشرة ولهذا لا مفر من التخمين العقلاني والمضاربة النظرية لسد الفجوات مع اشتراط أن ينسجم هذا التخمين مع المعطيات الأصلية انسجاما أقصى. والاستدلال الفلسفي هنا لا يشبه السلسلة التي تكون بقوة أضعف حلقاتها بل يشبه كما لاحظ بيرس الكابل المجدول من ألياف متعددة يشد بعضها بعضا. غاية الفلسفة إذن ليست بلوغ إجابة فريدة مطلقة بل تأمين الموقف الأقل إشكالية والأكثر تماسكا مع النسق كله (7).

ينتقد ريشر بحدة النزعة الاختزالية التي تفتخر بأنها تقتصد في افتراضاتها، يرى أن موس أوكام حين يتحول إلى فلسفة يصبح مقصلة روبسبير التي تقطع الأسئلة المشروعة قبل أن تطرح. الاختزالية في الفلسفة صفقة خاسرة لأن فهم الظواهر يتطلب استثمارا فكريا جسورا يتجاوز حدود الملاحظة الحسية الضيقة. ويشبه ريشر الفلسفة بالهندسة المعرفية الشمولية فكما لا يمكن للمهندس أن يصنع سيارة آمنة تماما لكنها بلا سرعة كذلك لا يمكن للفيلسوف أن يبني إبستمولوجيا حصينة ضد الخطأ إذا كانت ستعجز عن التمييز بين العلم والعلم الزائف (8).

الاختلاف بين الفلاسفة إذن ليس عيبا يجب استئصاله بل نتيجة حتمية لتباين الخبرات الإنسانية. فالإجابات الفلسفية تنسج من نسيج التجربة والتجربة تتغير بتغير الظرف التاريخي والثقافي والشخصي. ولهذا لا يوجد حل واحد يناسب الجميع. لكن هذا الاعتراف لا يعني السقوط في النسبوية بل يفتح الباب لنزعة سياقية تجريبية عقلانية تظل الخبرة الإنسانية فيها هي الحكم الأخير على معقولية النسق (9).

يواصل أ. و. مور هذا الخيط في فصله عن صناعة المعنى من منظور إنساني، يستلهم مور من برنارد ويليامز فكرة الفلسفة كإنسانيات لكنه يطورها في اتجاه ما يسميه بالتصور الفني للفلسفة. الفلسفة في نظره ليست كشفا سلبيا عن حقائق سابقة الوجود بل صناعة إبداعية للمعنى عبر ابتكار مفاهيم جديدة نعيش بها كمملكة الغايات عند كانط أو العود الأبدي عند نيتشه (10).

ومن هذا المنطلق يحذر مور من خطأين منهجيين شائعين:

الأول العلموية التي تستعير آليات العلوم الطبيعية وتفرضها قسرا على الحقل الفلسفي متجاهلة الفارق النوعي بين مستويي النظر. والثاني النزعة المحافظة التي عبر عنها فتغنشتاين المتأخر حين قال إن الفلسفة تترك كل شيء على حاله. مور يرى أن الفلسفة الحقة لا تكتفي بعلاج اللبس بل تقتحم وتحول وتبتكر (11).

يرصد مور مفارقة لطيفة بين التقليدين التحليلي والقاري، فمن حيث الممارسة الفعلية يبدو القاريون أقرب إلى التصور الفني الإبداعي بينما يعمل التحليليون كراسمي خرائط لبنى تجريدية مستقلة عن الفرد. لكن على مستوى الوعي بالممارسة يبدو التحليليون أكثر التصاقا بالبنية اللغوية والفهم البشري المشترك بينما يستغرق القاريون في تجريدات أنطولوجية صرفة. وينتقد مور كتاب ديريك بارفيت الأسباب والأشخاص لأنه ينتج استنتاجات أخلاقية شديدة التجريد منقطعة عن السياق الإنساني للمتلقي (12). ثم يطرح مور سؤالا حرجا. هل يمكن للتفكير الفلسفي أن يبلغ راديكالية تتجاوز فيها المركزية البشرية، يجيب بأن التفكير أبعد من الإنساني لا يمكن أن يتم إلا عبر قنوات العقل البشري وضمن حدوده. وحتى سبينوزا الذي دعا إلى الرؤية من منظور الأزلية ظل ملتزما في لبه بنزعة إنسانية صارمة حين ربط الخير والشر بنموذج الطبيعة الإنسانية. هذا الالتزام كان عنده جدارا واقيا ضد الأبعاد المظلمة في أطروحته السياسية القائلة بأن حق كل شيء يمتد بقدر ما تمتد قوته. ومن هنا يخلص مور إلى أن كل تفلسف ممارسة إنسانية تفرض على صاحبها الحذر الشديد لأنها تمس جوهر إنسانيتنا ذاتها. لا توجد نقطة أرخميدية محايدة تسمح لنا بتقييم الأنساق الفلسفية من خارج سياقنا البشري (13)يقفل الجزء الأول من الكتاب بمداخلة هيرمان كابيلين الاستفزازية عن الاختلاف في الفلسفة، يهاجم كابيلين الأطروحة التشاؤمية القائلة بأن الفلسفة حقل فاشل معرفيا لأنها لم تحقق إجماعا بعد ألفي عام من الاشتغال. ويقدم ثلاث حجج متشابكة. الحجة الأولى أن مسح فيل بيبرز الذي أجراه تشالمرز وبورجيه سنة 2009 وكشف عن تشتت مواقف الفلاسفة لا يقدم دليلا مقنعا لأنه ثابت زمنيا ولا يقارن الفلسفة بحقول قريبة منها كالاقتصاد وعلم النفس التي لو خضعت لنفس الفحص لظهر فيها تشتت مماثل (14)،الحجة الثانية أن جزءا كبيرا من الخلافات الفلسفية الظاهرة هو في حقيقته نزاعات لفظية، مصطلحات مثل المادية والإرادة الحرة تحمل عند كل فيلسوف حمولات دلالية مختلفة. ولذلك فإن غياب التقارب في الإجابات لا يعني اختلافا جوهريا بل تباينا في الأطر الاصطلاحية. وهنا يستعير كابيلين من تشالمرز نفسه أطروحته حول النزاعات اللفظية ليفكك بها إحصاءاته السابقة (15).الحجة الثالثة والأعمق تتعلق بفشل مبدأ حياد الأدلة، فالفلاسفة يختلفون في الفلسفة الأولى وهذا الاختلاف يمتد ليطال ما يعده كل منهم دليلا. من يعتنق الثنائية يعتمد شواهد تختلف عن التي يعتمدها الاختزالي المادي. من يقبل الحدوس أداة إثبات يجمع أدلة مغايرة لمن يرفضها. ولذلك يستحيل قيام حكم مشترك ومتفق عليه (16).
يضيف كابيلين وظيفة تاريخية للفلسفة قلما ينتبه إليها المنتقدون وهي وظيفة التوليد المعرفي،فحين يتقارب الفلاسفة حول حزمة من الإشكاليات ويصوغون معايير منهجية دقيقة تخرج تلك المسائل من عباءة الفلسفة لتصبح علوما مستقلة. هكذا خرج الاقتصاد وعلم النفس وعلم الاجتماع واللسانيات والبيولوجيا من رحم الفلسفة. وبالتالي فغياب التقارب داخل الفلسفة اليوم أمر بنيوي لأن كل موضوع يقارب فيه الإجماع يهاجر إلى تخصص جديد ويترك الفلسفة تحرث في المناطق المتنازع عليها (17)،ينتقد كابيلين أيضا فكرة أن الإجماع دليل نجاح معرفي،فكنيسة الساينتولوجيا مثلا تحقق إجماعا تاما بين موظفيها لأنها تطرد المخالفين. هذا إجماع مصنوع مؤسساتيا لا قيمة معرفية له. أما القيمة الحقيقية للنسبية العامة أو ميكانيكا الكم فليست في إجماع الفيزيائيين عليها بل في قوة أدلتها وحججها. ويقدم كابيلين تشبيهات ذكية للمعرفة الجماعية كالبحث عن العملة الذهبية حيث يكفي أن يعثر عليها فرد ضمن آلاف حتى يصح القول إننا وجدناها. الإنجاز الفكري ينتمي إلى الجماعة حتى وإن ظل الخلاف قائما بين معظم أفرادها (18).

مع الفصل الخامس ندخل قلب المعركة المنهجية المعاصرة.
هانس يوهان غلوك يقدم مقتربه الموسوم بالتحليل المفاهيمي غير النقي دفاعا عن الصنعة التحليلية أمام هجمات الطبيعانية. يتخذ من قضية عقول الحيوانات نموذجا تطبيقيا لأطروحته. سؤال ما هي الخصائص الذهنية التي تمتلكها فصيلة حيوانية معينة سؤال ذو شقين. شق أمبريقي عصبي وسلوكي تجيب عنه المختبرات وشق مفاهيمي يتعلق بما نضفيه على مفاهيم كالتفكير والوعي والاعتقاد والعقلانية. حتى لو استقرت كل الوقائع العصبية والسلوكية للحيوان تظل دلالتها على امتلاك العقل رهينة بكيفية تحليلنا للمفهوم ذاته (19)يرفض غلوك بديلين ميتا فلسفيين رائجين، الأول هو الميتافيزيقا الأصالية التي تدعي القدرة على اقتناص ماهيات الأشياء في ذاتها بمعزل عن مفاهيمنا وخبراتنا. والثاني هو الطبيعانية الميتا فلسفية التي تدمج الفلسفة بالكامل داخل العلم التجريبي وتلغي التمايز بينهما. ويقدم في المقابل تصوره للفلسفة كانضباط من الدرجة الثانية يتأمل في المفاهيم التي نستخدمها في العلم والحياة اليومية. الفلسفة توضح شروط تطبيق المفاهيم والعلم يفحص ما إذا كانت تلك الشروط تتحقق فعلا. والدليل على أن الاكتشافات العلمية لم تحل مشكلة الجسد الذهن ولا مشكلة حرية الإرادة بل أججت نقاشات مفاهيمية جديدة حول القرار والمسؤولية والعقلانية (20)المعرفة المفاهيمية عند غلوك ليست شيئا غامضا بل معرفة تشاركية، تشبه إتقان الرقص أو اللعب فهي صياغة وتوضيح للقواعد اللغوية والدلالية التي استدمجها الباحث خلال اكتساب اللغة والتثاقف في مجتمع مشترك. وبما أن الأسئلة الفلسفية الكبرى صيغت باللغات الطبيعية فإن أي محاولة لاستبدالها برطانة اصطناعية على طريقة كارناب أو كواين تفوت السؤال الأصلي وتقع في فخ ما أسماه الفلاسفة القدماء بجهل المسألة (21).

يستعير غلوك من ستراوسون تمييزه بين تحليلين، التحليل الذري الاختزالي الذي يفكك المفاهيم إلى عناصر أولية والتحليل الاتصالي الذي يكتفي بوصف الاستخدام المحكوم بالقواعد ويرسم شبكة العلاقات مع المفاهيم الأخرى عبر الاستلزام والافتراض المسبق والاستبعاد. ينحاز غلوك إلى الثاني لأنه يوفر مرونة أكبر دون التنازل عن الدقة (22).

ويصوغ غلوك خمسة ضوابط لما يسميه بالتحليل غير النقي.
أولها أن الفيلسوف لا يستطيع ممارسة تأمل من الدرجة الثانية على خطاب علمي دون أن يعرف مشكلاته وادعاءاته من الدرجة الأولى معرفة مباشرة. وثانيها أن الأسبقية المنهجية للمعنى لا تعني العصمة من الخطأ فحالات الخلط المفاهيمي عند العلماء تفحص حالة بحالة. وثالثها تجاوز المعضلة السقراطية في محاورة مينون فالباحث لا يحتاج إلى تعريف صارم للمفهوم لكي يبدأ البحث بل يكفيه الفهم القبلي المبني على الكفاية اللغوية. ورابعها الإقرار بمبدأ التغذية الراجعة السلوكية حيث يمكن للاكتشافات الأمبريقية أن تدفعنا إلى تعديل معاييرنا المفاهيمية. وخامسها أن الارتباط بين القدرات الذهنية واللغوية ليس مطلقا فقد تعبر الكائنات غير اللغوية عن معتقدات ورغبات بطرقها الخاصة (23).

يقف غلوك عند حالة قانون مورغان في علم النفس المقارن الذي يقول لا نفسر سلوك الحيوان بملكة نفسية عليا إذا أمكن تفسيره بملكة أدنى.
هذا القانون ليس قاعدة تكوينية بل قاعدة تنظيمية توجيهية تتقاطع فيها خيارات الإيجاز والقدرة التفسيرية والسهولة الإجرائية. ومن هنا يخلص غلوك إلى أن الفلسفة وإن لم تعد ملكة العلوم كما كانت في التقليد الأرسطي ولا قاضيا صارما كما في الكانطية والفتغنشتاينية فإنها تظل عاملا مساعدا مستقلا على الطريقة اللوكية أداة تمنع العقل العلمي من الوقوع في شرك الخلط والعمى المنهجي (24).
تنتقل بنا أمي توماسون في الفصل السادس إلى المستوى الميتافيزيقي وتطرح سؤالها الحاد. ما الذي يمكننا فعله عندما نمارس الميتافيزيقا.

تنتقد توماسون ما تسميه بالميتافيزيقا الثقيلة السائدة في أوساط الميتافيزيقيين المعاصرين والتي ترى الميتافيزيقا اكتشافا لحقائق عميقة عن العالم. تعرض هذا الاتجاه لثلاثة تهديدات إبستمولوجية. الأول غموض الإبستمولوجيا فالفلاسفة يعتمدون على تجارب ذهنية وحدوس لا دور لها في اختيار النظريات العلمية والفضائل النظرية كالبساطة تخدم القدرات المعرفية البشرية لا كشف الحقائق الأنطولوجية. الثاني الوقوع في منافسة خاسرة مع العلم كما أعلن هاوكينغ وملودينوف بأن الفلسفة قد ماتت. والثالث غياب التقارب الذي دفع بعض الفلاسفة كبريان فرانس إلى تبني شكوكية صلبة (25).

أمام هذه المآزق تعرض توماسون لمقترب مفاهيمي وصفي دافع عنه فرانك جاكسون وتبنته هي نفسها في مرحلة سابقة.
هذا المقترب يجعل الميتافيزيقا تحليلا مفاهيميا يحدد معالم المخطط المفاهيمي والقواعد الحاكمة للعبارات. مكسبه الأول تجريد الإبستمولوجيا من الغموض فحين تسأل هل الطاولات موجودة يكفيك استخدام شروط المفهوم والنظر حولك. ومكسبه الثاني تجاوز الصراع مع العلم عبر تقسيم عمل واضح. لكن هذا المقترب رغم مكاسبه يترك حالة من عدم الرضا لأنه يظهر النقاشات الميتافيزيقية كمسألة شرح لغوي ضيق ومحلي (26).

هنا تقدم توماسون خطوتها الأصلية وهي الانتقال من التحليل الوصفي إلى التحليل المعياري أو ما يسمى بأخلاقيات المفاهيم.
الفيلسوف لا يكتفي بوصف اشتغال المفاهيم بل يسائل أي مخطط مفاهيمي ينبغي لنا اعتماده وأي المفاهيم أنسب لخدمة غاياتنا الإنسانية. النزاعات الميتافيزيقية التاريخية لم تكن خلافات حول بنية موضوعية غامضة بل نقاشات براغماتية مستترة حول القواعد اللغوية والمفاهيمية التي ينبغي تطبيقها. حين يقرر مجتمع ما إدراج فعل معين تحت مفهوم التعذيب أو الإرهاب فإن ذلك يغير المواقف القانونية والأخلاقية والسياسية بشكل جذري (27).

تكشف توماسون أن ما تسميه الميتافيزيقا التقليدية بالفضائل النظرية ليس أدلة كاشفة عن العالم.
فالبساطة والقدرة التفسيرية باستثناء الملاءمة الأمبريقية ليست مؤشرات على حقائق موضوعية بل أدوات سيكولوجية تعبر عن مدى فائدة النظرية لكائنات ذات قدرات محدودة كالبشر. ومن هنا يقع الفلاسفة في مأزق المقايضة النظرية حيث يضحي فريق بالبساطة من أجل القدرة التفسيرية بينما يفعل الفريق المضاد العكس. هذا التضارب المستمر يستحيل حسمه بمقاييس معرفية محايدة (28).

يأتي بعدها فرانك جاكسون في الفصل السابع ليدافع عن التحليل المفاهيمي دفاعا معكوسا تحت عنوان العودة إلى الميتافيزيقا من على الكرسي المريح.
يبدأ جاكسون بمثال بديع. الكرسي في نظر الفيزياء جسم مليء بالفراغات وجزيئاته تبعد عن بعضها مسافات هائلة. هل الكرسي إذن صلب. الجواب يتوقف على التحليل. إن عرفنا الصلابة بأنها الكثافة المطلقة في كل نقطة فالكرسي ليس صلبا. وإن عرفناها بأنها المقاومة لاختراق الأجسام فالكرسي صلب تماما. مثال بسيط يبين أن فهم نتائج العلم ذاته يتوقف على التحليل القبلي للمفاهيم (29).

يميز جاكسون بين ثلاث درجات من التورط في التحليل المفاهيمي.
الدرجة الأولى وهي الاستعمال البديهي للمفاهيم حيث لا يستطيع أي عالم مهما كان طبيعانيا أن يبدأ بحثه دون فهم مسبق للمفاهيم التي يشتغل عليها كمفهوم الجاذبية أو المجال المغناطيسي. والدرجة الثانية تظهر عند أسئلة الوجود حيث الإعلان عن أن كينونة ما نوع طبيعي لا يحل المشكلة كما يبين مصير الأثير المضيء الذي طرد من العلم رغم تصنيفه سابقا كذلك. أما الدرجة الثالثة وهي التحليل الشامل فتفصح عن قدرة العقل الاستدلالية من على الكرسي المريح حيث تُحدد خصائص معينة قبلية خصائص أخرى معقدة في العالم (30).

يعرف جاكسون الخصائص المعينة قبليا بأنها الخصائص التي نحصل عليها بإجراء عمليات فكرية على البيانات دون الحاجة إلى خروج ميداني.
يقدم ثلاثة أمثلة توضيحية. حساب فقاعات أسعار المنازل من بيانات الأسعار والأجور وحساب طاقة الحركة عبر الصيغة الرياضية وحساب الكثافة من قسمة الكتلة على الحجم. الكتلة والحجم بيانات أمبريقية لكن الكثافة كخاصية نتاج عملية عقلية استدلالية. هذه العمليات هي التي تمنح العلم قدرته على رصد الأنماط المشتركة والتنبؤ (31).

يرفض جاكسون بحدة الأطروحة الكواينية التي حاولت إلغاء التمييز بين القبلي والبعدي.
يرى أنها تخلط بين مسارين مختلفين ولا تنتبه إلى أن الاستدلال المفاهيمي هو ما يمنح العلم إطاره التفسيري. ويقدم قراءة نقدية لموقف دانيال دينيت الأداتي حول القصدية حيث يوافق دينيت على أهمية الموقف القصدي لكنه يرفض اختزاله في مجرد آلية تفسيرية بل يعتبره تعبيرا عن حالة واقعية تتطابق فيها البنية المنطقية للتحليل مع الوقائع السببية (32).

الرد الحاسم على جاكسون يأتي مباشرة في الفصل الثامن مع هيلاري كورنبليث،يقدم كورنبليث تحت عنوان منهجية طبيعانية هجوما راديكاليا على تقليد الكرسي المريح كله. يجادل بأن الفلاسفة الذين يفككون مفاهيمهم الخاصة أو حدوسهم اللغوية العادية لا يدرسون في الحقيقة الواقع الخارجي بل يدرسون ظواهر سيكولوجية داخل رؤوسهم. الإبستمولوجيا لا ينبغي أن تنشغل بمفهومنا عن المعرفة بل بالمعرفة ذاتها بوصفها نوعا طبيعيا موجودا في العالم يشترك فيه البشر مع الكائنات الأخرى (33).

يدعو كورنبليث إلى إدماج الفلسفة في العلوم الإدراكية وعلم النفس التجريبي والبيولوجيا التطورية،الإجابة عن كيف نعرف تتطلب فحصا مخبريا لاشتغال الدماغ وآليات الإدراك الحسي وحدود الذاكرة وموثوقية العمليات العصبية. الأدلة المشروعة هي الأدلة القابلة للقياس لا الحدوس الذاتية. ويقدم كورنبليث نقدا مباشرا لركيزة الاستبطان مستحضرا دراسات نيسبيت وتيموثي ويلسون الشهيرة التي أثبتت أن الإنسان كثيرا ما يقع في فخ السرود الوهمية حيث يبتكر تبريرات عقلانية زائفة لأفعال تحركها في الواقع عوامل بيئية خفية. المشاركون في تجارب اختيار المنتجات يبررون اختيارهم بجودة اللون أو الصنع بينما السبب الحقيقي هو الموقع المكاني للمنتج على الرف (34).

يشبه كورنبليث حجته بأن الاعتماد على الكفاية اللغوية للحكم على ماهية المفاهيم كمن يظن أن قدرته على التمييز البصري السريع بين القطط والكلاب تعني أنه يمتلك معرفة علمية باطنية بجيناتها وبيولوجيتها.
هذا الخلط بين القدرة التداولية والوعي الإبستمولوجي هو ما يجعل الفلاسفة يبنون نظريات على أوهام عقلية. ويوضح أن دراسة المعرفة كنوع طبيعي تشبه دراسة الألومنيوم أو الجاذبية لا أحد يدرسها بفحص القواميس بل بالنزول إلى المختبر (35).

يرد كورنبليث على تهمة إلغاء البعد المعياري.
فالطبيعانية لا تلغي المعيارية بل تقومها. لا معنى لصياغة قواعد تفكير طوباوية تعجز البنية الإدراكية للبشر عن تحقيقها. المعيارية الطبيعانية تشبه معيارية الطب فالطبيب لا يوصي بنظام غذائي دون أن يدرس أولا الفسيولوجيا الحقيقية للجسم. القيمة المعرفية للفلسفة المعاصرة تنبع من تفاعلها الإيجابي مع الذكاء الاصطناعي وفيزياء الكم وعلم الأعصاب لا من انعزالها في برج عاجي (36).
يمد جوناثان وينبرغ في الفصل التاسع هذا الخط النقدي ليصل به إلى منطقة أكثر دقة تحت عنوان ما فائدة الفلسفة التجريبية السلبية.

يقدم وينبرغ مصطلحا بديلا لكلمة الحدوس التي كثر الجدل حولها فيسميها الأدوات الفلسفية البشرية. الفلسفة التحليلية تعتمد على قدرتنا في مواجهة المواقف الحقيقية أو المتخيلة على إصدار أحكام هذه الأدوات بشكل مستقل عن النظريات. لكن هذه الأحكام لكي تصلح كأدلة يجب أن تكون مستقلة عن نظرياتنا المفضلة وألا تتأثر بعوامل غير ذات صلة بتتبع الحقيقة (37).
يصوغ وينبرغ ما يسميه بالتحدي التقييدي عبر ثلاثة أركان.
الركن الأول جسد الأدلة الأمبريقية الذي يثبت أن أحكام هذه الأدوات حساسة لعوامل بيئية سياقية كترتيب عرض الحالات ونوع الخط المطبوع به السؤال وعرق المستجوب ونوع شخصيته. الركن الثاني دعوى ميتا فلسفية تؤكد أن هذه العوامل بعيدة كل البعد عن الحقائق التي تتوق الفلسفة إلى الوصول إليها. والركن الثالث حجة استدلالية تنقل التنبؤ بوجود هذه الأخطاء من عينات الطلاب في المختبرات إلى مجتمع الفلاسفة المحترفين (38).

يتصدى وينبرغ لدفاع الخبرة الذي قدمه فلاسفة كويليامسون وهيلز.
هؤلاء يدعون أن التدريب الأكاديمي يمنح الفلاسفة درعا واقية من هذه الأخطاء السياقية. لكن هذا الدفاع كما يبين وينبرغ ادعاء أمبريقي لا يمكن حسمه من داخل الكرسي المريح بل يحتاج إلى فحص تجريبي. والدراسات التي أجريت فعلا على الفلاسفة المحترفين دحضته وأثبتت أنهم يتأثرون بنفس المؤثرات (39).

يستحضر وينبرغ مفهوم المطالبة المعرفية الذي طورته جينيفر نادو للرد على من يخشى أن تجرف الطبيعانية معها الحياة اليومية كلها في تيار الشك.
فالاستدلال الفلسفي محكوم بنظرية تفسيرية تسعى نحو كليات معرفية غير مستثناة مما يجعل معاييره أكثر تطلبا من معايير الحياة اليومية. الشخص العادي يمكن أن يعمل بمعدل نجاح ثمانية عشر من عشرين في أحكامه اليومية لكن بناء نظرية فلسفية على معدل كهذا يقود إلى نظرية خاطئة. المعايير الفلسفية أعلى ولذلك فإن كشف نسبة أخطاء بسيطة قد يكون كافيا لإسقاط الأدلة الفلسفية (40).

يميز وينبرغ بين موثوقية الحدوس أي معدل إصابتها للحقيقة وبين الأمل المعرفي أي توفر الأدوات اللازمة لرصد الأخطاء وتصحيحها.
عيب الكرسي المريح ليس بالضرورة في انعدام موثوقيته بل في افتقاره التام لأدوات الأمل. الأخطاء الديموغرافية والسياقية التي رصدتها الفلسفة التجريبية أخطاء لا واعية لا يمكن للاستبطان أن يكشفها. ولهذا فإن الفلسفة التجريبية السلبية ليست بديلا عن الفلسفة بل أداة تطهير وتصحيح تتيح للتقدم أن يمضي عبر ما يسميه بيرغسون وغيره بالطريق السلبي. حين نطهر النقاش من الحدوس الفاسدة تنفتح الطريق تلقائيا أمام النظرية الأكثر اتساقا (41).

مع الفصل العاشر ينفتح الجزء الثالث من الكتاب على مقاربات أوسع تحت مظلة التعددية التخصصية.
روبرت هانا يقدم في هذا السياق فصله المكثف عن ميتافيزيقا تغيير الحياة والأنثروبولوجيا العقلانية. يعرف هانا الفلسفة الأصيلة بأنها إعادة صياغة تحررية وراديكالية للفلسفة النقدية الكانطية بشقيها النظري والعملي في الأفق المعاصر. غاية الفلسفة ليست تفسير العالم بل إحداث تنوير راديكالي يغير حياة الفرد أولا ثم يغير العالم عبر أفعال حرة وملتزمة أخلاقيا (42).

يقدم هانا أطروحة استفزازية تنفي وجود تمايز جوهري بين الفلسفة المعاصرة وتاريخ الفلسفة.
كل عمل فلسفي أصيل محاولة لقول شيء كوني حول الشرط الإنساني بغض النظر عن زمن كتابته. ومؤرخ الفلسفة المحترف هو في صلب الممارسة الفلسفية الراهنة لا خارجها. ومن هنا يميز بين الأعمال الفلسفية والنظريات الفلسفية معتبرا أن فئة الأعمال أوسع فالنظرية تنشغل بالبناء المفاهيمي بينما يقدم العمل الفلسفي رؤية كلية مشحونة بالقوة المعيارية يمكن أن تتحقق حتى في الأعمال السينمائية والموسيقية والشعرية إذا استوفت شروط العمق الوجودي. ما يسميه هانا بالتشكل الهيلومورفي التعبيري وبالتعددية الشكلية (43).

ينتقد هانا تيارين مهيمنين في المشهد المعاصر.
الأول ما يسميه بالصورة القياسية للفلسفة التحليلية التي تحصر الكتابة الفلسفية في قالب المقال الأكاديمي الصارم مما يحول الفكر إلى تمرين جاف لإنتاج مفاهيم فارغة. والثاني النزعة الطبيعانية العلموية التي تختزل التجربة الإنسانية الحية في وقائع فيزيائية جافة. ويطرح في المقابل ميتافيزيقا حقيقية ذات وجه إنساني تنطلق من المعطى الأولي للتجربة الواعية والأخلاقية والقصدية وتُقصي منهجيا النومينا الكانطية باعتبارها غير قابلة للمعرفة (44).
يشرح هانا آلية الاختطاف الكانطي أو الاستدلال نحو التفسير الأفضل الذي يسميه التفسير الترانسندنتالي.
هذا المنهج لا يشتغل بالاستقراء التجريبي البسيط بل عبر المحاجة الشرطية الافتراضية التي تكشف كيف تشكل المبادئ القبلية للفهم البنية الأساسية للكون المعاش. ويمتد هذا التصور إلى أفق سياسي راديكالي حيث يقود مبدأ الشجاعة في استخدام العقل الخاص إلى ما يسميه هانا بالأنارشية الكوزموبوليتانية الكانطية الوجودية التي ترفض الآلية المؤسساتية للدولة (45).

من هانا إلى دأورو المحررة نفسها،تقدم في الفصل الحادي عشر قراءة معمقة لميتا أنطولوجيا كولينجوود المثالية. تدافع دأورو عن أن الأسئلة الميتافيزيقية ليست محاولات لاكتشاف كائنات خفية بل انعكاس من الدرجة الثانية يفحص ما يسميه كولينجوود بالافتراضات المسبقة المطلقة التي تشكل الشرط الأساسي لإمكان أي خطاب معرفي (46).

تميز دأورو بين مستويين من الممارسة.
الأول العلاج الفلسفي على طريقة فتغنشتاين المتأخر الذي يوضح المفاهيم لمنع الخلط دون ادعاء بناء معارف تقريرية. والثاني ما تسميه بالعلم الأكاديمي المريح حيث يحاول بعض فلاسفة الكرسي المريح معاملة الفلسفة كعلم منافس للفيزياء يدعي القدرة على صياغة حقائق أنطولوجية عبر الحدوس المحضة. الافتراضات المسبقة المطلقة عند كولينجوود ليست ادعاءات خاضعة للصدق أو الكذب الأمبريقي بل قواعد تكوينية تشبه قواعد الألعاب. افتراض أن كل حدث له علة أو أن الطبيعة منظمة ليس قابلا للتحقق التجريبي بل هو ما يجعل لعبة العلم ممكنة أصلا (47).
ترد دأورو على النزعة الطبيعانية الراديكالية التي مثلها كورنبليث.
ترى أن هذا الهجوم ينبع من عقدة نقص فلسفية تجاه نجاعة العلوم في حين أن التحليل المثالي يثبت أن العلوم ذاتها في أعلى مستويات نجاعتها تظل مسبوقة بافتراضات ميتافيزيقية قبلية لا تملك العلوم أدوات فحصها. الفلسفة إذن ليست منافسا خاسرا للعلم بل شرط إمكانه (48).

مع الفصل الثاني عشر ينتقل الكتاب إلى محور البراغماتية.
روبرت ب. تاليس يحلل في فصله علاقة البراغماتية بحدود الميتا فلسفة. يرصد ظاهرة أسماها بالتحول الميتا فلسفي المفرط التي تهيمن على البراغماتية المعاصرة خاصة في نسختها الرورتية. البراغماتيون الكلاسيكيون كبيرس وجيمس وديوي كانوا يواجهون المشكلات الواقعية والسياسية والأخلاقية مباشرة. أما البراغماتيون المعاصرون فينزلقون سريعا إلى نقاشات الدرجة الثانية حول ماهية التفلسف وإعلان موت الفلسفة الكلاسيكية مما يحول تيارهم إلى خطاب منغلق على ذاته (49).

يقدم تاليس بديلا يسميه بالبراغماتية الميتا فلسفية الدنيا.
هذه البراغماتية تجرد نفسها من ادعاءات إنهاء الفلسفة أو تفكيك الميتافيزيقا وتكتفي بأن تكون منهجية مرنة تركز على فحص النتائج العملية للأفكار. القيمة الحقيقية لهذا المقترب تكمن في قدرته على خدمة العمل الديمقراطي وإدارة الصراع الأخلاقي داخل المجتمعات التعددية. الديمقراطية لا تحتاج إلى تبرير ميتافيزيقي متعالٍ بل إلى إبستمولوجيا اجتماعية تضمن تبادل الحجج بين مواطنين يحملون تصورات أخلاقية متضاربة. الفلسفة تصبح فضاء تداوليا يسهل العيش المشترك (50).

أما ديفيد ماكارثر فيقدم في الفصل الثالث عشر أطروحة السكوتية الميتافيزيقية والحياة اليومية.
يعرف السكوتية بأنها مقترب ميتا فلسفي يرفض إقامة نظريات أنطولوجية تقريرية وينظر إلى المعضلات الفلسفية باعتبارها سوء فهم لآليات اللغة يعالج بالتوضيح الدلالي لا ببناء المذاهب. الفلسفة السكوتية مستلهمة من فتغنشتاين المتأخر وترى أن الغاية الوصول بالعقل إلى حالة من السكوت والرضا المعرفي عبر إظهار أن كثيرا من مشكلاتنا الميتافيزيقية اختراعات لغوية (51).

يتبنى ماكارثر ما يسميه بالنزعة الطبيعية الليبرالية،هذه النزعة توسع مفهوم الطبيعة لتستوعب الأبعاد المعيارية والأخلاقية والجمالية دون اختزالها في وقائع فيزيائية. الأخلاق والقيم والفن ممارسات طبيعية حقيقية داخل الحياة اليومية ولا تحتاج إلى ميتافيزيقا ثقيلة لتبرير وجودها. المعضلات الفلسفية تولد غالبا حين يستعير الفلاسفة نموذج التفسير العلمي السببي ويطبقونه قسرا على حقول المعنى فيبحثون عن علل خفية وراء مفاهيم كالوعي والعدالة. السكوتية تدعو إلى الكف عن التفسير والالتزام بالوصف والتوضيح داخل السياق الطبيعي للغة (52).

يختم الكتاب بفصل روبرت بيرسي الرابع عشر عن ميتافلسفة الانقسام التحليلي القاري من التاريخ إلى الأمل.
يجادل بيرسي بأن هذا الانقسام ليس خلافا حول قضايا مذهبية بل أزمة ميتا فلسفية ترتبط بكيفية تصور كل تقليد لعلاقة الفلسفة بتاريخها. التقليد التحليلي يستعير نموذجا علميا يعامل المشكلات باعتبارها قضايا قائمة بذاتها يمكن حلها بمعزل عن سياقها التاريخي. أما التقليد القاري فيرى أن الفلسفة وتاريخها صنوان لا يفصل بينهما (53)، يرصد بيرسي مفهوم المفارقة الزمنية المنهجية الذي وقع فيه التقليد التحليلي، هذا التقليد تعامل مع الفلاسفة الأموات كمعاصرين لنا يطرح عليهم أسئلتنا الراهنة دون احتفاء بسياقهم الأصلي وهو ما أسماه بيرسي بالدوكسولوجيا. وإن كان هذا التناول شحذ الحجج فإنه أسقط الفوارق الجوهرية بين الأطر المفاهيمية عبر التاريخ. في المقابل انزلق بعض القاريين إلى نزعة تاريخية أرشيفية تحصر العمل الفلسفي في قراءة النصوص الماضية دون اشتباك مع الأسئلة الراهنة (54).

يذكرنا بيرسي بأن هذا الاستعصاء ليس نظريا محضا بل نتاج آليات سوسيولوجية ومؤسساتية، الأقسام الأكاديمية سواء في الفضاء الإنجلو أمريكي أو الأوروبي القاري تولت عبر العقود صناعة كانون فلسفي مغلق يحدد عبر شروط التوظيف ونوعية المجلات وطرق منح الدرجات ما يعد فلسفة حقيقية وما هو خارجها. القطيعة إذن جدار سوسيولوجي سميك لا مجرد تباين نظري (55).المخرج عند بيرسي هو ما يسميه بميتا فلسفة الأمل مستلهما من ريتشارد رورتي ومن الفيلسوف القاري بول ريكور.، قراءة تاريخ الفلسفة عند هذين المفكرين ليست ترفا أرشيفيا ولا تقديسا للماضي بل آلية توليدية لإعادة بناء الأسئلة وفك تجميد السجالات الراهنة. ريكور تحديدا يزاوج بين هرمنيوطيقيا الشك التي تفكك النصوص وتكشف خلفياتها وهرمنيوطيقيا الاستعادة التي تعيد بناء الحجة لاستنباط معانٍ جديدة. هذا المزيج يتيح للباحث التحليلي والقاري على السواء استخدام التراث الفكري كأداة حية لا كأرشيف جامد (56).

في نهاية هذا التطواف يبدو أن الكتاب لا يقدم إجابة واحدة عن سؤال ما الفلسفة بل يقدم مسحا صادقا للحيرة التي تلف الفلسفة المعاصر، .بين تانسيني التي ترى الفلسفة صنعة أدائية وريشر الذي يراها هندسة معرفية شمولية ومور الذي يراها صناعة للمعنى وكابيلين الذي يرى الاختلاف قدرها الحتمي وغلوك الذي يدافع عن التحليل المفاهيمي وتوماسون التي تنقله من الوصف إلى المعيار وجاكسون الذي يعيده إلى الكرسي المريح وكورنبليث الذي يخرجه إلى المختبر ووينبرغ الذي يفحصه بالتجربة السلبية وهانا الذي يوجهه نحو التحرر الوجودي ودأورو التي تعيده إلى الافتراضات المطلقة وتاليس الذي يجرده من ادعاءاته الميتا فلسفية وماكارثر الذي يسكته أمام الحياة اليومية وبيرسي الذي يرأب صدع الانقسام الكبير عبر الأمل. يتشكل أمامنا مشهد متعدد الأصوات لا يمكن اختزاله في مذهب واحد.

ولعل درس الكتاب الأعمق هو أن الاختلاف المنهجي في الفلسفة ليس عرضا مرضيا يستوجب العلاج بل هو الوجه الصحي لحقل معرفي حي يواصل مساءلة ذاته وأدواته في زمن لم تعد فيه الحدود بين العلم والفن والسياسة والحياة اليومية بتلك الصرامة القديمة. الفلسفة لم تعد ملكة العلوم كما شاء أرسطو ولم تعد قاضيا كما شاء كانط لكنها لم تفقد صنعتها بعد. لا تزال تشتغل بما لا يشتغل به غيرها وهو فحص الشروط التي تجعل المعرفة والقيمة والفعل ممكنة أصلا. ولعل هذا وحده كاف لكي نستمر في ممارستها.

الهوامش

1 مقدمة المحررين جوزيفينا دأورو وسورين أوفيرغارد الصفحات 1 إلى 12

2 مقدمة المحررين الصفحات 1 إلى 12

3 الفصل الأول ممارسة الفلسفة أليساندرا تانسيني الصفحات 13 إلى 31

4 الفصل الأول ممارسة الفلسفة الصفحات 13 إلى 31

5 الفصل الأول ممارسة الفلسفة الصفحات 13 إلى 31

6 الفصل الثاني الفلسفة بوصفها نسقا عقلانيا نيكولاس ريشر الصفحات 32 إلى 43

7 الفصل الثاني الفلسفة بوصفها نسقا عقلانيا الصفحات 32 إلى 43

8 الفصل الثاني الفلسفة بوصفها نسقا عقلانيا الصفحات 32 إلى 43

9 الفصل الثاني الفلسفة بوصفها نسقا عقلانيا الصفحات 32 إلى 43

10 الفصل الثالث صناعة المعنى من منظور إنساني أ. و. مور الصفحات 44 إلى 55

11 الفصل الثالث صناعة المعنى من منظور إنساني الصفحات 44 إلى 55

12 الفصل الثالث صناعة المعنى من منظور إنساني الصفحات 44 إلى 55

13 الفصل الثالث صناعة المعنى من منظور إنساني الصفحات 44 إلى 55

14 الفصل الرابع الاختلاف في الفلسفة منظور متفائل هيرمان كابيلين الصفحات 56 إلى 74

15 الفصل الرابع الاختلاف في الفلسفة منظور متفائل الصفحات 56 إلى 74

16 الفصل الرابع الاختلاف في الفلسفة منظور متفائل الصفحات 56 إلى 74

17 الفصل الرابع الاختلاف في الفلسفة منظور متفائل الصفحات 56 إلى 74

18 الفصل الرابع الاختلاف في الفلسفة منظور متفائل الصفحات 56 إلى 74

19 الفصل الخامس التحليل المفاهيمي غير النقي هانس يوهان غلوك الصفحات 77 إلى 100

20 الفصل الخامس التحليل المفاهيمي غير النقي الصفحات 77 إلى 100

21 الفصل الخامس التحليل المفاهيمي غير النقي الصفحات 77 إلى 100

22 الفصل الخامس التحليل المفاهيمي غير النقي الصفحات 77 إلى 100

23 الفصل الخامس التحليل المفاهيمي غير النقي الصفحات 77 إلى 100

24 الفصل الخامس التحليل المفاهيمي غير النقي الصفحات 77 إلى 100

25 الفصل السادس ما الذي يمكننا فعله عندما نمارس الميتافيزيقا أمي توماسون الصفحات 101 إلى 121

26 الفصل السادس ما الذي يمكننا فعله عندما نمارس الميتافيزيقا الصفحات 101 إلى 121

27 الفصل السادس ما الذي يمكننا فعله عندما نمارس الميتافيزيقا الصفحات 101 إلى 121

28 الفصل السادس ما الذي يمكننا فعله عندما نمارس الميتافيزيقا الصفحات 101 إلى 121

29 الفصل السابع العودة إلى الميتافيزيقا من على الكرسي المريح فرانك جاكسون الصفحات 122 إلى 140

30 الفصل السابع العودة إلى الميتافيزيقا من على الكرسي المريح الصفحات 122 إلى 140

31 الفصل السابع العودة إلى الميتافيزيقا من على الكرسي المريح الصفحات 122 إلى 140

32 الفصل السابع العودة إلى الميتافيزيقا من على الكرسي المريح الصفحات 122 إلى 140

33 الفصل الثامن منهجية طبيعانية هيلاري كورنبليث الصفحات 141 إلى 160

34 الفصل الثامن منهجية طبيعانية الصفحات 141 إلى 160

35 الفصل الثامن منهجية طبيعانية الصفحات 141 إلى 160

36 الفصل الثامن منهجية طبيعانية الصفحات 141 إلى 160

37 الفصل التاسع ما فائدة الفلسفة التجريبية السلبية جوناثان وينبرغ الصفحات 161 إلى 184

38 الفصل التاسع ما فائدة الفلسفة التجريبية السلبية الصفحات 161 إلى 184

39 الفصل التاسع ما فائدة الفلسفة التجريبية السلبية الصفحات 161 إلى 184

40 الفصل التاسع ما فائدة الفلسفة التجريبية السلبية الصفحات 161 إلى 184

41 الفصل التاسع ما فائدة الفلسفة التجريبية السلبية الصفحات 161 إلى 184

42 الفصل العاشر ميتافيزيقا تغيير الحياة الأنثروبولوجيا العقلانية روبرت هانا الصفحات 185 إلى 210

43 الفصل العاشر ميتافيزيقا تغيير الحياة الصفحات 185 إلى 210

44 الفصل العاشر ميتافيزيقا تغيير الحياة الصفحات 185 إلى 210

45 الفصل العاشر ميتافيزيقا تغيير الحياة الصفحات 185 إلى 210

46 الفصل الحادي عشر ميتا أنطولوجيا كولينجوود المثالية جوزيفينا دأورو الصفحات 211 إلى 228

47 الفصل الحادي عشر ميتا أنطولوجيا كولينجوود المثالية الصفحات 211 إلى 228

48 الفصل الحادي عشر ميتا أنطولوجيا كولينجوود المثالية الصفحات 211 إلى 228

49 الفصل الثاني عشر البراغماتية وحدود الميتا فلسفة روبرت ب. تاليس الصفحات 229 إلى 248

50 الفصل الثاني عشر البراغماتية وحدود الميتا فلسفة الصفحات 229 إلى 248

51 الفصل الثالث عشر حول السكوتية الميتافيزيقية والحياة اليومية ديفيد ماكارثر الصفحات 249 إلى 273

52 الفصل الثالث عشر حول السكوتية الميتافيزيقية والحياة اليومية الصفحات 249 إلى 273

53 الفصل الرابع عشر ميتافلسفة الانقسام التحليلي القاري من التاريخ إلى الأمل روبرت بيرسي الصفحات 274 إلى 292

54 الفصل الرابع عشر ميتافلسفة الانقسام التحليلي القاري الصفحات 274 إلى 292

55 الفصل الرابع عشر ميتافلسفة الانقسام التحليلي القاري الصفحات 274 إلى 292

56 الفصل الرابع عشر ميتافلسفة الانقسام التحليلي القاري الصفحات 274 إلى 292

Related posts
تربية وتعليمفلسفة

فصل المقال فيما بين الرياضة والسياسة من اتصال !

ترجمةغير مصنففلسفة

روبرت حسن: كيف غيّرت الكتابة وعي نيتشه

ترجمةفلسفة

الماركسية وأزمة الرأسمالية

تربية وتعليمعامةفلسفة

وحدانيَّة التسلُّط

Sign up for our Newsletter and
stay informed