نور الدين ضِرَار
———————————
-1-
هو “وديع أزمانو” باسمه المثبت في سجله المدني بهوية كائن مسالم.. أو هو “وديعُ زمانِه” بمرادفه، كما يحلو لي أن أسمّيه، في مجازه الحياتي بهوية شاعر غير مهادن.. وإن كان هو نفسه بطبعه الإشكالي المشوّش عادة ما يقول عن نفسه:
“لأني لستُ اسما،
ولأن العدم مجالي الحيوي،
ضجرتُ بالله وبالناس
وعبدتُ عماي..”.
عرفته قبل عقد من الزمن فتى يافعا بحجم بذرة شاعر حالم خجول يتهيب نشر شعرياته الأولى، فقدرت مدىتهيبه بكل هذا الخجل، وراعيت ميله للاشتغال على مهل قبل أن يصير منجز متنه بين أيدينا بكل هذا الغنى والتنوع باقات قصائد بيناعة الشباب وحقل سنابل بخضرة الحياة..
هو القادم من أقصى تُخوم الفلسفة والتأمّل بما يؤهّله لاستشراف أفق شعريّ مغاير، بعمقِ نظر ورؤية ورسوخِ تَبَصّرٍ ورَوِيّة، لِتَتَأتّى لنا فصولُ شَرِّهِ هنا بمساحات نصيّة مطوّلة مُراوِحَة بين قوة عقل وهشاشة روح، في شكل مزيج من فلذات فكر وخلجات شعر، وذلك بما يَرومه على أرضه البكر من فصول ومواسم لتفتيق أكثر من زهرةٍ يانعة من جَوف اليباس، ونصب أكثر من واحة ظليلة بهجير الجحيم..
تتشكل “فصول مملكة الشر” من التماعات روحيّة فيّاضة، تقف أحيانا على حدود فواصل شذرية واصلة بين أنفاس مقطعية متعاقبة، وأحيانا تأخذنا في سَفرٍ استقصائيّ عبر منعرجات سٍيرِيّة مفضية لعوالم زاخرة بأعلام عظيمة من تاريخ الفكر الإنساني العظيم..
كل ذلك بأسلوب شعري مكثف، وحس إبداعي متفرد، يجمع فيهما عمق الرؤية بجمالية التعبير، بما ينسجم مع تصوره في التطلع لنوع من التمثل الشعري النوعي لتجاذبات الذات والواقع خارج القوالب المنمطة والأشكال الجاهزة..
“ضاجّاً بالطريق وظلمتي أجلو عين الزمن وأغور، محفوفاً بشوقي ومبتهجاً بالآلام أتغوّل، منخطفاً بالخسارة ولائذاً بالعتمة أتناسل، ساحقاً هدير السماء ماحقا ً خارطة الأكوان، أزرع يأسي، قناعتي، مم يقنع بالنار يشعلها في حطب الجسد وسيخر من الرؤية..”
-2-
في “فصول مملكة الشر” يميل وديع ازمانو إلى أن يتمثل نفسه وجها آخر في حياته الخاصة خِلافَ صورته السائدة في حياته العامة.. هو هنا شاعر يكتب قصائده بطوباوية متصدعة، إذ يمتاحها حبرا من دم القلب ونسغ الأرض، ويلهج بها سِرّاً حيثما اتفق، على موائد الحانات المعتمة، وبين أجراف الشواطئ الصخرية المهجورة، وأفياء الغابات المخضوضرة الهادئة، وأحيانا أبعد من مهامه البراري الموحشة بأقصى نقطة من ذاته، باعتبارها وحدها التي تشكل “النقطة العليا” لتوليف الأضداد على هوامش هذا العالم السفلي المرتاب..
“غربتي اغتراب مقيم، لا وطن يلملم تشتتي، لا امرأة تستضيف جموحي، لا ولد يحررني من ورطتي، ولا غربة تليق بي..”
هنا بالتحديد، لا يفتأ ” وديع زمانه ” يكتب شقاءَ وعيه في عالمه السفلي بمزاجٍ مُشوَّش حادّ، ولغةٍ مُوارِبَة متعالية، مَشُوبَةٍ بطهرانيّةِ صُعلوكٍ مُتَحَدِّر من شجرة أنسابه اللعينة.. هو المتورط دوما في تشابُكِهِ بكل عناد مع أعتى إشكالاتِ الوجود وأدقِّ اختلالات الزمن، مجهدا نفسه للانفلات عبثا من مطبة اللامعنى وعبثية الحياة..
هو العبثي المشاغب حتى في تطلعه المنبهر بوجوه يستقدمها من مشارب وأنساق معرفية متجاورة، وأزمنة وجغرافيات متباعدة، ليقدمها لنا هنا بهالاتها السماوية القدسية وأمزجتها الفكرية القلقة، متلبسة بمسحتها الصوفية العاهلة، بدءا من الحلاج والسهروردي والمعري والبسطامي وأبي نواس وابن الفارض إلى تولتستوي ورامبو وفان غوغ وكافكا والسياب ودنقل.. وبصحباتهم جميعا، لم يكن يتوانىز في أن يستدفئ حتما بجمر الكتابة في كل صقيع، ويستضيءَ دوما بنور القلب المشحون بزرقة البحار وضوء النهار في كل ليل طويل..
“هذا الليل طويل: يتلألأ مذ كنت بين الماء والطين، مذ كنت بين زفرة تتعالى وشهقة تدنو، مذ كنت والخالق والمخلوق وجلوت بالأهداب سقطة القلب، مذ حملت جناح الغراب ومسحة دمعة في عين الأرق، مذ سرجت الطريق نحو هاوية وأضأت السراج، مذ أخذت نقطة كي لا تفيض كأس وتنصدع الدائرة، مذ جست في الأسماء وجملت حزن الملائكة، مذ غصت في وقفة وحملت على الأكتاف صخرة نازفة..”
-3-
هكذا، تولد القصائد بين يديه متوثبة خارج قماط القهر وكفَنِ الوأد، بكامل عنفوانها المتمرد بلغتها العارية، وتمام يفاعتها المستفزة بانزياحاتها المدهشة.. لذلك، كان لنا أن نفكر في تجميعها ونشرها هنا تجاوبا مع رغبة لفيف من الأصفياء في تثمين نصوصه كتجربة شعرية جديرة بإدراجها في حيز التداول والإنصات..
لعلها بادرة صداقة بمقتضى محبة مكفولة للشعر أكثر منها محبة موقوفة على الذات الشاعرة لذاتها، لذلك تبقى قابلة هنا لأخذها في بعض مناحيها على محمل الإدانة لواقع ثقافي مختل محكوم بأعراف القبيلة، وهي تنصب كل يوم في باحاتها العامة مشانق للشعراء الملاعين، وعلى وقع قصائدهم المنسية ترمي بجثامينهم كل مرة في حرائق ملتهبة من صحائفهم السوداء.. حتى لكأنه من بينهم الشاهد الذي باسمهم يقول:
“كنّا إذا نزلنا بقبيلةٍ تَجُوع
وزّعنا أنفاسنا على المضارب
سلخنا جلودنا
وهيّأنا الثريد
في مائدة من الضلوع
ومن دمعنا أشعلنا سماء من الدموع..
انسجاما مع هذا التصور لواقع الحال، لم يكن لنا في غمرة الانتشاء بنفحات أجوائه المسكرة سوى أن نتواطأ في غفلة منه على اختلاس هذه القصائد الآثمة، عسانا نوقد بها جذوة الشعر ولو في بعض من “فصول الشر”، ثم نجلس على قارعة الليل نتهجى على هزيع ضوئها أبجديات هذه الطروس المتبقية من تناصات قديمة، لننتهي إلى أن نجمع أمرنا سرا على نشرها دونما سابق ترتيب أو استئذان..
-4-
في هذا السياق يأتي ديوانه “فصول مملكة الشر” بمثابة عمل افتتاحي توثيقا لانطلاقته الفعلية في درب النشر، وتتويجا في نفس الوقت لتجربته المغرقة في طقوس الكتابة، هو المعتكف فيها منذ فترة غير يسيرة بطوباويته المتصدعة اعتمادا على إدراك معرفي عميق وحس جمالي عال.. مما كرس قناعتنا به من خلال نصوص هذه الأضمومة بصورة الشاعر الشغوف بشغب الحياة، وقد رام أن يعيشها فوضى خلاقة بجنون حكيم، ويكتبها برؤى عصية عن التنميط، كما لو أنه من نطفة سلالة منقرضة في انبعاث جديد..
“لمّا لم أستطع أن أكون عبدا،
توضّأتُ بالدّم
وصَلّيتُ ركعتين فوق سجّادة العدَم”
هو ذا، كما يتبدّى بمثاليته الفجة وهو ينفكّ من نثرية يومياته الصاخبة بمثل هذا الانغمار الهادئ بالشعر، إكسيره المسكر بسلافة الحلم، ومناط انشغاله الدؤوب في تصريف ليلياته العارمة بكل هذه الشحنة الهائلة التي يقتدها من صمت العالم قصيدة بعد قصيدة، ليجعل منها فسحته الهادرة بأسئلته الوجودية الحارقة..
على هذا المنوال، يستنزف نفسه في تحويل الليل إلى نهار، ولو ببصيص من شمس مطفأة، وتمويه الشر بالشعر نصرة للجمال على القبح بما تبقى في جعبته من أحلام مجهضة.. وحتى في غضبه يحتفظ دوما في قرارة قلبه بأكثر من صعقة وشرارة، لا يلبث أن يفجرها كل مرة في التماعة انشطارية مطولة لا تكاد تنتهي حتى تبدأ حياة جديدة في شكل قصيدة..
“هكذا سُجنتُ لتتحرّر لغتي،
وينفجر الوجود من لسان يقطر في حلاوة
طاء سين
طاء: لم يطأها قبلي ولا بعدي. تفتح ما لا ينفتح،
سين: تجري بي، كأنها الريح، بساط السياقات
وتلوذ بالعتمة الكاشفة،
كأني حرف، وكأن الحرف لا ينطق بغيري..”
-5-
هكذا نجده حينا يكتب نصوصا جانحة بلغة مُسَنّنة موسومة بنزق العدميين، وحينا يخط طروسا رصينة بحكمة الشيوخ وورع القديسين، لكنه في الحالتين يذيب طرفي نقيضه في حالة شعورية موحدة، هي حالة الشاعر كما يريده أن يكون كائنا مفعما بنقاء الملائكة وبراءة الطفولة..
وهو في نفس الوقت أيضا نفس الشاعر الذي تمثل له كل قصيدة بديلا رمزيا عن جريمة واردة.. وأكيد أنه بحسه الإنساني النبيل لم يسبق أن فكر إطلاقا في قتل أحد، ولو حصل لن تكون الضحية المرشحة أحدا آخر غيره، لذا أكاد أجزم أن كل قصيدة هنا كانت في سيرته مجرد مهلة لهدنة مؤقتة مع شرور العالم حتى لا تستبد به سوداويته بين أجراف المحيط في مشهد غريقٍ غاصٍّ بملوحة الأمواج وزرقة الأعماق..
“ممتدا بالماء أُغرقُ المحيطات في كفّي وأرشّ على الأزمنة مفازة الغرق، مُوارياً لهفتي أصعد نحو جحيمي وأضيءُ خاصرة النجوم، مُهتاجاً بالماوراء أسندُ بصيرتي للتيه لأوقظ الموتى وأنتحر..”
مع خالص الشكر للشاعر مصطفى قلوشي على اقتراح المادة،
وذ. حسين الشعبي عن طاقم الملحق الثقافي على كرم النشر
