COUUA

عبد الواحد الفقيهي: الصوت الآمن والقانون العادل والمرونة الذكية

عبد الواحد الفقيهي

اللامرئي في مهنة التعليم:
الصوت الآمن والقانون العادل والمرونة الذكية

في صباح ممطر، يدخل المدرس إلى القسم وهو يحمل
حقيبته، كما يحمل شيئا آخر لا يراه أحد: يحمل معه أرق
ليلة كئيبة، وتصحيحا لم يكتمل، ومذكرات رسميةملزمة..
يفتح باب فصله، فتستقبله عيون مختلفة: عين تتحداه، وعين تنتظر منه أن يطمئنها، وعين لا تبالي، وعين تراقب فقط. في ثوان، يبتسم، يرفع صوته قليلا، يثبت حضوره، ويبدأ الدرس كأن كل شيء على ما يرام.
من الخارج تبدو الحصة عادية.
من الداخل تبدأ المهنة في اشتغالها الخفي: اشتغال يجمع بين الصورة والقانون وما يفلت منهما، دون أن يسميه أحد.

أول ما يشتغل هو بناء حضور مهني يضمن قابلية الحصة للحياة. هذا الحضور يقوم على ما يمكن تسميته الضبط الانفعالي (maitrise émotionnelle): أن يحافظ المدرس على نبرة مستقرة، وأن يمنع التعب من الظهور، وأن يجعل صوته صوتا آمنا، لا صوتا متوترا. ليس الهدف إخفاء الإنسان، بل حماية التعلم من انتقال القلق. لذلك يختار المدرس كلمات لا تجرح، ويضبط ابتسامته كي لا تتحول إلى تبرم، ويحافظ على هيئة تمنح الطمأنينة. هنا تتشكل لامرئية دقيقة: قدرة المدرس على أن يكون حاضرا حتى وهو مثقل بتعب جسيم.

ثم يأتي المستوى الذي يمنح هذا الحضور شرعية ويمنع القسم من الانزلاق: الوساطة الرمزية (médiation symbolique) عبر اللغة والقواعد. الحصة لا تقوم على الشرح وحده، بل على توزيع الكلام، وتحديد المسموح والممنوع، وضبط الانتقال بين لحظات الدرس. يقول: “الآن نكتب”، “الآن نفكر”، “الآن نناقش “، فيتحول الكلام إلى إطار يحد الفوضى المحتملة. يذكر بالواجبات، يضبط الغياب، يوضح معيار التقييم، ويعيد رسم حدود الاحترام. وقد يفعل المدرس ذلك بجملة قصيرة في وقتها، لأن القاعدة إن تأخرت تحولت إلى جدال، وإن اشتدت تحولت إلى قسوة. هذه الوساطة ليست بيروقراطية، بل هي قلب النظام المدرسي حين يكون عادلا.

غير أن كل حضور وكل قاعدة يصطدمان دائما بواقع يرفض أن يكون مثاليا. يظهر ما يمكن تسميته فائض الواقع (surplus du réel): همسات تتوسع فجأة، انفعال متعلم يعلو بلا مقدمات، دمعة مكتومة، سخرية عابرة تجرح، أو تحد سلوكي يختبر حدود القسم. هنا لا تنفع الصيغة الجاهزة وحدها. يحتاج المدرس إلى التدبير اللحظي (gestion instantanée): يقترب بدل أن يصرخ، يغير الإيقاع بدل أن يطيل الشرح، يطرح سؤالا ينقذ الانتباه، أو يوقف لحظة توتر بكلمة رصينة تحمي كرامة الجميع. في هذه اللحظات، تظهر مهنية المدرس بوصفها قدرة على تحويل ما يفلت إلى ممكن تربوي.

وتكتمل الصورة حين نفهم أن هذه الطبقات لا تعمل منفصلة، بل في توازن دقيق داخل زمن قصير. المدرس ينسج (قابلية الحصة) كما ينسج الحائك خيوطا مختلفة: خيط ثقة، وخيط قاعدة، وخيط مرونة. إذا طغى الحضور وحده صار كل شيء شكلا بلا معنى وقيمة. وإذا طغت القواعد وحدها صار الدرس باردا آليا، وانكمش التعلم. وإذا سيطر فائض الواقع بلا تدبير تحول القسم إلى استنزاف مستمر. لذلك يشتغل المدرس كمن يرمم الجسر وهو يعبره: يثبت ما يلزم كي تمر الحصة، دون أن يحولها إلى صراع أو عرض.

هذه هي اللامرئية التي لا تظهر في أي وثيقة: أن يحول المدرس التوتر إلى نظام، والفوضى إلى إيقاع، والاختلاف إلى تعلم مشترك. قد يظن المتعلمون أن الدرس “يمشي وحده”، لكن الحقيقة أن هناك عملا خفيا يتكرر كل يوم: ضبط انفعالي يحمي الجو، وساطة رمزية تمنح الشرعية، وتدبير لحظي يلتقط ما يفلت. وحين ينجح هذا الاشتغال، لا يبدو أن شيئا خارقا حدث، لكنه في العمق ما يجعل المدرسة ممكنة…

Exit mobile version