COUUA

احمد برقاوي: أطاريح في ماهيّة النّقد الفلسفيّ


أحمد برقاوي
الأطروحة الأولى
يميل العقل النّقديّ إلى ربط النّقد بنقد النّصّ، لكن تجب الإشارة إلى أنّ كلّ نقد للنّصّ يجب ألّا يتجاهل علاقة النّصّ بالواقع، فإعادة الاعتبار إلى هذه العلاقة أحد أهمّ سمات النّقد الفلسفيّ. وبفضل هذا الترابط بين النّصّ الفلسفيّ والواقع يكون النّقد الفلسفيّ حوارًا واختلافًا يقود إلى القول الجديد. فالقول الفلسفيّ النّقديّ لا ينعزل عن الإبداع الفلسفيّ، والإبداع الفلسفيّ يفضي بالضّرورة إلى إثراء الفلسفة بأدوات تفكير جديدة حول الوجود والمعرفة والأخلاق والمجتمع، والتاريخ، والأدب، والفنّ.
الأطروحة الثّانية
وإذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك، ولمّا كانت الفلسفة منهجًا في التفكير، فإنّ النّقد الفلسفيّ هو أحد الأسس في فهم تاريخ الفلسفة في علاقتها بالعالم؛ فمن النادر أن نجد فيلسوفًا قد صعّر خدّه عن المنجز الفلسفيّ السّابق عليه، ومن الصعب أن نجد فيلسوفًا لم ينجز حوارًا واختلافًا مع أسلافه الفلاسفة. حتى ليمكن القول بأنّ مبحث الفلسفة هو المبحث الإبداعيّ المتفرِّد في تجدّده بالنّقد.
ولأنّ كلّ نقد فلسفيّ يخلق زاوية رؤية جديدة حول موضوع نقده، أي نظرة كلّيّة، فإنّتاريخ الفلسفة هو تاريخ النّقد الفلسفيّ.
الأطروحة الثّالثة
ما من فيلسوف إلا وهو فيلسوف متفرِّد بمشكلة، حتى لو كان سؤاله شبيهًا بسؤال قديم أو سؤال جديد.
وتاريخيّة المشكلة الفلسفيّة هي الّتي تجعلها مشكلة خاضعة للنّقد. فالنّقدالفلسفيّ هو الّذي يُعْلِن موت هذا الجواب أو ذاك عن السّؤال الفلسفيّ، وهو الّذي يُعْلن عن ولادة المشكلة، وهو الّذي يجعل من الفيلسوف حيًّا. فلقد مات الديمورغ الأفلاطونيّ ومات الصّانع الأرسطيّ-الرّشديّ، من دون أن نُشيِّع أفلاطون وأرسطو وابن رشد.
الأطروحة الرّابعة
أهمّ ما يولد من النّقد الفلسفيّ هو ولادة السّؤال الفلسفيّ الذي يحملنا على أن نكشف الماهيّة. إنّه سؤال “الما” الّذي أشار إليه قدامة بن جعفر البغداديّ، بل النّقد الفلسفيّ يعيدنا إلى السّؤال الأصليّ: ما الفلسفة؟ عبر القول الفلسفيّ الجديد.
ليس النّقد إلّا روح السّؤال. ولهذا فالذّات التي امتلأت بالأجوبة، واطمأنّت إليها،واكتفت بها ذات خالية من روح النّقد. والثقافة، بدورها، إذا تحوّلت إلى ثقافة أجوبة لن تتعرّف على قيمة روح النّقد بوصفها امتحانًا معرفيًّا للمعروف وللواقع معًا. قبل أن أفضّ روح النّقد أذهب للسّؤال عن معنى ثقافة الأجوبة. فثقافة الأجوبة هي الثّقافة الراكدة تاريخيًّا والعاكسة لمجتمع راكد.
الأطروحة الخامسة
ثقافة الأجوبة هي إمّا ثقافة أجوبة عن أسئلة عفا عليها الزمن، أو هي ثقافة أسئلة زائفة تنتِج أجوبة زائفة بالضّرورة، بوصفها سلطة معادية للنقد. يصادر النّظام القمعيّ الحرّيّة في الحياة، ومن ثمّ يحجر على روح النّقد بوصفها صورةَ احتجاجٍعلى العالم. ويخلق حرّاس الجهل والقبول والنَّعم. إنّه عالم الأجوبة الزائفة.
فحرّاس المألوف والقديم يقفون بالمرصاد للذّات الناقدة حاملين سيف التهديد والوعيد والشّرّ. فلنتوقف عند السّؤال إذًا. وعندي إنّ ظهور السّؤال ظهور لروح النّقد حين نقول انتقل الإنسان إلى السّؤال. يعني أنّه كان “عائشًا” قبل السّؤال. ثقافة الأجوبة عودة إلى ما قبل السّؤال، عودة إلى ما قبل النّقد. العيش قبل السّؤال رد فعل البيولوجيا تجاه الحياة.
السّؤال: انتقال الإنسان من المعلوم إلى المجهول، من ردّ الفعل البيولوجيّ إلى الفعل الذّهنيّ. مع السّؤال يبدأ التاريخ الإنسانيّ، لأنّ التساؤل تدشين لمرحلة التفكير وولادة الإنسان الحرّ. السّؤال عتبة الحرّ، ذلك بأنّ كلّ سؤال إنّما يَتّجه إلى الامتلاك، امتلاك ما ليس معطًى مباشرة، امتلاك السّرّ. هذا الامتلاك غير ممكن من دون شعور بالرّفض والتمرّد والبحث عن الخفيّ. إنّه – أي السّؤال المتولِّد من النّقد – يتّجه إلىالمستقبل، ما دام يسعى إلى الامتلاك، إلى كشف السر.
ولا تأمُّل وتساؤل من دون نقد صريح أو مضمر. في هذا الترابط يكون التأمُّل حالة شأنه في ذلك شأن التساؤل بوصفه دهشة خفيّة. فـ” المتأمِّل لا ينطق بالسّؤال، بل يطرحه على نفسه صامتًا”. والتأمّل المتسائل والمتسائل المتأمّل أُسّ الدّهشة وظهورها، فالدّهشة تظهر بالتأمّل المتسائل. و”التساؤل – بهذا المعنى – ظهور الذّات الفاعلة عقليًّا.
والكائن المتسائِل كائنٌ قَرَّر عن وعي كامل بوجوده الذي هو أمامه دائمًا ألّا يتصالح مع الواقع الإنسانيّ، بل والطّبيعيّ. حين تُعْلِنُ الذّات “أنّ هذا العالم لا يُعْجبني وأريد عالمًا آخر”، والعالم هنا بمعنى الواقع، تطرح بالضّرورة السّؤال لماذا؟ وكيف؟ وما؟ وهذا جوهر النّقد. لماذا كان هذا الواقع على هذا النّحو؟ لماذا لا يُعجبني؟ وكيف أتجاوز هذا الواقع على هذا النّحو؟ وما الواقع الّذي أُريد؟ من الواقع إلى نقد الواقع، ومن نقد الواقع إلى امتلاكه نظريًّا، ومن امتلاكه نظريًّا إلى نقد امتلاكه، وهكذا.
النّقد الفلسفيّ هو (اللا). ولأنّ السّؤال هو اللا، فهو في الوقت نفسه هروب دائم من اليقين، من الحقيقة، من الوعي الموروث، هروب من العفن، ومن رائحة المستنقع الكريهة، ومن الركود التاريخي للكائن.
الأطروحة السّادسة
حين تطرح الذّات السّؤال تشعر بالنقص، بالفقد، وتبحث عن الامتلاء. ولأنّ السّؤال يضع الذّات في حضرة الشّعور بالنّقد، فإنّها تبحث عمّا يسدّ جموحها إلى اللّقاء “وجهًا” لوجه بما كانت تبحث عنه. ولهذا، فإنّ الذّات الممتلئة بالأجوبة والمكتفية هي ذات فارغة وليست ممتلئة، فارغة من الفقد الّذي يدفعها إلى النّقد. الذات الممتلئة هي الذات الغنيّة بالأسلحة. والسّؤال بوصفه حاجة هو دافع لا يتوقّف، دافع يتحوّل لدى الذّات الممتلئة إلى غريزة نقديّة. ربما يكون في مصطلح (الغريزة النّقديّة) نوع من التناقض، أو هكذا قد يُفكِّر العقل العاميّ. عندما أصف الذّات المتسائلة بأنّها قد وصلت إلى حدّ أن أصبح التّساؤل عندها غريزة نقديّة، هذا يعني أنّها لم تعد ترى وجودها الحرّ خارج التساؤل الّذي أصبح صفة لازمة من صفات عقلها النّقديّ، إنّها ذات عقل جائع يتّجه دائمًا إلى خارجه ليمتلئ في اللّحظة ويعود جائعًا وهكذا. أخطر تعيّنات الذّات تلك الّتي تعود إلى الثّقافة المسيطِرَة، والّتي تفرض على الذّات طبيعة الأسئلة وطريقة حلّها، وتحرمها بذلك من غريزة النّقد الّتي وُلِدَت بالتحرُّر من النَّعم. بل قل: تفرض الثّقافة على الذّات عادات السّؤال إلى حين تتحرّر الذّات عبر قتل الآباء ومراجعها المتوارثة. والذات حين تنتصر وتغدو الثّقافة “تعبيرًا” عن انتصارها، تتحوّل الثّقافة هذه إلى عامل مُساعِد لإبداع الذّات – السّؤال. ومن دون ذلك لا سلطة ذات، أو وجود ذات بلا سلطة على ذاتها. لقد استخدمتُ مصطلح ثقافة الأجوبة بوصفها ثقافة راكدة، استبداديّة، مناهضة للذّات وللحريّة، وذات أسوار عالية لمنع الهروب إلى السّؤال. ثقافة بلا فضاء، معادية للشكّ وللبحث عن الدائم، عن الجديد، ومن ثمّ معادية للنّقد.
الأطروحة السّابعة
هكذا يقود النقد الفلسفيّ إلى ما أُسَمّيه القطيعة الفلسفيّة. وأُسّ القطيعة الفلسفيّة قطيعة مع السّؤال أو مع الإجابة عن السّؤال. لم يعد سؤال طاليس سؤالًا فلسفيًّا.
فلقد أنجز كارل بوبر قطيعة مع التاريخانيّة في نقدها في كتابه بؤس المذهب التاريخيّ، والوضعيّة المنطقيّة أقامت القطيعة مع الميتافيزيقا والّتي نجدها في كتاب الفيلسوف العربيّ الوضعيّ المنطقيّ زكي نجيب محمود (خرافة الميتافيزيقا). بمعزل عن نقد الماركسية لهما، أو الموافقة على نقدهما.
باستطاعتي أن أقول بكل اطمئنان بأنّي لا أستطيع أن أفهم الوعي أو الواقع بمنطق إمّا أن يكون بنيويًّا وإمّا تاريخيًا، فهناك تاريخ لولادة البنية، وتاريخ لنهايتها.
الأطروحة الثّامنة
من أهم ثمرات النّقد الفلسفيّ تحرير الفلسفة من عقابيل الوعي ما قبل الفلسفيّ. وهذا يقودنا إلى سؤال ما الّذي تبقى من هذا الفيلسوف أو ذاك؟
فالبرهان الأنطولوجيّ الّذي استعاره ديكارت من القدّيس أنسلم ليس ببرهان، وليسالفيض الّذي استعاره الفارابي وابن سينا من أفلوطين سوى فرض لاعقليّ. النّقد الفلسفيّ يُحرِّر الفلسفة من لوثة الإيديولوجيا، ويميِّز الفيلسوف الخالص من شبه الفيلسوف.
إنّ النقد الفلسفيّ وهو يحرِّر الفلسفة ممّا ليس من ماهيّتها ليس سوى استعادة العقل لماهيّته. وعندها لن يكون علم الكلام ولاهوت موسى ابن ميمون وتوما الإكويني جزءًا من تاريخ الفلسفة.
ولادة الفيلسوف المؤسِّس لمشكلته أو لإجابته لا تكون في الغالب إلا ثمرة القتل النبيل للأب. وأنا إذ أصف القتل بالقتل النبيل، فإنّ القتل هنا يأذن بولادة الفيلسوف، من دونأن يقود القتل هنا إلى موت الفيلسوف المقتول بالنسبة إلى الفاعلين في حقل الفلسفة.
الأطروحة التاسعة
إنّ تاريخ النّقد الفلسفيّ هو تاريخ نقد الوعي بمنطق الكشف عن الميتا. ولا يحسبنّأحد بأنّ الميتا هي نفسها الميتافيزيقا، بل إنّي أجعل من الميتا مفهومًا ويعنى الكشف عما وراء فهمًا وتفسيرًا وكشفًا للعلاقات السببيّة المترابطة، ولعناصر البنى ووظيفتها. الميتا ليس هو النّومين الكانطيّ – هذا الفرض – بل ما هو قابلٌ المعرفةَوغير معطى للحواس. ولهذا، فإنّ الميتا واحدٌ من أهمّ مفاهيم النّقد الفلسفيّ. ليس نقد المعطى المباشر، بل هو حفر في ما وراء.
يترتّب على قولي هذا نتيجة مفادها أنّه ليس كلّ نقد للوعي هو نقد فلسفيّ، فنقدالأسطورة والخرافة لا ينتمي إلى النقد الفلسفيّ، إذ ليس أسهل على العقل من أن ينتقد اللاواقعيَّ والمناقِضَ قوانينَ الطّبيعة. لكنّ السّؤال الفلسفيّ حول التناقض بين الأذهان والأعيان هو: ما هي الشّروط الواقعيّة التي تحمل العقل العامّ على تصديق هذا التناقض؟
الأطروحة العاشرة
إنّ النّقد الفلسفيّ الّذي يتوخّى الكشف عن الميتا هو نقد للواقع، ونقده للواقع يدحض تلك الشّبهة الّتي يردّدها العقل العامّ، والقائلة بأنّ الفلسفة منفصلة عن الحياة.وأضيف: ليس كلّ نقد للواقع نقدًا فلسفيًّا، فالاحتجاج على الواقع هو شكل من أشكال النّقد، لكنه لا يكشف عن ماهيّة الواقع الّذي وَلَّدَ الاحتجاج النّقديّ. فمن السهل نقد صور المركزيّة الأوروبيّة، وهي شكل من الوعي الأوروبيّ بالآخر غير الأوروبيّ، وينطوي على نزعة فوقيّة عنصريّة، وتحقّقها العمليّ بالاستعمار وما وَلَّدَه من مآسٍ لدى الشّعوب المستَعْمَرة. لكنّ السّؤال الأهمّ هو: ما البنية الّتي كانت رحمًا لولادة المركزيّة الأوروبيّة؟ كيف تأتّى لفيلسوف كبرتراند راسل أن يكتب قائلًا في كتابه حكمة الغرب: «لقد توصّلت مصر القديمة وبابل إلى بعض المعارف التي اقتبسها الإغريق فيما بعد، ولكن لم تتمكّن أيّ منهما من الوصول إلى علم أو فلسفة، على أنّه لا جدوى من التساؤل في هذا السياق، عمّا إذا كان ذلك راجعًا إلى افتقار العبقريّة لدى شعوب هذه المنطقة، أم إلى أوضاع اجتماعيّة، لأنّ العامِلَيْن معًا كان لهما دورهما ولا شكّ» . وكيف تأتّى لشاعر كبير كبول فاليري أن يقول للمؤرّخ رينيه غروسه:(ليس ثمة غير اليونانيين ونحن)؟
لا شكّ في أنّ مفهوم الهيمنة الّذي عَبَّر عن التقدُّم العلميّ والتقنيّ الأوروبيّ عبر ثوراته البرجوازيّة، ولا شكّ في أنّ تحوّل القوّة الناتجة عن هذه الثورات قد وَلَّدَت النّزعة للسّيطرة على تلك البلدان التي لم تشهد مثل هذه الثورات، وعبر هذه السيطرة تولّدت نزعة المركزيّة الأوروبيّة. وهذا ما يؤكّد قولنا السّابق بأنّ النقد الأصيل هو الكشف عن الميتا-الماوراء.
الأطروحة الحادية عشرة
ليس هناك صورة من النّقد الفلسفيّ أهمّ من نقد الشّرّ، ولا يمكننا نقد الشّرّ فلسفيًّامن دون الكشف عمّا وراء الشّرّ. فكلّ النّاس ينتقدون الشّرّ بوصفه ما يناقض الحياة البشريّة من ميل إلى العيش الآمن في حقل الخير. ولكنّ السّؤال النّقديّ يكمن في السّؤال عن أصل الشّرّ وفصله، فسؤال الشّرّ فلسفيًّا يؤكّد ارتباط الفيلسوف بالحياة كما هي وكما يجب أن تكون.
فالطبيعة الجامدة خالية من الشّرّ، فليست الأعاصير والفيضانات والزّلازل شرًّا، إذليس للطّبيعة نيّة إراديّة لإحداث الشّرّ؛ الشّرّ ظاهرة بشريّة. فتدمير الطّبيعة، تدمير أمّنا عبر التلوّث البيئيّ هو الشّرّ، ويكون السؤال لماذا؟
الأطروحة الثانية عشرة
والفيلسوف بوصفه لائيّ العقل، فإنّ لاءه متمرّدة على الشّرّ العامّ والكلّيّ، الشّرّبوصفه اعتداء على الحياة وكلّ ما يرتبط بها، الشّرّ على الإنسان وحرّيّته، علىالطّبيعة أمّنا: هذه اللاء ليست عامّة عند جميع البشر، وحتى البشر الذين يؤمنون بها قد لا يسلكون دائمًا من وحيها، فقد تكون مصالحهم أقوى دافعًا من دافع الإيمان بمقاومة الشّرّ. إنها لاء الفيلسوف الذي يجعل الشّرَّ موضوعَ نقدٍ وفضحٍ وتحليل، ليقول للنّاس: لا ترتكبوا الشّرّ. وهذا النّمط من اللائيّين هم الّذين يُنتجون النّصّالفلسفيّ عن الشّرّ، أو يشيدون فلسفة الرّفض والتمرّد. ولاءات الفلاسفة لم تتوقّف منذ تاريخ بزوغها حتى الآن. وأسطع لاءاتها لاء مقاومة الوعي العامّ. بل قل إنّ لاء الفيلسوف هي لاء التمرّد المطلق؛ فما زالت أغراض الفلسفة هي هي بكلّ أشكال تعيّناتها التاريخيّة: الحقّ والخير والجمال. فاللاءات الصّادرة عن هذه الأغراض الثلاثة لاءات ضدّ كلّ من يناقضها، كالمعرّي وسبينوزا وماركس ونيتشه وسارتر وكامو.
الأطروحة الثالثة عشرة
قد تفضي لاء الفيلسوف إلى نوع من العدميّة عند بعض الفلاسفة حين يصل إلىاللّاجدوى وإلى المصير الّذي يقود إلى العدميّة الفلسفيّة، كعدميّة المعرّي ونيتشه وسارتر، وهذه عدميّة ليست بذات خطر، لأنّها تظلّ محدودة التأثير. لكنّ الفيلسوف النّاقد للواقع لا يستطيع أن يتجاهل الواقع الّذي يخلق عدميّة اجتماعيّة سلبيّة تجاه الحياة.
فحالات اليأس والبؤس والتشاؤم التي تولِّد فقدان معنى الحياة لدى الطّبقاتالشعبية الفقيرة والوسطى يخلق لديها قابليّة لاصطيادها من قِبَل الإيديولوجيّات التي تطرح فكرة الموت من أجل.
فكلّ الإيديولوجيّات العنصريّة القوميّة والأصوليّة تجد ضالّتها في هذه الفئات التي تجد معنى حياتها الّذي فقدته في الموت من أجل، والقتل من أجل، والثأر من الأحياء من أجل من ماتوا في سالف الأزمان. وهذا ما يجعل مهمّة النقد الفلسفيّتحرير الوعي من الوهم الإيديولوجيّ، ونقد الواقع الذي خلق هذا الوهم.
الأطروحة الرابعة عشرة
إنّ نقد الواقع فلسفيًّا حدا بالفيلسوف إلى أن يُفَكِّر في ما يجب أن يكون عليه الواقع، فاعتمد في بعض الأحيان على وعيه الأخلاقي متناسيًا وعيه الواقعيّ، فأنشأ المدن الفاضلة وصور الأوتوبيا المتنوِّعة. لكنّ النّقد الفلسفيّ للواقع، والبحث عمّا يجب أن يكون لا ينفصلان عن التفكير بجدل الممكن والواقع.
نقول بكلّ اطمئنان بصحّة ما نقول: إنّ كلّ من لا يعرف دلالة المفاهيم الأربعة الآتية، الواقع والممكن والوهم والمستحيل، ومعانيها والفروق بينها، فإنّه ليس باستطاعته أن يطرح السؤال ليس بإستطاعته أن يُفَكِّر على نحو صحيح بالواقع، بل لا يستطيع أن يُفَكّر أصلًا، سواء كان رجلَ سياسةٍ، أو رجلَ تخطيطٍ، أو رجلَ اقتصادٍ، أو رجلَ ثقافةٍ، بل إنّ التّمييز بين هذه المفاهيم شرطٌ ضروريٌّ غير كافٍ للتفكير في المستقبلِ المتجاوِز الواقعَ على نحو أرقى.
يقود الواقع إلى نوعين من الواقعيّة هما: الواقعيّة الزائفة والواقعيّة الفلسفيّة الحقيقيّة. فالواقعيّة الزّائفة هي القبول الدائم بواقع الحال، خوفًا عليه، بعجره وبجره، فضلًا عن أنّها ضعف في الإرادة. إنّ واقعيّة كهذه تقود إلى الاستنقاع الذي إن طال أمده أصبح التأخّر مُعنِدًا. في حين أنّ الواقعيّةَ الفلسفيّةَ الحقيقيّةَ هي تغييرُ الواقعِ على نحو دائم، والعمل على كشف الممكنات المتوافقة مع الإرادة، ومع الفاعليّةِ الواقعيّةِ المبْدِعَةِ الإرادةَ، والقادرةِ على كشف الممكن الواقعيّ والعمل على تحقيقه. تأسيسًا على ما سبق، فإنّ أيّ مشروع لا ينطوي على جدل العلاقة بين الواقع والممكن ليس سوى حماقة تاريخيّة. فالوجود الممكن هو الوجود الّذي ينشأ وينمو في قلب التاريخ ـ في رحم الواقع، وعندها تصبح الإرادة قابلة قانونيّة تساعد فيولادة الواقع الجديد القائم في رحم الواقع.
الأطروحة الخامسة عشرة
بقي أن نقول إنّ النّقد الفلسفيّ هو أداة تمييز بين الأسماء الّتي تنتمي إلى المفهوم والأسماء الّتي تنتمي إلى التصوّر اللاواقعيّ.
نميّز المفاهيم النّظريّة بأنّها كائن حيّ، تتطوّر وتتغيّر دلالاتها وتموت أيضًا. وحياة المفهوم ذات ارتباط بصيرورة المعرفة وسيرورتها. فهناك تاريخ لمفهوم الحقّ يمكن رصده عبر مسيرة وعي الحقّ. وقس على ذلك الحكم والدّيمقراطيّة وهكذا. وإذا كانت المفاهيم هي حقل التفكير العقلانيّ – المنطقيّ – الواقعيّ، فإنّ كثيرًا من الاعتقادات يكون حقلها التصوّرات فقط، كالخرافات والأساطير. وتبرز سلطة التصوّرات حين تقوم لدى صاحبها بوظيفة المفهوم، وتتحوّل إلى أحكام يُحَوِّلها المنطق الصوريّ إلى حقائق. وعندها لا تقوم الحقيقة وأحكامها على مبدأ مطابقة ما في الأذهان مع ما في الأعيان كما تقول العرب، بل تكون مع ما في الأذهان فقط حتى لو كان هناك تناقض وتضاد ما بين الأذهان والأعيان. هل باستطاعتنا أن نقول بأنّ المعركة لا تزالقائمة بين سلطة المفهوم وسلطة التصوّر؟ أجل ، ويبدو أنّ زمنًا طويلًا قد يمضي من دون أن تنتصر سلطة المفاهيم الانتصار الّذي يجعل سلطة التصوّر سلطة أضعف من أن تحكم الحياة.
وبعد باستطاعتنا أن نعلن بأنّ النّقد الفلسفيّ هو المدخل الضروريّ إلى الإبداع في الفلسفة.

Exit mobile version