الرئيسية / أرشيف الوسم : يزيد بدر

أرشيف الوسم : يزيد بدر

ما بعد الحداثة

يزيد بدر يزيد بدر – السعودية     البداية بوصفها شيئًا أوليًا لا يشتق من غيره هي وضع لافتراض معين، أو هي الافتراض نفسه، وهكذا يبدو كما لو كان من المستحيل أنتكون هناك بدايةً على الإطلاق. هيغل/ موسوعة العلوم الفلسفية. من أجل الكتابة عن ما صار يسمى “ما بعد الحداثة” فلابد من التذكير أولًا بأن المهمة شاقة من جهة أنها تستدعي إنقلابًا في طريقة رؤيتناللعالم كما أنها بطريقة ما تُذكرنا بأن الألفة الشديدة هي أبعد ما يكون عن البساطة والإدراك السريع، فحسب ما أراه في هذه الفلسفات(وإن كان لا يمكن وضعها في قالب واحد إلا على سبيل التجويز البيداغوجي) هو التالي:  إنها لا تزمع “إكتشاف” شيء ما ولا حتى”إختراع” أمر ما وما بين الإكتشاف والإختراع جدل طويل ليس هنا مقام البت فيه. إنما أقصى ما نستطيع قوله أن “ما بعد الحداثة” تقتربمن ذاك المفهوم الذي ذكره هايدغر في(الكينونة والزمان) أي الكينونة تحت اليد وهو ما سأتي على ذكره بعد أن أفصّل في إشكالية التسمية(وإن كان النحت وتغيير الدلالة لا يخلو من ضرب من الأمثَلة الفلسفية أو بعبارة ما بعد حداثية راسب ميتافزيقي عندما ندرك بأن التشديدعلى التسمية يعني الإقرار ضمنًا بأن العلامة تعكس الواقع أو الطبيعة الخ) فالإشكال يقع تحديدًا في لفظ “بعد” فحين نعي بأن هذه الموجةالفلسفية ظهرت إبان صعود الفلسفات التي وجهت سهامها لنقد الحداثة فرانكفورت نموذجًا وكذلك ظهرت بعد أن تَصيرت الحداثة إنشغالًاكونيًا واعيًا أي بكلمة أخرى : مع أوج الحداثة. فيظهر مما تقدم أن عبارة “بعد” توحي بالتجاوز والبعدية فهو ظرف يفهم من خلال أضافتهللحداثة فهذه الفلسفات إذن لاحقة وتالية للحداثة وهنا لب المشكلة في هذا المصطلح، فالبعدية توهم “بالتجاوز” ومن هنا جاء الخلط وسوءالفهم الشائع بين الحداثة وما بعد الحداثة حتى ترى الكثير يصرخون بأن ما بعد الحداثة ليست إلا حداثة وأن هذه الأخيرة قادرة علىإستيعابها وهي مشروع لم يكتمل ولن يكتمل أبداً. إذن هل هناك بديل لا يوهم بهذه البعدية؟ فضلًا عن ما ذكرناه آنفًا عن كون البديل ونحتالمصطلحات فيه من الإشكاليات الميتافزيقية لا يتوفر مصطلح ناجز وإن توفر لن يحل مكان ما عم وساد وهنا طرفة المصطلحات عند النظرإليها بوصفها نتاجًا إجتماعيًا لها سياق وحمولة عمومية يصعب إنتشالها بلمح البصر. يبقى السؤال قائمًا وهو مشروع : إذن ما هي ما بعدالحداثة؟ وإن لم تكن تجاوزًا فماذا تكون ؟ إن هذا السؤال هو بشكل ما يقول : ماذا يعني النقد لدى هذه الفلسفات إن لم يكن تجاوز أو بناءما هو جديد الخ ؟ إن عصرًا نقديًا دشنه كانط في مشروعه الشهير يفترض طريقة وحيدة للنقد وكذلك آليات التفكير، فمثلًا النقد المحض ينبهكانط إلى أنه ليس سلبيًا أي فقط يزمع بيان حدود العقل بل هو إيجابي من حيث أنه يمهد الطريق للعقل العملي والفصل بين العلم والإيمانبحيث يقوم الأول على الملاحظة والتجربة وحدسي الزمان والمكان بينما الثاني لا يتتطلب ذلك فالإيمان أمر يتعلق بالضمير والتسليم والإختباروهذا جوهر الإيمان. إلا أن النقد ما بعد الحداثي لا يسير على هذه الطريقة وحتى أوضح وأقرب مفهوم النقد الما بعد حداثي فعلي أنأستعين بإستعارة أرسطوية وأخرى هايدغرية عمقها فاتيمو(وإن كان في الإستعارات الكثير من المخاطرة كما بينا جونسون ولايكوف)  يبين لنا أرسطو مفهوم الحركة في عدة من مؤلفاته ومن أهمها(السماع الطبيعي) ثلاثة أشكال النمو والنقصان والإستحالة والنقلة، ومايهمني هنا هو حركة الإستحالة فهي تعني الإنتقال من الحرارة إلى البرودة كما في المعدن مثلًا عندما نضعه تحت نار تستعر ثمنخرجه، فالصورة التي تظهر هنا هو بقاء المادة على ما هي عليه أي الحديد إلا أن التغير يحصل في البرودة والسخونة وإن جاز ليلقلت بلغة أرسطوية أيضًا تغير في العرض لا الجوهر، كذلك النقد ما بعد الحداثي فهو يشير إلى ما هو موجود سلفًا ولكن طرأ عليهبعض التغييرات كالأَمثَلة كما أصطاد دريدا في تأريخ الميتافزيقا مفهوم الحضور وهيمنة الصوت على الكتابة.يُقدم لنا فاتيمو في كتابه الرائع(نهاية الحداثة) قراءة “نقدية لكل الحجج الكلاسيكية التي قُدمت ضد ما بعد الحداثة ومن أشهرها أنهاداخلة في صيرورة الحداثة، وأن النقد بذاته واقع في مقولتي “الجديد” و “التطور” وهي مقولات حداثية بإمتياز(سوف نعود لهذهالمقولات فيما بعد) يستخدم فاتيمو على هدي نيتشه وهايدغر مقولتي “التعافي” و “المرض” مما يعني أن النقد ما بعد الحداثي ليسإلا تشخيصًا لمرض موجود ومحاولة التعافي منه دون تركه خلف الظهر لذلك يقول فيما نصه : ليست الميتافيزيقا[كما يقول هايدغر] شيئًا نستطيع وضعه جانبًا كرأي ولا يمكن تركها خلف الأكتاف كمذهب انتهى الإيمان بع(فاتيمو،٢٠١٤،ص١٩٩)مما يعني أنها نقديسعى إلى وضع الأصبع على الأمراض دون الوقوع في مقولات من قبيل التجاوز والتطور والجديد، وسوف أبين فيما بعد بأكثروضوحًا هذه المسألة كما ذكرت سابقًا من خلال مفهوم الكينونة-تحت-اليد ولكن الآن حسبنا أن نعي ماهية النقد المابعد حداثي وإلىماذا يصبو. ومن الطريف أن هذا المفهوم الذي أعتمده فاتيمو بناءً على نصوص عدة لنيتشه وهايدغر وجدت صدىً له قريب فيمؤلفات ماركس وتحديدًا في مقالته(إسهام في نقد فلسفة الحقوق عند هيغل) : إن الحزب يعتقد أنه يستطيع نفي الفلسفة لمجرد أنيدير لها ظهره ويغرب عنها وجهه مغمغمًا ضدها بعض الجمل الغاضبة الساذجة، ان ضيق افقه هو الذي يجعله لا يعتبر الفلسفة منميدان الواقع الألماني او أن يذهب إلى إفتراضها دون الممارسة الألمانية والنظريات التي تستخدمها، تريدوننا ان ننطلق من بذورالواقع الحية ولكنكم تنسون أن بذرة الشعب الألماني الحية لم تنم إلى حد الآن إلا تحت جمجمته وبكلمة إنكم لا تستطيعون إلغاءالفلسفة إلا بتحقيقها.(٩-ماركس-إسهام في نقد فلسفة الحقوق عند هيغل) مما يعني أنك لا تستطيع أن “تدير ظهرك” فكل ما هنالكهو ما تحمله معك ، وهذا ما يقودنا إلى مقولة الجديد والتي تتبناها الحداثة بشدة ولكن قبل ذلك نسأل مما قد طرحناه من قبل : كيفيفيدنا المقام الإنطولوجي البدئي عند هايدغر في إستيعاب هذا الأمر جيدًا؟ أي كيف نفهم “طبيعة” النقد المابعد حداثي بوصفه”إشارة” وإستنطاق لما هو مُتكلم أصلا إلا أنه يقبع في الظلام، الأمر أشبه(وهنا إستعارة أخرى) بالدوافع المكبوتة بحيث أنها كامنةفي ذواتنا ولكننا لا نشعر بها مما يعني أن الأمر لا يبحث في الوجود واللاوجود بل فيما ينكشف في النور وفيما يحتجب في الظلمة.الكينونة تحت اليد وفي كيفية الإلتفات بعد الألفة : الكينونة تحت اليد لفظ إشكالي في ترجمته فهل الأقرب إلى الدلالة الهايدغرية في at أو تحت under، ولكننا لسنا هنا في مقام توضيح ذلكولكن بالجملة فنحن نختار “تحت”على “في”وقد يتضح ذلك بعد الإسهاب في بيان ماذا يعني هايدغر بهذا المقام الذي للكينونة، ولا يغيب عنبالنا أن القصد هنا هو بيان ما للنقد المابعد حداثي من معاني ممكنة تقترب مما ذكرنا أو تبتعد. على كلا من المهم ولن أطيل في ذلك أن نفهم فلسفة هايدغر بوصفها نقدًا لثنائية الذات والموضوع، وبلغة أخرى نقدًا للذاتوية الحديثة والتيتؤرخ عادةً مع ديكارت{وهذه العودة إلى ديكارت فيها الكثير من التبسيط فالأمر يعود إلى ما قبل ذلك بكثير} المهم أن العلاقة بين الإنسانوالعالم تتشكل من خلال ذات أو وعي وعالم أو موضوع وهنا قطبين يحدث التناحر بينهم أيهم له الأسبقية وما إلى ذلك، إلا أن هايدغر يبين لنافي تحليلاته الإنطولوجية منذ بداية كتابه(الكينونة والزمان) بأن الكينونة في يوميتها هي من تؤصل لعلاقة أصلية لهذا الكائن الذي يطلق عليهدازاين، فكيف يكون ذلك؟ العالم يظهر لنا في البداية بوصفه كينونة تحت اليد أي أدوات هنا وهناك قابلة للإستعمال، المطرقة والساعة والمنزلوالسيارة والطريق واللافتات الخ ومن سمات هذه الأدوات طابع الإحالة والتخفي، بمعنى أن المطرقة تحيل إلى المسمار وهذا الأخير يحيل إلىالخشب والخشب بدوره يحيل إلى البيت وهكذا ولكن الأهم أن الأدوات والتي لها نمط كَون تحت اليد لا نقيم معها علاقة حضور كما يفعلالفيزيائي عندما يدرس ظاهرة الصوت أو الضوء وغيره، بل كون يحتجب لا نسائله نظريا ولا عمليًا، وما يهمني هنا أنه يملك طبيعة الإختفاءوالإحتجاب بوصفه أداة تستخدم لا نلاحظها ما لم يحدث لها شيء يعترضها كأن تُكسر إذا كنا نتحدث عن مطرقة مثلًا، عندها تظهر لناوتفتح عالمًا، وتملك طابع ما يسميه هايدغر “لفت نظر” فهذه الإلتفاتة حين تعاند الأداة وتجبرنا على النظر والإلتفات، ما يهمني هنا وهو غايةهذا التخريج هو التالي : إن فاتيمو قال بأن النقد الما بعد حداثي لا يريد التجاوز بل التعافي من مرض ما إلا أنه لم يفسر لنا كيف يكون بقاءهذه “الأفكار” ممكنًا والمراد من ترسيخ هذا الأمر يتبين أكثر حين نصل إلى نقد مقولة الجديد التي تبشر بها الحداثة بإستمرار . الخلاصةأن “الشيء” موجود كما في الأداة إلا أنه يحتجب ويختفي وما النقد المابعد حداثي إلا كسر لهذه الألفة، وهنا يقترب النقد من الفن حين نفهمهذا الأخير بوصفه نزع الألفة كما تحدث هايدغر أيضًا عن حذاء الفلاح في لوحة فان غوخ . إلى هنا نكون قد بينا بعض الشيء مفهومالنقد(إن جاز تسميته نقد) لفلسفات ما بعد الحداثة، وتبين لنا بأنه ضربٌ من الإشارة إلى ما هو موجود سلفًا كأن يفسر المحلل النفسي حلمًالمريض ما فينقله من مرحلة عدم وعيه به إلى وعيه. بذلك نكون أحتفظنا بأن “الأفكار” لا يمكن تجاوزها وأستطعنا كذلك أن نبين لماذا و كيفيكون وجودها ممكنًا على مر العصور. الحداثة وما بعد الحداثة :  بدون شك إن للحداثة معاني متعددة، وهناك ضروب من التفرقة يقيمها بعض الباحثين بين الحداثة والتحديث وما إلى ذلك. ما يهمني هنا هومحاولة تحديد مجموعة من السمات البارزة التي تميز حداثة العصر الذي نعيشه{وذلك من مبدأ أن العصور كلها تمر بما نطلق عليه حداثة}وهناك سمتين بارزتين سوف نظهرهما أوًلا قبل أن نخرج بتحديد يفي بما أعنيه بالحداثة ومن ثم ما بعد الحداثة{لأننا لا نسلم بطوباوية الحدالجامع المانع} وهاتين السمتين هما العلم والإصلاح الديني{علي أن أذكر بأن قراءة التأريخ مكللة دائمًا بالإختزالية فكوني أبرز العلموالإصلاح لا يعني تهميش العامل الإقتصادي مثلًا والإجتماعي الخ}وحتى نبلغ هذا الأمر سوف أسير وفق هذه المحاور: في مفهوم العلم وإنزياحاته سمات العلم الحديث(عزل الظاهرة، أدوات القياس والرصد التكنولوجية) ثم بعد ذلك أمر سريعًا على أثر هذه التغيرات العلمية(وليست هي الوحيدة) على الإنسان ورؤيته للعالم مما أسفر عنه ظاهرة الإصلاح الدينيوالتي أنبثق عنها مفهوما لاهوتيًا للفردانية مما يجعل هذا المفهوم تحت مجهر فلاسفة ما بعد الحداثة ، والأهم نبلغ أخيرًا إلى فرضية البحث: إن إعلان موت الفن لدى هيغل وعي بالحداثة يضُمر رنين التخليق والتخلق لمابعد الحداثة. وسيكون ذلك من خلال إيضاح ما معنى موت الفن،وعلاقة موت الفن بموت العلم أيضًا{العلم بالمعنى الجزئي التجريبي} وبيان علاقة هذا الموت بقيمة(إكسيوم) الجديد والتي هي أحد أركانالحداثة. أهم ما يميز العلم الحديث هو : ظاهرة العزل أو التحييد. ومن هذه الظاهرة ولد أمرين في غاية الأهمية : أ- الترييض ب-الصناعة(تلسكوبعامود غاليليو الخ) عزل الظاهرة وخلق بيئة مناسبة لها من خلال عزل وابعاد{ مفهوم العزل انتقل ايضا إلى فلسفات القانون والسياسةوأعني فلسفات العقد الاجتماعي هوبز روسو رولز بينما كان الاجتماع صفة اساسية عند اليونان فهو يطبعه حيوان مدني} الكثير منالمتغيرات جعل إمكانية الترييض ممكنة أكثر مما كان عليه، ونحن نعرف أقوالًا عدة حول هذا الموضوع مع غاليلو وكبلر وديكارت الخ والعلاقةقد لا تبدو واضحة للوهلة الأولى إلا أنها تتضح حين نعي بأن الحداثة قامت على “الفردانية” ومن ثم “الذاتوية” وهذه النزعة الذاتية بدأتبخلق بيئة مناسبة لها لإجبار الطبيعة على التحدث ومن هنا أصبح الترييض ممكنًا، ولا أدل من ذلك فلسفة كانط النقدية عندما صار الزمانوالمكان ومقولات المنطق قبلية ونحن لا ندرك الواقع كما هو بل الظاهر أو ما يظهر ويتجلى وليس الشيء في ذاته، وقد أدرك فيلسوف العلمكواريه هذا الأمر ودافع عن نزعة أفلاطونية أنتصرت على أرسطو طاليس. وعلا كلا ليس سمة العلم الحديث “الجوهرية” هي الترييض بلالترييض نتيجة لسمة أساسية وأعني : تحييد الظواهر. أي خلق بيئة مصطنعة لدراسة ظاهرة ما. ولا يخفى علاقة هذه النزعة مع صعودالفردانية والذاتوية لذلك : أنا أفكر إذن أنا موجود. ومن جهة أخرى كان الإصلاح اللوثري منسجمًا مع روح العصر فلا يهم جزئياتالتجديدات اللوثرية ولكن الذي يهم هنا هو نقد العلاقة السلطوية بين الإنسان وربه كما تجسد ذلك في الكاثوليكية وخاصة بعد مجمع نيقية،فالإصلاح دعم الفردانية{علمًا بأنني أقر بأن تتبع الفردانية عبر التأريخ لا يحتمل هذا الاختصار فمنذ الحرية الرواقية والإله الأبيقوريوالقانون الروماني حتى ظهور الإله الإنسان والتعالي في الإسلام واللوثرية} عندما قال لا يحق لأحد أن يتوسط بين العبد وربه وليس هناكتأويل كهنوتي للكتاب المقدس، ولكل فرد الحق في التأويل، وهكذا بشكل سريع نلاحظ أنه من سمات الحداثة الرئيسية الفردانية(سياسيا) والذاتوية(فلسفيا) ما بعد الحداثة و سماتها من خلال مقولة (الجديد) هيغل وولادة ما بعد الحداثة: إن الفرضية البسيطة التي أريد طرحها هنا هي كالتالي: لحظة الوعي بالحداثة مع هيغل تم الوعي أيضًا بولادة ما صار يسمى ما بعدالحداثة؟ فالسؤال إذن كيف يكون ذلك ممكنًا؟  إنه منذ نص 1807 وهيغل يررد “الأزمنة الحديثة” وفي هذا النص أيضًا يطرح فلسفةً تؤرخ للوعي والوعي بالذات حتى عصره أي إكتمالالتاريخ وبلوغ الفكرة المطلقة. لكن النص الذي نجد فيه وعيًا بميلاد ما بعد الحداثة طرحه في دروس الاستطيقا، وتحديدًا فيما صار يسمى”موت الفن” لذلك ما أريد قوله تحديدًا من هذا النص هو : موت الفن وعي صريح بفقدان القيمة الجديدة. ورأينا بأن الجديد هو لب الحداثةإذا أخذنا هذا المفهوم بمعناه الإنطولوجي القوي. في بدء دروسه حول الاستطيقا يذكرنا هيغل بأمرين في غاية الأهمية في نظره: أن الجمال الفني أسمى من الجمال الطبيعي وزيادة علىذلك كل فكرة من حيث الشكل هي أسمى من أي نتاج طبيعي مما يعني أن الفن نتاج الروح، والأمر الثاني وهو مرتبط بالأول ما صار يسمى”موت الفن” حيث نجده يقول : فإنه من الثابت في هذه الحالة أن الفن لن يعد يحقق ذلك الإشباع للحاجات الروحية الذي كانت الأزمنةوالشعوب القديمة تبحث عنه في الفن(هيغل،٢٠١٤،ص٣٨) فثبت لنا أولًا روحنة الفن كون الجمال الفن أرقى من منتجات الطبيعة{وعليهسيكون نقد هيغل لمبدأ المحاكاة والذي ترسخ منذ أرسطو وخاصة في كتابه فن الشعر} وثانيا أن الفن لم يعد يشبع الإنسان الحديث أوإنسان الحداثة، فمن البدهي أن يكون السؤال: لماذا؟ وماذا يعني هيغل بموت الفن؟ إن السؤال الثاني سيقودني إلى اثبات الفرضية أعلاه،حيث يجب أن ندرك بدايةً أنني لا أنوي شرح فلسفة هيغل الاستطيقية وغاية الأمر هو بيان كيف شعر هيغل وأدرك العلاقة الانطولوجية بينالفن وقيمة الجديد.  بادئ ذي بدء : لا جديد تحت أشعة الشمس. أي أننا في كون مغلق، وكنت قد طرحت مفهوم الكون المُغلق في عِدة مناسبات قبل أن اكتشفبأن فيلسوف العلم كواريه قد استخدم ذات المفهوم بذات المعنى الذي أعنيه إلا أن المفهوم عنده سلبي حيث يجعله على الضد من مفهوم الكوناللامتناهي، وهو عنوان أحد كتبه المهمة. على كلًا الكون من حيث الرؤية المحايثة له مغلق ولا مجال فيه للتعالي، ولكن لا يعني أن كل محايثةتعتقد بأن الكون مغلق ولا قيمة للمطلق فيه، فنعلم أن سبينوزا يقول بالمحايثة إلا أنه يعتقد بأن الكون مطلق كونه لا يمايز بين جوهرين علىطريقة ديكارت فكلا الجوهرين أي الفكر والإمتداد تُحمل على الله أو الطبيعة. المهم أن الكون مُغلق كما أنه محدود بالزمان والمكان المتناهيين. ومن هنا نجد أن قيمة Axiology الجديد غير ممكنة من جهة الإعتبار الانطولوجية أو الميتافزيقية، وهذا ما يرد العالم المغلق إلى قاعدةفيزيائية بحتة. نعود إلى هيغل فنقول : بأنه أدرك أن الفن يقود إلى طريق مسودود وأنه يلغي بدوره قيمة الجديد لذلك كان لزامًا أن يموت الفنوأن يوجد منبع أخر منه تتولد القيم، وقبل ذلك نقول بأن الفن عنده هو : التجلي الحسي للفكرة. الفن يتولد عن مضمون ويكون المضمونمتنزل في شكل، وحسب ما يكون المضمون يكون الشكل والعكس صحيح، فيقسم هيغل أطوار الفن إلى ثلاثة مراحل: الرمزي، والكلاسيكي،والرومانسي. أن الفن في طوره الأول يكون ضعيف المضمون وينعكس ذلك على الشكل، وأما في طوره الثاني فيكون المضمون قد أكتمل فيالشكل أي الفن اليوناني بحيث أن الشكل المحسوس لا يمكن أن يبلغ أكثر مما بلغ يقول هيغل: لقد بلغ الشكل الكلاسيكي ذروة ما يمكن أنيفضي إليه تصير الفن حسيًا.(هيغل،٢٠١٤،ص١٠٨) وهنا نقطة في غاية الأهمية بالنسبة لي. أن المضمون عند هيغل هو روحي وفي الطورالكلاسيكي قد بلغ الفن أوج الحس لنتأول هذه الفقرة بعض الشيء. إذا كان الفن ملزم بتوسط المادة أي أنه يتخذ من المادة منطلقه فإنه منالبين أن المادة متناهية، فلو قلنا بأن العناصر أربعة هي الماء والهواء والتراب والنار وقلنا لفنان أن يبدع عملًا فنيًا خارج هذه العناصر لمااستطاع، وعليه نفهم قولة هيغل بأن الفن اليوناني بلغ أوجه وخاصة عندما ندرك بأن الفن اليوناني كان يؤمثل الصورة ولا ينسخها كماهي{من هنا كان غضب أفلاطون على المحاكاة الكاذبة إلا أنه وجد في الفن الفرعوني نموذجًا يحتذى به كونه يقوم على خطوط مستقيمة ومنثم محاكاة صادقة} لذلك هو بعبارة واضحة أي الفن اليوناني: بلغ أقصى ما تستطيعه المادة وما دون ذلك هو فن أيضًا إلا أنه يقاس بمعيارالكمال اليوناني{لا يهمني هنا تحقيق صحة القضية بقدر ما يهمني المعنى الفلسفي} وعليه لابد من منبع أخر نجد فيه ما هو جديد فالمادةكما رأينا بلغت أوجها. إن الحل الهيغلي هو حل ميتافزيقي قديم جدًا فهو يقول بطريقة ما: هناك عالم خلف العالم المغلق ومنه نعرف ونأتيبالجديد. لقد اختار هيغل طورًا ثالثاً هو كمال الفن أي الطور الرومانسي وفيه يقول : هذا العالم الجواني هو الذي يكون له ظاهر تلكالجوانية، تحتفل الجوانية بانتصارها على ما هو خارجي.(هيغل، ٢٠١٤،ص١١٠) ومن البين هنا أن هيغل كان على وعي بما يؤول إليه الفنلو أتخذ منطلقًا للحقيقة ففيه حد ينتهي إليه، وندرك بأن الفلسفة صراع منذ البدء بين التناهي واللاتناهي بين الفزيقا والميتافزيقا، بذلك رأيناكيف لجأ هيغل إلى العالم الجواني خوفًا من برانية الفن الكلاسيكي وقيد المادة، بذلك أثبتنا ما أرتأيناه من تأويل لهيغل، والأهم أنه فيالفيزيقا لا وجود “للجديد المطلق” وكل الأشياء تعد نسبية أي نسبة لشيء أخر ليس إلا، وهكذا نؤصل أرضية قوية لما بعد الحداثة من حيثمفهوم النقد ومفهوم الجديد وكذلك مفهوم التطور وغيرها لو طبقنا ما خرجنا به حتى الأن لتغيرت رؤيتنا للعالم، وكذلك لما فهمنا ما بعد الحداثةبطريقة تجعلها حداثية فالفارق بينهم لابد وأن يكون واضحًا وإلا لأصبحت ما بعد الحداثة ضربًا من التخريب واللعب.{ من الضروري أن نرفع دلالة اللعب بالمعنى التداولي أي تسخيف الشيء وتهميشه فاللعب أصبح كذلك بعد تأريخ طويل من مركزية الحقيقة وهذا ما سأذكره في مقام …

أكمل القراءة »