الرئيسية / منتخبات / عامة / الاحتجاج بالمغرب.. و جدل “الافتراضي” و”الواقعي”

الاحتجاج بالمغرب.. و جدل “الافتراضي” و”الواقعي”

دور الفضاء الرقمي في بناء خطابات احتجاجية جديدة

عبد العالي خليفة / المغرب

على سبيل التقديم:

     لقد ساهم ظهور مواقع التواصل الاجتماعي في توفير فضاءات احتجاجية منفلتة – ولو بشكل نسبي- من رقابة الدولة التي عملت على اختراق أغلب الفضاءات العامة الأخرى و السيطرة عليها، حيث لعبت هذه المواقع دورا محوريا في خلق فضاء مشترك لتقاسم المواقف و التعبير عن الآراء من القضايا  ذات الأبعاد السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية، و أصبحت تقدم نفسها كبديل موضوعي لوسائل الاعلام التقليدية، على أساس أن هذه الأخيرة صارت أداة إيديولوجية تخدم بالمقام الأول مصالح مالكي وسائل الانتاج و الاكراه داخل المجتمع. و قد عمل  نشوء هذه الفضاءات الجديدة على إحداث تحول نوعي على مستوى النقاشات العمومية داخل المجتمع، بحيث أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي تشكل قوة ضاغطة من شأنها أن تعمل على خلق رأي عام معين، أو توجيه قرار سياسي ما؛ و ذلك نظرا لقدرتها على الحشد و فعاليتها في الاستقطاب و التنظيم، و كذا  لصعوبة اختراقها أو السيطرة عليها من طرف الدولة، و هذا ما يجعلها ” فضاء متنازعا عليه من طرف فاعلين  متعددين بهويات مختلفة، يحاولون أن يستخدموا هذا الفضاء بما يتلاءم مع أهدافهم[1]“. فبعد سنة 2011؛ أصبحنا نلاحظ بأن الساحة السياسية المغربية تعيش على إيقاع مفارقة تتمثل بالأساس في “أن الاهتمام الزائد للشباب بالسياسة، يقابله امتناع مفرط عن المشاركة و الممارسة المؤسساتية فيها[2]“، الشيء الذي يضعنا أمام فكرة تنطلق من كون أن الأنترنت أصبح يتيح للأفراد إمكانية التعبير عن آرائهم حول القضايا السياسية و الاجتماعية في فضاءات جديدة تختلف عما كان سائدا خلال الفترات السابقة. فارتباط الشباب بالسياسة خلال هذه الفترة أصبح أكثر قوة، و ذلك مرده إلى الدور الأساسي الذي لعبته وسائل التواصل الاجتماعي “في تشكيل الآراء و المواقف السياسية، و الانخراط بشكل سهل في مناقشة القضايا التي تهم الرأي العام. كما ساهمت في عودة العديد من الفئات الاجتماعية “المبعدة” إلى ممارسة السياسة بطرقها و وسائلها الخاصة، لا سيما فئة الشباب التي يمكن أن نقول بأنها “نجحت نسبيا “في نقل السياسة إلى فضاءات تحسن اللعب فيها[3]“.

احتجاجات “الربيع الديمقراطي”..ممكنات القراءة

يمكن رصد بوادر بداية ما سمي ب”الربيع الديمقراطي” انطلاقا من أواخر سنة 2010، حيث لاحت في الأفق “موجة من الانتفاضات والثورات والحراك الغني والهادف إلى اسقاط التسلط بنماذجه المتعددة، والدخول في عملية انتقال إلى أنظمة ديمقراطية تتجاوز التسلط، ولو بنجاحات نسبية وإخفاقات متوقعة ومتعددة ومختلفة حسب أوضاع هذه البلدان ومستوى قدرات الجمهور والتكتلات الاجتماعية والسياسية الطامحة إلى الديموقراطية[4]“. فقيام ما سمي ب”الربيع الديمقراطي”؛ هو نابع بالأساس عن تراجع الثقة بين الشعوب والأنظمة الحاكمة، و كذا تفشي “الفساد”؛ سواء المالي منه أو السياسي، وعجز الحكومات عن الاستجابة لمتطلبات الحياة الأساسية للأفراد، وعن توفير فرص للشغل والعيش الكريم. فاستمرار حالة الإحباط لدى فئات واسعة من الشباب بسبب البطالة وتردي الأوضاع المعيشية و استشراء “الفساد” وتجذره داخل مؤسسات الدولة؛ كلها عوامل كان لها بالغ الأثر في محاولة انفلات الأفراد من قبضة “نظام متكامل ذي  أشكال متنوعة من التسلط، أو من باراديغم التسلط الذي حكم المنطقة لعقود طويلة و بدأ يسقط معه هذه الانتفاضات الشعبية، لتدخل المنطقة العربية في مرحلة انتقالية طويلة و معقدة تسعى خلالها إلى تلمس الديمقراطية[5]“. و يعتبر الباحث حسن كريم أنه من بين أهم العوامل التي أدت إلى اندلاع ثورات ما سمي “بالربيع الديمقراطي”؛ نجد “التغيير الذي طرأ على دور الدولة و أدى إلى تراجع وظيفتها “الرعائية” في المجالات الاجتماعية، و ارتفاع أسعار الغذاء، والأزمة المالية العالمية، فضلا عن أثر الثورة المعلوماتية وتغير الثقافة السياسية لدى فئات واسعة من الشباب[6]“، هذا بالإضافة إلى “اصطدام الفئات المحبطة من الشباب بواقع تفشي الفساد المعمم، وبتخلف النظام السياسي وتسلطه، واستشراء استثمار مواقع المسؤولية لصالح المنفعة الخاصة[7]“.

تصنف “ثورات الربيع العربي” عادة، بكونها “ثورات” شبابية بامتياز؛ حيث عملت هذه الفئات على محاولة القطع مع مجموع الممارسات “اللاديمقراطية” التي كانت تطبع أنظمة الحكم داخل المجتمعات التي ينتمون إليها، حيث أنه “كان واضحا أن فئة الشباب اضطلعت بالدور الأبرز في إطلاق و تنظيم التحركات الشعبية، التي تجاوزت العفوية بعد وقت من انطلاقتها واكتسبت قدرة على الضبط والتنظيم[8]“. ففئة الشباب حسب مجموعة من الباحثين الذين اهتموا بدراسة الموضوع؛ تحملت جزء كبيرا من مسؤولية قيادة هذه “الانتفاضات”، حيث وقع عبء “بدء التحركات وانطلاقاتها على عاتق فئات شابة جديدة تعبر عن تطلعات مشتركة توحدها ضد غول التسلط و تطمح إلى نظام أكثر ديمقراطية و عدالة و حداثة[9]“. فهذه الفئات الشبابية؛ أصبحت تنتج خطابات احتجاجية جديدة رافضة لما هو قائم من الأوضاع، وهذا ما دفعها  إلى التوجه “نحو البحث عن قنوات و مسارات أخرى للمشاركة الاجتماعية، و تجسدت على سبيل المثال بظهور نماذج جديدة من منظمات المجتمع المدني الضخمة…أو بانخراط الشباب في  حركات اجتماعية ذات طابع احتجاجي مثل…روابط “الألتراس”[10]“.و قد لعبت مواقع التواصل الاجتماعي  دورا مركزيا في انتفاضات ما سمي “بالربيع العربي/ الحركات الاجتماعية بكل من شمال إفريقيا و الشرق الأوسط”، حيث مهدت لبروز خطابات و تعبيرات احتجاجية جديدة حول السلطة، و بلورت آليات متجددة للتفاعل مع القضايا السياسية القائمة، وذلك من خلال الانخراط في النقاش العمومي عبر انتاج خطابات ذات مرجعيات مختلفة ومتنوعة، باختلاف و تنوع المشارب الإيديولوجية و الانتماءات الاجتماعية و الفكرية للفاعلين داخلها، و هذا ما شكل فضاء عموميا افتراضيا يتيح أمام الأفراد امكانية انتاج خطابات مناهضة و مقاومة لأشكال التسلط و الظلم المستشرية داخل هذه المجتمعات، الشيء الذي دفع الأفراد في لحظة معينة إلى نقل الاحتقان الذي تعرفه المجتمعات داخل المنطقة العربية من مستواه الافتراضي إلى الواقع الفعلي، و أصبح الفضاء الرقمي  يشكل سلطة تنظيمية تعمل بالأساس على توجيه “المجتمعات و الأفراد نحو اختيارات سياسية و اجتماعية و اقتصادية مغايرة لتلك التي تراهن عليها أو تشتغل من خلالها السلطة السياسية القائمة[11]“. و قد كان الشباب المغربي خلال تلك الفترة غير بعيد عما يعتمل في الساحة المجتمعية من دينامية احتجاجية، و هذا ما جعله آنذاك يعبر عن “مزاج الشارع الغاضب، و كان في الوقت ذاته يجسد رؤية جيل جديد عصي على الخضوع”، و هذا ما تجسد من خلال ما سمي بحركة 20 فبراير التي اتخذت  من شبكات و وسائل التواصل الاجتماعي – باعتبارها مجالات يصعب ضبطها و مراقبتها من طرف الدولة- مجالا للتعبير عن مواقفها من القضايا السياسية و الاجتماعية القائمة، و التعبير بشكل علني عن آرائها المتعلقة بالسياسات العمومية التي تنهجها الدولة داخل مجالات حيوية متعددة كالتعليم و الصحة و التشغيل…جاعلة منها بوابة لظهور جملة من الأفعال الاحتجاجية الأخرى من وقفات، و مسيرات، و عرائض… و عمدت إلى “خلق مجال افتراضي سياسي حر، و صحافة إلكترونية بديلة من وسائل الاعلام التقليدية المكممة[12]“، التي تعمل –نظرا لطبيعتها- على تزييف الواقع و قلب معالمه، و ذلك نظرا لكونها أداة أيديولوجية تعتمد عليها الدولة لتبرير القرارات و الخيارات التي تقدم عليها، و عملت كذلك على تحويل وسائل التواصل الاجتماعي إلى آلية للضغط و لتحقيق المطالب التي تصبوا إليها، و ذلك على أساس أن هذه الوسائل تلعب دورا هاما في نشر مطالبها و التفاعل معها على مدى واسع.

الحركات الاحتجاجية و الفضاء الرقمي.. سؤال الثابت و المتغير

لقد شكلت مواقع التواصل الاجتماعي قوة ضاغطة لصالح الحركات الاحتجاجية ” للإدلاء بآرائها و التعبير عن مواقفها من القضايا ذات الطابع السياسي و الاجتماعي، و ذلك نظرا لما تتيحه من إمكانات متعددة و مختلفة للتأثير على الرأي العام و توجيه القرار السياسي، و شكلت للأفراد فضاء جديدا للتعبير و النقاش حول قضايا كانت في الماضي القريب حكرا على دوائر صنع القرار. و نظرا للزخم الكبير الذي كسبته شبكات التواصل الاجتماعي؛ فقد أصبحت هذه الأخيرة تلعب دورا بديلا للإعلام التقليدي، الذي كان يستخدم من طرف الأنظمة الحاكمة لتوجيه الرأي العام و تحوير النقاشات العمومية. وقد شهدت شبكات التواصل الاجتماعي خلال الآونة الأخيرة تحولات عميقة، بحيث انتقلت من كونها أداة للترفيه و التواصل، إلى فضاء للحشد و التعبئة، و للنقاش حول القضايا ذات الأبعاد الاجتماعية و السياسية و الثقافية، و قد غيرت “هذه البيئة التواصلية الجديدة في علاقات السلطة كثيرا، حيث بين كاستلز نتائج هذا التطور على السيرورات السياسية و الحركات الاجتماعية. ففي كتابه سلطة التواصل Communication Power الذي نشره عام 2009، اعتمد كاستلز على تحليل الشبكات و تقنيات التواصل لتطوير نظرية جديدة للسلطة في عصر المعلومات. فعلاقات السلطة هي العلاقات المؤسسة للمجتمع بالنسبة إلى الذين هم في وضعية سلطة، حيث يشكلون المؤسسات و معايير المجتمع بتوظيف مصالحهم و قيمهم[13]“. لكن وسائل التواصل الاجتماعي اليوم، أصبحت تتيح للحركات الاحتجاجية  إمكانات عديدة لنشر خطابها و التعبئة له، و مكنتها من تجاوز مجموعات من الصعوبات التي كانت تطرح أمام الحركات الاجتماعية التقليدية، خاصة تلك المتعلقة بثنائيات “الزمان و المكان من جهة أولى، و المحلي و العالمي من جهة ثانية؛ لأن الزمان و المكان في وجود هذه التقنيات يتحول إلى زمان لا زمني، و المكان يتحول إلى مكان للتدفقات؛ لأن عملية التعريف بقضية محلية و تحويلها إلى قضية وطنية أو دولية اليوم، لم تعد تستنزف الحركات الاجتماعية زمنيا؛ لأن عملية التعريف بالقضايا التي كانت تأخذ زمنا طويلا من زمنها، أصبحت اليوم تأخذ بضع ساعات أو أيام. و المكان الذي كان يكلف الحركات الاجتماعية جهدا كبيرا لانتزاعه من الدولة و تحويله إلى مكان احتجاجي، أصبح اليوم مكانا افتراضيا منفلتا من رقابتها[14]“.

الاحتجاج.. و الحدود الممكنة بين “الافتراضي” و الواقعي”

يشكل الفضاء العام، في بعده الفزيقي، شرطا ضروريا لإنتاج الفعل الجماعي الرامي إلى تغيير الأوضاع القائمة داخل مجتمع بعينه، و يبرز ذلك بشكل جلي من خلال احتلال الحركات الاجتماعية و الاحتجاجية للفضاءات العامة كالشوارع و الساحات…و ذلك للتعبير عن مواقفها من السياسات العمومية، و كذا القضايا ذات الأبعاد السياسية و الاقتصادية و الثقافية، لكن و في ظل تطور وسائل التواصل الاجتماعي؛ لم يعد الفضاء العام الفزيقي هو البوابة الوحيدة لبلورة الخطابات الاحتجاجية، بل أصبح الفضاء الرقمي يتيح للأفراد إمكانية الانخراط في النقاشات العمومية عبر تقنيات التواصل الحديثة، و ذلك لتلافي الصدام مع قوات حفظ الأمن العام. في هذا الصدد؛ يمكن العودة إلى المشروع الفكري الذي بلوره إيمانويل كاستلز، و الذي تناول فيه دراسة الفضاء العام بطرقتين مختلفتين على الأقل، “ففي معرض دراسته للظواهر الحضرية، ركز كثيرا على الفضاءات العامة الفزيقية مثل: الشوارع، و الساحات، و الميادين العامة؛ باعتبارها الفضاءات التي يتشكل فيها الفعل الجماعي للحركات الحضرية، في حين، أعاد تناوله بشكل مختلف أثناء دراسته للحركات الاجتماعية الشبكية، التي تتشكل ملامحها الأولى في مواقع الشبكات الاجتماعية، حيث يقول إن “شبكات الاتصال تقوم بإيصال رسائل الحركات الاجتماعية إلى جمهور واسع إلى حد أكبر بكثير من أي مساحة عامة عرفها التاريخ؛ و لها من القدرة ما يكفي لإعادة تشكيل العقل العام و توجيهه”[15]“. في هذا الصدد؛ يرى إيمانويل كاستلز بأن لجوء الحركات الاجتماعية إلى خلق فضاءات رقمية* جديدة للاحتجاج، بالإضافة إلى الفضاءات الفزيقية، تجعلنا أمام “فضاءات هجينة تتشكل في عالمين يصعب تحديد حدودهما و قياس درجة تأثير أحدهما في الآخر، و الفصل بينهما باستخدام ثنائية الافتراضي و الواقعي مجانب للصواب، لأن هذه الفضاءات كما الواقع تبنى بالتفاعل المستمر بين الافتراضي و الواقعي[16]“. و هذا ما يبين أهمية الفضاءات الرقمية و مواقع التواصل الاجتماعي بالنسبة للحركات الاجتماعية و الاحتجاجية الساعية إلى رفع عقيرتها بالصراخ في وجه المسؤولين على تردي الأوضاع داخل المجتمعات التي ينتمون إليها. فمع انبلاج فجر الفضاءات الرقيمية الجديدة؛ أصبح الأنترنت حسب كاستلز “منصة للتعبير عن شعورين مختلفين يصلان إلى حد التناقض، لكن الثاني هو نتيجة للأول و هما الغضب و الأمل.[17]“، بحيث أن غضب هؤلاء يصير أمل للتغيير، و للانتقال إلى مجتمعات حديثة تشغل فيها الديمقراطية و حرية التعبير الحيز الأكبر. فتعبير الأفراد عن غضبهم بشكل علني و مباشر داخل الفضاءات العامة، سواء الفزيقية منها أو الافتراضية، و كذا تغلبهم على المخاوف و الاحباطات، يخلق أملا في التغيير، و يؤسس لمجال يوفر شروط العيش المشترك.

 لقد “أتاحت شبكات التواصل الاجتماعية الحديثة للأفراد في كل أنحاء العالم مساحات واسعة للتعبير عن يأسهم و سخطهم و غضبهم من الممارسات السلطوية للأنظمة السياسية، و من ضعف أداء الحكومات، و من التدليس الذي تمارسه وسائل الاعلام، و من احتكار الشركات الكبرى للخيرات[18]“. فالأنترنت حسب كاستلز هو تلك المساحة التي تسمح للأفراد بتحويل ” خوفهم إلى غضب، و غضبهم إلى أمل. بحيث يصبح الشعور بالغضب هو الدافع الأساسي لإسقاط حاجز الخوف، و بداية لتشكل حركة عفوية تتسع رقعتها و تزيد شرارتها كلما اتسعت دائرة الغاضبين و الآملين في التغيير[19]“، لتتحول إلى فعل جماعي منظم يسعى إلى تحقيق أهداف بعينها.

تخريج:

لقد عمل الفضاء الرقمي على خلق فرص جديدة لتعزيز قيم الحرية و الديمقراطية، و لا سيما أن مواقع التواصل الاجتماعية أضحت فضاء للممارسة السياسية من خلال ما يسمى ب”النشاط السياسي الرقمي”، و أصبح “الاحتجاج الرقمي” يقدم نفسه في بعض الأحيان كبديل عن الاحتجاج الواقعي، و ذلك من منطلق تفادي الأفراد للصدام مع قوات حفظ النظام. و قد أصبحت الحركات الاحتجاجية تعمل على  خلق شبكات واسعة للتواصل داخل الفضاء الافتراضي، و جعلت منها  بوابة لإنتاج خطاب مليء بالهواجس الاجتماعية و السياسية، و ذلك للتعبير عن ما يعانيه المجتمع من “مظلومية” و “تهميش” و “تبئيس”. وقد برزت  هذه التحولات المجتمعية المرتبطة بالطفرة الرقمية و تطور وسائل الاتصال في ظل “قصور” باقي البنيات الاجتماعية من أسرة، و أحزاب، و مجتمع مدني… عن مواكبة هذه التحولات التي أصبح الشباب اليوم فاعلا أساسيا فيها، و هذا ما جعلنا أمام الانتقال من الفرد المتواصل إلى ما يسمى بالفرد المتصل. فتبني فئات عريضة من المجتمع المغربي لفعل الاحتجاج؛ سواء في مستواه الافتراضي أو الواقعي؛ يحيل بالأساس إلى مناخ اجتماعي عام بات الاحتقان  الاجتماعي والسياسي عنوانه البارز، و يأتي ذلك في  ضوء عجز الفاعلين السياسيين عن تدبير القضايا الاجتماعية المطروحة، بما يفضي إلى إحلال نوعٍ من التوازن بين الفئات الاجتماعية، وذلك لغاية الحفاظ على حد أدنى من السلم الاجتماعي.
فارتفاع منسوب الاحتجاج، وتمدّده في اتجاه فئاتٍ اجتماعية مختلفة، يعكس بالدرجة الأولى طلبا متزايدا على الخدمات الاجتماعية الأساسية، و يحيل في المقابل على “إخفاق” القائمين على الشأن العام بالتفاعل مع هذه المطالب؛ خاصة في ظل محدودية الاقتصاد المغربي، و عجزه عن تجاوز معضلاته البنيوية، خصوصا أمام تنامي وعيٍ جديدٍ بأهمية الحقوق الاجتماعية و الاقتصادية من طرف الأفراد داخل المجتمع. “و لأن الاحتجاجات ذات المطالب السوسيواقتصادية هي الأكثر حضورا في المشهد المغربي، فإن منطق الأمن القامع و الدولة التحكمية يظل أيضا هو الأكثر حضورا في التعاطي مع الحركات الاحتجاجية[20]“، وذلك من خلال اعتماد أليتي “الاحتواء والإدماج لامتصاص الاحتقان وتكريس المشروعية[21]“. وفي ظل هذا التهميش، والعنف المتواصل؛ يصير “الاحتجاج تنفيسا محتملا للسخط المتراكم، ومحاولة بمقدار للرد على ما أنتج قبلا من تعنيف، وهو بذلك لا يقدم فقط خدمة حيوية للأجهزة الأمنية، لقياس درجة الاحتقان في المجتمع، بل يفيدها أيضا في تفريغ الغضب الشعبي و تلافي المواجهات الدموية التي تنتج عن الكبت و القمع المستمر[22]“.


[1]  أمغار مولود، “آليات السيطرة و المقاومة في عص المعلومات: المجتمع الشبكي لدى مانويل كاستلز”، مؤمنون بلا حدود، العدد 14، (المغرب: 2020)، ص 12، (تم الاطلاع عليه بتاريخ 14/06/2021).

[2]  أمغار مولود، خطابات المقاومة في الفضاء العام: دراسة ميدانية للخطابات التي أنتجها نشطاء حركة 20 فبراير ما بين 2011-2014( مراكش: فضاء آدم، 2020)، ص69.

[3]  أمغار مولود، خطابات المقاومة في الفضاء العام: دراسة ميدانية للخطابات التي أنتجها نشطاء حركة 20 فبراير ما بين 2011-2014( مراكش: فضاء آدم، 2020)، ص 70.

[4]  نفس المرجع السابق، ص 11.

[5]  نفس المرجع السابق، ص 13.

[6]  نفس المرجع السابق، ص 13.

[7]  كريم حسن و آخرون، الربيع العربي: ثورات الخلاص من الاستبداد دراسة حالات (بيروت: دار شرق الكتاب للنشر، 2013)، ص 15.

[8]  نفس لمرجع السابق، ص 16.

[9]  نفس المرجع السابق، ص 17.

[10]  نفس المرجع السابق، ص 54.

[11]  الإبراهيمي زكرياء، “الإنترنت بين صناعة السلطة و الهويات السياسية الجديدة”، مؤمنون بلا حدود، العدد 14، (المغرب: 2020)، ص 4، (تم الاطلاع عليه بتاريخ 15/06/2021).

[12]  العجاتي محمد و آخرون، جيل الشباب في الوطن العربي و وسائل المشاركة غير التقليدية من المجال الافتراضي إلى الثورة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2013)، ص 57.

[13]  الغزواني إدريس، “مانويل كاستلز و مفهوم مجتمع الشبكات من المجتمع إلى الشبكة: نحو مقاربة تأويلية للهوية و السلطة في عصر المعلومات“، مجلة عمران، العدد 9/33، (المغرب: 2020)، ص 150.

[14]  نفس المرجع السابق، ص 19.

[15]   أمغار مولود، “آليات السيطرة و المقاومة في عص المعلومات: المجتمع الشبكي لدى مانويل كاستلز”، مؤمنون بلا حدود، العدد 14، (المغرب: 2020)، ص 19-20، (تم الاطلاع عليه بتاريخ 14/06/2021).

[16]  أمغار مولود، “آليات السيطرة و المقاومة في عص المعلومات: المجتمع الشبكي لدى مانويل كاستلز”، مؤمنون بلا حدود، العدد 14، (المغرب: 2020)، ص 20، (تم الاطلاع عليه بتاريخ 14/06/2021).

[17]  نفس المرجع السابق، ص21.

[18]  نفس المرجع السابق، ص 21.

[19]  أمغار مولود، “آليات السيطرة و المقاومة في عص المعلومات: المجتمع الشبكي لدى مانويل كاستلز”، مؤمنون بلا حدود، العدد 14، (المغرب: 2020)، ص 21، (تم الاطلاع عليه بتاريخ 14/06/2021).

[20]  العطري عبد الرحيم، الحركات الاحتجاجية بالمغرب: مؤشرات الاحتقان و مقدمات السخط الشعبي (الرباط: دفاتر وجهة نظر (14) مطبع النجاح الجديدة، 2008 )،ص 210.

[21]  نفس المرجع السابق، ص 248.

[22]  نفس المرجع السابق، ص 255.

****

فصائل الألتراس المغربية: بين “تأطير” الجمهور و “مسرحة” الاحتجاج

15 أغسطس 2022 عامةمتابعاتمجلات التعليقات على فصائل الألتراس المغربية: بين “تأطير” الجمهور و “مسرحة” الاحتجاج مغلقة

عبد العالي خليفة/ المغرب على سبيل التقديم:      إن الجرأة المنهجية “شرط وجودي” لإنتاج سوسولوجيا نوعية تهفو إلى تحليل وفهم الظواهر الاجتماعية. فحاجة المجتمعات اليوم إلى “سوسيولوجيا أكثر اقترابا من قضايا المجتمع؛ بات أمرا ملحا في راهننا هذا[1]“؛ أي معرفة تواكب إفرازات الاجتماعي وتنشد الفهم الواعي للظواهر. فالسوسيولوجيا “كما يقول …أكمل القراءة »

مجموعات الألتراس: بين التشجيع الرياضي والاحتجاج السياسي

9 يوليو 2020 تغطيةجرائدمتابعات التعليقات على مجموعات الألتراس: بين التشجيع الرياضي والاحتجاج السياسي مغلقة

*عبد العالي خليفة ماستر السوسيولوجيا و التحولات المجتمعية/ جامعة القاضي عياض- مراكش على سبيل التقديم :         لقد أصبحت ظاهرة “الألتراس” عبر العالم تعبيرا صريحا عن ذلك التباين الثقافي و الاجتماعي الذي تجسده هذه الحركة داخل المجتمعات التي تنشط داخلها، بحيث عملت هذه المجموعات على بناء كيانها الخاص، و على …أكمل القراءة »

الكاتب صادق اطيمش في كتابه: اشكالية الدين والهوية – بحث في المسكوت عنه

3 أبريل 2022 عامةمفاهيممقالات التعليقات على الكاتب صادق اطيمش في كتابه: اشكالية الدين والهوية – بحث في المسكوت عنه مغلقة

خليل مزهر الغالبي – العراق في البدء ارى صواب عنونة الكتاب بمسيها “اشكالية الدين والهوية –بحث في المسكوت عنه” للكاتب الدكتور “صادق اطيمش” فقد كانت مدخل قبول للمتن المختص، حيث تواجدت العنونة بدلالاتها وتوسعت في تواجدها هذا وبوضوح داخل متن الكتاب ،ومن تحليلها المسند بالمعلومة والتاريخ واسباب وجودها وتناولها المنطقي …أكمل القراءة »

نيتشه بين رطانة الألمانية وأناقة الفرنسية

27 فبراير 2021 دراسات وأبحاثفلاسفةمجلات التعليقات على نيتشه بين رطانة الألمانية وأناقة الفرنسية مغلقة

محمّد صلاح بوشتلّة «إنني صرت أُفضّل قراءة شُوبنهَاور بالفرنسية». نيتشه. إنه وإن كان إميل سيوران (1911-1995) يتبرّم من أربعين ألف سنة من تاريخ لُغة بني البشر، بعلة أنّه لا يجد فيها حرفًا واحدًا يصفُ من خلاله الشّعور بالغيض الذي بداخله، على أتمّ ما هو ذلك الشّعور. ويُسَاوِقه في هذا خورخي …أكمل القراءة »

نقد الدين عند هابرماس 3-3

16 أكتوبر 2020 دراسات وأبحاثفلاسفةمجلاتمفاهيم التعليقات على نقد الدين عند هابرماس 3-3 مغلقة

خلدون النبواني  خلدون النبواني “الدين والفضاء العام”: سيتوضح موقف هابرماس ومطالبه بتغيير نظرة الدولة الحديثة ومواطنيها العلمانيين نحو دور الدين والمتدينين في الحياة السياسية أكثر في مقاله الثالث والأخير من كتاب بين الطبيعانية والدين والمعنون ﺑ “الدين والفضاء العام”. يُبرّر هابرماس، مرة جديدة، هنا اهتمامه بالمسألة الدينية لكونها فرضت نفسها …أكمل القراءة »

الفيلسوف ابن رشد[1] و مختصر سؤال الحرية

9 مايو 2020 دراسات وأبحاثرشيد العلويفلاسفة التعليقات على الفيلسوف ابن رشد[1] و مختصر سؤال الحرية مغلقة

عبد الكبير الوهابي انجاز: عبد الكبير الوهابي*[2] لقد ارتأينا أن نخصص هذا الكلام الذي سنعرضه في هذا المقام لموضوعة  فكرية أساسية من تاريخ النقاش الفكري الإسلامي خاصة في العصر الوسيط  و بالتحديد لدى الفيلسوف القرطبي أبي الوليد  بن رشد، وهي قضية الحرية باعتبارها واحدة من القضايا الدينية و الوجودية الهامة …أكمل القراءة »

قصة الـ “ما بعد” The post

7 مايو 2020 دراسات وأبحاثعامةمفاهيم التعليقات على قصة الـ “ما بعد” The post مغلقة

سامي عبد العال  سامي عبد العال  ليس هناك أبرز من تَعلُّق الإنسان بالجديدِ، دفعاً لوطأة المألوف أحياناً وكنوعٍ من احراز التّميُز في أحايين سواها. لكنَ لأنَّ الجديد قد يُمثلّ المفاهيم المنقُولة إلينا( عبر النصوص الكبرى لفلاسفة الغرب)، فإنّه يضعنا تحت طائلةِ الاستفهام. حيث أمسينا نفكر داخل لغةٍ لم تُنحت مصطلحاتُّها …أكمل القراءة »

مقاربة سوسيولوجية للجسد

22 يناير 2020 بصغة المؤنثعلم الإجتماعمجلات التعليقات على مقاربة سوسيولوجية للجسد مغلقة

رشيد العيادي : طالب بسلك الماستر ، جامعة ابن زهر سوسيولوجية الجسد وتفكيرها إبستيمولوجيا إن الوعي بالعوائق الابستيمولوجية لهو بتلك القيمة المنهجية الصارمة تجاه موضوع البحث ،بحيث يمكّن دائما من ممارسة اليقظة العلمية التي تجعل الباحث حذرا تجاه أي عائق ابستيمولوجي « obstacles épistémologiques » يمس إنتاج المعرفة السوسيولوجية. هذه العوائق التي …أكمل القراءة »

معاثر الإنقلاب الأنطولوجي في فكر مارتن هايدغر

25 مايو 2018 دراسات وأبحاثفلاسفة التعليقات على معاثر الإنقلاب الأنطولوجي في فكر مارتن هايدغر مغلقة

المدخل المنهجيّ: الانعطاف من الإنسان إلى الكينونة.    لا يستطيع المرء أن يدرك مقاصد الفكر الذي أنشأه الفيلسوف الألمانيّ مارتن هايدغر (1889-1976) ما لم ينظر نظرًا صبورًا في التحوّل الذي طرأ على مسيرته الفلسفيّة وإنتاجه الممتدّ على ستّة عقود من الزمن. فالبحث عن مقام الإنسان في العمارة الفكريّة التي شيّدها هايدغر يستوجب الإلمام 

شاهد أيضاً

الكتابة والنساء والسترات الصفراء: حوار مع الكاتبة آني إرنو

أجرت الحوار: نيللي كابريليان (Nelly Kaprièlian) ترجمة: عبد السلام اليوسفي بينما يرد اسم الكاتبة آني …