الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / حركة الأجسام بين التفسير العلمي و اللاهوتي من منظور إسحاق نيوتن

حركة الأجسام بين التفسير العلمي و اللاهوتي من منظور إسحاق نيوتن

يوسف الطاسي

يوسف الطاسي*

تقديم

ترمي هذه المساهمة إلى إبراز الأسس والخلفيات المعرفية التي استند إليها نيوتن لتفسير  حركة الأجسام والكواكب، خاصة تلك الأسس التي عرضها في كتابه ” Principes Mathématiques de la philosophie naturelle”[1]، والذي شكلت طروحاته منعطفا منهجيا وابستيمولوجيا في تاريخ العلوم. حيث أصبح من الممكن بلورة تصور منسجم للظواهر الكونية، والفضل في ذلك يرجع إلى إسهاماته، التي أرسى من خلالها دعائم العلم الحديث “متلافيا بذلك بعض الثغرات والنقائص التي طبعت مواقف سابقيه خصوصا غاليليو وكبلر. لذا فأعماله تكمل الثورة العلمية للعصر الكلاسيكي”[2]. ولعل ما يؤكد ذلك قوله المأثور “إذا كنت رأيت أبعد مما رأى الآخرون، فلأنني رأيت وأنا واقف على أكتاف العباقرة”.

يُعدّ هذا الاعتراف بمثابة أعظم درس أخلاقي في العلم الحديث، والذي جسده نيوتن باعترافه الذي يقر من خلاله أن كل اكتشافاته ليست إلا نقطة صغيرة من هذا العالم، وهذا ما عبر عنه في نهاية حياته بقوله: “لا أعرف كيف سأبدو للعالم ولكن لنفسي أبدو كطفل يلعب على شاطئ بين فينة وأخرى بالعثور على حصاة ملساء أو صدفة أجمل من المعتاد بينما المحيط الكبير للحقيقة ممتد أمامي غير مكتشف كليا”[3].

ومراعاة للبعد المنهجي، أرى من الضروري تقديم لمحة مختزلة عن كتاب المبادئ، لكونه سيشكل مدخلا توجيهيا للسؤال الذي نسعى إلى مقاربته في هذه الورقة.

يُقدّم كتاب المبادئ عرضا نظريا متكاملا عن حركة الأجسام ونظامها في العالم. يتكون من ثلاثة أجزاء. تناول في الجزء الأول، نظرية الديناميكا الرياضية العامة، بتحديد بعض التعاريف لمفاهيم أساسية: كالقوة، والمكان والزمان، المطلق والنسبي، وتدقيق القوانين الثلاثة الأساسية لحركة الأجسام بطريقة أكسيومية”[4]، وكذا المدارات السائرة فيها. أما الجزء الثاني فيتعلق  بدراسة حركة الأجسام الصلبة والسائلة في الأوساط المقاومة[5]، حيث عمل فيهما على تقديم “علم الميكانيكا على شكل نظام فرضي استنتاجي جمع فيه أبحاث العلماء الذين سبقوه وأبحاثه الشخصية. وقد صاغ مجموع نتائج هذه الأبحاث صياغة أكسيومية”[6]، بينما خصص الجزء الثالث “لعرض نظريته في نظام الكون، وهو نظام طبق فيه القوانين التي توصل إليها في الجزئين الأول والثاني، على مجموعة المشاكل التي كانت تناقشها فلسفة الطبيعة”[7].  لذلك يبقى هذا الكتاب من أهم المؤلّفات التي أولت للظواهر الطبيعية اهتماما كبيرا، حيث أصبح من الممكن دراساتها اعتمادا على معادلات رياضية، و”الهدف من هذه العملية هو قياس وتكميم الظواهر بدقة هي دقة الرياضي”[8].

كما سنعمل إلى جانب ذلك على كشف التفسير اللاهوتي للحركة في إسهامات نيوتن، الذي توحي به مجموعة من المفاهيم التي وظفها مثل مفهوم “الدفعة الأولى”، و”قوة الجذب” وغيره. وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل عن طبيعة هذه القوة؟ ومن وضع وحدد تلك القوانين والأنظمة التي يسير وفقها الكون؟ هل خاصية الجذب خاصية ذاتية للمادة ( الامتداد، الحركة، الصلابة..) أم أنها شيء خارج عن هذه الصفات؟

أولا: التفسير العلمي للحركة

يقوم التفسير العلمي للحركة عند نيوتن على ثلاثة قوانين: يعرف الأول في تاريخ الفيزياء، بقانون العطالة، والذي عبّر عنه بما يلي: أن “كل جسم يظل على حالته، ساكنا أو يستمر في حركته، على خط مستقيم وسرعة ثابتة، ما لم تؤثر عليه قوة خارجية تغير حالته”[9]. بمعنى أن الجسم يظل في حالته الطبيعية، أي شبه معزول ميكانيكيا، مادامت لم تؤثر عليه أي قوة خارجية قادرة على تغيير شكله وحركته. وبلغة أخرى، تبقى الأجسام في حالة عطالة، أي أنها غير قادرة على القيام بأي حركة انطلاقا من ذاتها. والصيغة الرياضية لهذا القانون تكتب على الشكل التالي: . (تعبر m عن كتلة الجسم، و V عن سرعته، وK قيمة ثابتة)، وبهذا فنيوتن يتصدى بشكل ضمني للتفسير والتصور الميتافيزيقي القديم، الذي كان يعتبر أن الأجسام قادرة على تحريك ذاتها انطلاقا من الأرواح/الآلهة التي تسكنها بغض النظر عن طبيعتها شريرة كانت أم خيرة.

 والقانون الثاني، خاص بدراسة الأجسام المتحركة، الذي يؤكّد على أنه “إذا تغيرت حركة جسم ما، فإن هذا التغير يكون متناسبا تناسبا طرديا مع القوة الخارجية، وتناسبا عكسيا مع كتلة الجسم، ويتم هذا التغير في اتجاه تلك القوة”[10]. يتحدث نيوتن في هذا القانون، عن تغير الحركة تبعا للمسار الذي يقطعه الجسم المتحرك بين موضعين، والذي يكون تحت تأثير قوة محركة. ويفهم من نتائج هذين القانونين، عملية الانتقال من التصور الميتافيزيقي إلى التصور العلمي/الرياضي للكون وحركاته، حيث ينظر الأول للطبيعة كماهيات روحية متفاوتة القيمة، بينما  الثاني، يعتبر الظواهر بمثابة كميات ومقادير قابلة للتحكم والضبط والحساب والملاحظة أو للتكميم والقياس. ويُعبّر عن هذا القانون بالصيغة الرياضية التالية: ، بحيث أن  هي القوة المحركة والمؤثرة، و mتعني الكتلة و v تعبر عن السرعة، بينما تحيل  إلى مقدار تغير الحركة.

 أما القانون الثالث الذي يعرف بقانون الفعل ورد الفعل، يؤكد على أن:”كل فعل يقابله رد فعل مساو له في جميع الحالات، وهذا يعني أن قوة تأثير جسمين ما في بعضهما متساوية دوما في اتجاهين معاكسين”[11]. بمعنى أن التأثيرات المتبادلة بين جسمين تكون متساوية، فعلى سبيل المثال عندما يتم دفع عربة فإن العربة هي أيضا تدفع بنفس الشدة في الاتجاه المعاكس، أي عندما يكون هناك جسمان ضمن تفاعل قوي، قوة الجسم “A” (الأول) المؤثرة على الجسم “B” (الثاني) تكون متساوية في المقدار/ الشدة ومعاكسة في اتجاه القوة المؤثرة للجسم “B”على الجسم “A”، بمعنى أنه ينظر إلى الفعل ورد الفعل المضاد بين الجسمين، فكل جسم يؤثر ويجذب الجسم الآخر. وهو ما يعبر عنه بالصيغة التالية: ، حيث تعبر  عن قوة الجسم الأول، أما  فهي تعبر عن قوة الجسم الثاني، ويكون التأثير بينهما متبادل وفق تأثير عكسي.

ولتوضيح مضامين هذا القانون، يعطي نيوتن مجموعة من الأمثلة، عبارة عن تجارب ذهنية، نذكر منها[12]:

  • عندما نضغط على حجرة بأصبعنا، فالأصبع في نفس الوقت يتعرض للضغط أيضا.
  • إذا ما جذب حصان صخرة بواسطة حبل، فهو بدوره مجذوب من طرف الصخرة، لأن الحبل الذي يربط بينهما يستعمل الجهد نفسه لجدب الصخرة نحو الحصان وجذب هذا الأخير نحو الصخرة.
  • إذا اصطدم جسم بآخر و دفعه لتغيير حركته، كيفما كانت هذه الحركة، فحركة الجسم الصادمة ستكون لها نفس الكمية وفي اتجاه مضاد بقوة الجسم المصدوم بسبب تساوى الضغط المتبادل pression mutuelle.

من خلال هذه القوانين، حاول نيوتن تقديم تفسير جديد لحركة الأجسام والكواكب، والتي تتضمن انتقادا ضمنيا للتفسيرات الميتافيزيقية، التي كانت تقحم خصائص سحرية أسطورية غامضة تتحكم في الأشياء، وتجعلها تخضع لمشيئة الآلهة المتعددة. حيث ساهمت هذه القوانين في خلخلة اليقينيات المعرفية التي ألقت بظلالها على الحياة العامة للأفراد. ومكنت نيوتن من اكتشاف قانون التجاذب الكوني، وفكرته الأساسية تتمثل في أن “الجسمان ينجذبان، أحدهما إلى الآخر، انجذابا متناسبا طردا مع كتلتيهما، وعكسا مع مربع المسافة الفاصلة بين مركز جذب أحدهما ومركز جذب الآخر”[13]، وهو ما يُعبّر عنه بالصيغة التالية: ، حيث أن G تعني ثابتة كافندجHenry Cavendish  ) 1810-1731(، و  هي القوة التي تتجه من  إلى ، أما الإشارة (  فهي تفيد أن القوة تبادلية وتذهب في اتجاه عكسي لمتجهة وحدة القياس. مما ساعده على إيجاد حلول للعديد من المسائل العلمية الفلكية التي ظلت عالقة لعقود، من قبيل الحركة الإهليلجية elliptique للكواكب وشكلها، وحركات القمر والمد والجزر، وحركة المذنباتcomètes ، وكذلك تمكّن من تفسير الحركة الدائرية، وبالضبط حركة الجسم في مدار دائري. كما أبدع باعتماده حساب التفاضل والتكامل لحركة الجسم المتحرك أثناء كل لحظة من مساره استنادا إلى معادلات تفاضلية تحوّل الجسم إلى نقطة مادية. هذا الإبداع (التفاضل والتكامل) الذي يشترك في اكتشافه مع الفيلسوف الألماني جوتفريد فلهلم ليبنتز (Gottfried Wilhelm Leibniz) (1646-1716).

وبناء على ذلك، أصبح من السهل ربط القوانين والمادة والجسم بعلاقة متكاملة، فيما يلي بعض ملامحها، التي تتلخص في النقط التالية[14]:

  1. مواصلة ربط القانون الأول والثاني بالمادة كما فعل غاليلي من قبل وتنظيرهما.
  2. 2.      النص على قانون العطالة الديكارتي بوضوح أكبر بالأجسام المادية.
  3. 3.     اكتشاف القانون الثالث وربطه بالواقع المادي الحسي.

 لعل هذا ما أكد عليه في إحدى تعاليقه/تعليق scholie بقوله: “جميع المبادئ التي قمت بشرحها إلى الآن كانت لدى جميع الرياضيين، وتؤكدها مجموعة من التجارب، فكلا القانونين واللازمتين[15]** الأولين للحركة، مكنّا غاليلي من اكتشاف أن سقوط الأجسام الذي يحدث في وسط غير مقاوم يكون مضاعفا في الزمن”[16].

خلقت إسهامات نيوتن، كما هي جميع الأعمال الجادة، سجالا بين قرائه و شراح طروحاته، فمنهم من يرى أنه بنى فلسفته على التجريبية كما هو الشأن مع ليون بلوك  Léon Bloch  (1898-1970)  صاحب كتاب la philosophie de Newton، وألكسندر كويري في كتابه دراسات نيوتونية، اللذان “يلتقيان في التأكيد على البعد التجريبي لمفهوم الطبيعة عند نيوتن، وإن اختلفا في الوسائل المؤدية إلى هذه النتيجة وفي التحديد النهائي لمفهوم الطبيعة عنده”[17]، لكنهما اعترافا بوجود الجانب الرياضي العقلاني في الفيزياء الرياضية النيوتونية،  بخلاف فولتير، وموبرتوي Pierre Louis de Maupertuis ( 1698-1759)، اللذان يعتبران أنه بنى فلسفته على التجريبية الخالصة،حيث “تشبّت هذان المفكران الكبيران بالجانب الحسي التجريبي للنيوتونية إلى حد أنهما تناسيا البعد الرياضي العقلاني ولم يؤكدا عليه كما فعل معاصرهم دالمبير d’Alembert”[18] هذا الأخير الذي كشف عن “الجانب العقلاني في الفيزياء النيوتونية والمتمثل في استعمال الرياضيات”[19]. والبعض الآخر، رأى فيه توفيقي بدليل “أن المنهج النيوتوني ليس تجريبيا بحتا وليس عقليا خالصا، بل هو مزيج من التجريبية والعقلانية. فنيوتن يصرح أن القيام بالتجارب أمر أساسي في الفيزياء لكنه يضيف أنه لابد من ترييض الظواهر الطبيعية والبحث عن عللها، خاصة العلة الفاعلة منها”[20].

وهذا السجال لم ينحصر في القارة الأوروبية، بل امتدّ تأثيره إلى القارات الأخرى من العالم، سواء قديما أو حديثا، بدليل أن الأستاذ عبد النبي مخوخ*** ساهم بدوره في هذا السجال الفلسفي، حيث أكد أن”فلسفة نيوتن الطبيعية هي فلسفة تجربانية، لكنها أيضا فلسفة عقلانية، بل إنها تقدم النموذج الأمثل لخصوبة التكامل بين المقاربتين التجربانية والعقلانية”[21].

هكذا مكنت إسهامات نيوتن الإنسان من تحرير نفسه من كل فهم وتفسير ميتافيزيقي، فقوانينه أصبحت تؤطر الفهم الإنساني. بمعنى أن التفسير العلمي الذي طبق فيه نيوتن الرياضيات يعني بالضرورة إلغاء التفسيرات الميتافيزيقية المتغيرة عكس التفسير العلمي الذي يتميز بثبات العلاقة الرياضية رغم تحول أساسيات المعادلة. وبتعبير آخر، فقد ساعدت قوانينه الإنسان على تغيير علاقته بالطبيعة، والانتقال من التفسير الميتافيزيقي للظواهر الطبيعية والفلكية إلى التفسير العلمي الرياضي.

أصبح نيوتن بذلك “يمثل النموذج العلمي الحديث المتمثل في التشبث بالملاحظة التجريبية مع إخضاعها للمعالجة الرياضية في الوعي بحدود التفسير، ذاك هو نموذج العلم القائم المتقدم في مدارج النجاح والمحقق للنتائج تلو الأخرى”[22]. وفي نفس الأفق، كان نيوتن مُلحا في الدعوة إلى ضرورة عدم افتراض أي شيء قبل البرهنة عليه والتأكد منه بالتجربة، حيث يقول “أنا لا أفترض، أنا أبرهن”[23]. وبهذا يكون قد نهج سيرا جديدا يتجلى في استنتاج الأسباب من النتائج[24].

ثانيا: التفسير اللاهوتي في فلسفة نيوتن

إلى جانب التفسير العلمي، نجد التفسير اللاهوتي له نصيب في فلسفته الطبيعية، فقد كان نيوتن مهتما باللاهوت، حيث عُرفت عنه مناهضته ومعارضته ورفضه لبعض عقائد الكنيسة و”على رأسها عقيدة التثليت  la trinité، متهما الكاثوليكية والبروتستانتية معا بتحريف المسيحية الأصلية، وفي مقابل ذلك أعرب عن ميولات أريوسية، فخلافا للتقليد السائد آنذاك، لم يكتف نيوتن بقراءة نسخة الملك جيمس للإنجيل، التي اشتملت على عبارة [هؤلاء الثلاثة (الأب، والابن، والروح القدس) هم واحد]، بل إنه عمد إلى مقارنتها مع نسخ الإنجيل القديمة. الشيء الذي سمح له باستنتاج أن هذه العبارة لا توجد في النسخ الإغريقية، التي تمكّن من الإطلاع عليها. ومن ثمة، استنتج أن عقيدة التثليث، وكل ما يترتب عليها، لا توجد في النصوص الأصلية”[25]،  فارتكن إلى المذهب المسيحي الأريوسي الذي أسسه أريوس (Arius) (256-236م) والذي تعرض لمختلف أشكال الإقصاء والتهميش، كونه رفض عقيدة التثليث وآمن بعقيدة التوحيد. وقد “ألف نيوتن عملا حول نبوة دانيال ونهاية العالم للقديس يوحنا، نُشر بعد وفاته سنة 1733، هذا العمل دراسة تحليلية مستفيضة يشرح  من خلالها ذلك التفسير التاريخي المشهور، ليُحقّق، أن معنى النبوءات ليس هو إعطاء تنبؤات للمستقبل، وإنما هي شاهد على العناية الإلهية، التي تسمح بالتعليل على وظائف الأحداث التي تحدث وفقا لها بشكل كامل”[26].

يفترض أن هذا الإرث الديني أثر على الفلسفة الطبيعية لنيوتن، حيث جاءت مشبعة بفكرة الإله الخالق، والذي يرى أن الدليل على وجوده يكمن في التنظيم والانسجام الدقيق للكون، وهذا ما يؤكده في الجزء الثالث من كتاب المبادئ، في تعليق عام يعبر من خلاله أن خالق العالم “كائن عاقل وقوي يتحكم في كل شيء، لكن ليس كروح للعالم، بل كرب لكل ما هو موجود، فهو مثالي خالص، أبدي، ولا متناهي”[27]. إذ توجد قوة فاعلة تنظم حركاته بقوانين رياضية قبلية، أي أن هذه الحركات “لا تصدر عن أسباب (ميكانيكية) ما دامت المذنّبات تُحمَلُ بحرية في كل مكان من السماء، وفي مدارات متراكزة […] غير أن هذا التنظيم الرائع للشمس، وللكواكب، وللمذنبات، لا يمكن أن يكون له مصدرا آخر غير تخطيط وسيادة كائن عاقل وقوي”[28]. وعلى نفس المنوال، عمل على تنبيه القراء في مقدمة الطبعة الأولى من كتاب “المبادئ” حول طبيعة القوة الجاذبية، ” باعتبارها قوة فيزيائية مؤكدا أنها نوع من القوى الرياضية”[29]،أي أنه رفض أن تكون “صفة ذاتية ولا ضرورية للمادة. فهو يرى أن الله عندما خلق المادة، خلقها مع صفاتها الأساسية الامتداد والحركة (ويضيف أن) الله أضاف إلى هذه الطبيعة الميكانيكية للعالم، خاصية جديدة، بموجبها تنجذب الأشياء إلى بعضها”[30]

يخضع العالم في نظر نيوتن “لقوة القصور الذاتي التي هي ملازمة للمادة وكامنة فيها، وقوة الجذب وهي خارجة عنها”[31]، ولعل هذا الأمر يحيلنا إلى مثال “صانع الساعة العظيم الذي فسّر به الكون ونظامه، فالعالم بالنسبة لنيوتن، كالساعة التي صنعها الصانع، وفعّل حركة عقاربها، ثم تركها بعد ذلك لتعمل وحدها وفق نظام دقيق، وحين يتضاءل اشتغال حركة عقاربها أو تتوقف يتدخل الصانع لتجديد فعل حركتها واشتغالها. وكذلك هي حركة  الأجسام والأجرام السماوية، فإنها تخضع “لقوانين ميكانيكية سارية، إلى أن يتضاءل مفعولها، فيتدخل الله من جديد لتجديدها مثلما نتدخل لنملأ الساعة بعد أن تكون قواها قد خارت بفعل ارتخاء زنبركتها. فوجود الله وحضوره لبعث القوة المحركة من جديد في الكون لا يحدث إلا على فترات متباعدة”[32]. أو بتعبير آخر، هذا النظام يفسح “مجالا رحبًا للفعل الإلهي في الكون، يمكن اختزاله في ترتيبه والمحافظة عليه، إذ لم يكن بمقدور قوانين الطبيعة وحدها أن تخرج العالم من فوضاه وسديميته، ولا أن تجعل من هذا العالم أحسن العوالم الممكنة لولا إرادة الله الواسعة الذي صنع هذا العالم فأبدع صنعه، ولولا عنايته المتواصلة بسيره سيرا منتظما، والتي ما تفتأ تعيد إليه توازنه المفقود من جراء تراكم الخلل وتزايد الاختلال فيه(…)، فإن إله نيوتن يحلّ في العالم ويحضر فيه باستمرار”[33]. وهذا ما يؤكد عليه في كتابه (رسالة في البصريات) وبالضبط في السؤال الثامن والعشرين: “ألا يظهر من الظواهر وجود كائن لا مادي، حيّ، وعاقل، وحاضر، في كل مكان؟ كائن يرى مباشرة في المكان اللانهائي، كما لو كان محلّ إحساسه الأشياء في ذاتها، ويدركها ويفهمها تماما وبعمق، لأنها محايثة له مباشرة […] وعلى الرغم من كون كل خطوة نقطعها، بالفعل، في هذه الفلسفة لا تفضي بنا إلى معرفة مباشرة للسبب الأول، فإنها تقربنا منه، دوما، أكثر فأكثر. ولهذا السبب إنها طريقة في التفلسف جديرة بكل تقدير”[34].

لذا نستخلص أن التفسير اللاهوتي حاضر في إسهامات نيوتن، والشبكة المفاهيمية التي اعتمدها تبين ذلك. علاوة على ذلك، “فالتفكير الديني لديه، لم يكن مجرد نتيجة أو نتاج لفكرة علمية، بل هو على الأصح ملهم هذا الأخير (…) بل إن تلك الفيزياء لا تجد محلها الطبيعي إلا ضمن إلهيات طبيعية”[35].

على هذا الأساس، نجد أن نيوتن ما يفتأ يؤكد على ضرورة “إعطاء الأولوية للبحث في الطبيعة كونه سيمسح بفهم أسرارها وتسخيرها لخدمة الإنسانية، كما يسمح بمعرفة أدق للخالق، وإبراز عظمته، فالفلسفة الطبيعية ستؤدي حتما إلى اللاهوت، بل  إنها السبيل الأمثل لخدمته”[36]. وبرغم إفصاح نيوتن عن الجانب اللاهوتي في فلسفته، لم يحظى هذا الأخير باهتمام كبير من طرف الباحثين والمهتمين بفكره وفلسفته في المرحلة الأولى، وحتى “الأعمال القليلة، التي تناولت الموضوع، تعاملت مع اللاهوت النيوتني بانتقائية فجة، إذ حرصت على نشر واستثمار النصوص التي تدعم الصورة السائدة”[37]. وما ساهم كذلك في تهميش هذا الجانب من فكر نيوتن هو اقتران اسمه “بنظرية الجاذبية”، واعتبار علمه علما خالصا “الأمر الذي لا يسمح بالوقوف عند الدور الذي أدته الميتافيزيقا واللاهوت في حياة نيوتن وأعماله العلمية”[38].

  خاتمة

لا يخفى على أحد، أن الفكر الإنساني، كان قاصرا عن تفسير الظواهر الطبيعية والإنسانية تفسيرا علميا، أو معرفة الأسباب الحقيقية التي تكمن وراء حدوثها. فقد فسّرها القدماء من خلال ردها إلى قوى غيبية كانت تأخذ في الغالب صور الآلهة المتعددة والمختلفة، بغض النظر عن طبيعتها، شريرة كانت أم خيرة. بمعنى، كل الظواهر الطبيعية والإنسانية كانت تفسر تفسيرا ميتافيزيقيا تعبر عنه مختلف المظاهر والطقوس الدينية التي كان الإنسان عن طريقها يتجنب غضب وسخط الآلهة، وتارة كان يعتمدها لجلب رضا هذه الأخيرة،  من خلال تقديم القرابين والذبائح والهدايا وغيرها.

يبدو من الواضح أن التفسير الميتافيزيقي واللاهوتي كانا هما السباقين في تفسير الظواهر الطبيعية والإنسانية، فالأول/الميتافيزيقي، كان يرد علل هذه الظواهر إلى آلهة متعددة، بينما الثاني/ اللاهوتي، يرجعها  إلى علة أو إله واحد. أي أنهما تفسيران ترنسندنتاليان لهذه الظواهر. وبخلاف ذلك، جاء التفسير العلمي الذي تميز بمحايثته لهذه الظواهر، إذ ينظر إليها باعتبارها كميات ومقادير قابلة للتحكم والضبط والحساب والملاحظة. أو بتعبير آخر، قابلة للتكميم والقياس.

 على هذا الأساس، يمكننا القول أن نيوتن ساهم بشكل كبير في إرساء دعائم وقواعد هذا التفسير. بحيث يمكن وصف إسهاماته بأنها ثورة فكرية وعلمية ساعدت على بلورة تصور منسجم ومتكامل للكون. فالقوانين الثلاثة للحركة شكلت قلبا لتصور ونظرة الإنسان لنفسه وللعالم.

إن طروحات نيوتن، وإن كانت تمتاز بنزعتها الوضعية العلمية الدقيقة، فإنها كذلك ظلّت ذات بطانة لاهوتية، حيث يحضر كلا التفسيرين في فكره وتحليله. أو بلغة أخرى ظلا ملازمين لبعضهما أثناء اشتغاله، بل أكثر من ذلك فالتفكير الديني “رافق العلم الحديث منذ نشأته، ولازالت آثاره تظهر من حين لآخر، لدى هذا العالم أو ذاك”[39]. فنيوتن عمل على تسخير المعرفة الطبيعية من أجل بناء معرفة أدق بخالق الكون.

من خلال الاضاءات التي أوردناها حول حضور الجانب اللاهوتي في تفسير نيوتن للحركة أو للنظام الذي يسير وفقه الكون بشكل عام، والمتمثلة أساسا في شبكة مفاهيمية تحمل دلالات لاهوتية، من بينها فكرة الإله الخالق الذي أبدع قوانين الكون ووضع فيه نظامه الدقيق، كدليل على العناية الإلهية.  يمكن القول أن نيوتن “لم يكن عالما فحسب، ولكنه كان لاهوتيا كبيرا، لا يقلّ دهاء عن اللاهوتيين المعاصرين له. وعلاوة على ذلك يتداخل علم نيوتن مع لاهوته إلى درجة أن تعقل الكثير من مواقفه العلمية يفرض استحضار قناعته اللاهوتية والعكس صحيح”[40].

بيبليوغرافيا

باللغة العربية:

 الكتب

  • الجابري محمد عابد، مدخل إلى فلسفة العلوم، دراسات ونصوص في الايبستيمولوجيا المعاصرة، الجزء الثاني، المنهاج التجريبي وتطور الفكر العلمي، مطبعة دار النشر المغربية.
  • الجابري محمد عابد، من دروس الفلسفة والفكر الإسلامي مستوى البكالوريا المغربية، دار النشر المغربية، الطبعة الأولى، 2010.
  • بشته عبد القادر ، الابستمولوجيا مثال فلسفة الفيزياء النيوتونية، دار الطليعة للطباعة والنشر بيروت- لبنان، الطبعة الأولى 1995.
  • مخوخ عبد النبي، فلسفة نيوتن الطبيعية، الزمان والمكان، مفاتيح العلوم، 2010 .
  • وقيدي محمد، ما هي الابستومولوجيا، دار الحداثة، بيروت، الطبعة الأولى، 1983.
  • يفوت سالم، إبستيمولوجيا العلم الحديث، دار توبقال للنشر، الطبعة الثانية، 2008.

المواقع و المجلات:

  • مخوخ عبد النبي، العلم واللاهوت في فلسفة نيوتن الطبيعية، منشور بموقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، أنظر الرابط التالي:

https://www.mominoun.com/pdf1/2017-02/newtoon.pdf شوهد يوم (2020/04/13)

  • الإدريسي محمد ، مخوخ عبد النبي، الأسس الابستيمولوجية لفلسفة نيوتن الطبيعية، المستقبل العربي، مج. 39، ع. 455 (كانون الثاني 2017) ص 164- 169.

باللغة الأجنبية:

  • NEWTON Isaac, Principes Mathématiques de la philosophie naturelle,  TOME I, Édition Jaques  Gabay, 1990.
  • Michel Paty, Newton  Isaac (1642-1727, Encyclopaedia Universalis, 12, Britannica, 1995 , voir le (16/06/2020(sur le lien: https://halshs.archives-ouvertes.fr/halshs-00004282/document, fichier PDF.  

* طالب بسلك الدكتوراه، مختبر الإنسان والمجتمع والقيم، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة ابن طفيل- القنيطرة- المغرب.

[1] – Isaac NEWTON, Principes Mathématiques de la philosophie naturelle,  TOME I, Édition Jaques Gabay, 1990.

[2]–  سالم يفوت، إبستيمولوجيا العلم الحديث، دار توبقال للنشر، الطبعة الثانية، 2008، ص 29.

[3] – Michel Paty, Newton  Isaac (1642-1727, Encyclopaedia Universalis, 12, Britannica, p 2, voir le (16/06/2020(sur le lien: https://halshs.archives-ouvertes.fr/halshs-00004282/document, fichier PDF.

[4] -Michel Paty, Newton  Isaac (1642-1727, op cit, p 8.

[5] – ibid.  p 8.

[6] – محمد عابد الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم، دراسات ونصوص في الابستيمولوجيا المعاصرة، الجزء الثاني، المنهاج التجريبي وتطور الفكر العلمي، مطبعة دار النشر المغربية، ص63.

[7]– المرجع السابق، ص 64.

[8]– عبد القادر بشته، الابستمولوجيا مثال فلسفة الفيزياء النيوتونية، دار الطليعة للطباعة والنشر بيروت- لبنان، 1995، ص 14.

[9]– Isaac NEWTON, Principes Mathématiques de la philosophie naturelle,  op, cit , p, 17.

[10]– Isaac NEWTON, op ,cit , p,17.

[11]– ibid. p 18.

[12]– ibid. p 18.

[13]–  محمد عابد الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم، دراسات ونصوص في الابستومولوجيا المعاصرة، مرجع سبق ذكره، ص 64.

[14] – عبد القادر بشته، الابستمولوجيا مثال فلسفة الفيزياء النيوتونية، مرجع سبق ذكره، ص 95-96.

** –  قدم نيوتن ست مبادئ أو لازماتcorollaire للبرهنة على قوانين الحركة، للإطلاع على هذه اللازمات أنظر كتابه المشار إليه في مقدمة هذه المساهمة، ص19 إلى 27.

[16] – Isaac NEWTON, op ,cit , p27.

[17] – عبد القادر بشته، الابستمولوجيا مثال فلسفة الفيزياء النيوتونية، مرجع سبق ذكره ص 98.

-[18] المرجع السابق، ص 100- 101.

[19] – نفسه، ص 109.

[20]– نفسه، ص 108.

*** أستاذ الابستيمولوجيا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة شعيب الدكالي -الجديدة- المغرب. ويعد من أحد أهم المتخصصين العرب في فلسفة نيوتن.

[21] – عبد النبي مخوخ، فلسفة نيوتن الطبيعية، الزمان والمكان، مفاتيح العلوم، 2010، ص 47.

[22]– سالم يفوت، ابستيمولوجيا العلم الحديث، مرجع سبق ذكره، ص 106

[23]– محمد عابد الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم، مرجع سبق ذكره، ص 65.

[24]– المرجع السابق، ص 65.

[25]  عبد النبي مخوخ، «العلم واللاهوت في فلسفة نيوتن الطبيعية»، مقال محكم منشور بموقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، على الرابط التالي:

  https://www.mominoun.com/pdf1/2017-02/newtoon.pdf شوهد يوم (13/04/2020)، ص 11.

[26] – Michel Paty,op cit, p 10 

[27] – ibid, p 10 

[28]– قول لنيوتن في كتاب المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية. أورده الأستاذ عبد النبي مخوخ في مقاله، العلم واللاهوت في فلسفة نيوتن الطبيعية، مرجع سبق ذكره، ص 15.

[29] – سالم يفوت، ابيستيمولوجا العلم الحديث، مرجع سبق ذكره، ص 115.

[30] – محمد عابد الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم، مرجع سبق ذكره، ص 68.

[31] – المرجع السابق، ص 68.

[32]– سالم يفوت، ابيستيمولوجا العلم الحديث، مرجع سبق ذكره، ص 66-67

[33]– المرجع السابق، ص 129

[34] – أورده عبد النبي مخوخ في مقاله السابق الذكر، ص 15

[35]– سالم يفوت، ابيستيمولوجا العلم الحديث، مرجع سبق ذكره، ص 126.

[36] – عبد،  النبي عبد النبي مخوخ، «العلم واللاهوت في فلسفة نيوتن الطبيعية»، مرجع سبق ذكره، ص 15.

[37] – المرجع السابق، ص 6.

[38]–  محمد الإدريسي، مرجع سبق ذكره، ص 166.

[39]– محمد عابد الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم، مرجع سبق ذكره، ص 70 .

[40] – عبد النبي مخوخ، فلسفة نيوتن الطبيعية، الزمان والمكان، مفاتيح العلوم، 2010، ص 227.     

شاهد أيضاً

نقد فلسفة الفطرة اللغوية التوليدية

علي محمد اليوسف علي محمد اليوسف تصدير: اللغة تجريد التعبير اللفظي عن المعنى الادراكي في …