الرئيسية / Non classé / زمن الحاضر الوهمي

زمن الحاضر الوهمي

علي محمد اليوسف

علي محمد اليوسف

يذهب معظم فلاسفة اليونان القدماء  منهم الرواقيين يتقدمهم هيراقليطس وبارمنيدس انهم يعتبرون الحاضر هو آنية لازمانية غير مدركة ولا وجود لها كتحقيب زماني يتوزعه الزمان الماضي والحاضر والمستقبل.

هذا الفهم قال به بارمنيدس وأيده افلاطون وارسطو أذ نجده يقول” الآن – يقصد لحظة الحاضر –  هو نقطة ابتداء تغييرين متعاكسين, – يقصد بهما شد الماضي للحاضر لموضعته وتذويته به من جهة, وشد المستقبل المعاكس للماضي في محاولته تذويت الحاضر له وأدغامه به من جهة أخرى, علما أن الحاضر لا يحتاج البرهنة على أنه مستقبل حركي غير منظور في حاضرمتحرك يحدس زمانا. – وذلك والكلام لبارمنيدس التغيير لا يصدر عن السكون. كما أن النقلة – يقصد النقلة الزمانية –  لا تبدأ من الحركة التي لا تزال متحركة, وهذه الطبيعة الغريبة للآن (الحاضر) قائمة في الفترة ما بين الحركة والسكون لذا فهي خارجة عن كل زمان .” 1 ” العبارات بين شارحتين هي لكاتب المقال”.

بداية طالما كانت الحركة والتغيير هما سمتا وصفتا كل موجود بالعالم منذ هيراقليطس, فأن حركة الحاضرغير المتعينة كقطوعة زمنية لا ادراكية أنما تنسحب علي كل شيء يحكمه التغيير وعدم السكون وفي المقدمة يكون دلالة الماضي بمقايسته بالحاضر الذي لا وجود زماني له فهو بفهم بارمنيدس الماضي حركة لازمنية يحكمها زمان متحرك وليست سكونا زمانيا مدركا, لأن حركة الماضي تعاكس المستقبل الذي يحاول تذويت الحاضربه.

وطالما النقلة الحركية لا تبدأ من حركة كما في تعبير بارمنيدس, فهذا يلزم عنه أن يكون الحاضر هو سكونا يمكن ادراكه وهو أستنتاج لا يقبله العقل قبل الفلسفة بدلالة الزمان مفهوم كلّي لامتناه ليس له صفات ادراكية مستقلة ثابتة ونسبية به وليس له ماهية يمكن ادراكها. والآنية الحاضرة ادراك زماني بدلالة حركة الاجسام والموجودات في الطبيعة وليس زمانا في معيار الادراك المادي المكاني الساكن لها..

لأن الحاضر قطوعة زمنية تحقيبية من زمن مطلق لانهائي لا تحده حدود ولا يتقبل التحقيب المحال زمانا في تحديده كمدرك لانهائي سرمدي ازلي. وهذا المعيار لا يستثني الماضي كزمان وليس انثروبولوجية تاريخية في الماضي ولا يستثني المستقبل بدلالة كونهما قطوعات زمنية وتحقيب تاريخي متحرك ايضا لا يمكن ادراكه كونه يتسم بالحركة التي لا يمكن رصدها وتعيينها بغير دلالة حركة جسم مادي يتحرك في الحاضر. هنا يتوجب علينا الانتباه في التفريق بين قولنا الماضي كتاريخ انثروبولوجي عاشه الانسان كزمن انتهى أصبح ثابتا فهو يتسم بالسكون اكثر من الحركة, بخلاف فهم أن يكون التاريخ زمانيا حركة لها تاثير مباشر في كل من الحاضر والمستقبل.

الماضي كزمن هو دلالة فهمنا الحاضر وفهمنا الماضي هو بدلالة الحاضر له. التحقيب الزماني ماض وحاضر ومستقبل هو دلالة ادراك الزمن الارضي وليس الزمان الكوني. الزمان الارضي المرتبط بحركة الاجسام وحركة الارض والقمر, يختلف عن الزمان الكوني باعتباره لا مدرك ازلي سرمدي ولا يقبل التجزئة والتحقيب كما هو الزمان الارضي.

وفي حال ذهبنا مع بارمنيدس أعتباره الحاضر الزماني لحظة تتوسط الحركة والسكون للماضي والمستقبل ولكنه أي الحاضر لا يمتلك حركة ولا سكونا ويتعذر رصده ادراكا زمانيا لذا فهو نقلة وهمية, فهذا يعني أن الحاضر وجود وهمي كلحظة تحقيب زماني زائلة, وأهم ميزة لقطوعات تحقيب الزمان هو أن الزمان كلية ازلية سرمدية جوهرية تحكم كل شيء بالوجود وهو غير مدرك لا بالصفات ولا بالماهية. أي أن زمان الماضي وزمان الحاضر وزمان المستقبل ثلاثتها تعبيرات عن قطوعات زمنية تحقيبية ارضية لا يمكن ادراكها كمفاهيم ولا كمواضيع مستقلة بدلالة عدم امكانية ادراكنا الزمان كمطلق ازلي ليس له حدود ولانهائي.باستثناء اننا ندرك هذه القطوعات الزمانية الارضية واختلافاتها بدلالة حركة الارض حول نفسها وحول الشمس وحركة القمر والكواكب الاخرى وقبل كل هذا حركة الاجسام والمدركات في الطبيعة وفي الحياة التي نعيشها التي بدلالتها جميعا ندرك الزمان في تحقيبه الزماني لا في تحقيبه الوقائعي تاريخيا كحوادث يلازمها زمن حدوثها الذي يجعل من حضورها الآني ماضيا … الحقيقة التي تجعل الفلاسفة يعتبرون الحاضر وهم زماني غي موجود هو لانه ماض ومستقبل ولا يمثل نفسه زمانا حاضرا يدرك لوحده. حركة التاريخ ماض لا يدرك بغير دلالة زمانية , في حين يكون الزمان يدرك من غير دلالة تاريخية تؤطره والسبب ان الزمان مفهوم مطلق والتاريخ مصطلح يدرك بوجوده التحقيبي زمانيا على الارض.

كيف يعبر فلاسفة الاغريق عن الزمان؟

بارمنيدس يرى التغيير لا يصدر عن السكون, كما أن النقلة الزمانية النوعية بالدلالة لا تبدأ من الحركة القائمة في الفترة ما بين الحركة والسكون لذا هي خارجة عن كل زمان. ص 59. تعبير بارمنيدس هنا صحيح لكنه يناقض نفسه. فعندما يقول بارمنيدس النقلة لا تبدأ من الحركة, فهو يجعل من ثبات الحاضر وسكون الآنية مقياسا يمكن ادراكه في حركة الاشياء والموجودات وكذلك يمكن أعتباره غير وهمي زمانا بدلالة أن حدسنا له كوسيط بيني به ندرك الماضي وبه نحدس المستقبل. والتناقض هنا هو مع امكانية ادراك لحظة الحاضر سكون نجد بارمنيدس يؤكد ليس هناك نقلة حركية لا يسبقها حركة حسب تعبيره , فلماذا لا يكون الحاضر وفق هذا المعيار سكونا مؤقتا حركيا يمكننا ادراكه وليس وهما لا وجود له فهو ايضا حركة ساكنة غير مدركة؟ الشيء الاخر اذا اعتبرنا الماضي سكونا لا ينتج عنه حركة فكيف يتسنى لنا ادراك المستقبل بدلالة توسيط الحاضر وليس بدلالة ارتباط الماضي به؟ لا يمكننا تجسير الماضي بالمستقبل من غير انتقالة الحاضر وتشظيتها الزمانية المنقسمة على نفسها وهو ما يرفضه ارسطو تما كما يتوضح معنا لاحقا..ارسطو يعتبر الحاضر أو الآنية وهما لا وجود حقيقي يمتلكه كونها لاهي حركة مدركة ولا هي سكون مدرك.

من المشكوك به اننا نستطيع ادراك المستقبل بدلالة الماضي في الغاء حلقة التوسيط التجسيري بينهما الذي هو نقلة الحاضر حتى لو كانت لحظة انتقالية لا يدركها العقل زمانيا لكنها موجودة فيزيائيا دلاليا بينيا..بارمنيدس الذي لا يرى الوجود باكمله حركة دائبة من الحركات والانتقالات والتغيرات كما هو عند هيراقليطس نجده يلغي الحاضر الآني لأنه حركة وهمية لا تدرك لا في دلالتها الذاتية ولا في دلالة تذويت المستقبل لها في جذبها نحو تكوينه الداخلي, وهي ليست أكثر من نقطة انتقالية تتوسط الحركة والسكون. لذا هذه نقطة الحاضر خارج حسابات الزمان على حد تعبيره.

وعليه يكون الحاضرأو الآنية وهما تصوريا لا وجود حقيقي له ويذهب معه افلاطون وارسطو بهذا التوجه. هنا يبرز تساؤل كيف يتسنى لنا ادراك المستقبل بغير دلالة الحاضر؟ وكلاهما حركة زمانا وليس حركة تحقيب تاريخي أخذت زمنها الساكن كماض فاقد حركية الزمن نحو الحاضر والمستقبل . المستقبل لا يمكن ادراكه بدلالة الماضي دون توسيط نقلة الحاضر بينهما. لكن اذا ماكان أجماع اكثر من فيلسوف أعتبار الحاضر آنية وهمية لا وجود حقيقي لها حتى لو كانت تمثل افتراضا أنها حلقة وصل تربط دلالة الماضي بدلالة المستقبل. فكيف يكون الخروج من هذا المأزق؟

نجد من المهم كي نخلص من هذه الاشكالية السفسطائية الانطلاق من حقيقة أن كل شيء في الوجود يجمع الحركة والسكون معا في زمن واحد, وبذا تكون علة امكانية ادراك الزمن الحاضر واردة. وفي اسقاطنا هذه الحقيقة الفيزيائية على الماضي والحاضر والمستقبل زمانيا, سيكون معنا تجريد الحاضر من صفة تلازم السكون والحركة فيه,هو أعدام ضمان ربط حركة الماضي بحركة المستقبل.فالماضي لا يمكن أن يكون دلالة المستقبل به دونما انتقالة لحظة الحاضر التوسيط في تجسير العلاقة بينهما.

الحقيقة التي لا يمكننا تصورها بسهولة أن الماضي لا يلد الحاضر زمانيا لكنه بمستطاعه أن يلد الحاضر تاريخيا مجردا عن زمانيته الماضية, وأن الحاضر لا نفهمه الا بدلالة الماضي والعكس وارد, والحاضر حين يكون نقلة نوعية وهمية زمانا هو اننا ندرك المستقبل بدلالة الحاضر وليس العكس ندرك الحاضر بدلالة المستقبل,, والسبب بذلك أن الحاضر لحظة زائلة سريعة تحسب للمستقبل والماضي معا في تجاذبهما الحاضر وموضعته كلا لوحده به, وكل حاضر سيكون بعد لحظات ماضيا ايضا وبداية لمستقبل يصنعه الحاضر ويندغم ادراكيا به وبذا تكون نقلة الحاضر وهما زائلا لا يمثل نفسه., وبهذا نكون نعيش علاقة الماضي بالمستقبل من غير توسيط نقطة زائلة هي لحظة انتقالية تسمى الحاضر وهو محال. وهذا ما لايمكننا تصوره زمانا فلسفيا لكنه في حقيقته الفيزيائية هو واقعة حاصلة.

الزمان في التحقيب التاريخي ليس تاريخا لحوادث ووقائع بل هو تحقيب زمني أصلا سابق على التاريخ لاننا ندرك التاريخ بتحقيب الزمان له ولا ندرك الزمان بدلالة تاريخية.. ولا علاقة تربط الزمان الا بتبعية حركة الاجسام بالطبيعة وحركة الشمس والارض والقمر في المجرة الشمسية درب التبانة. والزمان الارضي يقاس بمدركاتنا لحركة الاجسام والاجرام. لذا يكون التحقيب الزمني على الارض هو تحقيب زمني ارضي من أجل تنظيم الحياة وتاريخ الانسان والا بغير هذا الفهم نصطدم بحقيقة الزمان وحدة كلية لايمكن تقسيمنا له بالزمن نفسه, تقسيم الزمان ارضيا في تعاقب الليل والنهار والاسبوع والشهر والسنة والفصول.

الحقيقة التي نعيشها ولا نستطيع التثبت منها أن كل شيء في الوجود هو سكون ومتحرك معا نحو الزوال والاندثار مخليا موقعه لما بعده, كما يكون كل متحرك مدرك لنا بدلالة سكونه النسبي في طريقه الى زوال. وقولنا مع بارمنيدس لا تنتج الحركة من سكون سابق عليها بل من حركة اخرى تجانسها سابقة عليها يؤكد ما سبق لنا ذكره أن كل شيء بالوجود هو ساكن ومتحرك زمانيا. وحركة الاشياء تنتج عنها تغيرات حيث يصبح ما هو حاضر هو في حقيقته الحركية مستقبلا زمانيا بمجرد تعبيرنا عنه في الحاضر الذي نعيشه, ويصبح ماضيا بدلالة المستقبل له.

وهذا يرجعنا الى الحقيقة التي أنكرناها على الفلاسفة الاغريق بأن الحاضر آنية غير حقيقية وهمية لا تمتلك وجودا حقيقيا. لكننا بغير هذه الآنية الوهمية في حاضرنا لا يمكننا معرفة الماضي ولا ادراكنا صنع المستقبل بافكار الحاضر ومنجزاته المادية بالحياة والافادة من الماضي ايضا..بضوء هذا كيف يمكننا التمييز والاثبات في حقيقة التناقض أن الحاضر لحظة وهمية, وبنفس الوقت الذي يكون فيه الحاضر دلالة ادراكية لمعرفة تحقيب الزمان الى ماض وحاضر ومستقبل.؟ أننا نستطيع حل هذه الاشكالية بعبارة واحدة هي أن الزمان الارضي ليس هو نفسه الزمان الكوني.

كيف يدرك العقل العدم؟

يذهب ارسطو (الى أن الآن أي الحاضر لا يوجد فيه حركة ولا سكون ) 2, اول ما يتبادر في الذهن بضوء تفسيرنا العبارة هو التساؤل كيف يمكننا اعدام الحركة والسكون في الحاضر اللتين هما خاصيتين زمانيتين غير مدركتين كموضوع للعقل بغير دلالة حركة الاجسام؟ أي حينما تكون الآنية الحاضرة وهما غير مدرك عقليا كيف نضفي عليه صفات ما هو مدرك في الاجسام المادية مثل صفتي الحركة والسكون؟ بعبارة أخرى كيف يمكننا أعدام (عدم) غير متعين ادراكا علما أن العدم لا يمكن أعدامه بفاعل ولا يمكنه أعدام نفسه ذاتيا كون العدم خلاء غير موجود ولا مدرك لكنه دلالة موت الكائنات الحيّة واندثارها. ونحن بهذه الحال نذهب الى أن كل مدرك بدلالة غيره يكون مدركا هو ايضا بالعلاقة السببية الترابطية ديالكتيكيا بينهما. الادراك بالدلالة هو شكل ثان من الادراك المادي المباشر لمواضيع الطبيعة وموجودات العالم الخارجي من حولنا.

أن ما يجعل من عدم ادراكنا الحاضر كونه وهم لا حركة ولا سكون, بل هو آنية انتقالية وهمية حسب بارمنيدس وافلاطون وارسطو, أن انتقالة الآنية الحاضرة الى ماض مدرك في نفس وقت اندغامها في مستقبل غير مدرك وتصبح بذلك وهما عدميا لا وجود حقيقي له, أنما تكون بهذا التجسير البيني النوعي بين الماضي والمستقبل هو انتقالة اسرع من ادراك العقل رصد زمانيتها, والشيء المهم أن زمانية انتقال لحظة الحاضر الى تشظيه المنقسم بين ماض انتهى ومستقبل افتراضي غير مدرك يصبح الحاضر بذلك عدما لا يتحدد ادراكيا بصفات زمانية هي الحركة والسكون. وهذا مناف لبينية الحاضر تجسيره علاقة الماضي بالمستقبل من الناحية الزمانية في نفس وقت أن يكون وهما ادراكيا للعقل من الناحية الفيزيائية. الزمان الكلي كمفهوم وقطوعات التحقيب الزماني كتاريخ هي في حقيقتها غير مدركة وزائفة لأن الزمان لا يدرك بغير دلالة الاجسام المتحركة.

عندما اقول بيدي أحمل كتابا اكون في اللحظة الآنية في قولي تلك العبارة وانتهائها اصبحت خارج ادراكها كحاضر للمتلقي بدلالة انشطار العبارة الى ماض مستقل ومستقبل افتراضي مستقل, وهذه اللحظة الانشطارية لا يدركها العقل كوحدة حاضرة مستقلة بذاتها لأنها محكومة بحركة غير مدركة وسكون غير موجود في وهم عدمي لا يمكن ادراكه. لذا تكون وهمية الحاضر لا يمكن ادراكها لكن الاهم من ذلك أنها تبقى دلالة تتوسط الماضي والمستقبل سواء أدركها العقل أم لم يدركها.

الحركة والسكون صفتا كل شيء مدرك

في التاكيد على أن الآنية لا تقبل القسمة على نفسها حسب افلاطون وارسطو, وأن الحركة في الآنية مستحيلة كما هو السكون معدوما فيها, فعلى أي أساس معياري أقمنا حكمنا على أن الآنية وهما زمنيا لا يمكننا ادراكه, وهي ليست موضوعا لادراك كونها في تجريدنا لها من صفتي الحركة والسكون انما جعلناها (عدما) والعدم لا يدرك فهو دلالة افتراضية تلازم أفنائها الموجودات الحية في الطبيعة وحياة الانسان والعدم لاشيء موجود ولا مدرك بغير دلالته الافتراضية الافنائية لمخلوقات الحياة والطبيعة.

يورد المفكر عبد الرحمن بدوي مايلي ( الآن هي حدين زمانيين – يقصد الماضي والمستقبل –  فاذا أمكن شيئا أن يتحرك في الآن أو أن يسكن فيه, فأن الشيء الواحد المتحرك في الآن متحركا وساكنا معا, متحركا بوصفه في نهاية احد الزمانيين سالكنا عند بداية الاخر,- لكنه بدوي نجده يستدرك في تكملة قوله –  الحركة والسكون في الآن غير ممكن ).3 سبق لي أن اوضحت اننا لكي نخلص من فرضية أعتبارنا الحاضر أو الآنية وهما زمنيا لكنه واقع فيزيائي غير مدرك, هو في أن نعتبره على طبيعته الفيزيائية يجمع بين الحركة وبين السكون. وبخلاف هذا الفهم نعود الى نقطة البداية التي تتعامل مع الآنية ك(عدم) غير مدرك وليس وهما غير مدرك ويوجد فرق بين المعنيين. العدم لاوجود مدرك ولا هو وهم افتراضي بل هو دلالة مجردة تلازم افنائها كل حي بالحياة والطبيعة.. بينما الوهم الزماني لا يمتلك الصفات الافنائية للموجودات, وأن نعتبره عدما هو مجاز لفظي يساوي بين الوهم والعدم. من الفروقات العديدة التي نفرز بها العدم عن الوهم هو أن العدم مجال اشتغاله المادة الموزعة على الطبيعة والانسان والحياة , في حين يكون الوهم تصور ذهني خاطيء لشيء غير موجود كما لا يمكن تحققه وجودا.

عندما نخلع على الآنية أو الحاضر صفة الحركة لا يعني هذا أنه أصبح مدركا عقليا موجودا, بل أن حركته أصبحت جزءا من ماض انتهى حاضرا, ومستقبل في حالة سيرورة من التشكيل, وعندما نقول الآن هو سكون يسبق مستقبلا غير مدرك فاننا ايضا وضعناه وهما وجوديا.. لكن الاهم من كل هذا أن الشيء الذي تجاهله بدوي هو أن الحاضر في حال حكمنا عليه هو زمانية وهمية ونقلة مؤقتة لا يمكن ادراكها, فأنما بهذا نعتبرها ليست وهما غير موجود لانه غير مدرك عقليا. فهي (الآنية) مرحلة نقلية منقسمة على نفسها بين قطبين متعاكسين هما الماضي من جهة والمستقبل من جهة اخرى, لذا فهي ليست عدما افتراضيا ولا وهما غير موجود. أنما في حقيقتها تجسير زماني غير مدرك.

فالآنية بعدم ادراكنا التشظي المتعاكس لها بين ماض ومستقبل, أنما تكون الآنية دلالة افتراضية زمنيا في تسهيلها لمدركاتنا بين فهم الماضي وادراكه وفهم تشكيل المستقبل وادراكه. لذا فهي أي الآنية تجمع بين الحركة والسكون معا خارج أدراكها العقلي في أعتبارها وهما وهذا لا يلغي وجودها, فمدركاتنا ماهية الزمن لا يدركها العقل وغير متوفرة ولكن هل ممكنا أعتبارنا الزمان وهما لعدم امكانية ادراك العقل لخصائصه وماهيته المنفردة ونعتبره وهما وهو يدخل في دقائق الاشياء التي نتعامل معها في الطبيعة والحياة كون عجز العقل ادراكه الزمن كموضوع؟. لا ليست الحقيقة بهذا التبسيط المخل.

الزمان وحركة الجسم

المعتقد الذي لم يفارق ارسطو هو في أعتباره الزمان هو مقدار حركة الشيء وليس هو حركة. يعود الى برهنة نظريته هذه بمقولته العبقرية (الزمان لا يحد بالزمان ) 4, وهي مقولة صائبة صحيحة مئة بالمئة. ويذهب الى وجوب التفريق بين حركة الجسم وبين زمانية في مقدار تلك الحركة, بقوله أن حركة الشيء داخل الزمان, هي سرعة بطيئة وسرعة سريعة وكلتاهما خارج الزمان الذي يحتوي الجسم او الشيء, معتبرا الزمان هو رتابة من الانتظام الثابت الذي لا يتغير , بينما يكون الجسم او الشيء داخله هو حركة لا منتظمة ولا رتيبة وبذا يرسي ارسطو مفهوم أن الزمن ليس ما يدرك بدلالة حركة الجسم التي سبق وقالها كون الزمان لا تدرك زمانيته بخلاف الاشياء التي ندرك زمانيتها بدلالة حركتها داخل الزمن. بعبارة ثانية اوضح اراد ارسطو القول أن الزمان ازلي سرمدي وهو كلي وحدة واحدة لا يمكن تجزئتها كمفهوم مطلق, ولا حتى كقطوعات زمنية تحقيبية هي صفات زمنية للاشياء المتحركة بلا انتظام وليست صفات ماهوية للزمن الثابت المنّظم.

وفي تعبير بدوي لشرح ما اورده ارسطو نقلا عن المصدر الاجنبي يشير الى أن الزمان لا يكون زمانا الا في مجانسته الحركة, عندما يكون الزمن والحركة من جنس زمني واحد يحدهما ويجمعهما معا, وبذلك يعود ارسطو الى اصل مقولته الزمان يقاس بدلالة حركة الاجسام ولا يمتلك الزمان حركة ذاتية مستقلة يمكن ادراكها بغير دلالة حركة الاشياء والاجسام داخله.

ويذهب ارسطو ابعد من هذا في مخالفته الرأي السائد فيزيائيا المكان يرتبط ادراكه بزمن يلازمه, ليستنتج أن الزمان الملازم للمكان, هو الذي يسير بدلالة المكان وحركته وليس العكس الزمان يقود حركة المكان الذي يعرف بدلالة الزمان.

يشرح ارسطو كيف (يكون الزمان ليس حركة, ولكنه لا يقوم الا بدلالة الحركة التي تتضمن مقدارا او عددا) 5, وقبل الانتقال لمناقشة العبارة نرى تفسير عبد الرحمن بدوي لها قوله ( ثمت نوعين من العدد, عددا موضوعيا وهو للاشياء القابلة للعد, وعددا ذاتيا هو الفكرة التي يكونها العقل وبها يعد الاشياء القابلة للعد وهذا الاختلاف هو ما تقوم عليه الآنية).6 بمعنى هناك عد موضوعي والى جانبه ومعه يلازمه عد تجريدي بالفكر.

نتساءل هنا بدورنا :

  • هل الزمان الذي هو مقدار حركة الجسم, والذي هو ليس حركة ذاتية يختص بها يقاس بمقدار ” كمي” أم بمقدار عددي ؟ ارسطو نقل عنه بدوي ذهابه نحو الاختيار العددي. ولم يوضح لماذا وكيف يكون تمييز مقدار الحركة بالكم عنها الاختلاف بالعدد؟.
  • هل الزمان يمتلك ذاتية عددية خاصة به, تقوم على دلالة عددية منفصلة عن عددية المكان في قياس حركته عدديا داخل الزمان الذي يحتويه.
  • واضح يمكن تمرير الاختلاف بين العدد الموضوعي وبين العدد الذي هو فكرة مكتسبة يختزنها العقل تجريدا, لكن هذا التمايز ما اوجه تعالقه بالزمن الآني الذي استنتجه بدوي؟. كيف يتم ربط العدد كفكرة او كموضوع بالآنية الزمانية؟ الاجابة لمجرد تدعيم نظرية أن الآنية لا تنقسم على نفسها لا بالكم ولا بالعدد.

الآن بين التوسيط وعدم الانقسام

هل الآن حاضر وهمي أم حقيقي غير قابل للقسمة؟ بحسب ارسطو الذي يذهب الى تحديد الآن بالمحددات التالية :

  • الآن ليس جزءا من كل لأن الجزء مقياس للكل, والكل لابد أن يكون مركبا من أجزاء, بخلاف الزمن ليس مركبا من آنات.7
  • الآن لا ينقسم لذا لا يتركب ما ينقسم مما لا ينقسم 8
  • الآن لا يوجد فيه حركة ولا سكون .9

 الآن بمعنى الحاضر هي جزء من الكل الزماني في المجانسة الكيفية الواحدة, ولو كانت الآن جزئية مغايرة الكيفية الزمانية فلا يمكنها التوسيط التجسيري بين حدين زمانيين هما الماضي والمستقبل. صحيح جدا أن الآنية هي زمن جزئي بسيط نقطة زائلة لكنها تحتفظ بماهية زمنية ليست متناقضة مع ماهية كلية الزمان الازلي غير المدرك. ثم لا يوجد ما يدعم أن الزمان كيفية غير قابلة الى تقسيم تحقيبي زماني مدرك ولا الى آنات لا نهائية. مقولة ارسطو الرائعة (الزمان لا يحدد بالزمان ) مقولة النقص بها انها تتعامل مع الزمان الكوزمولوجي وليس تعاملها مع الزمان الارضي المختلف عن الزمان الكوني. فالزمان السرمدي الكوني الازلي لا يقبل التجزئة لا بالدلالة ولا بالادراك, فهو كلي لا يمكن الاستدلال بدلالة الجزء عليه في وقت لا يمكن تجزئة اي جزء منه. أما ان الزمان الارضي وهو ما لم يكن يقصده ارسطو فهو يقبل دلالة حدوده بتجزئته كتحقيب زماني ارضي وليس كوزمولوتي كوني. والتحقيب الزماني الارضي يبدأ بالثانية والدقيقة والساعة واليوم والاسبوع والليل والنهار والفصول الاربعة وهكذا.

من غير المقبول تمرير أن الآنية ليست جزءا ماهويا متجانسا مع زمان كلي سرمدي ازلي, مما يترتب على عدم المجانسة أنها ليست زمانا وان تكون ماهية ليست زمانية وزجها ومعالجتها على أنها توسيط لحظة انتقالية غير مدركة زمانيا, هذا غير وارد ولا صحيح. كما ان الانية لا تمتلك مجانسة الزمان خطأ ينسف كلية الوحدة التجانسية للزمان. الزمان كمفهوم يعبر عن دلالة مطلقة لا يقبل التجزيء والتقسيم صحيحة جدا كما وردت في تعبير ارسطو العبقري (الزمن لا يحدد بالزمان ) هو توكيد ارسطو لحقيقة الزمان كلية موحدة واحدة ازلية كمفهوم مطلق سرمدي وازلي لا يمتلك الانسان معرفة ماهيتها كما لا يعرف الية اشتغالها. ثم بهذه المقولة ميّز ارسطو بين مفهوم الزمن كمطلق لا يتجزأ, وبين مفهوم الزمن الارضي الذي يقبل القسمة والتحقيب بدلالة حركة الاجسام.

اما تعبير ارسطو نقلا عن بدوي بأن الان لا ينقسم وبذا لا يتركب ما ينقسم مما لا ينقسم, فهو يحمل تساؤل مررنا به اكثر من مرة هو اذا كانت الانية لا يتوزعها التوسيط التجسيري بين تحقيبين زمانيين هما الماضي والمستقبل من دون انقسام تجانسي زمني معهما فكيف يمكننا الاستدلال بان الآنية وهم غير موجود لأنه غير مدرك عقليا, في نفس وقت تجاهل ارسطو ومن بعده بدوي ان الآنية فيزيائيا كتحقيب زمني شغالة دائمية في مهمتها تجسير قطوعات الزمان التحقيبية على الارض حينما لا يكون الزمان مفهوما مطلقا لا يدركه العقل ولا تحد حدوده الازلية السرمدية. الشيء الذي ينهي اشكال عدم مجانسة الانية الحاضرة مع الزمان هو في التمييز بين الزمان الارضي باختلافه عن الزمان كمفهوم كوني مطلق لا يقبل المقايسة الاستدلالية به في قول عبارة ارسطو الزمن لا يحد بالزمان وهو يقصد الزمن كمفهوم مطلق غير مدرك.

ختاما علينا التنبيه أن آنية الحاضر هي استدلال لا ضير أن يكون وهميا بالقياس لمدركات العقل, لكنه موجود كدلالة افتراضية غير وهمية زمانيا بمنطوق علم الفيزياء, بدليل كثير من الظواهر وقوانين الطبيعة والحياة العامة التي تحكم الانسان هي قوانين غير مدركة عقليا, لكن عدم ادراكها لا يترتب عليه نزع فيزيائيتها الشغالة الدائمة في تنظيمها حياة الانسان منها باستقلالية عنه. قوانين الفيزياء الطبيعية هي ليست قوانين العقل في ادراكه او في عدم ادراكه نظام العالم الخارجي من حولنا. فمثلا قولنا الآن ليست استدلالا لماضي ولا لمستقبل, ونزع صفتي الحركة والسكون عنها يحتاج اثبات برهاني فلسفيا, لكن الفيزياء العلمية وليس الفلسفة تجعلها موضوعا فيزيائيا قائما لا يحتاج البرهنة الفلسفية له.

علي محمد اليوسف /الموصل

الهوامش :

  1. عبد الرحمن بدوي /الزمان الوجودي/ ص 59
  2. 2.      نفسه ص 65
  3. 3.      نفسه ص 63
  4. 4.      نفسه ص 62
  5. نفسه ص 62
  6. نفسه ص 63
  7. نفسه ص 65
  8. نفسه ص 65
  9. نفسه ص 65   

شاهد أيضاً

المؤتمر السنوي للجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية نونبر 2022: الفلسفة والإبداع في الفضاء الصحراوي

ستنظم الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية مؤتمرها السنوي في شهر نونبر 2002 تحت شعار: الفلسفة والابداع …