الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / المسرح لا يمكن أن يفقد براءته

المسرح لا يمكن أن يفقد براءته

“أي أمل هذا الذي لا زلنا محكومين به أيها السيد المبجل”

الفنان والناقد المسرحي العراقي د. محمد سيف:

المسرح لا يمكن أن يفقد براءته، ولكن أغلب العاملين فيه.. قد غادرتهم البراءة، مثلما تغادر المرأة أنوثتها

أجرى الحوار: هايل علي المذابي


هايل علي المذابي

في ذات حوار معه قال الدكتور العراقي والفنان والناقد المسرحي محمد سيف، حين سئل عن تقديم نفسه بنبذة عن سيرته ان الحديث عن الأخرين ونتاجهم، الفني والأدبي، بالنسبة له، أسهل بكثير من الحديث عن نفسه، ولهذا السبب لم يكتب حتى الآن سيرة ذاتية قادرة على إعطاء صورة حقيقية عنه وعن عمله. ويعزو السبب في ذلك لان أكثر السير الذاتية تتشابه، وربما أيضا من الصعب اختصار المرء لنفسه ببضعة سطور تكون قراءتها في أغلب الأحيان مملة، رغم ذلك فهذا تعريف بسيط به وبمسيرته العملية والفنية نمهد بها لحوارنا معه:

محمد سيف مخرج، ممثل، دراماتورج، ناقد، وباحث مسرحي عراقي، مقيم في باريس منذ عام 1984، دكتوراه في المسرح والعلوم الاجتماعية من جامعة السوربون 7، ماجستير العلوم المعمقة، والبكالوريوس من جامعة السوربون1، دبلوم مدرسة جاك لوكوك العالمية للتمثيل، دبلوم معهد الفنون الجميلة في بغداد، حاليا المدير الفني لفرقة مسرح (الكلام العابر) في باريس. بالإضافة إلى عمله، كرئيس تحرير لمجلة دراسات الفرجة الفصلية الأكاديمية المحكمة، التي تصدر عن المركز الدولي لدراسات الفرجة.

أخرج للمسرح: مسرحية (الجمجمة) للكاتب التركي لناظم حكمت، مسرحية (الصبي المشاكس) إعداد عن قصة لتشيكوف لمنتدى المسرح في العراق، مسرحية (الدموع المرة لبيتر فونكونت)، للمؤلف الألماني فاسبندر، لمسرح بير فرينيه الفرنسي، مسرحية (المتروكة) إعداد وبتصرف عن نص لماكس ميري، لمسرح لونيل الفرنسي، أخرج مسرحيتي (التوقيف، وورود الجيرانيوم)، للكاتبة الفرنسية، أفيلي سترا، ومسرحية (كالرياح تذهب وتجيء) تأليف كوليت اشتيرن، لمسرح الباستيل الصغير. أخرج أيضا، سلسلة ممسرحة من القصص المستوحاة من ألف ليلة وليلة لمسرح بول ايلوار. وقدم مسرحية (المراسل) تأليفا وإخراجا، على مسرح الشعب في ستوكهولم/السويد. قدمت نص (أربع ساعات في صبرا وشاتيلا) لجان جينيه، على مسرح معهد العالم العربي في فرنسا بعد ان قدمها في تونس برفقة الفنان المنصف السويسي ومنية الورتاني. ثم قدم توليف مسرحي شعري، بعنوان: غريب كالبحر، لمهرجان طنجة المشهدية في المغرب ومسارح أخرى في باريس؛ الخطبة الأخيرة للهندي الأحمر، للشاعر محمود درويش. لافتتاح مهرجان هنوفر الألماني واختتام مهرجان طنجة المشهدية. ومن أعماله الأخيرة إخراج مسرحية (الحريق) لمؤلفها قاسم محمد، التي قدمت على مسرح القصبة في مدينة طنجة المغربية، ومسرح بيت الفنون في مدينة بوردو الفرنسية.

المؤلفات المسرحية: مسرحية البحث عن السيد كلكامش، ابكي فالعالم وادٍ من الدموع، الزوج الأبدي، إعداد عن رواية دوستويفسكي، المراسل الحربي، وثلاثة عناوين لمسرحيات ثلاثة، التي طبعت في دار نشر دار المصادر في بغداد، وكتب للأطفال، الأمير أحمد والساحرات، ومسرحية الملك الأمي.

في الدراسات المسرحية كتب: الطفل والتعبير المسرحي، نشر في دار سحر/تونس؛ أفكار وتطبيقات تعارض التقاليد، وزارة الثقافة لإمارة الشارقة؛ مسرح ما بعد الدراما، كتاب مشترك، وكتاب دراماتورجية العمل المسرحي والمتفرج بالاشتراك مع الدكتور الباحث خالد أمين، هذا بالإضافة إلى كتب مشتركة أخرى: تحولات الفرجة فرجة التحولات، الدراماتورجيا الجديدة، الفرجة والمجال العمومي، وجميعها من إصدارا المركز الدولي لدراسات الفرجة.

في الترجمة كتاب: الضجر هو الشيطان لبيتر بروك، نشر من قبل وزارة الثقافة والأعلام في إمارة الشارقة، بنسياننا شكسبير يمكن العثور عليه ثانية، كتاب يجمع كتابين في كتاب، صدر عن دار نشر عدنان /العراق، كتاب شعرية الجسد لجاك لوكوك، (ترجمة وتقديم وتعليق)، عن دار نشر مؤسسة الصادق الثقافية، في مدينة بابل العراق، وترجمة كتاب أرسطو مصاص دماء المسرح الغربي، للكاتبة الفرنسية فلورنس دوبون، في صدد التحضير للطبع. هذا بالإضافة إلى نشر العديد من البحوث والدراسات والمقالات النقدية في المسرح والرواية والفن التشكيلية في مجلة نزوى العمانية، مجلة فنون، الأقلام والطليعة الأدبية، في العراق. مثلما نشرت وبشكل دوري العديد من المقالات النقدية حول تجارب مسرحية عالمية وعربية: القدس العربي، الزمان، النهار اللبنانية، وبيان اليوم المغربية، بالإضافة إلى المواقع الإليكترونية مؤخرا. وبعد هذا العرض لموجز سيرته الفنية والإبداعية لنذهب إلى الحوار:

*برأيك: المسرح أداة ترفيه وامتاع، أم أداة مقاومة وصناعة وعي أم كلاهما؟ 

**المسرح بكل اقتضاب وبساطة، هو فن الترفيه بامتياز، والأكثر اكتمالا، لأنه يربط متعة النص مع متعة لعب الممثلين ومتعة الديكورات، وإلخ. تمهيدا للشرح، نستعين بيوجين يونسكو، الذي يقول: أنا لا أقوم أو اعمل الأدب، وإنما أفعل شيئاً مختلفاً. انا أمارس المسرح. ومن خلال هذه الملاحظ الصائبة والاستفزازية، نؤكد على خصوصية تجعل من هذا النوع (إشكاليًة) ترفيهية كاملة جداً، شرط أن تكون خصوصيتها نوعاً “مزدوجاً أو مضاعفاً” يمزج بين النص والتمثيل، وكل عنصر من هذين العنصرين يأتي بمتعة مميزة وتكميلية. بلا شك أن قراءة نص مسرحي بحد ذاته متعة، لكن مشاهدته على المسرح تؤدي إلى المزيد من المتع لأن العرض يعطي النص أبعاده الكاملة. التجربتان يكملان ويثريان بعضهما البعض من أجل إسعاد الجمهور. ومع ذلك، هل المسرح مجرد “ترفيه”؟ إن موليير مثلا أو بريخت، اللذين كان هدفهما إمتاع وتسلية جمهورهما، كان هدفهما أيضًا جعلهم يفكرون؛ وكانوا مؤلفو المآسي التراجيدية يريدون إثارة المشاعر في صفوف المتفرجين لكنهم أيضًا كانوا يستثمرون الفضيلة التطهرية لأعمالهم. المسرح هو نوع كامل لأنه يُعلم ويُثير الاعجاب ويُجذب في نفس الوقت.

هل المسرح أداة مقاومة وصناعة وعي أو كلاهما؟ بلا شك لا يمكننا الاجابة بلا، وفي نفس الوقت، أجد في هذا السؤال مناسبة للحديث عن الديمقراطية التي لا تدار في الشوارع. والأمر هنا يتعلق من دون شك بالنقاش والتداول اللذان كانا موجودان منذ النشأة الأولى للمسرح، في قلب وروح الثقافة اليونانية، الثقافة التي كانت تُغنى وتُرقص، والتي استندت أيضاً على فكرة الحوار. هذه الفكرة التي رصدها اسخيلوس، من خلال طرحه السؤال التالي: كيف يمكننا تحسين حالة المسرح اليوناني، ويجيب على سؤاله: من خلال شخص يتحدث وجوقة؟ ولهذا أضاف شخصاً لكي يحصل على محاثة!

ما نوع الثقافة التي يُعدها أو يهيئها الغرب؟ وهو يصدر الديمقراطية بأكثر الطرق روعة (إلى العراق، مثلا) ــ ولكن هذه الصورة للديمقراطية لها حدودها. أي نوع من الديمقراطية التي يمكن ترسيخها؟ إن الساسة، الذين أعلنوا حربا لا حدود لها على الإرهاب، كتبوا سيناريو محكوم عليه بالفشل مسبقاً. وهنا نتساءل: هل من الممكن أن يكتب المواطن سيناريو آخر؟ لخلق ثقافة ديمقراطية أصيلة قادرة على ترسيخ فروعها وتطويرها؟ لقد قال الإغريق أن كل ثقافة هي سياسية، والثقافة هي ما نشترك فيه، ونخلق من خلاله مجتمعًا، لذا فهي بالطبع نشاط سياسي. هذه هي المهمة الحقيقية التي تقع على عاتق الفنانين اليوم. ولكن ماذا نقول للأشخاص الذين لا يريدون السماح لنا بالحصول على قوة أخذ الكلام في المسرح؟ وفي الوقت نفسه، لا يمكن إظهار أو إثبات فكرة المساواة هذه التي أشرنا إليها ضمنياً من خلال تساؤلنا إلا ثقافياً. إذ لا توجد مساواة سياسية واقتصادية واجتماعية: غير ذلك، فنحن متساوون في الفنون والثقافة. لقد كانت عبارة “متساوون أمام القانون” (في قلب الديمقراطية الأثينية)، وهذا ما يتوجب علينا إثباته في الفنون أو العمل عليه. لأنه من ذلك فقط، سوف تتجسد ديمقراطية الثقافية، وحقيقة المساواة التي يمكننا إظهارها أو صناعتها على خشبة المسرح. وليس من خلال قوة الكلام فحسب التي لا يمكن ترجمتها هنا إلى سلطة، لان المسرح لا يملك سلطة، وهذا ما ينقصه، ولكن من هذا النقص الموجود تنبعث قوته، وطاقته وحيويته، وهنا تكمن المفارقة. فالمسرح يكمن في لحظة العرض تماماً. وهذه هي قوته وليس سلطته. ومن خلال هذه العلاقة يستمد المسرح وجوده وحقيقته التي ساعدته على البقاء والخلود عبر العصور والثقافات. وإنه على الرغم من الوهم الذي يتخلله، في الغالب، له جذور حقيقية عميقة، وهذا ما يربطنا بالأشياء الأساسية ويحررنا من المظاهر.

*كفنان مسرحي، ما هي الغايات التي يريدها الفنان المسرحي من المسرح في مثل هذا الزمن؟

** بلا شك، كل من يختصر المسرح إلى أداة “سياسية” يرتكب خطأ فادحاً، لأن السياسة تشكل عنصر من عناصره وليس كله. ولهذا، علينا ان نعتبر أنفسنا محظوظون حقا لأن الفنانين يقدمون لنا ما لا يستطيع الساسة تقديمه لنا اليوم: الخيال الذي يثير أسئلة أكثر مما يجيب عليها، ورؤى للمستقبل تغير من الواقع وتمنح الحياة والأمل. لكن الادعاء بأن المسرح لا علاقة له بالسياسة هو خطأ اختزالي مماثل. إن عدم وجود رؤية كبيرة لمجتمع الغد يجعل مسؤولية الفنانين والمسرحيين ساحقة ومضاعفة. إن ما حدث لنا ولعالمنا، في الفترة القريبة، بسبب وباء كورونا من تمزقات وتوترات في الزمكان، قد إثر بلا شك على تصوراتنا للمسرح، إذ فرض عليها نوعا من الحبس، والحيرة، والتردد، والانفصال، والانقطاع مع ما كانت تتواصل معه بانفتاح وتأمل ومسألة دائمة. فعندما ينتشر فيروس في مدينة من المدن، فإنه حتما يؤثر على جميع الأنظمة التي تديرها، ويُحدث فيها شروخا وتوترات، وهذا بحد ذاته ما يثير ويزعزع استقرار معاييرنا وكذلك عاداتنا اليومية. ومع إعلان حالة الطوارئ، تكثفت محاولة معالجته، من خلال إلغاء التجمعات وإغلاق المدارس والجامعات والحدود، وكذلك فرضت على حريتنا القيود، إذ إن فرض الإقامة الجبرية علينا قد ساهم في تغير نظرتنا للفضاء من خلال جعله أكثر تقيدا وحصرا وأكثر إكراها. وهكذا، أصبحت مساحاتنا الحضرية أكثر إثارة للقلق من أي مساحات أخرى، مما أدى إلى إطلاق إنذار كئيب، وولد حقبة من الشك، لا سيما أن الزمكانية قد تغيرت بشكل عميق، وباتت الأماكن محظورة، والفترات غير محددة أو غير مؤكدة. وبهذه الطريقة، تغيرت طرق عيشنا وسبل وجودنا فيهما، وأغلقت المسارح، وأخليت الخشبات من الممثلين، والقاعات من الجمهور الذي تتحول حشوده فيها إلى شخص واحد، وتوقفت العروض، وأصبح غلق المسرح بمثابة واجب، وعدم تجمهر الجمهور ضرورة، والكلام مع الآخر مباشرة ممنوع، أو من خلال قناع طبي واقي وليس مسرحي؟ كيف استطعنا تحمل كل هذا الإقصاء؟ كيف تمكنا من إطاعة قسوة الجفاء هذه، ونحن نعرف أن المسرح تواصل وعلاقات حميمية، وتبادل في الأمكنة، والمعرفة والثقافة ولحظات تؤرخ للانعتاق من الرعب الذي يحاصرنا من كل الجهات؟ ولهذا سأحاول الإجابة على هذا السؤال من خلال طرح بعض الأسئلة التي تتعلق في مستقل المسرح في الوطن العربي: وأولها، تبدأ، هل سيكون هناك انتعاش محتمل بعد هذا الوباء، الذي جعل من مراجعتنا لأنفسنا وقراءة واقعنا المسرحي ببعض من التأمل قليلا، أكثر من ضرورة؟ كيف سنعيش ذلك مسرحيا؟ كيف سنعبر عنه أو نعالجه؟ لا سيما أننا لا نعلم فيما إذا كان العالم سيعود إلى صوابه أم لا بشكل حتمي بعد هذا الانقطاع والتقاطع مع نفسه؟ هل سنتمكن من العيش من خلال المسرح بشكل مختلف ونعيد التفكير فيه، كما يجب؟ وهل سنقدر على الابتعاد قليلا، عن موضة الاستسهال، التي مورست فترة الوباء؟ ونخص هنا بالتحديد المهرجانات، والورشات الإليكترونية، بشتى أنواعها، التي صارت تزخ علينا مثل وابل من المطر، علماً أن المسرح، كما نعلم، لم يمت لكي نستمر في أحياء ذكراه بهذا الكم الهائل من الصور والمحاضرات والورشات والمهرجانات الافتراضية، وإذا كان المسرح قد هُددّ بالموت، شأنه شأن الحياة، فهذا الأمر كان مؤقتا ولابد ان يزول بزوال شبح الوباء، إذ لا يمكننا استبدال علاقة المسرح بالإنسان بالوسائط، لأننا، وبكل بساطة، لا يمكننا تقبيل امرأة من خلف زجاج. ولهذا، ومع نقطة التحول هذه، في النظرة والمقاربة لعلاقة المسرح بالحياة، كيف سيخلق الفنانون سلوكيات جديدة في اعمالهم وينشئون علاقات أخرى مع الجمهور؟ وهل ما تعلموه من هذه المعاملة الفنية التي فرضت عليهم قسرا بسبب الوباء، سوف تمكنهم من المساهمة في تطوير قدرات الأفراد وتنشيط تفكيرهم النقدي؟ أعتقد ان الهدف من هذه الأسئلة: يمكن ان يعطينا فكرة عن الطريقة والكيفية التي يجب أن ينظر الفنانون والبحاثين، ومنظمين المهرجانات، من خلالها إلى مستقبل المسرح وحاجة الجمهور اليه؟ وأن يسجلوا ملاحظاتهم وتحليلاتهم لمستقبل المسرح بعد هذه الكبوة التي دمرت العالم باسره وليس المسرح فحسب؟ إذ يتوجب علينا من الآن وصاعداً أن نحاكي ما حدث جماليا وفكريا وحتى سياسيا، من خلال تصورات يمكننا من خلالها أن نؤسس إلى مقاربات مسرحية جديدة، تكون مرتبطة ارتباطا وثيقا بأرض الواقع، وتبتعد ولو قليلا عن تكرار ما يقال في الدرس الأكاديمي في جامعاتنا، لأن كل ما قيل في مؤتمراتنا المسرحية السابقة، قد قيل من قبل بصيغ أفضل بكثير من تلك التي نشكلها ونعجنها وننظر إلى أنفسنا من خلالها أولاً قبل أن يقرئها القارئ أو يفهمها. وهذا يعني، يجب أن ننفتح على المستقبل وليس على الماضي؛ ننفتح على آفاق جديدة وبلا حدود، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا بالقراءات التحليلية العلمية والواقعية لواقع الحال. لقد جعلتنا كورونا للأسف، ان نفتتنّ بالرعب إلى حد ما، ولكن مع ذلك لا يمكننا التوقف عند هذا الحد عندما نحاول فهمه فهماً تاماً كلحظة مأساوية نعيشها جميعاً بنوع من الانتظار وعدم التوقع. يقول الفيلسوف وصاحب الفكر التجريبي فرنسيس بيكون أنني أرسم الصرخة وليس الرعب، وهذا ما يجب ان نعمله في رسمنا لمآسي اعمالنا المسرحية مستقبلاً، أن نرسم الصرخة ولكن أيضاً مظهر الرعب والدهشة المرتبطة به، وليس فقط الفعل ورد الفعل، لأن عرض مآسي حياتنا الحالية سيُظهر حتما التهديد وانهيار المحاولات اللغوية والعقلية من اجل التغلب على الرعب ربما، اكثر بكثير من الرعب نفسه.

* أيهما يصنع الآخر برأيك، الفرجة تصنع الواقع أم الواقع يصنع الفرجة؟

**اعتقد أن كليهما يصنع بعضهما الاخر، لأنهما يشكلان امتداداً ويعكسان بعضهما البعض، لا سيما أن المسرح بمثابة استعارة للعالم واكتشاف الحقيقة والحياة. لقد ظهر المسرح في اليونان القديمة خلال الأعياد التي أقيمت على شرف الإله ديونيسوس. فهو نوع تم تطويره بطرق متنوعة عبر العصور. وإذا ما قمنا بمقارنته بالرواية أو الشعر، فسنلاحظ أنه الوحيد الذي يتم تمثيله. وهكذا يرى الجمهور شخصيات مقنعة تتطور على المسرح من خلال حبكته. وإذا ما سألنا أنفسنا فيما إذا كان المسرح هو انعكاس للواقع، فسنجد هناك تناقض في هذا الافتراض لأن هذا النوع خيالي بداهة. وخلافا لما قد يعتقده بعض المتفرجين، يمكن للمسرح أن يكون انعكاسا للواقع، لأنه يعمق هذا الأخير ليفهمه المتفرج. صحيح أن بعض القواعد في المسرح تجعله يبتعد عن الواقع، ولكن هناك بعض آخر أيضا، على العكس من ذلك، تجعله يقترب منه كقاعدة الاحتمال. فالمسرح يُظهر لنا بشرًا بلحم ودم، أحياء، قريبون منا، حقيقيون، يعيشون أمام أعيننا قصصًا يمكن أن تكون شبيهة بقصصنا. يشاركوننا مشاعرهم وضحكاتهم وغضبهم ونكساتهم. ومن السهل، في أفضل الأوقات، أن ننسى أنه مجرد عرض وأن نتماهى معه. إنه عالم كل شيء فيه ممكن، عالم يجعلنا لا نتفاجأ عند رؤية تماثيل تتحرك وتتكلم، رجال يتحولون إلى وحوش، جثث تصبح ضخمة لدرجة انها تغزو الشقة، كما في مسرحية (وحيد القرن) ليونسكو. إنه عالم من الوهم، ومثلما يقول شكسبير (العالم كله عبارة عن مسرح)، وهذا ما يذكرنا، بالوهم الذي نعيشه، وبوهم العالم الذي يحيط بنا، وبوهم مشاعرنا، وبوهم الآخرين. لذلك، فإن المسرح عالم من الوهم، وبهذه الطريقة فهو يمثل أو يعكس وهم العالم. لكن الوهم غالبا ما يقود إلى الحقيقة. ومن مفارقاته، أن وراء كل أقنعته، وتنكراته، ومؤثراته البصرية، وهذه الأوهام، هناك الحقيقة التي ستكشف عنها شخصياته، إنه استعارة للعالم واكتشاف الحقيقة والحياة.

* فرضية “نحن محكومون بالأمل” هل تؤيدها أم تدينها، لأن ما يجعلنا الأمل نحلم به كل يوم لا يلبث أن يتحول من حلم إلى كابوس، فالأوضاع من سوء إلى اسوأ، ما هي رؤيتك؟

**اجيب على هذا السؤال من خلال مقطع من مقاطع مسرحيتي التي كتبتها مؤخرا تحت عنوان (هذه ظلالي التي تفترش الأرض) والتي استحضر فيها شخصية الكبير والجليل سعد الله ونوس، صاحب هذا المقول:

“أي أمل هذا الذي لا زلنا محكومين به أيها السيد المبجل، هل نسيت أن حياتك انتهت على سرير مستشفى بعيد عن الوطن الذي غنيت له أجمل النصوص؟ الأمل، يا سيدي الجليل، لا يعيد الأشياء إلى نصابها، لا يبني المدن التي دكتها المدافع وحولتها إلى حطام، ولا يشفي النفوس المريضة التي صنعتها الحروب، ولا العاهات التي تزينت فيها الشوارع، ولا يعيد كرامة النساء والأطفال الذين صاروا يستجدون المارة على ناصيات الطرق في العواصم الغربية. في ظل هذا الدمار العظيم، بات الأمل، نوعا من التمني المفلس، قشة نتعلق بها لاعتقادنا أننا سوف نخرج بفضلها من أنفاق عتمتنا الطويلة، وسجوننا الذاتية التي كبلنا فيها الأهل والأغراب معا، ومع ذلك فكل شيء يبدو غير واضح، رغم الوضوح الكبير، رغم الجراح التي لا تريد أن تندمل، وملامح الهاوية التي يهيئونا لها بشكل تدريجي، مثل خراف الأضاحي التي تتنظر حلول عيد نحرها. ومع ذلك، فكل ما يحدث أو حدث مجرد بداية، أو بالأحرى مجرد تمرين على مسرحية مجهولة هوية مؤلفها، لا تنتمي إلى المسرح الحديث في شيء، وإنما إلى مجاهيل عهود مظلمة صارت تمارس علينا غوايتها وتأثيرها، لا نعرف فيها البداية من النهاية، أما الوسط فأنصاف حلول مؤقتة يحقنونا بها بجرعات تشغلنا عن أنفسنا لحين ما تجهز الجرعة الأخيرة.

*سؤال أخير: أين فقد المسرح براءته؟

**لا اعتقد أن المسرح يمكن أن يفقد براءته، ولكن أغلب العاملين فيه، والذي يحاولون أن يكونوا أوصياء عليه، قد غادرتهم البراءة، مثلما تغادر المرأة أنوثتها. وهذه في رأيي أهم وأعقد المشاكل في المسرح العربي. وهي قابلة للحل والتجاوز.

شاهد أيضاً

السياسة والدين في نظر “ائتمانية” طه عبد الرحمن

حسن العلوي   تمثل “نظرية العقد الاجتماعي”، في رأينا، المبدأ الذي أتاح لطه عبد الرحمن، …