الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / إدغار موران: يجب أنْ نَتَعَلَّم الإبْحار في مُحيط من اللايَقينيات

إدغار موران: يجب أنْ نَتَعَلَّم الإبْحار في مُحيط من اللايَقينيات

الدكتورة خديجة زتيلـي – الجزائر

ترجمة: خديجة زتيلـي

مقدّمة المترجِمة:

في هذه المُقابلة التي أجْراها هوجو ألبانديا Hugo Albandea مع إدغار موران Edgar Morin في سبتمبر 2021، ونُشرت في مجلّة العلوم الانسانيّة sciences Humaines   الفرنسيّة في ديسمبر 2021 في عددها 342، يَسْتَأْنف فيلسوف التعقيد – بالوضوح ذاته الذي تَجَلّى في مؤلّفاته ومُقابلاته السابقة، وبالإصرار نفسه – بَسْط أفكاره التي يُدافع فيها عن نظريّة التعقيد، مُذكّرا بحاجة البشريّة الماسّة للتجدّد والعيش المشترك. عنوان هذه المقابلة: ”يجب أن نتعلّم الإبْحار في مُحيط من اللايقينيات”  Nous devons apprendre à naviguer dans un océan d’incertitudes

النصّ/الحوار

إنّ رَبْط المعارف من أجل التفكير في التَعْقيد البَشَري: هو البرنامج الذي وَضَعه إدغار موران لنفسه. ففي عامِه المائة يروي [لمجلّة] العلوم الانْسانيّة Sciences Humaines مَساره، نِضالاته، مَخاوفه وآماله في مُواجهة المسْتقبل.   

في سبتمبر 2021 كان إدغار موران Edgar Morin بالكاد يتعافى من ”الزوبعة الاعلاميّة”  التي خُصّ بها في عيد ميلاده المائة. حيث قام المفكّر بجولات في الاسْتوديوهات التلفزيونيّة  والإذاعيّة، وأجاب بلا كلل على أسئلة زميلاتنا وزملائنا. إنّه يَسْتقبلنا عبر التواصل بالفيديو Visioconférence من منزله الريفي، حيث يَسْتريح منذ بضعة أسابيع. صدرَ كتابه الأخير دُروس قَرْن من الحياة Leçons d’un siècle de vie  (2021) في مطلع هذا العام. وكان  قد وُجّهتْ له سلسلة من الدعوات، أعقبها المفكّر بـ “احتفالات” الذكرى المئوية لميلاده. يَتَحاشى حاليا أيّ طلب، لكنّه يُوافق بشكل استثنائي على العلوم الانسانيّة Sciences Humaines لأنّ الروابط بينه وبيننا وثيقة، لقد كان على غلاف عددها الأوّل في عام 1990. إنّ جان فرانسوا دورتييهJean-François Dortier ، مؤسس العلوم الانسانيّة، أصبح لاحقا صديقًا له، ورافقنا إدغار موران لأكثر من ثلاثين عامًا.    

 «ليكن مفهوما أنّني لا أُعطي دروسا لأحد» هكذا تَبدأ دروسه لــقرن من الحياة. هنا لا شيء قطعيّ. إنّه يُعيد رَسم مُغامرته الفكريّة في خُطوطها العَريضة، يَنْقل لنا ما اسْتَخْلصه من قرن من الوُجود و يَضَع آفاقا للبشريّة.  

لقد احتفلتَم للتوّ بعيد ميلادكَم المائة، ونشرتَم الكثير  من الكُتب. ماذا تُريدون أنْ نستحضر من سيرتكم؟  

على مدار حياتي حصلتُ على العديد من التسْميات. عالم أنثروبولوجيا في المقام الأوّل. وأنا كذلك، لكنْ ليس في المعنى الذي اتّخَذَتْهُ هذه العبارة مؤخّرًا. لقد أصبحتْ مُقيّدة للغاية:  ففي القرن العشرين كانتْ تَقْتصر على دراسة السُكّان الذين لم يعرفوا الكتابة وتمتْ تَسْميتهم السُكّان الأصليّين. على الرغم من أنّها كانتْ في القرن التاسع عشر، وتحديدا في ألمانيا، تَعني تَخَصّصا يقوم بالجَمْع بين مختلف المعارف المتعلّقة بالإنسان، وأنا أرى نفسي أكثر انتماء لهذا النوع من الأنثروبولوجيّين. إنّ مسألة إنتاج المعارف هي في صميم أعمالي وباختصار فإنّ غايتي هي الجمع بين الإبستمولوجيا (دراسة المعرفة) و الأنثروبولوجيا، معرفة البشر. لطالما أردتُ الإجابة على  سؤال إيمانويل كانط: ما هو الإنسان؟ وللقيام بذلك، كان عليّ الإجابة على سؤال آخر: ما الذي يُمكننا معرفته؟ إنّ إصلاح المعرفة والفكر هما بالنسبة لي قضيّة ذات أهميّة قصوى والنقد الذاتي تطهير نفسي ضروري. وكنظريّة تَستجيب لكلّ شيء، أفَضِّل التَعْقِيد La complexité الذي يُشكّك في كلّ شيء.   

هذه الفكرة، هي التي أرغبُ من الناس أن يستحضروها من مشواري، وقد تمّتْ صياغتها في  المنهج La Méthode، وبشكل خاصّ في المجلديْن: الثالث معرفة المعرفة  La Connaissance de la connaissance   (1986) والرابع، الأفكار: مقامها، حياتها، عاداتها وتنظيمها Les Idées : Leur habitat, leur vie, leurs mœurs, leur organisation   (1991).

في الآونة الأخيرة يتمّ تذكيري، فضلا عن ذلك، بتلك الصفة التي لطالما نُسبتْ إليّ ، عالم اجتماع. إنّ الأمر لغريب حقّا، إنّهم يَرْجِعون في هذا الجانب إلى أعمالي، في حين كان علم الاجتماع الخاصّ بي مُهمّشا للغاية ويتمّ انتقاده في زمانه.  وبالنسبة لي ليست نواة مغامرتي الفكريّة هي التي دفعتني لتأليف المنهج (1977- 2004). لستُ فيلسوفًا بالمعنى الذي نسمعه اليوم، بطريقة ما، أنا فيلسوف شَرِس: الفلسفة بالنسبة لي انعكاسيّة، إنّها النظرة الثانية التي نَعْثر عليها عند كلّ الفلاسفة العُظماء. وقد انخرطتُ في هذه الخُطوة باحثا عن اكْتساب المزيد من المعرفة من زملائي. إنّ فلسفتي ليستْ أكاديميّة.

كما أصف نفسي أيضا بأنّني إنساني. فجميع تصوراتي أنثرو-بيو-اقتصاديّة-سياسيّة Anthropo-bio-éco-politiques، إنها مُستقاة من الفكر المعقّد ولكنْ أيضًا ممّا أسْمَيْتُه بالإنسانيّة المتجدّدة، التي أبْسطها في كتاب لنغير الطريق Changeons de Voie (2020).  أن تكون إنسانيًا ليس فقط أن تعرف أنّنا مُتشابهون ومُختلفون، وليس فقط الرغبة في الفرار من الكوارث والتطلّع إلى عالم أفضل. إنّه أيضًا شُعور المرء في أعْماقه بأنّ كلّ واحد منّا هو جُزء من مُجتمع بشري يُمكن أن يكون فاعلا فيه.

لطالما دَعَوْتم، منذ فترة طويلة، إلى تَرابط المعارف الانسانيّة.  هل تَطوّرتْ العُلوم في هذا الاتّجاه برأيكم؟

لم يَخْضع كتابي الإنسان والموت L’Homme et la mort (1951)، وهو أوّل منجز مهمّ لي، دشّنتُ به طريقتي في المعرفة مُتداخلة التخصّصات، لأيّ انتقادات من مُتخصّصين لأنّ لا أحد تَطرّق حتّى ذلك الوقت إلى مَواقف إنسانيّة  في مُواجهة الموت بالربط بين علم النفس وعلم الاجتماع. وعندما اشتغلتُ على هذا الكتاب، قمتُ بشكل تلقائي بربط الدين والتحليل النفسي والبيولوجيا… وقد ساعدني ميراث الفلسفة الجدليّة كثيرا زمنئذ، لأنّه مكّنني من مُواجهة التناقضات الظاهرة في مختلف مجالات المعرفة، وهذا ما أُطلقُ عليه التفكير المعقّد. وعندما شرعتُ، في وقت لاحق، في المنهج La Méthode، غالبًا ما كان يُنظر إليّ باستياء من قِبَل بعض المتخصّصين في المجالات المعرفيّة، لقد تمّتْ إدانتي بوصفي غير كفؤ أو مبتذل، على الرغم من أنّني أعدتُ تفسير وربط المعارف المبعثرة وصياغة المنهج للتعامل مع التعقيدات، وهذا الأمر يُبيّن الاتّجاه الذي تطوّر فيه إنتاج المعرفة. لكن لسوء الحظّ، في الوقت نفسه الذي حاولنا فيه  تطوير فكرة التداخل بين التخصّصات، تطوّر الاتّجاه نحو التخصّص الدقيق، فتولّد من كلّ تخصّص تخصّصات فرعيّة، وأصبحتْ مجالات البحث مُحدّدة للغاية. واليوم، يظلّ تداخل التخصّصات أمراً سطحيًا، والتخصّصات انغلقتْ على نفسها. لكن، حسب رأيي، فإنّ كلّ إجابة على مشكلة عويصة لا يُمكنها أن تَقَع إلاّ بربط المعارف المجزّأة. إنّ الظواهر ترتبط ببعضها البعض من خلال تفاعلات وردود أفعال لا حصر لها، وتَجْزيء المعارف يحول دون رؤية هذه الروابط: إنّ معرفة الكلّ يعود إلى معرفة العناصر المكوّنة له، بالرغم من أنّ الكائن الحّي لا يُمكنه الانْفصال عن مُحيطه، لأنّه يَعْتَمد على بيئته. ولمعرفة الإنسان بشكل أفضل يتطلّب الأمر ربط العلوم الانسانيّة والبيولوجيا وحتّى الكوسمولوجيا ببعضها البعض- لأنّنا مُشَكّلون من مادّة فيزيائيّة. ففي نظري، يتمّ تعريف الإنسان من خلال أبعاد ثلاثة غير قابلة للفصل بينها: النوع والمجتمع والفرد. فمن الضرورة بمكان الإلمام بها جميعا! لأنّ إخفاء التَعْقيدات يُفضي إلى الخطأ.  

إنّ التفكير المعقّد هو أيضًا الطابع اللايقيني للمعرفة العلميّة. لقد وَضَعَ كوفيد اللايقين في قلب المجتمع، كيف تَنْظرون لهذه الأزمة؟

تسبَّبَتْ جائحة كوفيد في حُدوث أزمة كوكبيّة مُتعدّدة الأبعاد. وشكّلتْ عاملا جديدا من عوامل عدم الاسْتقرار واللّايقين والقلق. حيث أحْصينا الموتى كلّ يوم.

 في الوقت الحالي تُحاول الأفكار السائدة كتابة مُستقبل البشريّة ضِمن حُدود واضحة، بإزالة اللايقينيات. ومع ذلك تُعيد أزمة كورونا، بشكل واضح، إحْياء تقلّبات الحياة، وهذا ما يُزعزع اسْتقرارنا. كيف نعيش مع توقّعات لمدّة أسبوعين أو ثلاثة أسابيع؟ كيف نعيش خائفين من حَجْرٍ  مُفاجئ؟ هل يجب أن نَتَوقّع تَحسّنا أم على العكس من ذلك تَدهورا في المدى القصير؟  

لقد كرّستُ خمسين عامًا من حياتي في رسم الطريق في المجلّدات الستّة من المنهج  La Méthode، لكن الضرورة الملحّة للتغيير غير مفهومة من قِبل جلّ السياسات ومن طرف الاقتصاديّين والتكنوقراط ورجال الأعمال. ما الذي نَعْثر عليه في مُواجهة رَأْسمالية مُهَيْمنة تَعاظمتْ قوّتها خلال الوباء؟ سوى ضمائر مُشَتّتة، ثَورات مَقْموعة، جَمْعيات تَضَامُنية، وقليل من الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، لكن لا توجد قوّة سياسيّة مُتناسقة حاملة لفكر – توجيهي.

 يُواجهُ الفكر المعقّد باستمرار اللايقينيات، وعندما تمّ اسْتجوابي عن الوباء، حاولتُ الاستجابة للمخاوف، وأكدتُ مُجددًا أنّ المغامَرة البشريّة، سواء كانت فرديّة أو جماعيّة، غير يقينيّة ومَحْفوفة بالمخاطر. ويُعزّز الطابع الكَوكبي لهذه الأزمة، عِلاوة على ذلك، فكرة المصير المشترك، الذي لا نَعيه دائما لكنّه حقيقيّ في واقع الأمر. كما أنَّنَا بحاجة ماسّة إلى الأمل، إنّه ثابت إنساني، خاصّة في فَترات عدم الاسْتقرار. فعندما كنتُ في المقاومة كنّا نظن أنّ عالماً جديداً سيولد بعد كلّ تلك الفظائع. هي أوهام، ربما، لكنّها تَتَجَدَّد باستمرار عند البشر، ومعها يَتَجَدَّد أملنا في مُستقبل أفضل.

مُقاوم، شُيوعيّ، مُناهض للستالينيّة، مُدافع عن القَضيّة الفلسطينيّة، ومن دُعاة حماية البيئة … تَبَنيتَ العديد من القضايا السياسيّة الواحدة تلو الأخرى. بالعودة إلى الوراء كيفَ تَنْظرون إلى رحلتكم السياسيّة؟

برزتْ ميولي السياسيّة وأنا في سنّ الثالثة عشر، بعد المظاهرة المناهضة للبرلمان في 6 فيفري 1934، التي رأيتُ فيها زملائي في الصفّ يُعارضونها بعنف. وبحكم أنّني لم أكن أحض بأفكار مُسبقة عن الموضوع، تبنيتُ موقفًا مُرتاباً بعد ملاحظة الانقسامات.  في وقت لاحق كونتُ ثقافتي الخاصّة، التي ضمّتْ من جهة، التقاليد الإنسانيّة الفرنسيّة، من مونتاني Montaigne  إلى رومان رولاندRomain Rolland ، ومن جهة أخرى، الإنسانيّة الروسيّة لليو تولستوي Léon Tolstoï وخاصّة فيودور دوستويفسكي Fiodor Dostoïevski. وتبقى حياتي مطبوعة بنوع من الاستمراريّة. مرحلتي الشُيوعيّة اقتصرتْ على ستّة أعوام بعد مراهقة كانت فيها أفكاري مُنفتحة للغاية ونقديّة في آن واحد. لقد انخرطتُ في إيديولوجيّة قتاليّة، وهي بمثابة نوع من الإيمان، من دين للخلاص الأرضي. وفي مدينة تولوز Toulouse، بعد غزو الاتّحاد السوفياتي من طرف الفيرماخت Wehrmacht في عام 1941، تحولتُ من مُناهض للستالينيّة إلى مُوال للشُيوعيّة ومن مسالم إلى مقاوم. بإمكاني القول أنّ المقاومة التي عَبَرَتْ في الوقت نفسه في العقيدة الشُيُوعيّة والحَرَكة الديجوليّة، كانت فرصة لكي أحيا بعمق. وإذ أندم تماما  على جهلي بطبيعة الشيوعيّة السوفياتيّة، فلا يُمكنني القول أنّ مرحلتي الشيوعيّة كانت حظًا سيئًا، لأنّها مَنَحَتني الفُرصة لفهم الشُموليّة بشكل جيّد فيما بعد. ثمّ شقيتُ طريقي مع صديقيّ الفيلسوفيْن كلود ليفورت Claude Lefort وكورنيليوس كاستورياديس Cornelius Castoriadis  إلى أبْعد من الماركسيّة، وتعلمتُ أنّه على الرغم من اعتقادنا أنّنا مُسلّحون باليقينيات والبرامج، يجب علينا أنْ نعي أنّ كلّ حياة هي إبحار في محيط من  اللايقينيات، مرورا بجُزُر أو أرْخَبيلات من اليقينيات حيث التزوّد بالوقود. أريد التأكيد أنّ أحد الدروس الكبرى في حياتي هو التوقّف عن الاعتقاد بديمومة الحاضر واستمراريّة الصيرورة والقُدْرة على التنبّؤ بالمستقبل.

منذ أنْ غادرتُ الحزب الشيوعي، وأنا مُستقّل عن أيّ مَنطق حِزبي في السياسة. أنا طالب دائم، أقوم بدمج المعارف الجديدة في تفكير يزداد تعقيدا، لكنّه متّسق، إنّ التفكير المعقّد هو تفكير تكاملي يُضيف الأفكار. ففي عامي 1969 – 1970، عندما كنتُ أغوص بسعادة في عالم الهيبي في كاليفورنيا، اكتشفتُ المعضلة البيئيّة، ولم أجد أيّ صعوبة لإدراجها ضمن مفهومي للإنسان. لقد تصوّرتُ بالفعل أنّ جِنْسنا البشري مُرتبط ببيئته ارتباطًا وثيقًا، وهذا الموضوع هو في الوقت الحالي في صميم اهتماماتنا. إنّ مُستقبل البشرية هو القضيّة السياسيّة الأساسيّة  في عصرنا. أعتقد أنّ هناك طريقا آخر ممكن لتجاوز الليبراليّة الجديدة، في سبيل الخوض في مجال البيئة بشكل أفضل. إنّ توقّعات العلوم التقنيّة أو ما بعد الإنسانيّة لا تكفي وحدها للإجابة على الأسئلة. سيكون للإنسان الرفيع  دوما احتياجات لروابط وديّة وأخويّة.

هل أنتم مُتشائمون بشأن مُسْتقبل البشريّة؟  

أُفَضّل أن أصف نفسي بالحَذِر، وحتّى القلق، ولكن ليس بالمُتَشائم. إنّ التفكير المعقّد يَتَجاوز التعارض بين التَشاؤُم والتَفاؤُل. أعتقد أن التيّارات السائدة، التي نَسْتمع إليها في وسائل الاعلام أو نَقْرأ عنها في الكُتب الأخيرة هي التي تدفع إلى التَشاؤم. لقد كنتُ شاهدا على اختفاء الودّ، الذي كان سائدا أيام مراهقتي، خلال سنوات ما بعد الحرب. فالروابط الوديّة بين الجيران والمحادثات التي كانت تجري في الحانة وفي مترو الأنفاق وبين حشود الناس تقلّصتْ إلى أقصى الحدود. إنّ تدهور طبيعة الحياة ناتج عن أسبقيّة الكمّ في تنظيم وتسيير مُجتمعنا، حيث يتمّ حساب وقياس كلّ ما هو إنساني. لكي نحكم، نحن نُقدّر الناتج المحلّي الإجمالي والإحْصاءات واسْتطلاعات الرأي، وهذا الأمر يُعمينا عمّا هو فرْدي وذاتي وعاطفي. إنّه عقل خالص وبارد، وفي الوقت نفسه غير إنساني وغير معقول. إنّ العيش فنّ صعب  المنال حيث كلّ ما هو شغف يجب أن يكون مراقبا من العقل – لكي لا نستسلم للضلال – ولكن حيث يجب على كلّ عقل أن يتحرّك بشغف، وعالمنا التكنوقراطي يميل إلى نسيانه. ومع ذلك، لا تزال هناك إمكانيّة لتغيير الطريق، كالاحْتجاجات الحالية لحركة السُترات الصفراء، التي تنطوي، بالنسبة للمشاركين فيها، على حاجتهم للتعريف بأنفسهم في كامل عطائهم الانساني.  أعتقد، مع إيفان إيليتش  Ivan Illich، أنّ التعايش عنصر أساسي لنوعيّة الحياة، ومسار خصب للإنسانية. إنّه يُتيح لنا الاستجابة لليومي ولحاجتنا للاعتراف.  

كيف تتصوّرون مستقبلكم ؟

لقد وجدتُ طريقي منذ كنت في الثامنة عشر من عمري، ولم أتوقّف أبدًا عن ملاحقة أسئلة كانط العظيمة. ما الذي يُمكنني معرفته؟ ما الذي يجب عليّ فعله؟ ما الذي يُسمح لي أن أتمنّاه؟ واتّبعتُ هذا الاتّجاه حتى الآن، وفي عمر المائة، مُستقبلي هو الحياة التي أعيشها في الأسبوع الضيّق النطاق! عندما تُطلب منّي مُحاضرة أو مُقابلة، أرْفض الالْتزام قبل أكثر من أسبوعين أو ثلاثة أسابيع. ليستْ لديّ مشاريع كُبرى،  لكن أواصل التفكير، في مُحاولة منّي للإجابة على أسْئلتي الكُبرى. أُسَجّل مُلاحظاتي، أَكْتب بعض الأقْوال المأثورة، التي أنْشُرها أحيانا على تويتر، ولا أزال أُحبّذ تَدوين الأفْكار المختصرة على الورق… في الوقت الحالي، مثلا، أنا شَغوف بموضوع الأمّة. أنْشِطتي الفكريّة تَتَوَاصل بشكل طبيعي، لكن لم أعد أفكّر أبدا  في تأليف كتاب. إنّ دُروس قَرْن من الحياة Leçons d’un siècle de vie  سيبقى آخر كُتبي الهامّة. أما عن القادم، فأنا لا أؤمن بعالم أخروي بعد الموت. بالنسبة لي، تتعلّق الروحانية بتطوير صفات الروح الانسانيّة – ما أسْمَيتُه شِعْر الحياة.

احتفلتْ العلوم الإنسانيّة مؤخرًا بالذكرى الثلاثين لتأسيسها. لقد كنتم معنا منذ إصدار العدد الأوّل منها، وظهرتم في صفحتها الأولى. كيف تنظرون لهذه المغامرة الفكرية؟

لا أزال أتغذّى من مجلّة  العلوم الإنسانية، التي أجدها خصبة للغاية. وأستفيد من الموضوعات التي أقرأها. بمعنى آخر أجد نفسي في مفهوم علم الانسان Humanologie، الذي تمّ تطويره مُؤخّرا علي يد جان فرانسوا دورتييهJean-François Dortier  (مؤسّس المجلّة): أنا رابط للمعارف يَسْعى لفهم تَعْقيد البشر.   

****

أصوات من داخل الصراع

‏أسبوعين مضت ترجمةحواراتفلاسفةمتابعات التعليقات على أصوات من داخل الصراع مغلقة

ترجمة: خديجة زتيلـي خديجة زتيلـي مقدّمة المترجِمة:      في عددها الأخير رقم 158 (أفريل 2022) خصّصتْ ”مجلّة الفلسفة” Philosophie magazine  الفرنسيّة أحد مِلفّاتها للغزو الروسي لأوكرانيا، من خلال مُقابلة أجراها ميشيل التشانينوف Michel Eltchaninoff مع فلاسفة أوكرانيّين وروس بُغية تقصّي موقف كل طرف منهما من الحرب، وكيف ينظر الفيلسوف الروسي …أكمل القراءة »

رونيه كاييس: العقدة الأخوية العتيقة

11 فبراير 2022 ترجمةعلم النفسمجلات التعليقات على رونيه كاييس: العقدة الأخوية العتيقة مغلقة

ترجمة : الحسن علاج منذ سنوات عدة ، وأنا أدافع على الأطروحة التالية : تعتبر العقدة الأخوية عقدة حقيقية ، بالمعنى الذي صاغ به التحليل النفسي البنية والوظيفة في الفضاء النفسي للذات .     يتم تعريف العقدة الأخوية اتّباعا كمجموعة منظمة من التمثلات والتوظيفات  investissements) ( اللاشعورية وهي ، تتشكل …أكمل القراءة »

بيتر سلوتردايك: شيلنغ

22 أكتوبر 2021 ترجمةفلاسفةكتب التعليقات على بيتر سلوتردايك: شيلنغ مغلقة

جميلة حنيفي ترجمة جميلة حنيفي    تتشكل صورة الفيلسوف شيلنغ قبل كل شيء من خلال أسطورة شبابه اللامعة. بثقة ذاتية ذاتُ ملامحٍ شيطانية، تولىّ الشاب البالغ من العمر عشرون عامًا قيادة الفلسفة الألمانية حوالي عام 1800، والتي كانت في ذلك الوقت، كتتّمةٍ روحية للثورة الفرنسية، إذا جاز القول، تمثلُ طليعة …أكمل القراءة »

حين وقع هيجل في الحب

17 سبتمبر 2021 ترجمةفلاسفةكتب التعليقات على حين وقع هيجل في الحب مغلقة

ترجمة: مصطفى حداد “شق هيجل طريقه في الفكر، كباقي أغلب مفكري جيله، تحت عباءة كانط. فقد تأثر تأثرا كبيرا بتصور كانط عن الحرية الذي ربطها بالقانون الأخلاقي. ولم يبرز هيجل كما عرفناه لاحقا إلا حين انتبه إلى الحب وأدرجه في فلسفته. وإذا كنا قد اعتدنا على ربط هيجل بالالتزام بالمنطق …أكمل القراءة »

قهوة لسقراط: في الاستراتيجيّات الجديدة للممارسة الفلسفيّة

16 سبتمبر 2021 بصغة المؤنثعامةفلاسفة التعليقات على قهوة لسقراط: في الاستراتيجيّات الجديدة للممارسة الفلسفيّة مغلقة

خديجة زتيلـي د. خديجة زتيلـي       تنامَى الاتِّجاه نحو التركيز على تجديد المواضيع الفلسفيّة ابتداء من النصف الثاني من القرن العشرين، فقد كان لزاما على الفلسفة أن تُحاور الفكر خارج أُطُره الكلاسيكيّة، وتُنْجز مهاماً ليستْ على شاكلة ما دأب الفكر على معرفته من قبل، وتتفاعلَ مع قضايا علميّة وإنسانيّة وأخلاقيّة …أكمل القراءة »

الفلاسفة والشعر والدولة: ادولف هتلر وأحلام الاسلام السياسي

1 أغسطس 2021 عامةمتابعاتمفاهيم التعليقات على الفلاسفة والشعر والدولة: ادولف هتلر وأحلام الاسلام السياسي مغلقة

بقلم بصري محمد باحث جزائري تربوي من القنادسة بشار الدولة ترغب أن يعبدها الناس كإله،بنفس الطريقة التي عبدوا فيها ذات مرة الكنيسة.ماذا كانت النتيجة؟ سنرى ذلك، على أية حال لا نزال أنفسنا في جليد عائم من نهر القرون الوسطى الذي ذاب و انطلق بحركة عنيفة و مدمرة: تراكمت كتل الجليد …أكمل القراءة »

بيتر سلوتردايك: ديكارت

9 يوليو 2021 ترجمةفلاسفةمقالات التعليقات على بيتر سلوتردايك: ديكارت مغلقة

جميلة حنيفي ترجمة جميلة حنيفي    من الفترات القليلة في تاريخ الفكر، التي أصبحت غريبة عن المعاصرين، فترة القرن السابع عشر، الذي عادة ما تقدمه كتب التاريخ باعتباره العصر التأسيسي للفلسفة الحديثة. في الواقع، بالكاد بمقدور أولئك الذين وُلدوا وفكّروا في الفترات اللاحقة أن يسقطوا أنفسهم في زمن كانت شخصيات …أكمل القراءة »

إدغار موران: الهويّة واحدة ومتعدّدة

8 يوليو 2021 بصغة المؤنثترجمةفلاسفةمتابعات التعليقات على إدغار موران: الهويّة واحدة ومتعدّدة مغلقة

د. خديجة زتيلـي تقديم وترجمة: د. خديجة زتيلـي تحميل المقال كاملا ترجمة القسم الأول من كتاب موران الأخيرتنزيل     يُنبّها إدغار موران Edgar Morin في اسْتهلاله لكتابه دروس قرن من الحياة  Leçons d’un siècle de vie، الصادر في مطلع شهر جوان الماضي، إلى أنّه لا يتغيّا من خلال هذا المنجز …أكمل القراءة »

الدولة الدينية المستحيلة من الداخل: اسرائيل نموذجا

2 يوليو 2021 مجلاتمفاهيممقالات التعليقات على الدولة الدينية المستحيلة من الداخل: اسرائيل نموذجا مغلقة

محمد بصري بقلم : محمد بصري  باحث جزائري القنادسة بشار “”فلتكن مشيئتك أن تجعل من نصيبنا أن نسمع الشوفار  يعلن مقدم الماشيح  سريعا، كما جعلت من نصيبنا أن نرى بداية الخلاص” المزامير(107/97/98) عبد الوهاب المسيري انهيار اسرائيل من الداخل. “هنا ترقد جثة اسبينوزا وهذا قبره .ابصقوا عليه ايها اليهود”حاخامات طائفة …

شاهد أيضاً

حوار مع آلان توران: حول الانتقال من الاجتماعي إلى الثقافي، من ماي 68 إلى الربيع العربي، الطلبة والفاعل الاجتماعي الجديد

محمد العربي العياري ترجمة: محمد العربي العياري *بعد نصف قرن من ماى 1968، هل ما …