الرئيسية / ترجمة / أصوات من داخل الصراع

أصوات من داخل الصراع

ترجمة: خديجة زتيلـي

خديجة زتيلـي

مقدّمة المترجِمة:

     في عددها الأخير رقم 158 (أفريل 2022) خصّصتْ ”مجلّة الفلسفة” Philosophie magazine  الفرنسيّة أحد مِلفّاتها للغزو الروسي لأوكرانيا، من خلال مُقابلة أجراها ميشيل التشانينوف Michel Eltchaninoff مع فلاسفة أوكرانيّين وروس بُغية تقصّي موقف كل طرف منهما من الحرب، وكيف ينظر الفيلسوف الروسي والفيلسوف الأوكراني للحاضر والمستقبل على ضوء الحرب الدائرة رحاها على أرض أوكرانيا. لقد لفتَتْ، هذه المقابلة، انْتباهي فقمتُ بنقلها إلى اللغة العربيّة، آملة أن يجد فيها القارئ المهتمّ بعض الفائدة، ويحمل هذا الحوار  عنوان:  ”أصوات من داخل الصراع” Voix dans le Conflit Des، وقد وجدتُ الديباجة التي اقْترحتها مُتناغمة مع المضمون.   

النصّ/الحوار:

منذ اليوم الأوّل للغزو الروسي في  24 فيفري، تحدّثنا عبر الهاتف مع فلاسفة أوكرانيّين وروس. وقد عبّروا بكلمات عمّا يحدثُ لهم.

  كونستانتين سيغوف  Constantin Sigov

«كل واحد منّا يُمكنه أنْ يُصبح تِشرشل»

هو أستاذ في أكاديمية موهيلا Mohyla في كييفKiev ، يدعو الفيلسوف الأوروبيّين إلى فهم أنّه في مُواجهة بوتين Poutine ، لا أحد آمن، وأنّ الاختيار المتاح أمامنا هو بين صُعود كلّ أوروبا والاسْتسلام.

ما الذي يُمكن للعواصم الأوروبيّة أنْ تَفْعله أَكْثر في مُواجهة الحرب؟

كونستانتين سيجوف: في الواقع، أوكرانيا والاتّحاد الأوروبي أصبحا فعليّا معًا. إنّهم يُقاتلون خصمًا خطيرًا جدّا ومجنونًا. لكن كلّما تَمَّ تَسريع انْضِمام أوكرانيا إلى الاتّحاد الأوروبي وأصبحَ فَعالاً واسْتوعبه وَعْي الأوروبيّين جميعا، سيكون ذلك أفضل. إنّ هذا الشعور بالوحدة ضروري، ليس فقط داخلَ البلاد، بلْ في أوروبا قاطبة. هذا سَيُعطي المزيد من القوّة والمزيد من الشجاعة للجميع. فالإغْراءات، في أوروبا الغربية، بتخيّل المرء نفسه آمنا كبيرة.   

لماذا تَعْتقد أنّ هذا الشُعور بالأمان مُضلّل بالنسبة لكَ؟

في حالة وقوع حادثة جديدة في محطّة الطاقة النوويّة الأوكرانيّة بسبب الغزو الروسي، حتىّ من دون قرار بتوجيه ضربة ذريّة، سيكون علينا مُواجهة، ابْتداء من يوم غذ، كارثة بيئيّة. وغالبيّة الفرنسيّين ليْسوا على اسْتعداد لذلك على الإطلاق. إنّهم لا يتخيّلون أنفسهم أيضاً نائمين على الأرض في الميترو.

يَعمل العديد من الفرنسيّين من أجل مُساعدة الأوكرانيين

هذا يُذكّرني بفيلم Don’t Look Up . هناك لحظات في التاريخ يستطيع فيها أناس عاديون الالتقاء بقادة بلد ما وأحيانا يمكنهم توصيل رسالة. ربّما يَفهم إيمانويل ماكرون أنّه يَستطيع الارْتقاء إلى مُستوى تشرشل. يجب على كلّ الفرنسيّين أن يُرسلوا له هذه الإشارة. وهذا سَيعطي الدولة المزيد من القوّة لمواجهة مشاكل أخرى، اقتصادية وسياسية وتلك المتعلّقة بالهجرة. في الواقع، الكثير من الأشياء تَعْتَمد على المواطنين الفرنسيين!

ماذا يَعْني هذا الحَدَث في تاريخنا؟

إمّا أن تُجدّد هذه الحرب فرنسا وأوروبا وتُقويهما. وإمّا أنْ تُعيدنا إلى ثلاثينيات القرن الماضي، إما أن تُجسّد أوكرانيا وفرنسا وجميع دوّل أوروبا روحًا جديدة، أو سَينتهي بنا المطاف إلى أنْ نَتَحَوّل إلى حيوانات. إنّ إيديولوجيّة الكرملن تُريد إقناعنا أنّ الدَناءة هي الأفْضل دائما على الحرب. هذا ما عبّر عنه تشرشل عندما قال: «لقد فَضلتمْ العار على الحرب. لكنّكم سَتَنالون العار والحرب معًا». فإذا أصبحَ كلّ واحد منّا، حيثما كان، تشرشل، فإنّ فرنسا كلّها سوف تُساعد قائدها لكي يصير هو نفسه تشرشلا جديدًا.

فولوديمير  يرمولينكوYermolenko    Volodymyr

«نحن نعيش في مشهد مُرَوِّع »

في بداية الهجوم الروسي، تَحدثْنا مع الفيلسوف الأوكراني فولوديمير يرمولينكو، الذي يعيش في كييف. إنّه يَتوقع سنوات من القمع ومن المقاومة ضدّ المجتمع المدني الأوكراني.

أين أنت؟

فولوديمير يرمولينكو: نُفضّل البقاء في كييف في الوقت الحالي من أجل اطّلاعنا على الوضع. فكرة الهروب لا تُطاق بالنسبة لي. لكنْ إذا نَصَبّ الروس نظامًا مواليًا للكرملن،  فستكون نهاية الكثير من الأشياء التي حاولنا بناءها هنا. لقد عملنا بجدّ لبناء دولة ديمقراطية. شاركتُ فيها بفعل كل شيء حتىّ تكون هناك فلسفة، فلسفة أوكرانية خالصة. لا أستطيع أن أتصوّر نفسي في أيّ مكان إلاّ هُنا.

ماذا سَيَحْدُث إذا انْتَصَرَتْ روسيا في حربها وأقامتْ نظامًا مُواليًا لروسيا؟

بالنسبة للقوة الروسية، نحن المثقّفون الديمقراطيون أعداء. سيكون هناك قمع ستاليني. يجب أنْ تَعْلم أنّ المجتمع بأسره، بما في ذلك الموجود في المناطق الناطقة بالروسية، مُناهض تمامًا لبوتين. فإمّا أن يَفرّ الناس أو سَتحدث عمليات قمع هائلة. ولكن ستكون هناك أيضًا،  مقاومة قويّة من الجيش والمجتمع الأوكرانييْن، وهي موجودة بالفعل. وسوف تستمرّ لسنوات عديدة. فقد اعْتاد الأوكرانيون على المقاومة.

ما الذي يريده بوتين؟

إنّه يُحاول إعادة تأسيس الاتّحاد السوفيتي. لقد فعلَ ذلك مع بيلاروسيا. ويواصل مع أوكرانيا. وفي روسيا نصفّق.

فيلسوف روسي من جامعة موسكو

«المؤيدون والمضادون للحرب مُرتبكون تمامًا»

لقد حدّدنا موعدًا مع هذا الفيلسوف المعروف، الأستاذ في إحدى المؤسّسات المرموقة في العاصمة، قبل قانون الجمعة 4 مارس الذي يُعاقب بالسجن لمدة تتراوح بين ثلاث وخمسة عشر عامًا على أي “معلومات كاذبة” عن العمليات الروسية في أوكرانيا. في مُواجهة المخاطر كان يجب علينا أنْ نُخْفي اسمه.

كيف هو مِزاج طُلاّبك؟

إنّهم مُرتبكون تمامًا. لم تَظهر أيّ حركة طُلابية مؤيّدة للحرب، لا في مؤسّسات المدن الكبرى أو في جامعات المقاطعات. كانتْ الهياكل الوحيدة التي أظهرتْ دعمًا للحرب هي المنظّمات الصغيرة مثل الفِرَق الموسيقيّة الشَعْبيّة أو الجَوْقات.

كيف تَتَفاعل الأوْساط الفِكرية؟

إنّهم ضائعون. في الواقع، إنّ أغلبيّة المثقّفين لا يُؤمنون بإمكانيّة انْدلاع حرب كبرى. لقد تَصَوَّرُوا أنّ روسيا سَتَكْتفي بالاعْتراف بجمهوريتي دونباس Donbass  الانفصاليتين وبإرسال قوّة اعتراض روسيّة لوقف إطلاق النار. وفي نظرهم كان ذلك كافيا لبوتين ليعتبر تدخّله انتصارا.    

وأنْصار الحرب؟

إنّهم ضائعون مثل المعْترضين على الحرب. وقدْ قَدَّمُوا حُججهم. عندما رأوا، في الصيف الماضي، انْسحاب القُوات الأمريكيّة من أفغانستان قالوا في قَرارة نفسهم: إذا تركَ جو بايدن  Joe Biden  البلاد في أيدي طالبان، فلن يُدافع عن أوكرانيا وسَيَسْمح للروس بتولي زمام الأمور بسرعة. كانوا مُقتنعين أيضًا بأنّ الغرب لا يُمكنه الاسْتغناء عن الغاز والنفط الروسييْن. ولقد اعتمدوا أخيرًا على نصر سريع جدًا للجيش الروسي، وبالتالي كانوا مُقتنعين بأنّ العقوبات سَتُرفع سريعاً. في أذهانهم، ستكون محدودة ومحض ديكورات، ولن تؤثّر بشكل خطير على حياة الروس. لكنْ في مواجهة حجم العقوبات، هم مرتبكون أيضا.

ماذا تَقول الإنْتِيلِجِنْسِيا المؤيِّدة للغرب ؟

 إنّها في حالة حَيْرة. إنّ ما نُطلق عليه الإنتيلجنسيا الليبراليّة كانتْ تُؤيّد التَسْوية: فهي تَقْبل بدولة قويّة لكنّها مُقيّدة من قبل المجتمع المدني. تَعيش بشكل أساسي  في عالم موازٍ لروسيا بوتين، التي كانت تُهيئ المجتمع للحرب منذ سنوات. في عالم المثقّفين الغربيّين، ذهبنا لمشاهدة عروض عصرية، ومَعارض للفنّ المعاصر، وقَرأنا الصَحافة الليبرالية واسْتمعنا إلى إذاعة صَدى موسكو. لكنّ الرقابة أزالتْ كلّ شيء في أيام قليلة، وانْزلق العالم الذي تَطوّر فيه هؤلاء المثقّفون من تحت أقدامهم. وفَجْأَة وَجَدوا أَنْفُسهم مِن دون أيّ معالم.

ألا يُوجد أيّ رَدّ فِعل مُناسب للحرب؟

الوحيدون الذين وجدوا لُغة فلسفيّة للردّ على الأحْداث هُنّ النِسْويات، اللّواتي تَظاهَرْن يوم الأحد 6 مارس من دون ترخيص. وقد كانتْ الشرطة شَديدة الوَحْشية مَعهنّ. لقد اسْتَخْدمن لغة النسويّة المعاصرة، التي تَذهب إلى أنّ الحربَ هي من مُفردات النِظام البَطْرِيريكي. لقد اخْتَرَعْن وَسائل عَمَل مُبتكرة، وفي مُتناول الناس العاديّين. إنّهنّ يُوزعن بطاقات بريدية، ويقرأن القصائد الشِعريّة، ومن المرجّح أنْ يَصِلن إلى النساء اللائي ما زلن يَدْعمن سياسة بوتين بالكامل. ويوجّهن، أخيرًا، خطابهنّ نحو النقد الاجتماعي، من خلال الجدل حول الأضرار الاجتماعيّة للحرب. لقد فهمن كيف يتفاعلن ويتحدّثن مع الناس.

شاهد أيضاً

تأملات فلسفية في رواية قديشة: صراع الحب والهوية

عمرون علي عمرون علي أستاذ الفلسفة المسيلة – الجزائر- مدخل اشكالي                               الرواية من منظور …