الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / إيمانويل دوفارسكييل: هاجس في مكتبة*

إيمانويل دوفارسكييل: هاجس في مكتبة*

ترجمة أمال صفوان

          كنا ننعم بمكتبتـي تروفو والميترو الأخير (Truffaut/ Le dernier métro  )، و قد نصير يوما ما نتحدث عن المكتبة الأخيرة La dernière librairie . مأساوي هذا الإغلاق الذي يطال مكتباتنا، على غرار ما حصل في شهر مارس، وأمام هذه المعضلة، يشبه سياسيونا نوعا ما تلكم الشخوص الكبار الذين نصادفهم في الكتاب الشهير ” الأمير الصغير” لأنطوان دو سانت إكزوبيري؛ شخوص إذا عُرض عليهم رسم لأفعى ضخمة تبتلع فيلا قد لا يلاحظون سوى قُبعة.  ” الراشدون لا يفهمون أبدا من تلقاء أنفسهم، و كم هو متعب للأطفال أن يقدموا تفسيرات بشكل دائم و مستمر”. بالفعل، سياسيونا لا يعلمون أن ما هو أساسي قد لا يكون مرئيا. لا يفهمون أن القراءة لا يجب أن تخضع لمقاييسهم و لحساباتهم السياسوية. و بأن الأحلام بعيدة كل البعد عن مخططاتهم الصحية المتعلقة بالحياة أو الموت؛ فقبل أيام قليلة، شاهدت مقطعا طريفا لكتبيّ اضطر لبيع كتبه وهي مُكدّسة في صناديق للخضروات. ترى ما هو الغذاء الأجود للإنسان ؟ ملفوف و قرنبيط أم أدب ؟

           أذكر جيدا تلك المشاعر القوية التي كانت تنتابني لحظة دخولي لمكتبة خوسي كورتي  José Corti  بشارع ميديسيس، أمام حديقة لوكسومبورغ. إن كُتب كورتي لم يسبق لها مثيل؛ ففي طقوس سحرية و غامضة كان لابدّ من فتح صفحاتها باستعمال قطّاعة ورق، وتحت علامة La rose des vents ، منحتني تلك المكتبة عبق الحرية المنبعث من مؤلفات الكاتب الفرنسي كراك Gracq.كل شيء كان فيها جميلا: واجهة المحل الداكنة، رفوفها المزدحمة بغير انتظام… وإذ ابتعدُ عنها قليلا، عثرت يوما على كتاب Guillaume le Maréchal  لصاحبه لجورج دوبي   Georges Duby في مكتبة الطباعة الجامعية، أمام السوربون. إنه الكتاب الذي جعلني أعشق قراءة التاريخ. كنت أدخل المكتبات بخشوع من يدخل الكنائس فكان ذلك طقسا كطقوس العبادة بكل ما يحمله الفعل التعبدي من قداسة.. و ما زلت على هذا الدرب سائرا وفيا.

دائما ما نجد كُتبيا في قلب أحداث غيرت مجرى التاريخ منذ المأتي عام السالفة؛ فالأحداث العظيمة التي تعلمنا أن نكبر، يكون حتما وراءها بطل منسي: الكتبيّ.

          نشأت الثورة الفرنسية تحت الأقواس الخشبية في مقرات الناشرين و المحررَين بالقصر الملكي، على يد فيكتور ديزين Victor Desenne وميشيل فيبير  Michel Webert  ، وهما كُتبيان شهيران بجمعهما للمؤلفات الجريئة المناهضة للحكم القائم آنذاك، كموسوعة ديدرو ودالامبارت وكتب جون جاك روسو وغيرهم من فلاسفة الأنوار الذين مرّوا بمؤلفاتهم من مكتبتيهما.  إن مصير هذين العظيمين المأساوي كان قربانا لحرية شعب بأكمله؛ فالأول اعتُقل والثاني  أُعدم قبل أن تهُبَّ ثورة 1789 الفرنسية المجيدة.

           ما من أحد يستطيع تصور العدد الهائل من مؤلفات النقد اللاذع التي نشرها عمالقة الأدب و الفلسفة، ناهيك عن المخطوطات الممنوعة التـي اعتُبرت “فاجرة”، و  ما زلت أحتفظ بمخطوط قيّم لأناكارسي كلوتس  Anacharci Cloots  يحمل عنوان ” خطيب النوع البشري”، وقد نُشر عند ديزين.

          انظروا كذلك جهة  مكتبة جورج بيلي  Georges Bellais  التي افتتحت في شهر ماي من سنة 1898، بالحي اللاثني، وتحديدا في زاوية شارع  كوجا Cujas ؛ هنا حيث شارك شارل بيكي Charles Péguy ولوسيان هير  Herr Lucien  و صديقه ليون بلوم Léon Blum في معركة قسمت فرنسا، وهي قضية الضابط درايفوس Dreyfus؛ وهنا كان الشبان الاشتراكيون واقفون على أرض خصبة، وأرضية صلبة فأنتجوا فكرا غزيرا و ثقافة فذة.

          وما عسانا نقول عن مكتبة Au sans pareil التي أسسها ريني هيلسوم  René Hilsum، بشارع كليبر سنة 1920! هنا أسّس أندريه بروتون ولويس أراغون وشارل بيرو مجلة  الأدب Littérature، وهنا كذلك أقيم المعرض الأول لماكس إرنيست تحت اسم Dada في الثاني من ماي سنة 1921، و قد احتفظت له المكتبة بصورة شهيرة نرى فيها ثلة الأدباء هذه، زيادة على بينجامين وسيمون كان و جاك ريكو مؤلَّف ( Le suicidé magnifique)، الذي أطلق على نفسه رصاصة اخترقت قلبه.

          لقد أعادت قناة ARTE مؤخرا عرض الفيلم الجميل لِإليزابيت كولكسيت، وهو فيلم يصور مجازيا  ما نعيشه اليوم. ففي نهاية الخمسينات، افتتحت فلورانس كرين، وهي شابة أرملة ، مكتبة في بلدة صغيرة شمال انجلترا، ثم منحت نفسا جديدا لمكتبة أخرى تقع بلندن، حيث كان اللقاء الأول بزوجها الذي توفي إبان الحرب. فقامت صاحبتنا بطلب مئات النسخ من روايات الكاتبة لوليتا نابوكوف Nabokov Lolita، إلا أنها انهزمت في مواجهتها مع ساكنة البلدة حيث يسود الشكّ بل الريبة، وحيث تستبد الغيرة بالنفوس،  وتتسم الطبائع بالمحافَظة، ثم بعد مرور ثلاثين سنة، سلكت مساعِدتُها القديمة حدوها، فأسست هي الأخرى مكتبة واعتنت بها أيما اعتناء؛ وهذه المساعِدة هي صاحبة الكلمة الأخيرة البليغة: ” كم كانت [إيليزابيت] محقّة إذ قالت إن الوحدة لن تستطيع إلى أرواحنا سبيلا و نحن في مكتبة من المكتبات”.

* نُشر النص في العدد 889 من المجلة الناطقة بالفرنسية Historia  (يناير 2021)

العنوان الأصلي: Rêverie dans une librairie

شاهد أيضاً

أن تكون عربيا في “دولة اليهود”- دراسة في رواية “نوار العلت”

 رياض كامل مقدمة وأكثر تقوم هذه المقالة بدراسة رواية “نوار العلت” (2021) للأديب محمد علي …