الرئيسية / ترجمة / فلاسفة السعادة والعيش

فلاسفة السعادة والعيش

يوسف اسحيردة

ترجمة: يوسف اسحيردة

أغلبية فلاسفة فن العيش يتواجدون حاليا في فرنسا، في مقدمتهم، أندري كانت سبونفيل، لوك فيري، فريديريك لونوار و ميشال أونفري. لنتعرف عليهم عن قرب لمعرفة سر نجاحهم في المكتبات الفرنسية وعبر العالم.

أندري كانت سبونفيل : الروحانية الإلحادية

كتب فلوبير ذات يوم يقول : ” أنا صوفي في العمق ولا أومن بالله” : تصريح لا يظهر أنه يتعارض مع أندري كانت سبونفيل، بل على العكس من ذلك. إذا كنا نملك ما يكفي من الأسباب للتشكيك في وجود الله، فهذا لا يعني استبعاد كل تفكير ميتافيزيقي مع ذلك، باعتبار أن الملحدين لا يتوفرون على “روح أقل من المؤمنين”. مهما اختلف اعتقاد الإنسان، فهو يظل كائنا منتهيا، زائلا ونسبيا، منفتحا على اللانهاية، الأبدية والمطلق.

باعتباره من هواة التأمل والبوذية، ففي تقدير أندري كانت سبونفيل، الروحانية تكمن في عيش وتذوق هذا الانفتاح، وفي الشعور ب “إحساس محيطي” في لحظة الالتقاء مع ال “كل” الطبيعي والحاضر الأبدي. اللامبالاة والتأمل يساعدان طبعا، ولكن أيضا توسيع ثقافتنا من خلال الاطلاع على الأديان. ضمن هذا السياق، يعرف أندري كانت سبونفيل نفسه ك “ملحد وفي” لجذوره المسيحية.

لوك فيري : الخلاص بدون مساعدة الله

” ليس فقط الله غير موجود، ولكن حاول أن تعثر على سباك يوم الأحد”، هكذا قال الممثل الشهير وودي آلن، ساخرا ذات مرة. فاصل هزلي يلخص بدقة وضعية الإنسان الحديث كما يشخصها لوك فيري – على خطى كل من نيتشه وهايدغر على الخصوص. في مجتمعاتنا التي تسيطر عليها موجات الإلحاد، الفردانية والمادية بشكل كاسح، أصبح لدى الأفراد ما يكفي من الأسباب من أجل الإفلات من هيمنة التقنية، النفعية والاستهلاكية.

لوك فيري يقترح إذن إعادة الاعتبار للأفكار الإنسانية والكونية، من خلال “فلسفة للحب” تفسح المجال للآخر. في الواقع، الاهتمام بالآخرين يجعلنا نتجاوز حالتنا الخاصة – والبحث عما هو في صالحنا – من أجل الانفتاح على المزيد من التجارب، وهكذا فالإنسان يعيش بشكل مكثف وحر بمقدار انفتاحه على الآخرين، على الجديد وعلى التنوع.

فريديريك لونوار : ديانة الديانات

يهتم فريدريك لونوار بكل التقاليد الميتافيزيقية دون أن يهتم فعليا بأي واحدة منها، وذلك وعيا منه بضرورة تحديد ملامح “روحانية كونية”. فكل التقاليد الميتافيزيقية، في نظره، تشترك في الفكرة التي مفادها أن فرحا نشيطا وعميقا، لا يصبح ممكنا، في أول الأمر، إلا عندما يتخلص الشخص المعني من كل العراقيل المصاحبة لتكوين “أناه الاجتماعي” ( آليات الخوف، الدفاع….).

فك الارتباط هذا لا يصبح ممكنا إلا عند نهاية مسار طويل من اشتغال الذات على ذاتها، سواء عن طريق التحليل النفسي أو، على الأقل، عن طريق الاستذكار، ما يخول، في مرحلة ثانية، إمكانية إعادة الارتباط بالآخرين، بالعالم وبالكوسموس. هذا الوعي المُجَدَّد، لا يختلف كثيرا عن وعي الأطفال الصغار، يقر فريديريك لونوار، في سياق امتداحه لفرح وعدم اكتراث هؤلاء.

ميشال أونفري : الدليل عن طريق القدوة

على خطى العديد من أساتذته – هادو، نيتشه، كامو…-، يعقتد ميشال أونفري بأن مهمة الفلسفة تكمن في اقتراح نمط للعيش، بالإضافة إلى فكر مجسد في الأفعال والتصرفات، وعلى عموم من خلال موقف أخلاقي يومي. بالمناسبة، فميشال أونفري يزيح بضربة يد واحد كل النظريات التي يعتبرها غارقة في التجريد أو الرطانة، وتلك التي يعتبر أن أصحابها قد عاشوا حياة بئيسة.

من موقعه كمتعوي ملحد، يدافع ميشال أونفري في كتبه كما في حياته عن ثقافة تمجد المتعة كما نجدها في شعار الكاتب شامفورت : ” تمتع وأَمتع، دون أن تؤدي نفسك أو تؤدي الآخرين”. في نظره، كل حياة تتطور وتنمو، والحالة هذه، من خلال عمليات لا نهائية من “نحت الذات”، لا تعني (بالضرورة) ” جعل حياتنا عبارة عن تحفة فنية”. تذوق متعة الأكل أو الفكر من شأنهما أيضا تحريرنا، وهذا هو السبب الذي دفع ميشال أونفري إلى تأسيس الجامعات الشعبية للمذاق والفلسفة.

*

Magazine Sciences Humaines

Grands Dossiers n°43 – juin – juillet – août 2016

La philosophie, un art de vivre

شاهد أيضاً

عندما تُثيرُ الفلسفةُ جدلا في المدرسة[i]

ترجمة خالد جبور خالد جبور           لم تُدرَج الفلسفة في السلك الثاني من المنظومة التعليمية …