الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / رومانسية وثورية رجاء بكرية في رواية إمرأة الرسالة

رومانسية وثورية رجاء بكرية في رواية إمرأة الرسالة

بقلم الأسير: حسام زهدي شاهين

“يتجلى الإرتباط الطردي بين الثورية وبين الرومانسية، حتى وإن هُزمت المشاعر في بعض معاركها يبقى الإنسان الأكثر قدرة على الحب، هو الأكثر مقدرة على الثورة بالمعنى الواسع للكلمة، لأن شفافية الحب والعشق تخلق شفافية الانتماء والهوية في جدلية الحب –الثورة-، القبول والرضى- الرفض والتغيير، والعكس بالعكس صحيح”

هكذا تكون البدايات

إن الأحاسيس الأنثوية المركبة التي تضمنتها رواية رجاء بكرية “إمرأة الرسالة” هي بحد ذاتها رسالة إنسانية تُعيد للرسالة المكتوبة قيمتها وهيبتها التي غيبتها التكنولوجيا، وتبث فيها جملة الحب الأولى المفعمة بالأحاسيس بكل سذاجتها ونقائها وإهتزازاتها المرتبكة، فهاجس الحب الذي يؤرقنا ذكوراً وإناثاً، ويقرع تجاويف قلوبنا كطبل إفريقي، أو يشد أوتار أمعائنا على الجوع ووخزات الألم، هو ذاته الذي يحرك فينا روح الحياة التي تٌقبل فيها نشوة –بطلة الرواية- دائماً روح حبيبها مع التوقيت الذي يزامن فيه رنين صوته عبر الهاتف عند كل صباح (12)، بهذه الجملة المختزلة أعادتني رجاء إلى سطر الحب الذي هويت من على حافته قبل سنوات خلت!!

لا أُنكر بأنني تأثرت شخصياً بهذه الرواية، وهذا هو بالضبط أجمل ما في الإبداع الأدبي، فعندما يتمكن الكاتب من إستدراج القارئ وإقناعه بالإنخراط كشريك في عمله الأدبي وكأنه جزء منه من سطره الأول، ويجعله يعيش هواجسه وإنفعالاته، حماقاته وإنكماشاته، لهفته، لحظات شوقه وبغضه، لدرجة لم يعد فيها قادراً على التمييز بين الحقيقة والخيال، هل إنسجم فعلاً مع الرواية، وإنعمس فيها، وأصبح إلى هذا الحد متماهياً معها؟! أم أن شخصية الرواية تحولت إلى جسد حي من لحم ودم، وأصبحت هي التي تحاوره وكأنهما أصدقاء قدامى؟!  بالضبط، في هذا اللايقين تكمن قمة الإبداع، وهذا ما شعرت به مع رجاء التي تأخرت “رسالتها” عني حتى وصلتني بعد أكثر من أربعة عشر عاماً على كف العطاء والمحبة لصديق العزيز حسن عبادي “حسن الجسر”!!

عندما تعضك “هموم شعبك وقلبك… في الشوارع الحرة في الدول المحتلة ” (25) يتجلى الإرتباط الطردي بين الثورية وبين الرومانسية، حتى وإن هُزمت المشاعر في بعض معاركها يبقى الإنسان الأكثر قدرة على الحب، هو الأكثر مقدرة على الثورة بالمعنى الواسع للكلمة، لأن شفافية الحب والعشق تخلق شفافية الانتماء والهوية في جدلية الحب –الثورة-، القبول والرضى- الرفض والتغيير، والعكس بالعكس صحيح.

هذه هي رسالة رجاء الكرملية التي لا لُبس فيها، أو لم تهمس بها من على قمّة الجبل أمام متطفل غريب لايمكن للصداقة معه أن تدوم مادامت عنصرية “دولته القومية” هي التي تحركه؟ وبالتالي تحرم الأصلاني المضطهد –بفعل قيامها فوق وجوده- من أبسط أحلامه، وتقيم قيامته لأن كيانها المتطفل لايمكن أن يتغذى إلا على كينونته!! وبكل وقاحة تحول عاديته اليومية إلى عمل إرهابي لتبرير كل جرائمها، وتعمل على تكييف كل القوانين التي تمنح حقوقاً للحيوانات الأليفه أكثر مما هي للأصلاني المنفي من حساباتها كإنسان (94) لكي يبقى مسجوناً في مكانه وضيعة تبقيه محاصر دائماً في قفص الاتهام، رغم أن من يقف على رأس هذه الدولة منذ سيطرتها على المكان هم القتلة ومرتكبي المجازر (78).

ومع ذلك لم تغادرنا الأحلام بغد أفضل، ولن تهرب منا، ولن نسمح لهم بأن يقتلوها، وها أنا أحلم بالشتاء الذي أحبه ونحن واقفين على عتبته، وأنتظر القمر لعله يتمكن من التسلسل عبر شباك زنزانتي، لأنني لوهلة –بقضل رجاء- نشوه- تجسدت في غسان الغائب الذي يفهم لغة الهذيان (27).

إن نثر المشاعر عبر الكلمات المكتوبة له وقع السحر عندما يجيد ناثرها انتقائها من أعماق قلبه، خاصة عندما تعبق بصراحتها الفجة أو بخثرها الخجول، فالحب الذي يسري تحت جلودنا كرعشة دفء بعد لسعة برد، هو ذاك الحب الذي يصيبنا بقشعريره الغيره بعد تساؤلات يكلّلها الشك، هذا هو الحب في كل تجلياته بين قطبيه المتناقضين المتصارعيين، “ولهذا الحد (لا) يغدر الحُب بالحقيقة”؟! (74).

لا يعترف الحب بالحدود التي تفصل بين قلبين أياً كانت طبيعتها، ويتحول إلى غريزة مجردة إذا أخفينا الإعتراف به، فالشهوة خيانة للحب نفسه أولاً وقبل كل شيء، لأنها تعني إستبدال الجزء بالكل، وكلما تكتمنا على الحب أكثر كلما خناه أكثر، لأن سريّة الحب تكمن في خصوصيته ولا سريّتهِ تكمُن في رومانسيته، كما أن الحب لا يخضع لسطوة وعنترية التصنيفات الجنسانية، فمن حق المرأة  كما الرجل أن تعلن حبها وتشهره بلا خجل أو خوف كما فعلت نشوة في (إمرأة الرسالة) وإلا كيف يصير الحب حباً؟! “مادام يقصف قلوب المحبين ويجفف أرواحهم بالوحدة رجالاً ونساءً” (149)، هذه هي لإجابة المبدأية على سؤال نشوه: “متى ستؤدي صيرورة العشق لشيء خارج فترينات الخيانة؟؟؟؟ (302)

لاشك أنني تجولت مع نشوة في شوارعها المحررة وتلك المحتلة، وزرت معها مدنها الفاتنة وتلك الطائشه، وتنقلنا بين حيفا الراسخة على جبل وبين لندن السابحة في الضباب، وعشنا معاملة الفلسطيني المهينة والمذلة على المعابر والحدود وفي المطار، وإن كان يحمل جنسية الدولة “القومية” وتابعنا تحريض الإعلام المُجند أثناء اعتقال غسان صقر إبن عكا العصية على التهويد والأسرلة، وإن كنت أتفهم دوافع مقولة نشوة بأن “فلسطين لم تعد فلسطين” (308)، إلا أنني في هذه الحيثية أصر على إعادة زمام النص لدرويش بأنها: “كانت تسمى فلسطين، صارت تسمى فلسطين” وهذه هي الحقيقة الثابتة بعيداً عن الثورية الخطابية لزعماء القضية أو إجترارات كتب التاريخ، فاقامة دولة مغتصبة فوق أرض الوطن، فلسطين، لاتُلغي فلسطينية المكان، ولا تستطيع تزوير هويته حتى وإن بقيت دولة الإحتلال قائمة على أرض فلسطين ألف سنة مما نعد أو مما يعدون!!

إن كل متر في فلسطين المحتلة، يسكنه فلسطين “ويعيشه” (311) هو متر تم إنقاذه من الضياع، هذه هي ثورية البقاء والهوية التي جسدها فلسطينيوا الداخل المحتل بكل عنفوان وتواضع، بكل الفرح والمرارة، إنها الثورية الأقوى والأصلب في تاريخ قضيتنا الوطنية، وقد صاغتها حوارية غسان ونشوة (309) في جملة مكثفه واحدة تغنينا عن كل الخطابات الرنانة التي لاقيمة لها سوى إستهلاك الأوتار الصوتية لمن يدعي الزعامة، وقصف مسامعنا بكلمات جوفاء، لأن “النكبة الأولى علمت الطوب أيضاً أن يقاوم موته” (274).

هذه الرواية جريئة جداً، وجديرة جدا بالقراءة، وفيها ثروة وثورة عاطفيتين، تُغني الروح بالهوى، وتؤجج القلب بالعشق، فالبرغم من كل مكابرات نشوه وهروبها من مواجهة الحب الحقيقي، ينتصر الحب في النهاية، وتعود لأحضان غسان الذي يرحب بالعودة إلى أحضانها، علماً أن علاقتها بكاظم ستبقى علاقة غير مبررة، وهي نفسها اعترفت بأن ما يربطها به ليس حباً (208)، كما أن لطمات غسان (300) ليست سبباً مقنعاً لإقدامها على هذه الخطوة الطائشة.

ملاحظتي الثانية تتعلق باستخدام مصطلح سجين أمني (109) وهو مع الأسف مصطلح دارج في الثقافة العامة، إلا أن تسلله للأدب أزعجني كثيراً، فهو بدعة اسرائيلية، الهدف منها إسقاط مفهوم الأسير السياسي أو مقاتل الحرية عن الأسير الفلسطيني، بغرض ربط الأسرى بارتكاب مخالفات تمس بأمن السكان المدنيين لتسهيل فكرة ربطهم الدائم بالإرهاب وكأن الإحتلال شيء غير موجود أصلاً.

غير ذلك شكراً لرجاء التي زينت زنزانتي بباقة من الحب، وأنارت فيها شمعة أمل، ونثرت على جدرانها رائحة الحياة، الأشياء التي كنت بأمس الحاجة إليها في مثل هذا المكان!!

27-10-2021

سجن نفحة الصحراوي

****

لقاء مع الروائية الفلسطينية رجاء بكرية

‏4 أسابيع مضت بصغة المؤنث, كتب, متابعات 0

1نوفمبر، 021 جريدة ” الوطن” العمانية مع الروائية الفلسطينية رجاء بكرية لقاء: وحيد تاجا الروائية الفلسطينية رجاء بكرية لـ “الوطن”: “عين خفشة” أكثر أعمالي الرّوائيّة تعبا ومتعة، استغرقت منّي 16 سنة حتّى أُنْجِزَت النكبة كارثة إنسانية بكل ما تعنيه المفردة. نحن نكتب لنجيّش أوسع مساحة فتنة ممكنة في العالم أجرى …أكمل القراءة »

رواية “عَين خَفشة” والنّقلة النّوعيّة في إبداع رجاء بكرية: عن النّكبة وتداعياتها

25 أكتوبر 2018 بصغة المؤنث, رجاء بكرية, كتب, نصوص 0

  بقلم   د. نبيه القاسم ناقد وكاتب فلسطيني (1) “..وهكذا كانت الطيور في “عَين خفشة” الدّليل والكاشف عن سرّ المقابر الرّقمية، كما كانت الجدّة صبيحة المذكّرة الدّائمة بأحداث النكبة وفُقدان الأعزاء وتغييبهم..” د.((نبيه القاسم (2) “..فالكتابة هنا فعلٌ سريّ وسحريّ ، وتتميّزُ بالكثافة والتركيز وتَعدّدِ طبقاتِ الدّلالة” (نبيه القاسم، ظلال الكلمات، …أكمل القراءة »

بحث حول “امرأة الرّسالة” للأديبة رجاء بكريّة

3 يوليو 2021 بصغة المؤنث, تغطية, متابعات 0

 د. اخلاص شاهين “..تعمل بكريّة على تفكيك القوالب اللغوية الجاهزة لتبني مكانها قوالب لغوية تخصّ المرأة دون الرجل، وتخلق مجازات وتشبيهات مبتكرة من جسد المرأة ومن عالمها وأشيائها ومجالات اهتمامها” عن مجمع اللّغة العربيّة، النّاصرة،فلسطين. صدرَ قبل أيّام كتاب بحثيّ جديد حول رواية “امرأة الرّسالة” للأديبة رجاء بكريّة أنجزتهُ الباحثة …أكمل القراءة »

الرّواية الثّالثة للكاتبة والتّشكيليّة الفلسطينيّة رجاء بكريّة

29 فبراير 2020 بصغة المؤنث, رجاء بكرية, نصوص 0

(النّاشر الثّقافي)، الشّارقة (..عين خفشة))، رواية تروي سيرة المكان          رأي نقدي: د. ضياء خضير – كندا “.. وما يلفت الانتباه أكثر من غيره في هذه الرواية هو أسلوب الكاتبة المعبّأ بأنواع المجاز والاستعارة التي تخالط الحكي وتجعل من مهمة مواصلة السرد الموضوعي المجرد من الغرض أكثر صعوبة وجمالًا، في …أكمل القراءة »

“عين خفشة”، للأديبة الفلسطينيّة رجاء بكريّة وعلم الأحياء الخلوي

6 نوفمبر 2018 بصغة المؤنث, رجاء بكرية, نصوص 0

  ( مقاربة نصية بين رواية عين خفشة للأديبة رجاء بكريّة وبيولوجيا الخليّة)   “” .. وللتكاثر دلالة رمزية في روايتنا ” عين خفشه” وتوحي بالبقاء، فرغم السوداوية وانتشار الموت والصقور والغربان في حكايتنا إلى أن الحياة موجودة والإشارة إلى ضرورة التكاثر ليعرف كل جيل من فلسطين تاريخهم وماهيّة ما حدث لتعود …أكمل القراءة »

الأدب والأيديولوجيا: شعر مفلح الطبعوني نموذجا

1 أكتوبر 2021 عامة, متابعات, مجلات 0

رياض كامل مدخل: تقوم هذه المقالة بدراسة شعر مفلح الطبعوني في دواوينه الثلاثة “قصائد معتقة” (1999)، “عطايا العناق” (2011) و”نزيف الظلال” (2014)، ومعاينة مدى تأثره بالأيديولوجيا الأممية التي آمن بها، وانعكاسها في شعره من حيث الأسلوب والبناء. تؤمن هذه الدراسة أنّ الشعر هو محصّلة فكر الشاعر بناء على تجربته الخاصة …أكمل القراءة »

فلسطين، أل 48، تحتفي بالأديب المغربي المائز ياسين عدنان

6 يونيو 2021 بصغة المؤنث, عامة, متابعات 0

تحت التّسمية، “ياسين عدنان في وُجوهِ سَفَرِه.. “..ثُم رحَلْنا إلى جنَّة النار|  كنتُ أحملُ|  سماءً بأجْراسٍ مُقرَّحَة على كتفيَّ وأنوءُ بغيومٍ من المِلْح والنُّعاس|  البُروقُ من حَولي مُفخّخة| والرّيحُ تعوي..”، (ياسين.ع) تقرير: (مكتب الباهرة، حيفا) “.. أمسية تُشبِهُ الحُلُم.. بمسافات، أديب مُجنّح الحُضور” بهذه التّلقائيّة علّقت إحدى طالبات مساق الكتابة …أكمل القراءة »

طيفيّة الأرشيف؛ الشهادة؛ المُضاعفة .. وجه التفكيكية المشدود بين الموت والحياة – الجزء الثالث

9 أبريل 2021 ترجمة, دراسات وأبحاث, مفاهيم 0

يوسف عدنان بقلم: يوسف عدنان – أستاذ باحث وناقد من المغرب حياة الأرشيف وبقايا الآثار يعتبر الأرشيف بالنسبة ل”جاك دريدا” شغفا حقيقيا “vérité passion” وموضوع يشملُه التفكير وإعادة التفكير الدائمة، كما صرّح بذلك في مُداخلته العُمومية الأخيرة، قائلا: “لم أفقد مُطلقا شيئا أو سبق لي أن دمرّته، حتى تلك القطعة …أكمل القراءة »

ورشة الكتابة الأدبيّة، (أصوات تختلف) مشروع نوعي في التّفنين النّصي

8 أبريل 2021 تغطية, كتب, متابعات 0

 بإشراف الأديبة رجاء بكريّة “ لدينا طاقات لخامّة جيّدة من المواهب تستدعي طاقات متمهّنة تشرف عليها، تصقُلُها وتُدرِّبُها، كي تمنح السّاحة الأدبيّة نُخبة منتقاة من صُنّاع الأدب الجيّد، وعلى هذا أشتغل الآن”، (رجاء_ب)      جرت، الأسبوع الفائت فعاليّات الأمسية الأدبيّة، (أصوات تختلف). ورشة تشرف على تدريبِ طُلّابها الأديبة رجاء بكريّة …أكمل القراءة »

بخيانة غير مسبوقة للورق احتضنّا الشّاشة..

20 مارس 2021 بصغة المؤنث, تغطية, متابعات 0

رجاء بكريّة “.. وهكذا بعد أن كان الحاسوب سببا في تتبّع سور رسائلهِ الطّويلة الّتي لفّت قطر العالم تقريبا، أصبح الحاسوبُ سببا في التّواصل مع كلّ الرّسائل الّتي تصلني من كلّ مكان بما فيها بلده وبريده، ما عداهُ!” قَرنُ الزّوم هل نطلق على هذا القرن، “قَرن الزّوم” وبامتياز، أم أنّه

شاهد أيضاً

إدغار موران: يجب أنْ نَتَعَلَّم الإبْحار في مُحيط من اللايَقينيات

الدكتورة خديجة زتيلـي – الجزائر ترجمة: خديجة زتيلـي مقدّمة المترجِمة: في هذه المُقابلة التي أجْراها …