الرئيسية / ترجمة / برونو لاتور: في الحقل العلمي، أُفضل التقدم خطوة بخطوة!

برونو لاتور: في الحقل العلمي، أُفضل التقدم خطوة بخطوة!

حاوره ألكسندر لاكروا

ترجمة يوسف اسحيردة

بورنو لا تور هو اليوم واحد من أكثر الفلاسفة تداولا في الأوساط الأكاديمية في العالم باستثناء العالم العربي، حيث يكتفي موقع ويكبيديا بالإشارة إلى جنسيته وتاريخ ولادته. هذا لأن الرجل نمط لوحده في طريقة التعاطي مع الفلسفة والعلوم الاجتماعية. كيف؟ عن طريق “التحري” أو «التحقيق”: هذا ما فعله حين خرج على الجمهور الفرنسي باستمارة غريبة، أسبوعين بعد فرض الحجر الصحي، تتضمن أسئلة من قبيل : “ما هي الأنشطة التي تم تعليقها وتودون عدم عودتها؟”، “ما هي الأنشطة التي تم تعليقها وتودون عودتها، تطويرها أو الأنشطة التي يجب ابتكارها في مكانها؟”…. منهج غريب داخل تقليد أفلاطوني اعتاد التعميم والاستخلاص والانطلاق من مكان إلى مكان “دون دفع ثمن تذكرة السفر”. بالنسبة لهذا المدير العلمي السابق في جامعة سيونس بو بباريس، لا يمكن أبدا إقرار الحقيقة بالاعتماد على شخص واحد معزول، ولكنها تُنشأ، أي أنه يتم إعدادها ومناقشتها بشكل جماعي.

القضية التي تشغل بال حاضرنا هي ما يُسمى ب “النظام المناخي الجديد”، أي حالة الهشاشة التي أصبحت تعاني منها الأنظمة البيئية على سطح الأرض. التغير المناخي يستدعي التحرر من بعض الأفكار المُوجهة للحداثة، ومنها “النمو الاقتصادي” و “التقدم” و “السيطرة على الطبيعة”. ومن أجل تحقيق ذلك وجب “الهبوط”، النزول بالفكر إلى الميدان والتوجه هنا والآن. وهذا بالضبط ما يقوم به برونو لاتور، الذي من الواضح أنه لا يتفلسف من فراغ، بل من أجل هدف معين : الالتزام من أجل حماية الأرض من التحول المناخي الذي يكاد يعصف بمستقبلها.

في هذا الحوار الذي أجراه الفيلسوف مع مجلة philosophie magazine N°147 في شقته البارسية، يقوم برونو لاتور باستعراض منهجه في التفكير ومواقفه من قضايا عدة، لا يمكن للإنسان اليوم إلا أن ينشغل بها : التغير المناخي، الدين، المرض والموت. يُذكر أن برونو لاتور قد صاغ طيلة العشر سنوات الأخير العديد من المفاهيم، خاصة من خلال كتابيه “تحقيق حول أنماط الوجود” (2012) و ” في مواجهة غايا” (2015).

المجلة : الفكر الإنساني قادر على قطع مسافات كبيرة، على الانتقال من المحلي إلى الكوني، على التعميم. في حين يظهر أنكم ترفضون هذه القفزات، وتسعون جاهدين للتقدم “خطوة بخطوة”.

برونو لاتور : كانت لَديَّ دائما رغبة في التمهل، في دفع ثمن التنقلات. تعبير “خطوة بخطوة” يظهر كثيرا في مؤلفي الأخير، “أين أنا؟”، وكان حاضرا أيضا في كتابي الأول، “حياة المختبر” (1979). يرتكز عملي، في الحقيقة، على نوع من الهبوط بالفكر كما الأفعال. كل الأقوال تستدعي موضعتها داخل سياقها، الذي عليه وحده تتوقف صحتها. لنأخذ مثلا : “أنا أُمَثِّلُ فرنسا”. هذه الكلمة تكون مُبررة إذا كانت صادرة عن شخص يوجد في مكان محدد، أي الايليزي، وتم انتخابه بواسطة الاقتراع العام. كُنت دائما مهووسا بتنزيل تعبيرات يبدو أنها تحلق في الهواء، والتي لا نعرف إلى من هي موجهة، أو من أين أتت، وبالتالي لا يمكن قياس لا وجاهتها ولا صلابتها.

استوحيت هذا المنهج من واحد من أساتذة علم الاجتماع الأمريكي، هارولد جارفينكل (1917- 2011). كانت العلوم أول حقل طَبَّقتُهَا عليه، لقد ساهمت في ظهور ما يُدعى بدراسات العلوم في نهاية السبعينات. قبل ذلك، كان يبدو أن الحقائق العلمية تسقط من السماء. الدراسات العلمية أثبتت أن هذه الحقائق يتم تأسيها داخل مختبرات، من خلال تجارب وإحصائيات ونماذج وفرضيات وتفنيدات.

المجلة : لكن مشكلا يظهر على الفور. لنأخذ قولا مثل: “الماء يغلي عند درجة حرارة 100 سلسيوس”. من خلال منهجكم ستوضحون بأن هذه الصيغة ليست صحيحة إلا لأن شخصا مُعينا، سانتورسانتوريو، قد اخترع محرارً في القرن السابع عشر، وبعد ذلك لأن سلم السلسيوس قد وُضع في القرن الثامن عشر. هل يتعلق الأمر إذن بحقيقة كونية أو بخلاصة ندركها بواسطة البريكولاج؟

برونو لاتور :الماء يغلي عند درجة حرارة 100 سلسيوس هي حقيقة…داخل شبكة معينة من الأدوات التي ذكرتم.

المجلة : لكن هل الماء يغلي أم لا عند درجة حرارة 100 سلسيوس؟

برونو لاتور: لا يمكننا القفز فوق ما نتوفر عليه من أدوات. فدون مُلاحظ من أجل مُعاينة أن الماء يغلي عند درجة حرارة 100 سلسيوس، هذه الجملة لا تملك أي معنى. في الحقيقة هناك ثمن يجب دفعه من أجل تأسيس حقيقة كهذه. بمجرد ما يتم تأكيد القياس تجريبيا، يجب التساؤل إلى أي حد يُمكن توسيعه.إن تمديد اكتشاف علمي يتطلب مجهودات، والكوني ليس مضمونا. يُمكننا أن نتساءل مثلا عن مدى صلاحية هذا القول بالنسبة للماء المالح. أو أنه يجب أن تجتمع ظروف معينة – من بينها الضغط. نحن نعرف اليوم أن ظاهرة “الماء يغلي” لا تحدث بنفس الطريقة في العلو أو انعدام الجاذبية. فكما تلاحظون، نحن لا نتقدم إلا “خطوة بخطوة”. الأمر يشبه قليلا كما لو قلتم : “هل يكنني الذهاب بالقطار حتى مدينة فلاديفوستوك؟” الجواب هو : “نعم، ولكن فقط لأن السكة الحديدية نُصبت حتى هناك”. العلم ينضاف إلى العالم، ولا يُعوضه.

المجلة : لنأخذ مثالا آخر، أقل تجريبية هذه المرة : القانون الأول للديناميكا الحرارية (التيرموديناميك). ألا يكشف لنا عن علاقات تتحكم في تحول الطاقة إلى حرارة، دائما وفي كل مكان، دونما حاجة إلى وضع جسور بين الوضعيات؟

برونو لاتور : هذا القانون صحيح…. شريطة أن يُوجد هناك أشخاص قادرون على قراءة المعادلة. إذا كان المرء غير قادر على فهم البرهان أو على التأكد منه تجريبيا، فالقانون يظل دون معنى. إضافة إلى أن هذا الأخير لم يكن موجودا في صيغة قانون قبل أن يتم اكتشافه. ما أقوله هنا هو الحس السليم. لكنه يشكل نقيض تقليدنا الأفلاطوني : ما أحاول قوله لكم هو أن القانون لا يوجد بمعزل عن البشر الذين فكروا فيه، وتحققوا منه، وقاموا بنقله.

المجلة : ألا يمكن اتهامكم بالنِّسبوية؟

برونو لاتور : لكنها النِّسْبَوِيَّة بالطبع !ومع ذلك، فيجب أن نتفق حول الكلمة. في اللغة المتداولة، أن يكون المرء نسبويا، معناها أن يعتبر أن كل واحد يملك الحق في الاعتقاد بما يريده بمعزل عن الآخرين. نسبويتي أنا، تعني العكس. لهذا أُفضل استعمال كلمة “علائقية”. كل حقيقة هي قابلة للصياغة فقط لأنها جُمعت وأنشئت وتندرج ضمن شبكة من العلاقات تخول لها امتدادا معينا في الزمان والمكان. إضافة إلى أن الأحداث الراهنة تُعطينا مثالا لظواهر لم تستقر حولها المعارف العلمية بعد: كوفيد-19. هنا، ترون أن العلماء الجادين لا يمكن أن يكونوا إلا نسبويين. إنهم يجربون سجلات إحصائية، وارتباطات، ونمذجات، العديد من الفرضيات تتنافس بخصوص مصدر الفيروس. وبالتالي فعلينا ادراج الظاهرة التي نقوم بدراستها داخل شبكة من العلاقات، وهذا الامر يأخذ الوقت وكلفته باهظة. عادة ما نود حرق المراحل تحت ضغط العجلة، لكن، إذ نفعل ذلك فنحن نضلل أنفسنا ونضلل الآخرين حول ما يمكن أن يأملوه من العلماء. أولئك الذين يستعجلون استنتاج الخلاصات العامة، أولئك الذين يرفضون دفع كلفة التنقل، ينكرون النسبوية – ويسقطون في الإطلاقية، التي لا مكان لها في العلم.

المجلة: ما وجه استلهام البرغماتية الامريكية في نهجكم؟

برونو لاتور:أعتقد أن البرغماتية هي التقليد الفلسفي المخفي للقرن العشرين. أنسب إلى هذا التيار غابرييل تارد (1843-1904)وهنري برغسون (1859-1941) في فرنسا، ووليام جيمس (1842-1910) وجون دوي (1859 – 1952) وألفريد نورت وايتهيد (1861-1952) في الولايات المتحدة الأمريكية. لأول مرة في التاريخ نشهد زخما يذهب بحق عكس تيار التقليد المثالي، الذي تم تجديده مع ديكارت وكانط. لا يتعلق الأمر بمجرد رد فعل دفاعي، أو نقد للمثالية، وإنما بنموذج مغاير للنشاط الفلسفي. كلمة السر هي التحقيق.من الناحية التقنية، جون ديوي هو من يتحدث عن “تحقيق”، ولكن لنقل أن القاسم المشترك بين هؤلاء المؤلفين هو القيام بتحقيقات.

المجلة: من بين كتبكم الأساسية في الايكولوجيا، نجد كتاب “في مواجهة غايا” (2015). في هذه المحاضرات التي تتناول ما تدعونه ” بالنظام المناخي الجديد”، تقترحون استخدام مصطلح “غايا” عوض “طبيعة”، أو “بيئة”، أو “محيط حيوي”، أو “أرض” أو أيضا “عالم مسكون”. لماذا؟

برونو لاتور : “غايا” هو أولا مصطلح علمي، ندين به لعالم المناخ الإنجليزي جيمس ليفلوك، وذلك ضمن سلسلة من المقالات كتبها بداية من سنوات الستينات – بمفرده في البداية، ثم برفقة لين مارجوليس -، والذي عرفه الجمهور خاصة من خلال كتبه ابتداء من سنة 1979. أعتقد أن نهج ليفلوك مُؤسِّس؛ فقد أجرى إزاحة تُذكر بمقولة جاليلي الشهيرة، “ومع ذلك فإنها تدور!”، لكن ليس بنفس المعنى: هي تدور حول نفسها. ليفلوك انطلق من سؤال بسيط: لماذا هناك في الغلاف الجوي للأرض الكثير من الأكسجين والقليل من ثاني أوكسيد الكاربون، في حين أنه في كوكب مارس يُوجد العكس؟ وبالتالي فلابد أنه توجد على سطح الأرض قوة تُبقي على عدم التوازن.

لكن ما الذي يمكن أن تكونه هذه القوة؟ ليفلوك يطرح فرضية الكائنات الحية. فعلى امتداده مساره الطويل، سيقوم بوضع فرضية أن الأحياء هي التي تحافظ على التوازن الحراري للمنظومة الأرضية، الامر الذي يُفسر لماذا نحن، باعتبارنا كائنات حية، نحاول المشاركة في هذا التوازن من خلال سياسة المناخ. مع ليفلوك، نفهم أن الأرض ليست اطارً جامدا وملائما أمكن لكائنات حية أن تُولد بداخله، ولكن نشاط الكائن الحي هو من جعل الأرض قابلة للسكن. إنه انقلاب تصوري كبير. باقي المصلحات التي أشرتم اليها لا تأخذ ذلك بالحسبان: المحيط الحيوي يُشير إلى مجموع الأحياء، لكن ليس إلى نشاطهم على الغلاف الجوي للأرض؛ العالم المسكون لا يشمل سوى الأراضي المسكونة من طرف البشر؛ الأرض تشمل النواة والغطاء، أي كل الكوكب.

المجلة: ولم لا “طبيعة”؟

برونو لاتور : هذا المصطلح مزعج على أكثر من صعيد. إنه شاسع للغاية. كما لو أنه بإمكاننا أن نضع في نفس السلة كل الكوسموس والتجربة اليومية للحياة في هذه القشرة الرفيعةمن الاحياء التي نحن منغمسون داخلها. مع مصطلح “طبيعة”، لا نعرف أبدا أين نضع أقدامنا.

المجلة: لكن، ألا تجدون مشكلة في مصطلح “غايا” باعتباره يرمز إلى اسم آلهة؟ ألا يجعل هذ الامر الخطاب الايكولوجي أسطوريا أو نيو آيج بشكل غامض؟

برونو لاتور: الأمر مزعج فقط في حالة ما إذا تخيل البعض أننا بصدد الحديث عن نوع من الآلهة الأم، الأرض الحاضنة. ومع ذلك، فعندما يقرأ المرء “التيوجوني” التي كتبها الشاعر الاغريقي هسيود، يفهم أن “غايا” شخصية بعيدة كل البعد عن هذه النماذج النيوآيج، إنها مُهَيِّجَة تُجبر على ارتكاب جرائم، وتمنع أن يحل السلام. عندما يغضب الناس من كلمة “غايا”هذه، أستخدم أيضا “المنظومة الأرضية”، التي هي الاسم العلمي للفرضية، أو أيضا “المنطقة الحرجة”، التي تملك ميزة الدقة. المنطقة الحرجة هي هذه القشرة الممتدة من الصخرة الام حتى الغاز المكون للغلاف الجوي، وحيث تعيش كل الاجسام المعروفة اليوم. فليس علينا حماية الطبيعة او الأرض بصفة عامة، وانما فقط الاهتمام بهذه المنطقة الحرجة.

المجلة: عند القراءة لكم، يشعر المرء أنكم تلعبون نوعا من ألعاب البلاطوات. في “في مواجهة غايا”، تقومون بوصف حرب هائلة بين المشككين في مسؤولية الانسان على التغير المناخي والايكولوجيين. في كتابكم “أين انا؟”، تشيرون الى الصراع القائم بين “المُقتلعين” و “المُرقعين”. أليس في الأمر مبالغة؟

برونو لاتور: ولكننا في حالة حرب كوكبية! يوجد بالفعل نزاع بين أولئك الذين يستثمرون في شركة إيكسون وأولئك الذي يحاولون تخيل حلول بديلة. كل المسألة تكمن في معرفة ما إذا كانت ستكون هناك ديبلوماسية ممكنة من أجل بناء سلام.

المجلة: أليست هناك نزعة مانوية في وضع المُلوثين بجانب الشر والايكولوجيين بجانب الخير؟

برونو لاتور: دون شك، فليست هناك جبهة واضحة في هذه الحرب. لا وجود حقا لمعسكر. كُلنا منقسمون في داخل أنفسنا وحول كل المواضيع – ركوب الطائرة، الخ.

المجلة: في هذه الحالة، لِمَ الحديث عن حرب كوكبية؟

برونو لاتور: من أجل إنتاج مفعول توضيحي. لا أعرف ما إذا كنتم قد لاحظتم، ولكننا لم نعد نسمع صوت المشككين في مسؤولية الانسان على التغير المناخي من أمثال كلود اليغر. أين هم؟ اليوم، يُوجد دائما أشخاص يتمنون مواصلة السباق نحو النمو الاقتصادي، نحو الانتاجوية. لكنهم لا ينكرون خطر ذلك على الطبيعة – كل ما في الامر أنهم لا يهتمون. دونالد ترامب يُمثل صورة لهذه النزعة الاقتصادية العمياء – أو لهذه الأنانية المكتملة. على الأقل فإن ألفاظ النقاش أصبحت واضحة: هو لا يهتم، إنه يتحمل مسؤولية خروج كوكبي ! أنا لا أستخدم تعابير من قبيل الحرب الكوكبية أو صراع العمالقة إلا لأنه يجب علينا استخدام الوسائل الكبرى من أجل التحرر من أفكار من قبيل النمو الاقتصادي أو التقدم، وهي الأفكار التي جعلت أفقنا ضيقا.

شبكة البصمة العالمية، وهي مؤسسة بحثية توجد في كاليفورنيا، تقوم كل سنة بحساب “يوم تجاوز الأرض”، أي التاريخ الذي استهلكت فيه البشرية كل الموارد التي تقدر الأنظمة البيئية على إنتاجها خلال سنة. في سنة 2019، وقع يوم التجاوز بتاريخ 29 يولوويز، في سنة 2020، كان بتاريخ 22 غشت. على حساب حجر الملايير من البشر وأزمة اقتصادية غير مسبوقة… ربحنا ثلاثة أسابيع. الحزب الشيوعي الصيني صرَّح بأن الصين ستكون خالية من انبعاثات الكربون بحلول سنة 2050 . التغييرات التي يجب القيام بها من أجل الحصول على نتيجة مماثلة تظل غير مسبوقة ولامفكر فيها في ظل الأوضاع الحالية. هذا ما يجعلني أشعر بحاجة إلى المبالغة في هذه التحديات.

المجلة: في سنة 2012 نشرتم عملكم الأكثر اتسّاقا، دون شك الأكثر طموحا، “تحقيق حول أنماط الوجود”. في هذا الكتاب تقولون أنه توجد مستويات عديدة من الخطاب، تدعونها ب “أنماط الوجود” (مثل القانون والعلم والسياسة و…)، وكل واحد من هذه الأنماط يملك معايير خاصة للحقيقة او الخطأ. لماذا هذه الحاجة لرسم خريطة لمستويات الخطاب؟

برونو لاتور: نحن ندعي العيش داخل مجتمعات تعددية: أردت أن أكتشف ما الذي تعنيه التعددية حقا. في العادة، عندما يتحدث المرء عن التعددية، فمن أجل طرح السؤال التالي: كيف يمكن لأشخاص من أجناس وديانات وأعراق مختلفة أن يتعايشوا؟ لكن، ليست وجهة النظر هي ما يهمني. لأننا لم نلج بعد إلى ما يُشكل عمق المشكل، أي: ما الذي يخلق جماعات حقا؟ تذكروا منهجي: من أجل فهم كيفية ظهور جماعة، ينبغي التفكير خطوة بخطوة. فمن أجل صناعة جماعة، لابد من جامع. في المجتمعات الصناعية، لا وجود لعدد لانهائي من الجامعين. يوجد منهم عدد مُحدد، من بينهم أولئك الذين ذكرت – القانون، الدين، التقنية، الخيال…

المجلة:هل ما هو صحيح في القانون ليس صحيحا بالضرورة في العلم والدين؟

برونو لاتور: نعم.وبالمناسبة فالقانون يُشكل نقطة بداية جيدة من أجل مقاربة رهان التعددية هذا. عندما يقوم قاضٍ بإصدار قرار، فمن الممكن أن يكون هذا الأخير صحيحا من الناحية القانونية، لكن يبدو خاطئا من باقي النواحي. إذا تم ربح قضية على إثر عيب اجرائي، فالقاضي قد أصدر حكما صحيحا من الناحية القانونية، لكن المشتكي عليه أن يدخل في حداد، أحيانا مؤلم للغاية، لأنه لم يحصل على الجبر الذي كان يتوخاه. في السياسة أيضا، أعتقد أنه من الضروري القول بوجود صواب وخطأ. فمثلا إذا قُلت بأن سخطي يجب أن تسمعه الحكومة، يشعر المرء جيدا بخطأ تصرفي من الناحية السياسية، لأن هناك سبعة وستون مليون فرنسي وهو نفس عدد الساخطين. ومع ذلك، فعندما أطلق الجنرال دو جول نداء 18 يونيو 1940، فقد فَسَّر كيف أن فرنسا لم تُهزم، وأن فرنسا الحرة توجد بلندن وأنها ستواصل الكفاح ضد ألمانيا. إنه أمر خاطئ موضوعيا لكنه صحيح سياسيا، لأن هذا الخطاب سَيُشكل مجموعة مقاومة، صغيرة في البداية لكنها سوف تتسع. فنداؤه يكتسي طابع الفعالية.

اليوم، الكثير من النقاشات تتولد عن خلط بين أنماط الوجود، عن تداخل. نحن نُريد أن يكون ما هو صحيح من الناحية الدينية، صحيحا أيضا من الناحية العلمية أو السياسية. إنه خطا مُشترك بين كل أولئك الذين يرفضون التعددية.

المجلة: نصل هنا إلى بُعد جد محير في عملكم: الإشارة الى الدين حاضرة في كل أعمالكم، خاصة في “أين انا؟”،فمن جهة توضحون أن الروحانية الانتقائية، أي الأشخاص الذين يمارسون القليل من اليوغا، أو يقومون بصلاة إلى الشمس أو الى عيسى من وقت لآخر، يسقطون في السخافة، لأن الدين بالنسبة لكم يمر عبر علاقة بنص ومؤسسات…

برونو لاتور :نعم، بالطبع، لا يمكن للمرء أن يكون متدينا لوحده في موضعه، فلا معنى لذلك. سيكون الأمر كمن يريد القيام ببحث في الفيزياء الأساسية دون مختبر.

المجلة: ومع ذلك، فأنتم تتصرفون بحرية إزاء تعاليم الكنسية، تقومون بصقل الرسالة من خلال القول بأنه يجب التوقف عن الإيمان بالسماء، وعدم الاهتمام إلا بالعالم الأرضي.

برونو لاتور : لست أنا، ولكنه البابا الذي انطلق في مشروع رائع من خلال رسالته البابوية لسنة 2015، “كن مُسَبَّحًا” حول “حماية البيت المشترك”، أي حول التدهور البيئي والاحتباس الحراري. لقد أوضح الأخصائي الأمريكي في العصر الوسيط، لين وايث (1907 – 1987)، من خلال مقال مدوي ظهر سنة 1967، بأن الراهب فرونسوا الأسيزي كان في وقته بما يُشبه المهرطق، الذي تم الإبقاء عليه داخل الكنيسة في حين أنه كان يقترح إيكولوجيا قبل الأوان. من خلال اختيار اسم فرونسوا، فالبابا الحالي يقوم بإحياء هذا الانشقاق. انظروا أيضا إلى المزمور رقم 104: ” إلهي، فلتُجدد وجه الأرض”. بشكل أوسع، تُوجد في المسيحية حركة شاملة للنزول، للتَّجسد، تَجعلنا نفهم أن مهمتنا هي هنا على الأرض. الكنيسة الكاثوليكية كمؤسسة تُوجد في وضعية كارثية، والأزمة البيئية يُمكن أن تكون مُناسبة لتغييرٍ، لتخلٍ عن فكرة المُفَارقة واهتمام أكبر بالمُحايثة.

المجلة: صحيح أن المسيحية هي ديانة الَتجَسُّد، لكن مع وعد بحياة أخرى، بمملكة. من أجل طرح السؤال بكلمات مباشرة: هل تعتقدون في وجود حياة بعد الموت؟

برونو لاتور : بالطبع لا ! ليس هذا هو معنى الرسالة. من يعتقد خلال مراسيم دفن أن الهالك سيذهب من أجل ملاقاة أبيه وأمه في الجنة؟

المجلة: لديكم طريقة فريدة في التطرق للمرض: لا نحس فيها بأي تأثر أو رثاء، تصفون السرطان تقريبا كمناسبة من أجل التفكير…

برونو لاتور : هل ترون ذلك التمثال هناك فوق المدفئة؟ ( يُشير إلى تمثال سبينوزا)، لقد أُهدي إليَّ عندما استلمت جائزة سبينوزا، وأنا جد فخور بذلك. لم أتوقف طوال حياتي أبدا عن إعادة قراءة الاتيقا.

المجلة : إذن فأنتم أوفياء لتعاليم سبينوزا، التي تتجلى في عدم الاستسلام للأهواء الحزينة، وقدرة المرء على تنظيم أهوائه بشكل عقلاني.

برونو لا تور : دون أدنى شك !

شاهد أيضاً

المدرسة والتكنولوجيا الرقمية: حوار مع الفيلسوف مارسيل غوشيه

ترجمة: عبد السلام اليوسفي. يقول الفيلسوف مارسيل غوشيه في هذا الحوار إن انتشار الدروس عبر …