Warning: include_once(analyticstracking.php): failed to open stream: No such file or directory in /home/couuacom/public_html/wp-content/themes/sahifa/header.php on line 31

Warning: include_once(): Failed opening 'analyticstracking.php' for inclusion (include_path='.:/opt/cpanel/ea-php73/root/usr/share/pear') in /home/couuacom/public_html/wp-content/themes/sahifa/header.php on line 31
الرئيسية / منتخبات / عامة / الفلسفة دين متنكر في نظر طه عبد الرحمن

الفلسفة دين متنكر في نظر طه عبد الرحمن

حسن العلوي

    استشرت صديقا عزيزا حول العنوان، الذي وضعته في البداية لهذه المقالة، فاقترح، بعدما عرضت عليه أطروحته، العنوان أعلاه، فوافق اقتراحه عبارة لطه عبد الرحمن نفسه، تصلح أن تكون خاتمة للمقالة ونتيجتها، فاستقر الاختيار عليها. ويفرض هذا الاختيار وقفة لتوضيح العبارة التي قد تبدو مثيرة في العنوان الأول وهو: “الفلسفة مجرد سرقة متنكرة في نظر طه”. فنقول إن لفظ “سرقة” استخلصاه من متن الرجل وخطابه؛ فالعبارة التي يوردها الأستاذ طه هي عبارة “الاقتباس”، لكنه يقيدها بمجموعة من الأوصاف تصرف دلالتها لتفيد معنى “السرقة” في اللغة العربية؛ بل وفي المعرفة التراثية التي يعتبرها طه نفسه ذات سلطة استدلالية لا يتفوق عليها غيرها في مجال الاستدلال والحجية؛ فالفقهاء يعرفون السرقة بأنها: “أخذ مال الغير خفية من حرزه”. والأوصاف التي تسمح بحمل “الاقتباس” على معنى السرقة، وقيد بها فعل الاقتباس كثيرة منها: متنكر، ومستتر، وخفي، ومحو الأصل، والتلبيس، والتدليس (…)

  فرضت الخلفية الدينية الصوفية، التي يصدر عنها طه، وتحولت إلى موجه فكري لكامل ما يكتب، والتي يتنزل “الدين” وفقها منزلة المنطلق والخاتمة، والبداية والنهاية، للمسار الوجودي للإنسان، مواقف تولدت منها دعاوى كبرى وكثيرة، لا يبرهن عليها، غايتها اخضاع كل شيء في الحياة والوجود، وارجاع أي منجز يدل/ يعكس فاعلية الإنسان إلى “الدين”. ونظرا لهيمنة هذه الرؤية “الدينية” على قناعات الرجل، وسطوتها على فكره، لم يستطع تحمل أو تصور أي شيء في الحياة خارج” الدين”، ولا تحمل إمكانية صدور الفعل المبدع عن الإنسان؛ ابداع الفكر، وإنتاج القيم، واخترع أنماط الحياة على مقاس ارادته التي تعبر عن حريته واستقلاله؛ فالإنسان في رأيه مجرد حي عابد خاضع تابع، فأنى له أن يتمتع بقدرة التشريع الروحي لنفسه.

في سياق هذه الرؤية المتحكمة والمهيمنة، يأتي موقف طه من الفلسفة، بأنها مجرد “سرقة” أو بعبارته “اقتباس متنكر”. وتتولى هذه المقالة، مقاربة هذه الدعوى الكبرى كما تعرضها كتبه ومؤلفاته. وقبل الشروع نشير إلى أمرين/ ملاحظتين بخصوص هذا الموقف؛ مفاد الأولى أن موقف طه عبد الرحمن بأن الفلسفة مجرد “سرقة” أو اقتباس متنكر، لا يختلف عن احدى السمات المميزة لخطابه وفكره، وهي استهلاك أفكار القدماء وموافقهم وإعادة انتاجها، فاتهام الفلاسفة بالسرقة أو الاستمداد من الدين، سبق أن ادعاه بعض رجال الدين؛ منهم الشاطبي؛ وهو من المرجعيات الأساسية لفكره.

ومفاد الثانية أن هذا الموقف لم يمنع طه من اللهث وراء الفلسفة، قصد انتزاع المصداقية منها لما يسميه “فلسفة ائتمانية”؛ واهم آلياته في ذلك هي “المقارنة”؛ فإذا صحت دعوى السرقة أو الاقتباس المتنكر، فلماذا اللجوء إلى المقارنة مع فكر الفلاسفة وترك الأصل الديني المدعى؟ بل يعمل أحيانا بمنهج القياس، الذي يصبح بمقتضاه الفكر الفلسفي هو الأصل، و”الائتمانية” هي الفرع. ألا يدل ذلك على عدم نضج الدعوى لديه، وعدم استكمال أركانها؟ ولهذا يعرضها بأسلوب التقرير، وليس بصيغة الدعوى المبرهن عليها.

  قد يعترض البعض بأن طه يؤسس موقفه، من منطلق أيديولوجيا “مجال التداول”، الذي يفرض سلطته بوعي أو بغير وعي على فكر الفلاسفة، على ابراز أثر المعتقد الديني في فكر الفلاسفة، وهو أحد محددات مجال التداول؛ وهو اعتراض يمكن الرد عليه كما يلي: هل الأثر أو التأثر أو التأثير كاف في الاتهام؟ وهل يلجأ الفلاسفة في النقل أو الاقتباس المزعوم إلى تنكير الأصل المزعوم والتستر عليه؟ أليس الدين وقضاياه هو واحد من الموضوعات التي تحظى باهتمام الفلاسفة؟ هذا فضلا عن وجود تقاطعات في القضايا التي يتناولها الدين، وتشتغل عليها الفلسفة؟ لماذا اتهام الفلاسفة بتوظيف آلية “المقابل” للمفاهيم الدينية ويبيحها لنفسه؟ إذ عليها يتأسس مشروعه، حيث يقلب فكر الفلاسفة ومفاهيمهم فيأخذ بضدها كما سيأتي لاحقا.

   تقارب المقالة هذا الاشكال من الإشكالات الكثيرة لفكر طه عبد الرحمن، من خلال ثلاث نقاط. تتولى الأول عرض مظاهر السرقة-الاقتباس المزعوم في نظره، وتتناول الثانية ما تم تنكير أصل اقتباسه والتستر عليه، ويشمل: الأفكار، والقيم، والمفاهيم، والنظريات. وتقارب الثالثة المفارقة التي وقع فيها الرجل بخصوص هذه القضية، وهي العمل بما اتهم ويتهم به الفلسفة والفلاسفة؛ أي الاقتباس من الفلسفة، إما بمنهج الضد، أو الابدال، أو القياس.

 تفنن طه عبد الرحمن في تمرير دعوى “الاقتباس المتنكر” من الدين، بتوظيف مجموعة من الأوصاف والنعوت؛ تكون منها معجم قائم بذاته (أحصينا منها 16 وصفا)، ولا شك أن تكثيف هذا المعجم وتركيزه، وتصريفه في صور عديدة، وفي كتب متعددة مقصود لدى الرجل، غايته تكريس الفكرة في ذهن المتلقي؛ أو لنقل غايته بناء القناعة بخصوص الأصل الديني لفكر الفلاسفة، لدى القارئ.

وتعوض هذه الكثافة الوصفية-المعجمية لدعوى الاقتباس، الاستدلال والبرهان اللازم في مثل هذا السياق الادعائي؛ إذ لم يكلف الأستاذ طه نفسه عناء الاستدلال على دعوى إخفاء الأصل المقتبس منه وتدليسه، خاصة أنها من جنس القضايا التي يمكن الحسم فيها بطرق متعددة؛ منها على سبيل المثال منهج التوثيق والمقارنة النصية؛ وليس بالتأويل كما فعل طه فيما يمثل به للاقتباس المزعوم.

لم يأت طه بدليل يوثق للاقتباس من خلال نص الأصل، والنص الفلسفي المقتبس؛ وهذا لا يعني أن الفيلسوف لا يتأثر فكره الفلسفي بالفكر الديني السائد في بيئته الثقافية، تماما مثل الفكر الديني أيضا الذي يتلبس بثقافة بيئة النشأة؛ أو أنه لا يشتغل بقضايا الدين نقدا وتحليلا؛ بل إن الكثير من هذه القضايا تتقاطع مع انشغالاته؛ إذ كلاهما؛ أي الفلسفة والدين، من الحقول الفكرية التي تشتغل على انتاج “المعنى” مع الاختلاف في النوع والمنهج. لكن هذا التأثر أو الانشغال والتقاطع، يختلف عن مفهوم “الاقتباس”، فضلا عن نعته “بالمتنكر” “المستتر” والمدلس، الذي حوله طه إلى “دليل” يمارسه الفيلسوف بوعي أو بغير وعي.

تنوع توصيف طه عبد الرحمن للاقتباس المزعوم كما يلي: التستر عن الأصل الايماني. يقول في سياق القول بأنه يتبع طريقة مخالفة في الصناعة الفلسفية للمعاني الايمانية، لأن الطريقة التي اتبعت فيها هي: “طريقة واحدة هي العلمنة، وتقوم العلمنة بتنكير الأصل الايماني لهذه المعاني او إنكاره؛ غير أنه بالإمكان اتباع طريقة مضادة في المفهمة، إذ لا تنكر  الأصل الايماني، ولاتنكره وسميناها “الأيمنة”. (المفاهيم 1: 18)، تنكير الأصل الديني للمفاهيم بتبديل الاسم: “جريا على العادة العلمانية في استبدال طريف المصطلحات بتليدها، تنكيرا لأصلها الديني”. (المفاهيم 2: 62-63)، انساء الأصل والتعامي عنه ويمثل له بقيم الديمقراطية، التي قيل إنها مقررة وغير مدللة، وراءه: “نسيان أصلها الخبري اضطرارا، أو التعامي عنه اختيارا”. (روح الدين: 150)، ومثاله أيضا الأخلاق عامة يقول عنها: “لا عجب أن يبادر بعض مفكري الحداثة إلى صوغ أخلاق اقتبسوها من الدين وألبسوها لباس العقل، ثم عموا على هذا الاقتباس بأن عرضوها في أنساق محكمة البناء، وصاروا يزعمون أنهم استنبطوها من عنديتهم”. بؤس الدهرانية: 116)، إخفاء الأصول، فهو يقول في معرض نقد من يسميهم مقلدة العرب، الذين تتسرب إليهم آثار المعاني الدينية لمن يقلدونهم، بدون وعي، وهي المعاني التي تشربت بها قلوب الفلاسفة المتبوعين بوعي: “وإما لأنهم تعاطوا إلى إخفاء أصولها في الدين والباسها لباس العقل”. (بؤس الدهرانية: 134).

 وبعد إقرار فكرة انكار الأصل الديني لفكر الفلاسفة واخفائه، عرض مظاهر التنكير والاخفاء بشكل مفصل كما يلي: محو المقتبس ومقابلة الفكرة الفلسفية بالفكرة الدينية، مقابلة الضد للضد. وأول نموذج نورده هنا، هو نظريات العقد الاجتماعي، فهذه النظريات في رأيه: “تظهر فيها آثار الميثاق الديني، ولو أنها عمدت إلى محوها؛ فلنوضح الآن كيف تتجلى الآثار الميثاقية في هذه العناصر المشركة بما يجعل هذه النظريات التعاقدية تصورات توازي التصور الائتماني، بل تقابلها رغم أخذها بأسباب الميثاق، مقابلة الضد لضده”. (المفاهيم 1: 44)، نقل المعاني الدينية وعلمنتها؛ إذ العلمنة الفكرية هي، على وجه التعيين، نقل المعاني الدينية إلى مفاهيم غير دينية” (المفاهيم 1: 217)، تغيير الاسم وانكار الأصول (المفاهيم 2 62-63)، صرف المفهوم الديني إلى مفهوم مدني، ويعرض تقدير الذات في الفلسفة الأخلاقية مثالا له؛ إذ يرى أن أصله هو الكرامة (التكريم الإلهي). (المفاهيم 2: 67))، القياس على قضايا الدين، كقياس الحدود السياسية لإدارة الصراع على السلطة على الحدود الدينية؛ إن لم تكن هي ذاتها تم تغييبها سياسيا بالانتحال: “وعندئذ تكون مشروعيتها مستمدة من أصل ديني ينبغي الإقرار به”. (روح الدين: 152-6 +212-14)، اختراع أسماء جديدة للمنقول الديني، فالدهرانيون، كما يقول: “يضعون، متى استطاعوا، لهذه الأخلاق المأخوذة من الدين المنزل أسماء جديدة تغطي أصلها الروحي، مثل “حقوق الإنسان بدل “حقوق الآدميين”، أو المسؤولية” بدل “الأمانة”، أو “التضامن” بدل “التراحم”، أو المواطنة بدل “المخالقة””. (بؤس: 107)، التصرف في المنقول من المفاهيم: “بما جعل مدلولاتها الجديدة تباين مدلولاتها الأصلية، حتى إنه لم تعد إلا الصورة اللفظية لهذه المفاهيم هي التي تذكر بأصولها الدينية”. (بؤس: 147)، الاقتباس بشكل: مستتر، وتقية، وتدليسا، وبشكل غامض، وبشكل ملتبس. يقول، تمهيدا للتصريح بالأيديولوجية التي يصدر عنها في تحليلاته في كتاب: “بؤس الدهرانية”، إن أول ما يجب على الناظر في علاقة الأخلاق بالدين: “تركه التستر على المسلمات التي يبني عليها فصله، إن تقية أو تدليسا، أو يبني عليها وصله، إن إغماضا او تلبيسا”. (بؤس: 31)، محو المنقول عنه (المفاهيم 1: 44)

  ويندرج في سياق تأكيد الاقتباس المتنكر، التنصيص على فلاسفة معينين بالاسم، منهم دافيد هيوم، الذي يقول عنه إنه يوهم القارئ بأنه مكتشف ومبدع بينما هو في الحقيقة مجرد مقبس. يقول، تعقيبا، على قول دافيد هيوم بوجود “حس خلقي” لدى الانسان يتعلق بالقيم: “بيد انه أوهمنا أنه اهتدى إلى هذا الافتراض بمحض النظر العقلي الفلسفي، وقد بينا آنفا أن هذا غير صحيح، إذ اقتبسه إما من النصوص المقدسة او من نصوص رجال الدين (…) فلا مفر إذن من التسليم بأن الخبر الإلهي هو المصدر الحقيقي للعلم بالقيمة الخلقية كما أن الفعل الإلهي هو السبب الحقيقي للشعور بها في الوجدان”. (سؤال: 50)، ومنهم كانط الذي أخذ أخلاق رجال الدين واللاهوت، فقلبها بشكل متستر؛ قرر هذا على لسان الفيلسوف الألماني شوبنها ور. (بؤس الدهرانية: 62+المفاهيم 2: 26).

   تشمل منقولات الفلاسفة من “الدين” في نظر طه عبد الحمن، المفاهيم، والقيم، والمعاني/ الأفكار، والنظريات. يقول:”لا يزالون يقتبسون من الدين المفهوم بعد المفهوم، والمقولة بعد المقولة (…) حتى بلغوا حد أن يستعيروا منه أخص “مفهوم” يميزه، وهو الروحيات”. (بؤس الدهرانية: 177) فقد اقبس فلاسفة العقد الاجتماعي نظريتهم من التوراة (دين الحياء 1: 20)، والقيم عامة اقتبسوها من الدين ونسجوا على منوالها (المفاهيم 1: 176)، واخذوها منه ثم دهروها بشكل مستتر (بؤس: 48)

ويقول عن المعاني/الأفكار: “انظر كيف أن كثيرا من المعاني والحقائق التي أطنب الفلاسفة في الكلام فيها (…) إنما تلقفوها من مصادر نقلية”. (فقه الفلسفة 1: 184) وتتعد المفاهيم والقيم التي تقرر الائتمانية الطهائية، بشكل صريح، أنها منقولة من الدين بطريقة التدليس والتستر عن الأصل، إلى مستوى جعلها تعكس ما قرره عاما في النصوص السابقة؛ فالعدل، والحرية، والمساواة، والتسامح، أصولها الدينية هي: الاحترام، والاعتراف بالآخر، وحب الجار. (روح الدين: 212-14)

وتعظيم الانسان؛ أي تقدير الذات الإنسانية، أصله الكرامة الإنسانية، وتم صرفه إلى مفهوم “حقوق الإنسان” (المفاهيم 2: 67-68) وقوانين الجدل الهيكلي الثلاثة، تعكس عقيدة التثليث المسيحية. (المفاهيم 1: 219). ومفهوم “الحالة الاستثنائية، أصله “المعجزة”، والمشرع البشري، هو مجرد بديل عن الله أو قل المشرع الإلهي. (المفاهيم 1: 222)، والبرولتاريا، أصله مفهوم “الشعب المختار”. (نفسه: 225)؛ بل إن مفاهيم الدولة الحديثة، هي في الأصل مفاهيم لاهوتية تمت علمنتها. (المفاهيم 1: 221-226). فقد نقلت هذه الدولة مفاهيم المقدس إلى السياسة، فاخترعت لها معتقدات وطقوسا ورموزا. (روح الدين: 227-17)، مثل اعلان الاستقلال، والدستور، فهو مجرد مقابل للكتب المقدسة. (روح الدين: 230-18)

  ويرى أن جذور الأفكار الإنسانية والمثلى التي أنجزتها الحداثة، في مجال السياسة والأخلاق، هي في الأصل معاني ايمانية، مثل الإنسانية، والتاريخ، والثورة، والمستقبل، والوطنية، والدولة، والطبقة. (روح الدين: 132-18) ويضيف إلى الأفكار المنقولة، المقولات الفلسفية، منها مثلا: “مقولة عالم المثل” الأفلاطونية، ومقولة “عالم الأشياء في ذاتها” الكانطية، فهما مجرد تقليد لمقولة “عالم الروح” الدينية. (المفاهيم 2: 66)

ونختم هذه النقطة، على لسان الأستاذ طه نفسه، بما يتنزل منزلة الاستخلاص من كل ما سبق أن الفلسفة والحداثة ما هي إلا: “ديانة خفية ودين متنكر”، وهو الاستخلاص الذي عقب به على أن النظرية الأخلاقية في الفكر الفلسفي تسلك طريقتان في الاقتباس المتنكر؛ طريقة المبادلة، وطريقة المقايسة، و “المقصود بالمبادلة أن واضع النظرية الأخلاقية يأخذ بدل المقولات المعهودة في الأخلاق الدينية مقولات أخلاقية مقابلة لها (…) والمقصود بالمقايسة أن واضع النظرية الأخلاقية يقدر أحكامه الأخلاقية على مثال الأحكام التي تأخذ بها الأخلاق الدينية”. وخلص إلى أنه: “ليس لهذه النظرية من وصف العلمانية إلا الظاهر، بحيث تصير العلمانية هنا عبارة عن “ديانية” خفية مثلها مثل الديانية الجلية”؛ وتصبح بناء عليه: “حقيقة الأخلاقي اللاديني أنه أخلاقي ديني متنكر”. (سؤال الأخلاق: 39-40) فما هي الطريقة التي اعتمدها طه في بنا ما يسميه “فلسفة ائتمانية” و “حداثة اسلامية”؟

     سبقت الإشارة إلى أن طه عبد الرحمن يعترض على الفلاسفة بأن كل ما يقومون به، هو مجرد مقابلة ما أصله ديني، مقابلة الضد للضد. (المفاهيم 1: 44) لكن المفارقة هي أن مشروعه الخطابي والفكري مبني في غالبيته على “منطق الضد”، والمقابلة والاستبدال، للمفاهيم، والقيم، والأفكار الفلسفية والحداثية، بأضدادها فتصبح “بديلا” إسلاميا، أو “فلسفة ائتمانية”؛ وتزداد المفارقة مفارقة بالاعتراف باعتماد هذا النهج فيما يعمل وينجز؛ فهو يقر بأن الائتمانية، هي بدل عن الائتمارية، وبدل عن التعاقدية؛ اي العقد الاجتماعي. يقول: “ويستلزم هذا التأسيس الإتيان باستبدالين: أحدهما استبدال العلاقة الائتمانية مكان العلاقة الائتمارية (….) والثاني، استبدال العلاقة التواثقية مكان العلاقة التعاقدية، بحيث يصبح أن العقد الاجتماعي الذي ا يفترض وجود “حالة الطبيعة” ليس، في الأصل، سوى علمنة للميثاق الديني الذي يؤكد وجود حالة المواثقة”. (المفاهيم 1: 55) ويعترف بأن العقلانية المؤيدة “تأخذ بضدهما”؛ أي بالمسلمتين التين تأخذ بهما العقلانية المجردة. (المفاهيم 1-229) ويقر انه أسس نظريته الأخلاقية على منطق الابدال بقوله: “فكان لابد من وضع نظرية تقوم بشرط التناسب، فأبدلنا مفهوم “التخلق” مكان مفهوم “التعقل”، ومفهوم “التعرف” مكان مفهوم “التنكر”، واسميناها ب “نظرية التعبد”. سؤال الأخلاق: 143)

ولأن الأستاذ طه أسس مشروعه الفكري على منطق الضد، بالأخذ بضد المنجز الحداثي والفلسفي، وبمنهج المقارنة والقياس، فسنكتفي بمثال واحد وظف فيه جميع أشكال “منطق الضد”، من مقابلة، ومقارنة، وقياس، وتأويل (…) وهو “نظرية العقد الاجتماعي”؛ إذ يقرر طه أن الأصل الديني لهذه النظرية هو ما يسميه “الميثاق الالهي”؛ لكنه في مكان آخر ينهج نهج المقارنة لانتزاع ما يسميه “المصداقية” الفلسفية للميثاق الديني من العقد الاجتماعي، فيقرر بشكل صريح أن “التواثقية” تشبه نظرية العقد الاجتماعي في البنية العامة؛ بمعنى أنه يقيس الأولى على الثاني، فأصبحت، في النتيجة، حالة الطبيعة في نظرية العقد، هي “حالة المواثقة” في “الميثاق الديني”، وحالة المدنية في الأول، هي “حالة المعاملة” في الثاني (المفاهيم 2: 16)

 ومع أنه يقيس “الميثاق” ذي الأصل الديني على العقد الاجتماعي؛ إذ أكد أنه يشبه العقد الاجتماعي (سؤال الأخلاق: 157)، عاد فانتقد العقد الاجتماعي، فحكم عليه بانه عقد وهمي، بينما الميثاق الديني عقد حقيقي. فقد قرر في سياق ما يسميه “تأصيل” المنقول الفلسفي؛ قاصدا اخضاعه، ومثاله: وصل عقد البيعة بالعقد الاجتماعي: “باعتبار الأول عقد حقيقي والثاني وهميا”. (روح الدين: 339-32)، وانتقد أيضا حالة الطبيعة، إذ يعتبرها حالة وهمية. (سؤال الخلاق: 159) ثم قاس عليها حالة المواثقة كما سبق؛ بل ذهب في المفارقة إلى ما هو أبعد، وهو القول إن العقد الاجتماعي اقتبس عناصره من عناصر الميثاق الديني. يقول: “فما الفرق في التصور الذهني بين هذه العناصر التي يتقوم بها الميثاق الاجتماعي وبين العناصر التي تضمنها الميثاق الإلهي؟ ألا يجوز أن تكون عناصر الميثاق الاجتماعي مقتبسة من عناصر الميثاق الإلهي، أو على الأقل متشبهة بها”. (سؤال الأخلاق: 160)

  ألا يحق لنا أن نستخلص في النهاية، خلافا لما استخلصه الأستاذ طه، من دعوى الاقتباس المتنكر؛ وهو أن الفلسفة مجرد دين متنكر، حيث إنه لم يقدم الدليل المنسجم مع طبيعة الدعوى وحجمها، إذ مثلها يعتمد دليل التوثيق والمقارنة؛ مقارنة النص بالنص أو (…)، وحيث إنه اضطرب فعمل بما يتهم به الفلاسفة/ أي اعتماد منهج الضد وقلب المفاهيم الفلسفية و”تصويفها”. فنقول: إن الهدف الاستراتيجي لمشروع ائتمانية طه: هو محاولة اثبات عدم قدرة الذات الإنسانية على التشريع الروحي لنفسها؛ لذا شكلت الحداثة له عقدة؛ لأنها قامت وتقوم على اثبات اقتدار الذات في العلم والمعرفة والفكر والتشريع واختراع القيم. إذ تنسب للإنسان، في زعمه: “ما تبتغي نسبته إلى الإله”. سؤال الأخلاق: 50)

حسن العلوي

****

الإطار المعرفي لفكر طه عبد الرحمن

4 يونيو 2021 دراسات وأبحاثمتابعاتمفاهيم 0

حسن العلوي   اختار طه عبد الرحمن “السنة”، كما رسمت تاريخيا في فضاء الملة، إطارا معرفيا لمشروعه الخطابي، وهي الأداة التي اعتمدت في تكريس صيغة للإسلام تأسست بعد التجربة النبوية المؤسسة؛ وهي الصيغة التي اصطلح عليها في السردية التراثية ب “السلفية”، واعتمد طه تحديدا على آخر الصيغ التي صيغت بها، …أكمل القراءة »

المف-قيه: تمهيد لمشروع قراءة نقدية لفكر طه عبد الرحمن

9 مايو 2021 دراسات وأبحاثعامةمفاهيم 0

حسن العلوي   تستوقف الباحث والقارئ للفكر الإسلامي، ظاهرة غريبة، قديمة وحديثة، تتمثل في حضور مفكرين أو لنقل مثقفين، تميزوا باستيعاب وهضم فكر زمانهم ومعارف عصرهم الفلسفية والمنطقية والعلمية، غير أنهم، بدل الاستثمار فيما استوعبوا وهضموا، عملوا على تحويل رصيدهم الفكري والمعرفي إلى أداة خدمة؛ أداة لخدمة ما لم يوضع …أكمل القراءة »

فلسفة الجائحة – كورونا من منظور فلاسفة العصر

2 مايو 2021 أخرىترجمةصدر حديثافلاسفةكتب 0

لتحميل الكتاب في صيغة PDF فلسفة الجائحة كورونا من منظور فلاسفة العصرتنزيل مقدمة الكتاب فِي انْتِظَارِ غودو لتحميل الكتاب في صيغة PDF دَخَلَت الْبَشَرِيَّة السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ أَزْمَةٌ كورونا الَّتِي هزت أَرْكَان العَالَمَ مُنْذُ أَوَاخِرِ سَنَةِ 2019 بَعْد إعْلَان سُلُطَات ووهان الصِّينِيَّة ظهُور سُلَالَة جَدِيدَةٍ مِنَ فَيْرُوس كوفيد وَاَلَّذِي سُمِّي …أكمل القراءة »

جاك دريدا .. كيف يعيش فيلسوف التفكيك موته؟

30 يناير 2021 عامةفلاسفةمقالات 0

فتحي المسكيني فتحي المسكيني مات جاك دريدا. هو يوم حزين آخر، ولكن هذه المرة للفلاسفة وليس للحواريين. انطفأت تلك القامة التي لم تتعلّم الانحناء برغم ثقل السنين الأربع والسبعين التي تجرّها وراءها، في مساء يوم الجمعة 8 أكتوبر 2004، «دون أن يتألّم كثيرا»، كما يذكر أقرباؤه. إنّ موته ذو دلالة …أكمل القراءة »

في براءة الفلسفة وصلاح منتحليها

27 يناير 2021 فلاسفةمجلاتمقالات 0

فتحي المسكيني فتحي المسكيني ليس من شأن الفلسفة أن تدافع عن أيّ أفق روحي أو أخلاقي جاهز. وليس يهمّها أن تنافح عن استمرار أيّة رؤية للعالم أو أيّة عقيدة مستقرة لدى أهلها، مرضيّ عنها من قِبل جماعة إنسانية أو أخلاقية معيّنة. بهذا المعنى إنّ الفلسفة لا تدافع عن تقنية رجاء …أكمل القراءة »

فلسفة النوابت إمكانيات الإستئناف وحدود الإنحسار

11 يناير 2021 Non classéمجلاتمساهماتمفاهيم 0

حسن العلوي  يبدو أن فعل التفلسف كما يقاربه كتاب: “فلسفة النوابت” للمفكر فتحي المسكيني، لا يزال يتأبى في بيئتنا الفكرية والثقافية؛ إذ لا يزال في نظر تربة هذه البيئة “نبتة” غريبة وأجنبية غير أصيلة. رغم كل المحاولات المبذولة في سبيل التبيئة والتطبيع. ويكفي دليلا عليه أن جهود “المتفلسفة” أو منتسبي 

كتاب جديد لحسن العلوي

5 ديسمبر 2020 صدر حديثا 0

حسن العلوي   يتأطر هذا الكتاب ضمن مشروع نقدي ننجزه في حقل المعرفة الدينية، ويتناول فكر واحد من الشخصيات البارزة في هذا الحقل؛ وهو فكر إبراهيم بن موسى، المشهور بأبي اسحق الشاطبي. يقارب الكتاب بالنقد والتحليل فكر الرجل عامة، وكتابه: “الموافقات في أصول الشريعة” بصفة خاصة؛ وهو الكتاب الذي يحتوي على …أكمل القراءة »

كتاب جديد لحسن العلوي: تمهيد لنقد التراث التحديثي، 1 – لسان عمل أهل الحديث

3 فبراير 2019 أخرىعامةنصوص 0

لا يتناول هذا الكتاب الأحاديث، بل موضوعه عمل أهل الحديث الموسوم في الأدبيات الدينية ب: “بعلم الحديث”، وتحديدا التعريف به من خلال أهل الحديث أنفسهم، دون تدخل من المؤلف بالتأويل أو الشرح أو… فهو يقدم المكتبة الحديثية ملخصة، عبر تصنيف موضوعاتي، يمكنك من الإطلاع على تلك المكتبة دون جهد العودة إلى مئات الكتب والمؤلفات،والوقوف على حقيقة الأدوات التي اعتمدها المحدثون في قبول الأحاديث ورفضها بنفسك وبدون وسائطأكمل القراءة »

الشأن العام بين الدين والسياسة: قراءة في كتاب الدين وخطاب الحداثة لرشيد العلوي

8 سبتمبر 2018 رشيد العلويكتبمساهماتمفاهيم 1

بقلم عبد الرحيم رجراحي   لعل ما يلفت الانتباه في التقديم الذي أعده سعيد ناشيد للكتاب هو اعتباره أن “هذا الكتاب مدخل نظري ونضالي إلى أخلاق المدينة، أخلاق الفضاء العمومي، أخلاق الحداثة السياسية”.[1] وسنسعى في مقالنا إلى الكشف عن هذه الأخلاق التي هي من جنس الشأن العمومي، والتي من فرط …أكمل القراءة »

الفلسفة في المغرب إلى أين؟ حوار رشيد العلوي مع جريدة الاتحاد الاشتراكي

27 يونيو 2018 تربية و تعليمحواراترشيد العلوي 0

  حاوره حسن إغلان   1 – كيف ولجتم شعبة الفلسفة؟ جئت إلى الرباط من الهامش (الجنوب المغربي) لاستكمال دراستي الجامعيَّة في شعبة الفلسفة بكلية الآداب – جامعة محمد الخامس، وقد سنحت الظروف التي نشأت فيها في المرحلة الثانويَّة من اهتمامي بالفلسفة بفضل نشاطي الجمعوي المبكر وارتباطي باليسار.   2 …أكمل القراءة »

استئناف النَّظَر في الفلسفة الرُّشدية قراءة في كتاب رشيد العلوي[1]

18 يونيو 2018 رشيد العلويفلاسفةكتب 0

بقلم عبد الرحيم رجراحي   قد يتساءل سائل، ما الهدف من إنجاز قراءة في كتاب يبحث في مشكلة فلسفية؟ ويردف ثان، ما الحاجة للنظر في مشكلة فلسفية تعود لفلسفة العصور الوسطى ونحن أبناء القرن الواحد والعشرين؟ ويتعجب ثالث، هل لازال لابن رشد راهنيته وهو الذي قضى نحبه منذ قرون خلت؟! …أكمل القراءة »

وفاء لروح الرشدي: جمال الدين العلوي

30 مايو 2017 عامةفلاسفةمساهمات 0

كوة: العلوي رشيد رحل الرجل في صمت ذات يوم من سنة 1992 بفاس الي ولد فيها سنة 1945 ولم يغادرها إلا لسفر عابر أو لمحاضرة هامة. اشتغل منذ أواسط السبيعينيات في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس بعد أن نال دبلوم الدراسات العليا في الفلسفة سنة 1974. اشتغل جمال الدين العلوي …أكمل القراءة »

ملف: 3 – وضع تدريس الفلسفة في المغرب: العلوي رشيد

8 مايو 2017 دراسات وأبحاثديداكتيك الفلسفةرشيد العلويمساهمات 0

قليل من أصدقائنا من باقي البلدان الذين يعرفون بدقة ما يجري في تدريس الفلسفة بالتعليم الثانوي التأهيلي بالمغرب، ورغم أن المشكلات المتصلة بطرق التدريس وبالعدد المعتمدة بيداغوجيا وديداكتيكيا تبقى إلى حد ما مشتركة على الأقل في البلدان التابعة للنظام الفرنسي، ناهيك عن المشكلات السياسية المتصلة بالأنظمة الحاكمة والأهداف العامة المقيدة …أكمل القراءة »

فكر طه عبد الرحمن: وضعية ملتبسة في الثقافة

‏4 أسابيع مضت مفاهيممقالاتمقالات 0

حسن العلوي  يدل مفهوم الالتباس في أبسط معانيه على “الغموض”، وارباك المتلقي حول الرسالة الملتبسة التي يحملها الخطاب الملتبس، واضطراب المواقف حولها. ونحن نقصد به، إضافة إلى معنى الغموض والارباك، عدم وضوح التوجه الفكري للمشروع الخطابي لطه في الساحة الثقافية العربية الإسلامية؛ أو لنقل لدى الكثير من متلقيه. ونخصص هذه …أكمل القراءة »

تعثر التفلسف في نظر طه عبد الرحمن: نقد وتوثيق

1 يوليو 2021 عامةمتابعاتمفاهيم 0

حسن العلوي   تأتي هذه المقالة في سياق الحوار الذي دشناه مع فكر طه عبد الرحمن، وموضوعها قضية الفلسفة والتفلسف، وتحديدا قضية تعثرها في الثقافة العربية الإسلامية؛ فهذه الثقافة، سواء مع الرجل ومع غيره من الذين انعطفوا بالفلسفة نحو توظيفها في قراءة التراث، يبدو أنها لم تطبع العلاقة بعد مع …أكمل القراءة »

فكر طه عبد الرحمان: الأيديولوجيا والسلطة

18 يونيو 2021 دراسات وأبحاثعامةمفاهيم 0

حسن العلوي      لا يسع الإنسان ذي العقل البشري الطبيعي الفطري، الذي يتقاسمه ويشترك فيه جميع البشر؛ والدال على أن غيره من “العقول” المدعاة على فرض ثبوتها، إلا ان يجد نفسه، وهو يقرأ لطه عبد الرحمن، في مقام النقد والانتقاد حتما. لأن الرجل دخل وأقحم نفسه وقلمه في أكثر …

شاهد أيضاً

سورن كيركغارد: القلق وأطوار الوجود

مشير باسيل عون مشير باسيل عون يصعب على المرء أن يستوعب قلق الفيلسوف الدانماركي سورن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *