Warning: include_once(analyticstracking.php): failed to open stream: No such file or directory in /home/couuacom/public_html/wp-content/themes/sahifa/header.php on line 31

Warning: include_once(): Failed opening 'analyticstracking.php' for inclusion (include_path='.:/opt/cpanel/ea-php73/root/usr/share/pear') in /home/couuacom/public_html/wp-content/themes/sahifa/header.php on line 31
الرئيسية / ترجمة / أندريه كونت- سبونفيل: صباح الخير أيها القلق!

أندريه كونت- سبونفيل: صباح الخير أيها القلق!

ترجمة: عبد الوهاب البراهمي

  الخوف هو بالتأكيد أول إحساس على الأقلّ خارج الرّحم: هل من شيء مثير للقلق أكثر من الولادة؟ و يحدث غالبا  أن يكون الأخير: هل من شيء أكثر إثارة للقلق من الموت؟

  هو ذا الحال: نولد في القلق ونموت في القلق. ولا يفارقنا الخوف فيما بينهما أبدا. هل من شيء يبعث على القلق أكثر من أن نحيا؟ إنّه الموت ممكن دوما، والألم ممكن دوما، إنّه ما نسمّيه على قيد الحياة : شيء من اللّحم يوهب للدغة الواقع. شيء من اللحم أو من الروح يُعرض هنا، في انتظار اللاّندري ما هو. دون مقاومة. دون إنقاذ. ودون ملاذ. ما عساه يكون القلق غير هذا الإحساس الذي فينا، كان على صوابٍ أو خطأ ، بالإمكانية المباشرة للأسْوَءِ؟

  لا يمكن دحض إحساس، وذلك الإحساس أقلّ من غيره. ليكن الأسوءُ ممكنا فعلا، وممكنا دوما، فمن ذا الذي يُنْكِرُه؟ يبدو أن بعضهم لا ينفصل عن القلق إلا لضعف خياله، كما لو كان شديد الحمق أو أذكى من أن يخاف. إنّي أغبطه أحيانا، ولكن على خطأ. فالقلق جزء من حياتنا. يفتحنا على الواقع، على المستقبل، وعلى الإمكانية غير الواضحة لكلّ شيء. علينا أن نحرّر أنفسنا منه، وهذا ما يشير إليه هو ذاته بقدر كاف، بحالة الضّيق. لكنْ، ليس بسرعة كبيرة ولا بأيّ ثمن. فالخوف وظيفة حيويّة- إنّه امتياز انتقائي بَدَهِي- ، ولن نعرف الحياة من دونه طويلا. وليس القلق، دون شكّ، إلاّ قِّمَّتَهَا الأكثر دقّة، والأكثر حساسية، والأكثر رقّة…كثيرا؟ من يقدر على الحكم عليه؟ ماذا يكون الإنسان دون القَلَقِ؟ الفنُّ، دون قلقٍ؟  الفكرُ، دون قلقٍ. ثمّ إنّ الحياة تُقبل أو تُرفض، وهذا أيضا ما يذكّرنا به  القلق بشكل مؤلم. أنّه ما من حياة دون خطر. وما مِنْ حياةٍ دون ألمٍ ومعاناةٍ. وما مِنْ حياةٍ دون موتٍ. يطبع القلق عجزنا، و هو ما به يكون حقيقيّا أيضا وبشكل نهائي. يضحكني شيوخنا الرّوحيين الذين يريدون حمايتنا منه. أو أطبائنا النفسيين، الذين يريدون شفائنا منه. فَلْيَمْنَحُونَا الشفاء بالأحرى من الموت؟ ولِيَحْمُونَنا بالأحرى من الحياة؟ لا يتعلّق الأمر بتجنّب القلق، بل بقبوله. ولا بالشفاء منه ، بل بتجاوزه. لم يَعِدْنَا الكون بشيء كما يقول آلان. وأي شيء آخر غير الكون؟ كيف سنكون الأكثر قوّة؟ كل شيء يهدّدنا؛ يجرحنا؛ كل شيء يميتنا. هل من شيء أكثر طبيعيّة من القلق؟ الحيوانات في منأى من القلق، وهي كذلك  بموجب انتباه شديد للحاضر. لكنّنا نحن، الذين نعرف أنّنا فَانون؟ الذين لا نحبّ إلاّ هذا، مع الأسف، من سيموت؟  هل من شيء أكثر إنسانية من القلق؟ يخلّصنا الموت منه، يقينا، لكن دون دحضه. تعالجنا منه بعض الأدوية المخدّرة، ولكن دون أن تُنْكِرُه. حقيقةُ القلق: نحن ضعفاء في العالم ، فَاُنَون في الحياة. معرّضون لكلّ ريح، لجميع المخاطر، لكلّ المخاوف. جسدٌ للجروحِ والأمراضِ، روحٌ للأحزانِ، وهذا وذاك موعودان للموت فحسب…سَنَقْلَقُ على الأقلّ. لقد مررت مرّ الكرام على الفرق بين الخوف والقلق، ولم أقل شيئا عن الهَمِّ. لاتهمّني بالمرّة هذه الدقائق الاصطلاحية . لماذا تكون اللغة على صواب؟ فالجسدُ به أعْلَمُ . والحياة به أحوط معرفة. نميّز غالبا بين الخوف، الذي يفترض وجود خطر حقيقيّ، وبين القلق الذي لا يتّصل إلا بمخاطر خيالية، لا بل دون موضوع. وليس بالتأكيد نفس الشيء أن تخاف من كلب حقيقيّ، يهدّدك، أو من أي ّ شيء كان، يحدّق بك. هل هو مع ذلك أبسط ما يكون؟ هل الطفل الذي يخاف من الظُّلْمة، كما نقول، يخاف من شيٍء ما محدّدٍ؟ من الواقع، من الخياليِّ؟ هل يخاف من الأشباح، من اللصوص، من الموت؟ هل يخاف من لاشيء؟ مِنْ كلّ شيء؟ يعتمد هذا بالتأكيد على الأطفال والأوقات. لكنه خائف، وهذا ما يعرفه جيّدا كلّ منا، ويعبّر عنه بالفعل. هل نعتقد أنّ خوفه سيغيّر من طبيعته لأنّنا قد أطلقنا عليه اسمَ هَمٍّ ، قَلَقٍ أو فُوبْيا؟ ”  يكفي أن يوجد بعض التنوّع في الأعشاب حتّى يلتفّ الكُلُّ تحت اسمِ السَلَطة” .كما يقول مونتاني . وبالمثل بعض التنوّع في الخوف، يوضع تحت اسم القلق أو الهَمّ. ليست سوى كلماتٍ، ولن يكون لنا ما يكفي لنقول لانهائي الواقع أو مخاوفنا؟  ليكن للمختصّين حاجةً بالتأكيد لمثل هذه المقولات. لكن القلقَ، فلا. ولكن الخوفَ ، فلا. شيءٌ ما؟ لا شَيْءَ؟ من يستطيع أن يعرف حينما يخاف؟ تَمْشِي لوحدك ليلا، في طريق خالية من المارّة ومظلمة لحيّ موحش… أو بالأحرى في غابة، وليس الليل بأحْلَكَ ما يكون  إلاّ في الغابات …هل تخاف لأنّه يوجد أحدهم، أم لأنّه لا يوجد أيّ أحد؟ لكليهما من دون شكّ، معا دون قابلية للفصل. ثمّ يوجد شيء آخر أيضا، من يُخِيفُ فيكَ بعدُ، الطِّفْلَ الذي كُنْتَه: ربّما الأشباحُ أو اللصوص، أو الظُّلْمة، أو جنونَ أٍمّ، أُمُّكَ… أمّا أنْ نعرف إذا ما كان الموضوعُ واقعيًّا أو استيهاميّا…مَنْ يستطيع أن يتيقّن من أن الأشباح لا توجد؟ وما ذا يهمّه إذا ما كان يخشاها مع ذلك؟ يصنع الخوف واقعا كافٍ: الأشباح جزء من العالم، ويجب أن ندافع عن أنفسنا ضدّ ما لا يوجد. هل من شيء أكثر واقعية من الموت؟  مع ذلك، هل من شيء أكثر خيالية منه؟ هل هو موضوع ممكن؟ قد لا يكون، لكن، أيّ شيء مخيف أكثر منه، كَعَدَمٍ ضروري…خوفٌ ؟ قلقٌ؟ هَمٌّ؟ لن نموت بأقلّ منه. الحياة قصيرة حتّى تخدعنا الكلمات. وصعبة جدّا حتّى نستغني عنها.

   لقد حدث، حينما وجّه لي السؤال، أن ميّزت الخوف، تجاه خطر حقيقي، عن الهمّ، الذي لا يتّعلّق إلا بمخاطر محتملة، وعن القلق، الذي يتعلّق بخطر ضروريّ. أودّ بهذا أن آخذ بعين الاعتبار لا نوعا من التدرّج فحسب ( يبدو لي أن الهَمّ أقلّ من الخوف ، وأقلّ أيضا من القلق)، ولكن، خاصة، يوجد ما لا يمكن تفاديه بالذّات في الإحساس بالقلق، أو بالأحرى ما يُوجِدُه القلق  من الإحساس بما لا يمكن تفاديه، بمثلِ خطرٍ لا يمكن لا تجنّبه ولا تجاوزه، بمثل موتٍ مؤكّدٍ، ما هو عليه بالفعل، وقادمٌ، ما لا يكون عليه دوما…القلقُ خوفٌ خياليّ وضروريّ- دون موضوعٍ حقيقيّ، ودون مَخْرَجٍ ممكن. لأجل ذلك فهو يُمْسك بنا و يَنْخُرُنا. كيف لنا أن نتغلّب ، حينما لا يوجد شيء نواجهه؟ أعرف جيّدا أنّه لابدّ من التمييز هنا بين نوبة القلق، مع مظاهرها الجسديّة الهائلة جدّا وبين القلق الوجوديّ، الذي غالبا ما يفتقر إلى ذلك. ولكن ليس من قبيل الصدفة أن نستعمل نفس الكلمة، أنّ فكرةَ الموتِ، حتّى نَصِفَ هذه وتلك، تتدخّل بتلقائيةٍ كبيرةٍ.” أيّها الطبيب،إنّها تقول إنّها ستموت !قد كان هذا عنوان مقال مطوّل لمجلّة واسعة الانتشار، خصّصته، منذ بضعة أشهر، لنوبات القلق ومعالجتها استعجاليا (كما يحدث لدى أ س أو آس الأطباء) في ناحية باريس. ولنتخيّل المرافق المسكين المرتبك الذي يَرْبِتُ على يديه، أو الزميلة المسكينة، التي لا تعرف سوى تِرْدَاَد كلمات، حتّى تُطَمْئِنَها أو تُطَمْئِنَ نفسها :” لكنْ لَا ، لكن لا ، سوف لن تَمُوتَ..” أيْ نعم ، مع ذلك ستموت- ولكن ليس الآن. ليس لها من مرضٍ سوى التّوقّعُ، سوى أنّها على حقٍّ، كما نقول، في وقت مبكّرا جدا. ولكن ما الذي يغيّره هذا فعلا؟ يقينا، يخطأ القلق بشأن المواعيد؛ ولكن ماذا بشأن الموت؟  إنّه بمثل عُطْلٍ للزمن. طريقٌ مختصرٌ غيرُ مُحْتَمَلٍ صَوْبَ الأَسَاِسيّ. أفكّر في باسكال، حقيقيٌّ أنّ القلق يحكم له بالصواب، أو أنّه يحكم بالصواب للقلق. تذكّروا (قوله):” لنتخيّل عددا من الناس في الأغلال ، وقد حُكم عليهم جميعا بالإعدام، وكان يُقْطَعُ رأسَ بعضهم كلّ يوم على مرأى من الآخرين، فيشهد من بقي منهم على مصيره من خلال مصير أشباهه، فينظرون إلى بعضهم بعضا بألم ودون رجاء ، ينتظرون دورهم. إنّها صورة لوضع البشر.”كيف لا يكونوا قلقين؟ تجاه ماذا يتدبّر كل منّا شأنه على قدر مستطاعه؟.” لابدّ ، من أن نصبح  خالدين، حتى نُحْسِنَ العمل. وبما أنّنا لا نقدر على ذلك ، فالنصيحة أن نمتنع عن التفكير فيه..” القلق أو الترفيه. لا نتسرّع في القول بأن الصحّة هي فقط بجانب هذا، ولا أنّ ذاك بالتالي، سيكون دوما مَرَضِيّا.  لا تقاس الصحة الذهنية بالراحة النفسية وحدها. من سيحكم على قلقِ حامِل فيروس نَقْصِ المناعة، وقلقِ المحكومِ عليه بالإعدام، وقلقِ أمٍّ طفلُّها مريض، بأنّه قلقٌ مرضيّ؟ ومن لا يرى أنّ قلقنا يشبه في شيٍء مَا قَلَقَهُم؟ من منّا سينْفُذُ من الموت؟  ومَنْ ِمنْ أطفالنا؟ ماذا يستطيع المختصون في القلق فعله إزاء هذه الفكرة الحقيقيّة؟ لا يمنع هذا من توظيفهم، حينما يتطلّب الأمر ذلك، حينما تصبح الحياة على نحو آخر لا تطاق أو فظيعة. ولكن هل لابدّ من ذلك دوما؟ أليس من الباهظ ثمنا غالبا، أن لا ندفع ، إلاّ بإزالة المعاناة- بواسطة الدواء أو الترفيه- وإلاّ بمقابل الشجاعة و صفاء الذهن؟ هل ما نريده هو الصحّة  أم الرفاه؟ قدرتنا على مجابهة الواقع أم إمكانية الهروب منه؟ فلْيُفْهِمْنِي أحدهم : إنّي لا أجهل وجود هموم مَرَضِيَّة، تستحقّ العلاج. لقد شاهدت منها عن قُرْبٍ. وما زال يترائي لي ألتوسير، في مصحّته، عاجزا تقريبيا عن الكلام، والأكلِ والتغوّطِ ( يغرق جسده كلّه في القلق، كما يفسّر لي)، متوسّلا للممرضات الزيادة في جرعة الدواء المضادّ للتوتّر…وذكريات أخرى، أكثر قربا لا أفصح عنها. تمثّل التطوّرات في العلاج الكيميائي في مجال العلاج النفسي، وتلك التي هي أقلّ روعة، في العلاج النفساني، جزءا من الأخبار السعيدة في هذا الزمان، ونكون على خطأ لو احتقرناها. هنا يتلاعب بالكثير من الألم، بالنسبة إلى المرضى و، بالنسبة إلى أقاربهم. كثيرا من الألم. كثيرا من العجز. لقد حَكَى لي مثلا أحد أصدقائي عن نوبات القلق والانهيار العصبي، وحدّثني عن هذا الدواء الجديد الذي يأتينا من الولايات المتّحدة، والذي أنقذ حياته كما يقول، ودون آثار جانبية مرئية… لابد ّ أن نكون أغبياء جدّا أو عديمي الإحساس حتّى نعترض على هذا الأمر. مَنْ منّا لا يفضّل مضادّات الذّهان على سترة المجانين، مضادّات الاكتئاب على الصدمات الكهربائية، ومضادات التوتّر على الاحتجاز في المصحّات؟ أرى أنّنا نغتاظ هنا أو هناك من أن معاصرينا يستهلكون عقارات نفسية. ولكن ما الضرر في ذلك، إذا كانت حياتهم بها أفضل؟ هل هذا هو الحال؟ هذا ما عليهم فحصه مع أطبائهم، وما من أحد يقدر على أن يقرّر بدلا عنهم. الألم يتحكّم . والرعب يتحكّم. وكُلٌّ يقاوم بقدر ما يستطيع. هل ُنآخَذُ على كوننا لا نملك الإيمان؟ لا تنسوا مع ذلك أن لا قيمة  للطبّ إلا بالنسبة إلى المرضى، وأنّنا لن نَعْتبر مريضا كلَّ فرد يخشى الموت، ويخشى الألم أو أن لا يكون مَحْبُوبا. أين العَاِرضُ المرضي؟ أين المرض؟ سيتألّم فعلا ، وسيموت فعلا ولن يحبّه أحد، بالطبع كما كان يرغب في ذلك. وماذا هناك؟ يتبقّى له مجابهة ذلك، وقبول ذلك، وتجاوز ذلك ، إذا ما كان بإمكانه، بدل الهروب منه. يُعَاِني منه؟ ولكن أيْنَ يكون كلُّ ألمٍ في نظرنا مرضيا؟ وانّ كل معاناة ضارّة؟ تكون كذلك لو منعتنا عن العيش أو الفعل. ولكن لو ساعدتنا على ذلك ؟ لو دفعتنا إلى ذلك؟ لو كانت عامل ثورة أو صراع؟ هل سنتخلّى عن التفكير لأنّ ذلك يقلقنا؟ عن الحياة ، لأنّ ذلك يخيفنا؟ عن الحبّ لأنّ ذلك يُأْلِمُنا؟ لِنَتَقَبَّلْ بالأحرى، قدر ما نستطيع، ونحن قادرون على ذلك رغم كلّ شيء، على الأقلّ قليلا، على الأقلّ أحيانا، وهذا هو بالضبط علامة عَاِفَيِتنا، لنتقبّلْ بالأحرى أن نتألّم ونَرْتَعِش. مَنْ منّا لم يخشَ على أبناءه، وهل علينا أن نهرع من أجل ذلك إلى الطبيب النفساني؟ مَنْ منّا لا يخاف المرض، و الشيخوخة و الوحدة؟ هكذا قُدّت الحياة بحيث لا يمكننا أن نهرب من ألم من آلامها ( الشيخوخة مثلا) إلاّ بالوقوع في آخر( موت مبكّر). لأجل هذا كانت الحياة أحيانا رغم كلّ شيء، أكثر سهولة من الصورة التي كوّناها عنها : لأنّ ضروب القلق تنضاف إلى بعضها، باستمرار تقريبا (نحن نخشى في ذات الوقت الشيخوخة والموت المبكّر)، بينما تراوغ الشرورأحيانا وبالضرورة. نخشى ألف موت ولا نحيا أبدا إلا حياة واحدة. .. كل قلقٍ خياليٌّ ؛ والواقع تِرْيَاقُهُ.

   ولا يبقى منه على الأقلّ إلاّ أن الحياة هي بالفعل غير كافية، على الأقلّ ما دمنا ننتظر شيئا آخر(كتب فرويد:”إنّ القلق ودون مِرَاٍء في علاقة بالانتظار”)،  وأنّ القلق يصاحب دوما أحلامنا، أو يسبقها . ليكُنِ الخوف أوّلا، هذا ما أعتقده، وما لا أرجوه أبدا إلاّ على أساسِ حنينٍ أو خوفٍ (حنينٌ وخوفٌ) سابقين. ما نَؤْمَلُه هو ما فقدناه، مِنَ المُمْكِنِ، أو ما نخشى فقدانه. يكون القلق والرجاء دائما معا. يقول سبينوزا :” لا أمل دون خشية ، ولا خشية دون أمل”. لا نأمل إلاّ فيما لا نملك، فيما نجهل، فيما لا يكون أمره بيدنا: فكيف لا نَقْلَقُ؟ وكيف لا نأملُ بما أنّنا نَخَافُ؟ لِنَتمكّن من التحرّر منه، ربّما. ” لا يمكن لانفعالاتِ الأملِ والخشيةِ أن تكون حَسَنَةَ بذاتها”، يضيف سبينوزا، وكلّ جهود العقل تميل إلى تجاوزها. من هنا كان ما أسميته اليأس، والذي يسمّيه فرويد شُغْل الحداد، والذي ما هو إلاّ القبول بالحياة كما هي، صعبةً وخطرة ، مُتْعِبة، مُقْلِقَة ، لا يقينية… لاشيء مُكْتَسَبٌ نهائيا، ولا شيء موعودٌ بالمرّة، سوى الموتُ. ثمّ إنّه لا يكون بإمكاننا التخلص من القلق إلاّ بقبول هذا الذي يُدركه بالذات، هذا الذي يرفضه ويُثِيرُ جنونه. ماذا؟ هشاشةُ الحياةِ، ويقينَ الموت، وفشلَ أو رهْبَةَ الحبّ، العزلةُ والفراغُ واللاّثبات الأبدي لكلّ شيء …هي الحياةُ ذاتُها ولا يوجدُ غيرُها. وحيدةً دوما. فانيةً دوما. هشّةً جدّا وضعيفةً جدّا ومعرّضةً جدّا !” كلُّ رِضَا الفَاِنينَ فانٍ”، هكذا يقول موناتني؛ وهذا ما يَرَاهُ القلقُ بوضوح( وبهذا فهو على حقّ قبالة الترفيه)؛ لكنّه لا يتقبّله. تُفضّل الحكمة مَنْ يقول نعم. ولكن من هو القادر على ذلك؟  وعلى كلّ حال فالترفيه لا يمكن أن يحلّ محلّه: فليس قول نعم غير الكلام عن شيء آخر… ولا الصحّة التي لا تقول شيئا.  ومثلما يريدون أن يجعلوا منه فلسفة!  حكمة! دِينًا!  الطبّ. ِضدَّ المَرَضِ؟. الطِبُّ. ضدّ القلق؟ . الطبّ. ضدّ الموت؟ . وما هو ضِدُّ الحياة؟ الطبُّ؟ سُوقُ المغفّلين! ليست الحياة مرضا، ولا الموت، ولا القلق إذن وهي التي تُلْهِمُ بعضها بعضا، هذا القلق على الأقلّ، الذي لا يمنعنا عن الحياة، ولا يمنعنا عن التفكير، ولكنّه على العكس يُوَلُدُ ممّا نحياه ونفكّر فيه ، قدر ما نستطيع ، بأيِّ خطرٍ، دون معرفةٍ ( لو كنّا نعرف كيف نحيا ونفكّر ، فما الذي يتبّقى لنا أن نحياه ونفكّر فيه؟) ودون القدرة حتّى على التعلّمِ بحقٍّ، أو لعلّه قد فات الأوان حتّى يكون بالإمكان استخدام ذلك طويلا أو تغيير الأساسي.” الوقت لتعلّم الحياة، لقد فات الأوان بعدُ…” ولكن لن يفوت الأوان كي نخاف، وليس الوقت مبكّرا لذلك ، وهذا ما يعنيه القلق. أن يوجد دوما الكثير من المستقبل أمامنا كي نُخِيفَ، قليلٌ جدّا كي نُطَمْئِنَ ونُوَاِسي. حقيقةُ القلقِ: الزّمَنَ هو هذه الفتحة على المستقبل، أو أنّه لا شيء. ما الذي يجعلنا لا نملك إلاّ الاختيار بين القلق والأبدية، أو لعلّه  بالأحرى ليس اختيارا بل هما قطبي الحياة. وليس من المؤكّد أنّهما يتنافران. كل شيء أبديّ، بلا شكّ، بما أنّ كلّ شيء حاضرٌ؛ و لكن لا شيء نهائيٌّ سوى الموتُ.

       تُروى هذه الحكاية في الشرق، لكني لا عرف ما إذا كانت بوذية الأصل أو طاويةtaoiste. يحكى أنّ راهبا كان يمشي في الغابة، غارقا في التفكير مهموما. إنّه راهب عادي، ولم يكن حكيما أو متحرّرا حيّا: لم يعرف الصحوة، ولم يُقْذَف النّور في قلبه. فلماذا هو مهموم؟ لأنّه قد علم أنّ معلّمه – الذي كان حكيما، متحرّرا حيّا، متيقّظا-، إذن، قد مات، وليس هذا بالأمر الخطير، مقتولا بضربات عصا للصوص، وهو ما ليس بالأمر الخطير أيضا. ليس من حاجة لأحد أن يكون حكيما حتّى يفهم أنّه يجب أن نموت يوما ما، وأنّ السبب غير مهمّ بالمرّة، وأنّه ليس إلاّ اللّاثبات والفراغ. كلّ راهب أيّ كان، يعرف هذا . لماذا إذن هذا الجبين المقطّب همّا، وهذا الارتباك وهذا الانشغال الغامض؟ لأنّ شاهدا على الجريمة، قد نقل لراهبنا هذا أنّ الحكيم صرخ بقوّة تحت تأثير ضربات العصا. وهذا هو ما حيّر الراهب. كيف لمتحرّر حيّ ، متيقّظ ، وبوذيّ أن يصرخ بقوّة  بسبب بعض ضربات عصا غير ثابتة وفارغة؟ لِمَ تصلح الحكمة إذن، إن لم تكن لنصرخ مثل أوّل قادم جاهل؟ وتبعا لهذا التأمل، لم يُرَ راهبنا يوما يقترب من عصابةِ لصوصٍ، حتّى هاجمته يوما فجأة وكسّرت عظامه بضربات عصا. وكان هذا الراهب يصرخ بقوّة تحت تأثير هذه الضربات . وبصياحه أضاء قلبه نورا.

   ما العِبرة التي استخلصها من هذه الحكاية؟ عِبَرا كثيرة منها هذه، أنّ الألم والقلق جزء من الواقع. وأنّهما جزء من الخلاص. وأنّهما أَبَدِيَان وحقيقيّان تماما كالبقيّة. وأنّ الحكمة في الرضى بالواقع، لا في إنكاره. لا شيء أكثر طبيعية من أن نصيح حينما نألم؟ و لا شيء أكثر حكمة ، من أن نقبل، حينما نكون قلقين؟ يقول ناقارجونا: Nagarjuna”طالما أنّك تفرّق بين “السامسارا”samsara والنيرفانا nirvana ، فأنت في السامسارا”. وطالما أنّك تفرّق بين حياتك البائسة والخلاص ، فأنت في حياتك البائسة.

  لا أعلم إن كان حقيقيّا أنّ كلّ قلقٍ هو موتٌ، مثلما اعتقدت ذلك أحيانا؛ لكن، كيف لنا أن نفلت من القلق، إذا كانت كلّ حياة فانية؟

  ولا إذا ما كان كلّ قلق يكشف عن العدم، مثلما يريده هيدجر، فَعَلَاَم تنفصل عرضية أو غرابة الكائن( لماذا يوجد شيء ما بدل لا شيء؟)عنّا بوصفنا كائنات هكذا. لكن، كيف لكلّ كائن، بوصفه عرضيا، أن يفلت من القلق والغرابة؟

   لماذا شيئا مَا بدل لا شيء؟ لماذا هَذَا بدل شيء آخر؟ أنا ، بدل آخر؟ أنْ نحيا ، بدل أنْ نموت؟  هكذا بدل نَحْوٍ آخر؟ لو أَنْسَتْنَا كلّ أدوية العالم هذه الأسئلة ، فلن تلغيها – ناهيك عن الإجابة عنها.

    ما الصحّة النّفسية؟ ربّما هي القدرة على مجابهة الواقع والحقيقيّ دون أن نفقد كلّ قوة، كلّ فرح، كلّ حريّة. حيثما يوجد مكان للقلق، وذاك ما يميّز الصحّة عن الحكمة. ذلك أن الحكيم (“من حيث هو حكيم” كما يقول سبينوزا، ومن المؤكّد أن لا أحد قد أحاط بالحكمة كاملة)، الحكيم إذن، متحرّر من القلق، دون شكّ، ولكن مع ذلك متحرّر من ذاته فحسب.

   ما من أحد لإنقاذه، وذاك هو الخلاص بالذات. ما من ذات: ما من احتكام للموت أو القلق. ميرفانا : انقضاء. ولكن لأنّه لم يوجد إلاّ النور. أن نموت لذاتنا؟ إذا أردنا. ولكن ، أن نولد أخيرا، أن نحيا أخيرا بدل أن نتظاهر بذلك.

            André Comte-Sponville

dans, Impromptus. sous la direction de Comte-Sponville André. Paris cedex 14, Presses Universitaires de France, « Perspectives critiques », 1996, p. 9-24. URL : https://www.cairn.info/impromptus–9782130477808-page-9.htm

****

أندريه كونت سبونفيل: روحانية من دون إله

22 ديسمبر 2020 ترجمةفلاسفةمجلات 0

يوسف اسحيردة ترجمة يوسف اسحيردة كَتب أندريه كانت سبونفيل في كتابه “روح الالحاد” واصفا فقدانه للايمان حين كان مراهقا، بأنه كان “تَحَررا”. غير أن إلحاده، وبخلاف الكثيرين، لم يمنعه من التشبع بالأناجيل وتعاليم المسيح، بنفس الطريقة التي تشبع بها بفلسفة سبينوزا. وهذا ما جعله ربما الأقدار من غيره من الفلاسفة …أكمل القراءة »

أندريه كونت سبونفيل: الغيرة

27 نوفمبر 2020 ترجمةكتبمفاهيم 0

ترجمة: بنتابت طارق – لابد أن نميز بداية الغيرة عن الحسد، وهو أمر ليس هينا على الإطلاق، وربما غير ممكن مطلقا.غالبا الكلمتان ما تكونان قابلتين للتعاوض والتبادل: فنحن يمكن أن نكون حسودين أو غيورين إزاء نجاحات صديق؛ والحذق هو من يقدر على ان يميز بين الإثنين، لكن عندما يتعلق الأمر …أكمل القراءة »

أندريه كونت سبونفيل: مفهوم المعرفة

24 سبتمبر 2020 ترجمةمجلاتمفاهيم 0

ترجمة: حسن بيقي  “تعجز العيون عن معرفة طبيعة الأشياء” لوكريس أن يعرف المرء، معناه أن يفكر فيما هو كائن: المعرفة هي رابطة ما- من التطابق والتشابه والتكافؤ- بين العقل والعالم، بين الذات والموضوع. هكذا، تتم معرفتنا بالأصدقاء، بالحي، بالمسكن، لأن ما يقطن في عقلنا، حينما نفكر في هذه الأمور، يطابق …أكمل القراءة »

حوار بين أندريه كونت سبونفيل وفرانسيس وولف: هل نختار الصحة بديلا عن الحرية؟

8 سبتمبر 2020 ترجمةفلاسفةمجلات 0

ترجمة: صالح محفوظي ( باحث جامعي من تونس ) صالح محفوظي تقديم: كشفت التدابير التي اتخذتها دول العالم لمواجهة فيروس كوفيد 19 عن مواقف متباينة، خاصة في الخيار الذي طرح بين ” مناعة القطيع ” و ” الإغلاق العام “، والواضح أن هذه المواقف في اختلافها قد استندت إلى مرجعيات …أكمل القراءة »

أندريه كونت سبونفيل: أفضل أن أصاب بكوفيد-19 في بلد حر على أن أنجو منه في دولة شمولية

11 يونيو 2020 ترجمةفلاسفةمجلات 0

مرسلي لعرج مرسلي لعرج قسم علوم الاعلام والاتصال، جامعة وهران 1 أحمد بن بلة، الجزائر يقدم الفيلسوف أندريه كومت-سبونفيل انطباعاته عن الأزمة الصحية الحالية والتمرد والهجمات على الصحيح سياسياً. شخصية محورية في الفكر الفرنسي المعاصر، أندريه كومت-سبونفيل جعل الفلسفة شعبية. مؤلف لما يقرب من عشرين كتابًا، نشر بشكل خاص “المعاهدة …أكمل القراءة »

أندريه كونت ـ سبونفيل: باسكالي ملحد، ماعدا الإله

11 نوفمبر 2020 ترجمةجرائدفلاسفة 0

أجرى الحوار : سيفن أورتوليه ترجمة : الحسن علاج ” باسكالي ملحد ” ، يحيي المفكر أندريه كومت سبونفيل(André Comte – Sponville)  في مؤلف خواطر  كونه مفكرا تراجيديا . فلدى هذا الفيلسوف بضمير المتكلم في كتابات يخترقها الوميض ، يستحسن الوضوح السياسي ، الاستبصار السيكولوجي ، والوضوح الجذري والمحرّر ” …أكمل القراءة »

أندريه كونت ـــ سبونفيل: حدود البيوإتيقا

9 مارس 2020 ترجمةفلاسفةمقالات 0

محمد جديدي / الجزائر ترجمة؛ محمد جديدي ما هي البيوإتيقا ؟ إنها الإتيقا التي لا تطبق بالتأكيد على الحي (وإلا كانت الإتيقا ذاتها) إنما على المشكلات التي طرحها التقدم في علوم وتقنيات الحياة والصحة. لن نبالغ في التأكيد بأن البيوإتيقا ليست جزءا من البيولوجيا ؛ بل هي جزء من الإتيقا، …أكمل القراءة »

أوندريه كانت سبونفيل: ارتكاب الشر باسم الخير(1)

10 مايو 2021 ترجمةمجلاتمفاهيم 0

يوسف اسحيردة ترجمة يوسف اسحيردة قصة الذبح المُقرر لإسحاق في سفر التكوين، هي من بين أكثر النصوص رعبا في التوراة الذي لا يفتقد إلى مثل هذه الأشياء . أعرف جيدا أن الإله سيعترض على الأمر في نهاية المطاف مُستبدلا الطفل بكبش. ومع ذلك فإبراهيم كان قد شرع في تهيئة حطب …أكمل القراءة »

أندريه كانت سبونفيل في مواجهة فرونسيه وُلف: هل نُفضِّلُ الصحة على الحرية؟

2 أبريل 2021 ترجمةحواراتفلاسفة 0

يوسف اسحيردة ترجمة يوسف اسحيردة في نظر أندريه كانت سبونفيل، جائحة كوفيد-19 هي أقل سُوءا مما نظن، في حين أن الحجر يُشكل تهديدا للاقتصاد والحريات. أمَّا فرونسيه وُلف فيُدافع عن المِثال الإنساني، الذي يعتبره أساس التفاعل العام الذي مَيَّز مواجهة هذه المِحْنَة. مُقتطف من نقاش مهم سيظهر في العدد القادم …أكمل القراءة »

بيرثو أندريه ميشال: قتــــل الأب في الأدب

5 مارس 2021 أخرىترجمةدراسات وأبحاثمقالات 0

عناصر لدراسة الشخصية الروائية ترجمة : الحسن علاج  ترافع المحامي عن الجنون . كيف يمكن تفسير هذه الجريمة الغريبة بوجه مغاير ؟ موباسان ، قتل الأب لقد جعل فرويد في دراسته الموسومة ب” دوستويفسكي وقتل الأب “ (1928) ، من اغتيال الأب موضوعة أساسية ومتكررة لثلاث روائع أدبية في كل …

شاهد أيضاً

سورن كيركغارد: القلق وأطوار الوجود

مشير باسيل عون مشير باسيل عون يصعب على المرء أن يستوعب قلق الفيلسوف الدانماركي سورن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *