Warning: include_once(analyticstracking.php): failed to open stream: No such file or directory in /home/couuacom/public_html/wp-content/themes/sahifa/header.php on line 31

Warning: include_once(): Failed opening 'analyticstracking.php' for inclusion (include_path='.:/opt/cpanel/ea-php73/root/usr/share/pear') in /home/couuacom/public_html/wp-content/themes/sahifa/header.php on line 31
الرئيسية / منتخبات / عامة / جورج لوكاتش ومارتن هايدغر: لغز الحوار الصامت

جورج لوكاتش ومارتن هايدغر: لغز الحوار الصامت

فريد لمريني

أستاذ باحث-شعبة الفلسفة- الكلية المتعددة التخصصات بالناظور- جامعة محمد الأول

فريد لمريني

– تقديم

– عادة ما تكون حوارات الفلاسفة فيما بينهم، خاصة حين يكونون معاصرين لبعضهم البعض، متسمة بالكثير من الغموض، بحيث يدور هذا الحديث المفترض بينهم في كثير من الأحيان، أو ذلك الذي يحدسه بعد مجهود نظري كبير، مؤرخو الفلسفة، ذا طبيعة باردة ومتقطعة، بل ربما مرتجلة وعارضة، بحيث لا يمكننا أحيانا أن نميز أو نتعرف بتدقيق على المعني بالأمر بإشارات ما، ضمنية كانت أم صريحة، أقصد أن نعرف بوضوح من هو الفيلسوف المخاطب بكلام معين، أو بفقرة من الفقرات الشاردة في نص من النصوص أو كتاب من الكتب، بل أحيانا في هامش صغير من الهوامش والحواشي العرضية.

هنا بالتحديد، تقع في الفلسفة تبادلات نظرية و مفاهيمية لا حصر لها بين الفلاسفة، ولا يكاد يشعر بها أحد إلا لماما.وقد تكون هذه الحوارات التي تجري على هذا المستوى ”بطريقة سرية في الخفاء” نقطة تحول كبير في تاريخ الفلسفة بالذات، بحيث قد تكون نتيجتها، على المدى القصير أو المتوسط أو الطويل، ميلاد تصورات جديدة أو خلخلة مفاهيم سابقة، أو حتى ميلاد مدارس فلسفية جديدة..  

في هذا السياق الحساس من العلاقات بين الفلاسفة، توجد حالة الفيلسوف الهنغاري جورج لوكاتش( 1885-1971) والألماني مارتن هايدغر (1989-1976)، بحيث أن بعض الباحثين وبعض مؤرخي الفلسفة اكتشفوا خيوطا نظرية ناظمة بين فلسفة لوكاتش الشاب، خاصة اهتماماته الجمالية والأدبية في العشرية الأولى للقرن العشرين، ووجودية هايدغر في عشرينيات نفس القرن، تلك التي نحتها نظريا في كتابه التأسيسي:” الوجود والزمان” (1927)، بل حتى في تلك المحاضرات التي قدمها في جامعة ماربورغ من 1923 إلى 1927.[1]وقد ناقش هايدغر في هذه المحاضرات، بإسهاب واضح (دون الحديث عن لوكاتش)، ذلك المفهوم الذي كان قد ظهر بشكل جنيني عند هذا الأخير، وهو مفهوم” الرؤية للعالم”.

فهل كانت جماليات لوكاتش الشاب فعلا، قبل ماركسيته، بطريقة أو بأخرى، مقدمة تأسيسية حقيقية لجملة التوجهات الانطولوجية التي نظر لها هايدغر منذ عشرينيات القرن العشرين، من حيث كانت إعلانا قويا لظهور الفلسفة الوجودية.؟ وما الطبيعة الحقيقية لهذه العلاقات الخفية بين لوكاتش و هايدغر  ؟

هل كانت جماليات لوكاتش الشاب فعلا تأسيسية لمنظور فلسفي جديد سمي بالمدرسة الوجودية، رغم أن هذا الأخير وبعد إصداره اللاحق لكتابه التأسيسي:” التاريخ والوعي الطبقي (1923)، سيتحول إلى أحد الأسماء الفلسفية البارزة للفلسفة الماركسية في القرن العشرين، وقد دخل في مراحل لاحقة في مناقشات نظرية ساخنة ضد الوجودية وفلاسفتها الكبار، دون أن ننسى السجال القوي ضدها فيما بعد ؟

– هل كان ”الوجود والزمان” تأصيلا وجوديا شموليا لنص ”ميتافيزيقا التراجيديا”؟

يعتبر غولدمان أن كتاب:” النفس والأشكال ” (1911)،وخاصة ذلك الفصل المعنون : ” ميتافيزيقا التراجيديا “، يمثل إلى حد كبير، المحاولة الفلسفية الريادية التي استطاعت أن تضع الدعائم النظرية التأسيسية للفلسفة الوجودية[2]، بل أننا نجد روشليتز بدوره، في حديثه عن فلسفة لوكاتش وفلسفة هايدغر، يذهب إلى حد الاعتقاد بأن هايدغر Heidegger: ” يعتبر من المفكرين النادرين الذين أدركوا العمق الحقيقي للنصوص اللوكاتشية “. [3].

 من الأكيد أن العلاقة الفلسفية بين لوكاتش و هايدغر، يكتنفها الكثير من الغموض، رغم ما قد نلاحظه من أوجه التشابه بين هاذين الفيلسوفين. فحتى إن اعتبرنا تدقيقات غولدمان، ملاحظات مشروعة ومثبتة، من زاوية تاريخية، وهذا أمر لا شك فيه، على الأقل، باعتبار ” ‘النفس والأشكال” للوكاتش صدرت عام 1911، وأن ” الوجود والزمان ” لهايدغر صدر في 1927،فان ذلك لا يلغي الاختلافات الجوهرية بين هذين الفيلسوفين، خاصة في المرحلة اللاحقة لتطورهما النظري. وإذا كان غولدمان بدوره قد أشار إلى هذه الاختلافات بوضوح، غير أن إلحاحه على وجود حوار صامت بين لوكاتش و هايدغر، جعله يقر بان هذه الاختلافات، إلى حد بعيد، ترجع لاختلاف في المفاهيم والمقولات الفلسفية التي يستعملها كل واحد على حدة، أكثر مما تعبر عن اختلاف في التوجه النظري العميق لكليهما في هذه الفترة.

 ويصر غولدمان على هذا التقارب ملحا على هذا الاتصال الخفي، قائلا : ” إذا كانت القرابة بين فكر لوكاتش وفكر هايدغر، لم تسجل من طرف مؤرخي الفلسفة، خلال أكثر من خمسين عاما، فذلك راجع من جهة لوجود اختلاف اصطلاحي جذري بينهما، ولأن أشياء متماثلة… قيلت بطريقة مختلفة إلى حد كبير. ” [4]

إن وجود القرابة النظرية بين لوكاتش و هايدغر أمر لا يمكن إنكاره في نهاية التحليل، غير أن ذلك، في اعتقادنا، لن يكون صحيحا سوى انطلاقا من جزء محدد من المتن الفلسفي اللوكاتشي، وهو ما يخص بالذات النصوص الفلسفية في مرحلة الشباب. فالتطور النظري اللاحق للوكاتش ومروره إلى الانخراط الكامل في النظرية الفلسفية الماركسية، لن يكون تعبيرا عن تغيير في المفاهيم الفلسفية المستعملة في مرحلة الشباب في حد ذاتها، بل أصلا تحويلا لمساراتها الفلسفية ومراجعة مستمرة لمعانيها ودلالاتها المعرفية والتاريخية.

لعل ما يجمع بين لوكاتش الشاب و هايدغر ليس قرابة نظرية ما، بل مجرد وحدة في الإشكالية الفلسفية. وهذا يعني بأن ما يجمع بين هذين الفيلسوفين ليس تماثل مواقف أو تحليلات فلسفية، بل فقط وحدة المناخ الفلسفي العام الذي نشأت فيه هذه المواقف وتمت فيه صياغة ملامحها الكبرى وبعض ميولها الفكرية.

 ما يقرب بين لوكاتش و هايدغر هو بالضبط وعيهما المشترك بأزمة الفلسفة في نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين، أي أزمة المثاليات الكبرى من جهة، وأزمة الفكر الماركسي التقليدي من جهة أخرى. ولعل المجهود النظري، ليس فقط عند هايدغر كمحاولة من اجل تأسيس مذهب فلسفي جديد على أنقاض الفلسفات الماضية، بل أيضا عند لوكاتش من حيث كان محاولة أصيلة من اجل تدشين مرحلة لا ميكانيكية من تاريخ الفكر الماركسي؛ لا يمكن أن يوضع في إطاره النظري الصحيح اذا نحن فهمناه خارج هذا السياق.

المشروع الفلسفي عند لوكاتش كما عند هايدغر مشروع أنطولوجي حاول تجاوز أزمة الفكر الفلسفي آنذاك. و أنطولوجية هايدغر بالذات، تعتبر نفسها مشروعا فلسفيا أصيلا و حصريا، من منطلق اعتقادها بأن تاریخ الفلسفة من أفلاطون إلى حدود نيتشه لا يعدو أن يكون تاریخا للفلسفة الأفلاطونية مقدمة لنا في أشكال فلسفية مختلفة. والفلسفة الوجودية عند هايدغر هي علم تاريخ الموجود انطلاقا من الموجود نفسه، كما أن تاريخ الموجود ليس تاریخ واقعه العيني، بل تاریخ سيرورته الذاتية، والكلية المقصودة هنا ليست كلية تاريخية كوحدة واقعية بين ذات وموضوع، بل وحدة الذات مع نفسها، أي بالضبط من حيث انسلاخها عما يسميه هايدغر بالوجود غير الأصيل Inauthentique

وإذا كان صحيحا، كما يذهب إلى ذلک غولدمان أيضا، أن: ” التمييز [اللوكاتشي] بين الحياة التي هي وعي حدود،،عزلة ورفض، والحياة التي على العكس من ذلك، وهم وضعف وقبول للواقع اليومي، مطابق بشدة للتمييز الهايدغري اللاحق بین الوجود الأصيل والوجود غير الأصيل “. [5] ، من زاوية تماثل الطابع التراجيدي للوعي الإنساني كرؤية حزينة ويائسة للعالم الامبريقي، فان ذلك لن يحجب عنا شكل الاختلاف القائم في مفهوم الرؤية للعالم نفسه،بين لوكاتش و هايدغر.

ففي الوقت الذي نجد فيه لوكاتش – كما سبق أن أوضحنا ذلك – يحدد مفهوم الرؤية للعالم انطلاقا من حمولته الانطولوجية، أي أنه يربط بشكل دائم بين مفهوم الشكل الفني من حيث هو وعي نموذجي،ومفهوم الفلسفة كمعرفة عميقة بأصول التعارض الأنطولوجي بين الأنا والعالم،بمعنى بين العالم الامبريقي وعالم القيم الأصيلة، نجد هايدغر بشكل مغاير تماما، وعلی العكس من ذلك، ينفي بشكل حاسم إمكانية تصور علاقة ما بين مفهوم الرؤية للعالم ومفهوم الفلسفة.

يميز هايدغر بين الفلسفة أي الفينومنولوجيا في نظره، والفلسفة كرؤية للعالم، فيقول: ” ليست الفلسفة من حيث ماهيتها، إعدادا لرؤية للعالم، رغم أنها قد تقيم بالضبط… علاقة ابتدائية ورئيسة مع كافة رؤى العالم الأخرى وتشكيلها ألوقائعي-التاريخي، غير النظري، Factuelle”[6]. وبما أن هايدغر يعتبر أن أية رؤية للعالم لا بد أن تكون مرتبطة بالضرورة بوضعية تاريخية محددة، مما يعني أنها تصدر: ” عن تصورات للعالم وتحديدات للوجود الإنساني، تكون بدورها متاحة لأي موجود بطريقة أكثر أو أقل وضوحا في كل مرة.و لذلك فهو يعتبر بأن “[7] تشكيل الرؤية للعالم : ” يسقط خارج دائرة الفلسفة ووظائفها “[8]. لأن موضوع الفلسفة في تقدير هايدغر بهذا المعنى،أشمل بكثير من ذلك، والفلسفة لا يمكن أن تكون مجرد رؤية تاريخية.

 التعارض بين موضوع الفلسفة وموضوع الرؤية للعالم،تعارض بين حقيقة الموجود من جهة، وحقيقة المعطى من جهة أخرى: ” إن الفلسفة، يقول هايدغر، هي التأويل النظري والمفهومي للموجود، لبنيته ولخصائصه. إنها أنطولوجية،في حين أن الرؤية للعالم معرفة تأكيدية Thétiqueللمعطى، موقف تأكيدي(حاسم) Thétique في علاقته بالمعطی،ولهذا فهو ليس أنطولوجيا، بل موجودیا  ontiquement “. [9]والموجود، في نظر هايدغر، لا يمكن أن يكون معطى، لأن: ” الموجود على خلاف المعطى، لا يمكن التوصل إليه مطلقا، ولن نجده بسهولة هناك إلى الأمام، ولكن… يجب أن يكون دائما محمولا في رؤية داخل مشروع حر. “[10]. والفلسفة أو الفينومنولوجيا عند هايدغر: ” هي العلم الترنسندنتالي النقدي للموجود. “[11] وأسئلتها المركزية تتحدد: ” في إشكالية التغييرات الممكنة( المحتملة) للموجود، ووحدة تعدده. “[12].

 أراد المشروع الفلسفي الهايدغري أن يكون مشروعا حرا أي تاريخا ما قبليا للموجود، غير أنه ينفي كل وظيفة تاريخية للفلسفة [13]. يقول هايدغر، في هذا السياق: ” هل الفلسفة كعلم للموجود هي علم اللاشيء ؟ يجب علينا أن نسلم بذلك دون أوهام ودون أن نتهرب من هذا، منذ منطلق اعتباراتنا. ففي إطار الموجود، لا يمكنني، في المقام الأول، أن أتمثل شيئا “. [14] بل أن هايدغر ينبهنا، علاوة على ذلك، إلى مخاطر الحديث عن منظور ما للوجود الإنساني: ” يجب أن نكون حذرين في كل المرات التي يستدعى فيها الحس المشترك كنداء أخیر في الفلسفة. “[15]

هكذا إذن، يتبين لنا أن وجودية هايدغر، تنفي بشكل عام كل إمكانية للحديث عن منظور ما ومعنى ما للمعرفة عند الإنسان، فتتحول المعرفة بالضرورة،إلى تأسيس ميتافيزيقي محض للواقع التاريخي العيني ( المعطى).

– لوكاتش و هايدغر:في اختلاف النظر إلى الفلسفة

لعل أهم ما يميز لوكاتش عن هايدغر في اعتقادنا، هو بالضبط ما يميز بين فلسفة ترى أن تاريخ الموجود هو تاريخ الكلية الفلسفية ذات المنظور الواحد، وفلسفة أخرى تعتبر بدورها هذا التاريخ كلية فلسفية ولكن غير ذات منظور محدد أو واضح. أعتقد أن هذا التفارق الفلسفي في هذا الإطار، لأن حديث لوكاتش عن كلية ذات منظور واحد، ليس فقط يبين لنا ما يميز مشروعه الفلسفي عن مشروع هايدغر، بل علاوة على ذلك، يسمح لنا بتفسير كثير من المواقف الفلسفية عند لوكاتش حيث سيصبح فيلسوفا ماركسيا فيما بعد. وبغض النظر عن النقاشات النظرية اللاحقة للوكاتش مع الفلسفة الوجودية،والتي ستكون في غالبيتها ذات طابع جدالي وسجالي محض[16] ،فان الحديث عن اختلاف الموقف الفلسفي بين لوكاتش و هايدغر ليس غير ذي قيمة منهجية في هذا الصدد.

 لا شك أن حضور، بل هيمنة الميول التراجيدية لفلسفة لوكاتش الشاب أمر بين ولا يمكن إغفاله في سياق هذه المقارنة الفلسفية ، وهو في هذه النقطة يلتقي أو يقترب من التوجه المغترب واليائس للموجود عند هایدغر. غير أن ما يميز المواقف الفلسفية للوكاتش هو تضمنها للحظة اليأس ولحظة الأمل في وقت واحد. ” فالنفس والأشكال” مثلا كعمل فلسفي ينتمي إلى نفس المناخ الفكري ،وبالرغم من أنه لم يحمل أية آفاق ومنظورات فلسفية حقيقية لاشكاليته النظرية، ليس فقط حامل رؤية تراجيدية للعالم، بل أيضا رؤية تغلب عليها بعض ملامح الانتظارية والأمل. ومفهوم الشكل عند لوكاتش هو الرواية النموذجية والمصب الفلسفي الذي يستجمع ويوازي بين هاتين اللحظتين المتناقضتين: ” إن العلاقة مع تشكيل ما  une composition، مع شيء مشكل، واضحة ومتلاحمة بالتمام، رغم أنها( علاقة) غامضة ومفسرة بصعوبة: إنها الإحساس بالفهم الكبير. إحساس بالاقتراب والابتعاد في نفس الآن، عبور عميق إلى الوحدة، رغم أن الأمر يتعلق بثنائية ( ازدواجية) أبدية و بالتالي، فهي وضعية أبدية: إنها حالة أمل. ” [17]

 لقد رأينا سابقا، كيف أن هايدغر ينفي نفيا قاطعا أن تكون علاقة الفلسفة بتاريخ الموجود، من نفس نمط علاقة الرؤية للعالم بتاريخ الإنسان، بحيث أن تاريخ الموجود هو تاریخ غير ذي منظور معين. لوكاتش على خلاف ذلك، يعتقد أن تاریخ الأشكال كرؤية للعالم، ليس فقط، حامل وعي محدود ينتمي إلى فترة تاريخية ما، بل كذلك، حامل ممكناته الوجودية المستقبلية، وحاملا لرغبة عميقة في إيجاد منظور مقبول ومفهوم للتاريخ: “انطلاقا من جهة ما، ليس هناك سوى طريق واحد يقود إلى القمة، ونظرا لهذا السبب فقط، فان الأشكال ضرورات طبيعية. سؤال ومن حوله الحياة، صمت ومن حوله، أمامه ووراءه، الهمس، الصخب الموسيقي، غناء الكل: هذا هو الشكل. “[18]. الوجود الإنساني وجود مغترب، فقط في الحالة التي يكون فيها وجودا فاقدا لمنظور (مناسب) لحركته، أي فقط حين لا يكون تجربة حياتية ترمز إلى شكل، أو تملك استعدادا روحيا( فنيا) للتحول إلى شكل من الأشكال……

 الشكل هو: ” الحكم الأعلى للحياة ” [19] لأنه يرمي إلى الدلالة العميقة لكل تجربة إنسانية معيشة: ” و/ بالتالي/،فهو يكتسب حياة خاصة عبر قوة هذه التجربة المعيشة، يصير تصورا للعالم، رأیا، موقنا من الحياة التي ولد فيها، إمكانية لتغييرها هي نفسها وخلقها من جديد. “[20]. الشكل إذن، رؤية نقدية للعالم لأن: ” اللحظة القدرية Destinal للنقدي،هي [ بالضبط] اللحظة حيث الأشياء تصير أشكالا. “[21]

يتعامل لوكاتش الشاب مع مفهوم الوعي، من حيث هو “وعي ممكن” ،بمعنى من حيث هو مشروط بمحدداته الزمنية والتاريخية، غير أنه كوعي بحمولة تاريخية ثقيلة، يستطيع  تخطي سقفه الزمني والمكاني. وهذا التجاوز لا يمكن القيام به سوى بحضور ميول نقدية داخل هذا الوعي، من حيث هو لحظة بحث عن منظور واقعي وملموس. فالقيمة الفلسفية للأشكال كوعي إنساني ممكن، لا تحدد بالنسبة للوكاتش، سوى انطلاقا من درجة حضور هذا العمق النقدي من حيث هو بحث عن منظور منسجم ووحيد لمختلف العناصر المكونة لهذا الوعي.

 يقول لوكاتش وهو يحاول تحليل الدلالة الفلسفية للشكل الروائی: « الرواية هي شكل المغامرة، أي تلك التي توافق القيمة الخاصة للباطني  interiorité، والمضمون فيها هو تاريخ هذه الروح التي تسير في العالم،لكي تتعلم كيف تتعرف على نفسها، تبحث عن مغامرات لكي تمتحن نفسها داخلها،ثم عبر هذا الاختبار،تظهر قدرتها وتكتشف ماهيتها الخاصة. “[22]

يتبين من خلال هذا التعريف اللوكاتشي لطبيعة الشكل الفني الروائي، أن الوعي الإنساني، سيرورة ذات منظور واحد في نهاية الأمر.

فالوعي بهذه الحمولة الباطنية العميقة،رغم أنه يسعى إلى البحث عن ” مغامرات ” في الخارج، بمعنى في الواقع العملي، ويفترض أنه یمارس من خلالها  ” تعدديته المرئية (الملموسة)”، لا يغفل في نهاية المطاف  عن مشروعه الماهوي الأصلي، بمعنى السير نحو الكشف عن ماهيته الخاصة؛ من خلال السير نحو هذا المنظور الوحيد، وبالتالي فالوعي يحاول التغلب على مجموعة من المنظورات التي قد تعاكس هذه الرغبة المنظورة والأحادية الجانب.

 إن الوعي بهذا المعنى، هو بالذات وعي تحقيق الكلية الفلسفية داخل الأشكال كرؤية للحياة ذات منظور مفترض أو مرتقب، بل ذات منظور حصري، وذلك على أساس أن: ” الرواية هي ملحمة زمان حيث الكلية المنبسطة للحياة لیست معطاة بطريقة مباشرة، زمان صارت فيه ملازمة المنظور للعالم، بالنسبة له، مشكلة، ولكنه زمان لم يتوقف عن السعي إلى الكلية. “[23]. هذا السعي الحثيث والمصر على تحقيق الكلية الفلسفية، وهذا الرفض الجذري لكل معرفة ” معطاة بطريقة مباشرة ( ميكانيكية) “، يبين لنا بكل وضوح مظاهر العلامات الجنينية للهيغيلية في فلسفة لوكاتش الشاب، فالمسار الفلسفي الذي تقطعه الفكرة الهيجيلية، و بالتالي تجاوز الوعي بشكل تدريجي لعالم الاغتراب و الاستلاب، من خلال انتقاله من عالم المباشر إلى عالم الكلية في نص” فينومينولوجيا الروح”، مطابق تماما للمسار الفلسفي الذي تمارسه الأشكال اللوكاتشية في انتقالها من معرفتها الهشة والمغتربة، إلى كليتها النهائية في نص ”النفس والأشكال”.

 الأشكال الفنية عند لوكاتش في تقديرنا، يوتوبيات( طوباويات) تاريخية، ترسخ لدينا فكرة وعي يريد أن ينتمي إلى الماضي والحاضر والمستقبل في آن واحد. فالأشكال من زاوية النظر هذه، تؤدي نفس الوظيفة المعرفية والوجودية التي تؤديها أشكال من  الوعي يسميها ارنست بلوخ ب: ” اليوتوبيات المجردة “، والتي هي قادرة على استيعاب الماضي وتكوين رؤية مستقبلية وتجديدية للحاضر، بل لمفهوم التاريخ نفسه..

إن القيمة الثقافية لعوالم الأشكال الروائية، تكمن في تقدير لوكاتش الشاب، في أفضيتها الجمالية، من حيث أن هذه الأخيرة ترمز لعوالم الذاكرة التاريخية، ففي: ”  الرواية فقط، وفي الأشكال الملحمية الأكثر قربا منها، تتدخل الذكرى الخلاقة والقادرة على فهم الموضوع وتحويله. ” [24]، فالذات لن تستطيع  أبدا  التغلب على الانفصال بين باطنيتها وبين العالم الخارجي: ” سوى إن اعتبرت الوحدة العضوية لحياتها الكاملة،ارتقاء تصاعديا لحاضرها الحي انطلاقا من ماض، ذكراه تعمل على تكثيف التدفق “. [25].

 ويتمكن النقد الفلسفي الحقيقي للأشكال الفنية، من هذا المنطلق، أن يطرح السؤال التالي: “في أي منظور يغادر [ الوعي ] واقعه الاجتماعي غير المكتمل، ولكن في نفس الوقت الباطل والمستنفذ، وفي أي منظور يكون باحثا عن إمبراطورية اليوتوبيا التي يواجهها به كواقع حقيقي، وكواقع معياري؟ “. [26]. فمسيرة الوعي  من حيث هو أشكال، مسيرة يوتوبية، لأن ارتقائية الحركة التصاعدية للوعي،تقتضي بالضرورة هذا الانسلاخ عن واقعه الاجتماعي، وهذا الواقع ک: ” مكان للاستلاب المطلق”[27]، هو ما يمنع هذه الرغبة اليوتوبية للذات، وبالتالي فهو  يشكل عائقا ابستيمولوجيا أنطولوجيا حقيقيا في وجه حرية الأشكال وانبثاقها ألوقائعي أولا الماهوي ثانيا.

 في هذه النقطة بالضبط، تكمن الأهمية المعرفية والجمالية للأشكال الفنية من حيث هي ذاكرة تاريخية: فالأشكال کوعي يوتوبي ناقد، تنبثق بحمولتها التاريخية، من قلب هذا الأصل التذكري الحاد. وهذا الطابع اليوتوبي للوعي، لا يتحقق ولا ينفلت من مرجعياته الوقائعية والمادية، سوى حين يتحول إلى ذاكرة قادرة على إنارة الطريق نحو المستقبل لهذه الحركة التصاعدية في التاريخ.

كتب هربرت ماركوز مدافعا عن الذاكرة الفنية كعمق جمالي متميز: ” إذا استطاع ( هذا الوعي) تذكر أشياء الماضي،(وبالتالي)، تمكن من أن يصير قوة محركة لهذا النضال من أجل تغيير العالم، ، فهو سيخدم ( لا محالة) ثورة كانت مضطهدة في الثورات التاريخية المعروفة إلى حد الآن. “[28]

إن الأشكال عند لوکاتش هي ما يؤسس كل تصور ثقافي نقدي للواقع وللعالم. وهي ثقافة نقدية لأنها التعبير الأرقى عن حاجيات وتطلعات الإنسان في المجتمع الحديث. تعبير عن رفض ومناهضة كل أشكال الاغتراب الاجتماعي بصفة عامة. ولئن كانت الجماليات اللوكاتشية مرافعة فلسفية جريئة ، فهي تلح في نفس الوقت على ضرورة امتلاك التراث الثقافي امتلاكا نقديا،كخطوة أولية في كل مشروع ثقافي وفني حقيقي وجذري. و هذه المرافعة تقدم لنا منذ الآن بشكل استباقي انفعالي هش، ملامح كل التصورات الفلسفية والثقافية التي سعت آنذاك إلى الاحتجاج على المجتمع الصناعي المعاصر، وبالتالي محاولة تخليص الإنسان من كل الآثار السلبية لظاهرة الاستلاب على الحياة المعاصرة.

********

 ورغم ما يمكن أن يقال عن الطابع الميتافيزيقي[29] لكتابات الشباب اللوكاتشية، ومثاليتها الأخلاقية الواضحة[30]، فإن ذلك لن يحجب عنا طابعها النقدي ودور هذا العمق النقدي في تشكل فلسفة لوكاتش اللاحقة،تلك التي ستساهم إلى حد كبير في ديناميكية النقاشات الفلسفية الأوروبية في القرن العشرين بالكامل. ومن هذا المنطلق فان القرابة النظرية بين لوكاتش الشاب و هايدغر الشاب بدوره، كانت قائمة كحوار فلسفي ضمني وغير مصرح به، رغم افتراق المسارات الفلسفية اللاحقة لكليهما…..وهذه في نهاية التحليل، حالة من حالات كثيرة يتبادل فيها الفلاسفة علاقات نظرية خفية، لاعتبارات مختلفة تخصهم وتدخل في نطاق أسلوبهم الفلسفي الخاص جدا……


[1] – Martin Heidegger, Problèmes fondamentaux de la phénoménologie, trad. Jean François Courtine, Gallimard, Paris, 1985.

[2]لقد استطاع هايدغر في ”الوجود والزمان”، يلاحظ غولدمان: “أن يدشن الفلسفة الوجودية كفلسفة للحدود، غير أن لوكاتش كان قد لخص من قبل فكر الحدود هذا ،في أحد نصوصه الأولى وهو ميتافيزيقا التراجيديا “.:

-Goldmann , Lukacs et Heidegger, Denoel/ Gonthier,Paris,1973 , p. 113.

[3] R. Rochlitz, ” Lukacs et Heidegger: suite d’un débat”«, In L’Homme et la société ; Janvier / Juin n ° 43 – 44. p. 93.

[4]Goldmann, Op cit, p. 69.

[5]L. Goldmann, Introduction aux premiers écrits de Lukács, in Georges Lukacs, La théorie du roman, trad. J.Clairevoye, Denoel/ Gonthier, Paris, 1963, p. 166

[6]Martin. Heidegger, les problèmes fondamentaux de la phénoménologie (1923 – 1944), Cours de Marbourg, trad. J. F Courtine, Gallimard, Paris 1985, p. 27

[7]Heidegger, op cit, p. 22.

[8]Ibid, p. 29.

[9] Ibid, p. 29.

[10] Ibid, p. 40.

[11] Ibid. p. 35.

[12]Ibid., p. 36.

[13]M. Heidegger, Le principe de raison, trad. , A. Préau , Gallimard , Paris , 1962 , p. 161.

“” إن الحديث عن ” تاريخ الموجود ” لا معنى له، إلا إذا فكرنا التاريخ انطلاقا من الإعفاء من حيث يعني انسحابا، وليس بالمعنى المعاكس كما تعودنا أن نفعل ذلك، أي حين نتمثل المصير، انطلاقا من التاريخ كصيرورة، وكتسلسل متتابع للإحداث. “

[14]Heidegger , Problèmes fondamentaux , p. 31

[15]Ibid , p. p. 31 – 32

[16]جورج لوكاتش، تحطيم العقل، ترجمة الياس مرقص، دار الحقيقة، بيروت 1982، ص. ص 77. 102

– Existentialisme ou marxisme,, Nagel, Paris 1948.

[17]L’Ame et les formes, trad. Guy Haarcher, Gallimard, Paris, 1974, p. 155

[18] Ibid., p. 188.

[19] Ibid., p. 273.

[20]L’Ame et les formes, P. 21

[21]Ibid., p. 21.

[22]La Théorie du roman, p. 85

[23]La Théorie du roman, p. 49

[24]La Théorie du roman. p. 126

[25]Ibid., p. 127

[26]G. Lukács, Littérature, philosophie, marxisme, Essais réunis par M. Löwy, trad. J. M. Brohm et A. Streif,  P. U. F, Paris 1978, P. 81.

[27]Théodore Adorno et Max Horkheimer, La dialectique de la raison, trad. E. Kofholz, Gallimard, Paris 1974, p. 189

[28]Herbert. Marcuse, la dimension esthétique : Pour une critique de l’esthétique marxiste trad. Didier Coste, Seuil Paris1979, p. 83

[29]Georges Lichtheim, G. Lukacs, trad. Sylvie Dreyfus, Seghers, Paris 1971, p. 150.

” استطيقا هيجل، وبالنتيجة نظرية الفن عند لوكاتش في حدود بقائه هيجيليا، ميتافيزيقا من البداية إلى النهاية “

[30]G. Lukacs ” Idéalisme conservateur et idéalisme progressiste”, In, Michael Löwy, Contribution à une sociologie des intellectuels révolutionnaires : L’évolution politique de Lukacs (1909-1929) PUF, Paris 1976, p. 306

” إن المثالية الأخلاقية ثورة دائمة ضد الموجود كموجود، ومن حيث هو شيء لا يتوصل إلى مثاله الأخلاقي، وباعتباره ثورة دائمة فهو( هذا الموجود) قادر على تحديد وتصحیح توجه ومسيرة التقدم الحقيقي، ذاك الذي لن يتوصل أبدا إلى نقطة توازنه. “

شاهد أيضاً

حين وقع هيجل في الحب

ترجمة: مصطفى حداد “شق هيجل طريقه في الفكر، كباقي أغلب مفكري جيله، تحت عباءة كانط. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *