Warning: include_once(analyticstracking.php): failed to open stream: No such file or directory in /home/couuacom/public_html/wp-content/themes/sahifa/header.php on line 31

Warning: include_once(): Failed opening 'analyticstracking.php' for inclusion (include_path='.:/opt/cpanel/ea-php73/root/usr/share/pear') in /home/couuacom/public_html/wp-content/themes/sahifa/header.php on line 31
الرئيسية / منتخبات / عامة / جابريل مارسيل .. الآخرون هم النعيم

جابريل مارسيل .. الآخرون هم النعيم

علي حسين

ارتبطت الوجودية بالمقهي ، فعندما نسمع كلمة وجودية نتذكّر دوماً صورة جان بول سارتر والى جانبه تجلس سيمون دي بوفوار وهما يخوضان في حوار حول الوجود والقلق والموت والحياة . في مقهى الفلور سيثير منظر سارتر واصحابه ، انتباه الزبائن الذين يحدقون اليهما ويتهامسون . في تلك السنوات استطاعت الوجودية ان تجتذب الشباب الذين سيطلقون على انفسهم ” وجوديون ” ، وقد اصابت الوجودية وترا حساسا عند الفرنسيين ، انها مرحلة ما بعد الحرب فقد اكتشف القراء ان فلاسفة الوجودية بستخدمون المسرح والرواية للفت الانظار إلى الكوارث التي تحيط بالعالم .

كان معظم الوجوديين يؤيدون الخروج إلى العالم والاختلاط بالناس ، بدلاً من أن يكونوا جالسين بمفردهم في غرفة او مكتب ، حتى ان سارة بيكول مؤلفة الكتاب الشهير ” مقهى الوجودية ” – ترجمه للعربية حسام نايل – تخبرنا ان الوجودية الفرنسية نشأت في مقهى اسمه ” بيك دو جاز ” في شارع مونبارناس بباريس ، وكان ذلك عام 1933 عندما جلس ثلاثة فلاسفة شبان يثرثرون عن آخر الكتب التي صدرت عن الفلسفة وستصف لنا سيمون دي بوفوار في كتابها ” انا وسارتر والحياة ” – ترجمته عائدة مطرجي – هذا المشهد عندما كانت تجلس في المقهى بكامل اناقتها بصحبة شاب تحبه عمره سبعة وعشرين عاما ، لم يكن يهتم بملبسه ، يجلس منحني الظهر ، عيناه كأنهما تنظران إلى شيء مجهول ، كان هذا الشاب جان بول سارتر ، الذي تميز بالمرح والجدية ، يعشق تناول الطعام في المقهى ، يريد ان يكتب في كل شيء ، فلسفة ، مسرح ، روايات ، مقالات صحيفية ، حتى ان بول جونسون يصفه في كتابه ” المثقفون ” – ترجمة طلعت الشايب – بأنه ” شاحنة تركن في كل مكان محدثة جلبة ضخمة ” وكان يجلس الى جوارهما صديق سارتر ايام الدراسة ” ريمون آرون” الذي تخرج من مدرسة المعلمين العالية وكان الاول على دورته التي كان من ضمن طلبتها جان بول سارتر . كان آرون يقضي فترة الاجازة في باريس ، حيث يدرس في برلين ، في تلك الجلسة حدثهم عن فلسفة جديدة اسمها ” الظاهراتية ” رائدها الفيلسوف الالماني ” ادموند هوسرل” الذي طالب بان يترك الفلاسفة النظريات المجردة ، وان يذهبوا الى الحياة مباشرة .

قال آرون لسارتر :” اذا كنت ظاهراتياً ( فينومولوجياً ) ، تستطيع الحديث عن كوكتيل المشمش هذا ، وتنشيء منه فلسفة ” .

في مذكراتها تصف سيمون دي بوفوار هذه اللحظة فقد تغير وجه سارتر حين سمع بهذه الفلسفة .. وسيترك المقهى ليذهب الى مكتبة قريبة يطلب من البائع ان يعطيه كل كتب ادموند هوسرل ، وعندما لم يجد هذه المؤلفات اخبره صاحب المكتبة بان لديه كتاب بعنوان ” نظرية الحدس عند هوسرل ” كتبه احد تلامذة هوسرل ” إيمانويل ليفيناس ” ، وتخبرنا دي بوفوار ان سارتر بدأ بقراءة كتاب ليفيناس وهو يسير في الشارع . سيعمل سارتر باقتراح آرون ويسافر الى برلين ليدرس هوسرل عن قرب ، وبعد ثلاث سنوات ينشر كتاب عن الفلسفة الالمانية بعنوان ” ابحاث فلسفية ” لم يجد صدى عن قراء الفلسفة مما اصابه بالاحباط ، في تلك السنوات كان هناك فيلسوف فرنسي ينظر الى الوجودية نظرة مغايرة ترتبط بالوجود الفردي أولاً وقبل كل شيء . كان يكبر سارتر بستة عشر عاما ، متاثر بالفلسفة الالمانية ، ويعتبر نفسه تلميذا لهنري برجسون حيث اهدى اليه كتابه ” يوميات ميتافيزيقية ” ، هذا الفيلسوف هو جابريل مارسيل اول من نبّه إلى أهمية كيركغارد كأب للوجودية، وأول من أطلق كلمة وجودي على كتابات جان بول سارتر، واول من رفض ان توضع كتاباته تحت يافطة الوجودية

ولد جبريل مارسيل قبل سارتر بستة عشر عاما –ولد مارسيل في السابع من كانون الاول عام 1889، وولد سارتر عام 1905- وتوفي قبل سارتر بسبع سنين -توفي مارسيل في الثامن من تشرين الاول عام 1973، وتوفي سارتر عام 1980- وعندما مات جابريل مارسيل لم يخرج في وداعه سوى العشرات، لكن خبر وفاة سارتر شغل وسائل الإعلام التي خرجت بعبارة واحدة “لن يموت سارتر”. وكيف يموت وكتبه تتصدر المبيعات، وما يُكتب عنه كل عام عشرات الكتب.

عاش جابريلل مارسيل حياة مرفهة، فهو ابن وحيد لعائلة ثرية، وعلى العكس من سارتر فقد ماتت أمه وهو صغير فيما فقد سارتر أباه وهو صغير أيضاً، وبسبب حرمانه من أمه كانت عائلته حريصة على أن تضع مراقبة شديدة عليه تقوم بها عدد من المربيات. ويخبرنا في يومياته أنه كان يهرب من هذه المراقبة المشددة، لقراءة المسرحيات التي كانت تمتلئ بها مكتبة والده ، في شبابه سيخوض تجربة مريرة أخرى عندما تم تجنيده في الحرب العالمية الأولى، وكانت مهمته حصر أسماء القتلى والمفقودين، وفي المعسكر كان يتلقى مئات الرسائل من عوائل المفقودين إلى ذويهم، وقد رأى من خلال هذه الرسائل كيف يتحول الموتى إلى ذكريات تشع بالحياة وقصص الحب والأمل. كانت مشكلة جابريل مارسيل هي تحوله من الشك إلى الإيمان. وكان طريقه في حل هذه المعضلة هو التحليل، بمعنى تحليل المشكلة الرئيسية إلى أكبر قدر ممكن من المشاكل الجزئية التي يمكن حلها بسهولة. وعندما ننجح في حل إحدى المشاكل التي تعترضنا تتحول هذه المشكلة إلى ظاهرة مُفسّرة، ومعنى هذا وبحسب رأي جابريل مارسيل أن لكل مشكلة حلاً يمكن التوصل إليه عن طريق الفكر والتجارب وحساب جزئيات المشكلة. ثم يأتي ليناقش موضوعة “اللغز” وهو عكس المشكلة لا يقبل التحليل ولا التقسيم ولا التجزئة، فحين يكون موقفنا من المشكلة موقفاً جماعياً، فإن موقفنا من اللغز موقف فردي، وهو يطلق عبارته الشهيرة “لغزي أنا، فكل فرد يواجه لغزه على انفراد. يواجهه بنفسه. اللغز موجود في داخلنا ونحن مستغرقون فيه ومستغرق فينا، وهو يضغط على وجودنا بوجوده”. وهو يقول إن من الخطأ أن ننظر إلى مسائل الحرية والشر والخير على أنها مشاكل، فهي ألغاز، ولهذا لا يمكن تفتيت الحرية أو تجزئتها، ولا يمكن فصلها عن حياتنا. وهناك حقيقة لا يمكن الهروب منها، وهي أننا أنفسنا الحرية التي نسعى إليها، بل إن هذه الحرية هي كل ما نسأل عنه. ومن ثم يُصر مارسيل على حذف السؤال التقليدي: هل نحن أحرار؟ ويستبدل به سؤالاً جديداً: كيف نستخدم حريتنا؟ وبهذا السؤال يُدخل مارسيل الحرية داخل مجال اللغز ويستبعدها من مجال المشكلات.

وقد أدى بحث مارسيل في موضوعة “المشكلة واللغز” إلى أن يتميز تمييزاً واضحاً بين أقطاب الفلسفة الوجودية، فهو يرى أن الألغاز وحدها هي التي تهم الفلسفة، ولذلك فإن الفلسفة ينبغي أن تكون متعدية للموضوعية وشخصية ودرامية بل وتراجيدية.

إلى جانب ذلك، فإن موقف غابريل مارسيل مغرق في رفض إقامة نظام فلسفي متكامل مثلما حاول سارتر، مما ينتج عنه أن فلسفته تبدو صعبة جداً، ولهذا نادراً ما نجد أحداً من الباحثين يقترب من فلسفته ، ورغم أنّه هو أول الفلاسفة الوجوديين من حيث الزمان، حيث ناقش، منذ عام 1914، عدداً من القضايا الوجودية في مقالة له بعنوان “الوجود والموضوعية”. وهو أقرب إلى كيركغارد من كل ممثلي الفلسفة الوجودية، ويتوازى تطور فكره ويلتقي مع طريقة تطور فكر كيركغارد، على ما يظهر من عرضه لهذا التطور في كتابه “الخطوط الاولى لفلسفة ملموسة ” – ترجمة قزحيا خوري – فكما أن كيركغارد انطلق من موقف مناقض لفلسفة هيغل، انطلق جابريل مارسيل من فكرة تقول إنه لكي تجيب على التساؤلات الخاصة بوجود الإله، ينبغي علينا قبل ذلك أن نحدد على نحو دقيق مفهوم الوجود ذاته.

في منتصف عام 1945 ينشر المسرحي والفيلسوف غابريل مارسيل كتابه المثير “يوميات ميتافيزيقية”، والذي طالب فيه أن تعود الفلسفة الوجودية إلى أصولها الأولى، إلى المعلم “سورين كيركغارد” الذي ظل الدارسون منذ وفاته عام 1855 يعتبرونه مجرد مفكر ديني حاول إصلاح الأوضاع المتردية في عصره، فيما عده آخرون ممثلاً للعدمية من خلال نصوصه الأدبية التي أراد من خلالها إقناع القراء بفقر الحياة وعدم جدواها، غير أن جابريل مارسيل شكك بوجهات النظر هذه، ويكتب: ” إن لكيركغارد تأثيراً في عدد من التطورات الفلسفية الهامة، بل إن تحديه لوجهة نظر هيغل إلى العقل، هي تحديات فلسفية بقدر ما هي دينية، إنها محاولات لنزال الفلاسفة على أرضهم”. كان كيركغارد نفسه يخشى أن يُنظر إليه بعد موته على أنّه فيلسوف، ونراه يعترف بصراحة ووضوح في كتابه “خوف ورعدة”- ترجمة فؤاد كامل – ان : “كاتب هذه السطور ليس فيلسوفاً، وهو لم يفهم (المذهب) بل لا يدري إن كان هناك ما يسمى بالمذهب الفلسفي أم لا، ولا يدري إن كان قد اكتمل، يكفيه ما لديه فعلًا في رأسه الهزيلة من تفكير”..

قرأت اسم جابريل مارسيل اول مرة على غلاف مسرحية صدرت عن سلسلة المسرح العالمي المصرية بعنوان ” رجل الله ” ترجمها فؤاد كامل وهو من المهتمين بالفلسفة الوجودية ، وكنت قد قرأت لفؤاد كامل من قبل كتابه الممتع ” الفرد في فلسفة شوبنهاور ” ، وهو اول كتاب اقرأه عن فيلسوف الارادة والتشاؤم، وقد كان فؤاد كامل الذي توفي عام 1995 قد تخرج من قسم الفلسفة في كلية الاداب ودرس على يد اساتذة كبار ابرزهم زكي نجيب محمود وتوفيق الطويل واحمد فؤاد الاهواني ، وعثمان امين ، وعبد الرحمن بدوي الذي تعلق به ومن خلاله عشق الفلسفة الوجودية فكانت اول ترجماته كتاب بعنوان ” نصوص مختارة من التراث الوجودي ” ثم ترجمته لكتاب ريجيس جوليفيه ” المذاهب الوجودية ” ، واصدر كتابا بعنوان ” الغير في فلسفة سارتر ” وترجم عددا من كتب كيركغارد ، وصدر له كتاب بعنوان ” المدخل الى فلسفة الدين ” هذا اضافة الى العديد من الروايات كان ابرزها اعمال اندريه مالرو والذي كتب عنه كتابا بعنوان ” اندريه مالرو شاعر الغربة والنضال ” ، ولهذا وجدت اسم فؤاد كامل على مسرحية جابريل مارسيل دليلا على ان هذا العمل يستحق القراءة .وفي المقدمة التي كتبها فؤاد كامل لمسرحية ” رجل الله ” عرفت ان جابريل مارسيل فيلسوف وجودي ، وان مسرحياته هي تعبير عن فلسفته ، ولم تكن اعماله برغم صبغتها الفلسفية اعمالا جافة او مجموعة من الافكار المجردة ، وانما يقف ورائها رجل مسرح من الطراز الاول . كان جابريل مارسيل يحب المسرح منذ صغره وكان والده يقرأ له نماذج من المسرح العالمي ، وفي الثامنة من عمرة جرب الكتابة للمسرح ، وقد بدا له المسرح خير وسيلة لطرح الأسئلة الحائرة والمشاعر القلقة والكشف عن معنى التجربة الانسانية .. كتب مسرحية ” رجل الله ” عام 1922 قبل ان يتحول الى الوجودية المؤمنة بعد صدور كتابه ” يوميات ميتافيزيقية ” عام 1924 ، والموضوع الرئيسي للمسرحية هو ” عدم الاهتمام بالغير ” ، فنحن امام بطل المسرحية ” كلود ليمون ” الذي يعمل قسيسا في احدى المدن الصغيرة في فرنسا ، وقد تفرغ لمهنته بشكل كامل ، بحيث لم يعد في نفسه مكانا للآخرين ، واصبح هو ومهنته شيئا واحدا لا ينفصل ، ومع مرور الاعوام يتتحول الى شخصيته الى جافة ، مجرد خطب وحركات آليه ومجموعة من النصوص التي يحفظها.. لكنه يفاجأ ذات يوم وهو يتلقى في الكنيسة اعتراف من زوجته بانها خانته مع جار لهما ، وذلك بسبب اهماله لها ، وعدم شعوره بها ، وما تعانيه من فراغ ووحدة ، ويتلقى القس يتلقى اعتراف زوجته بكل هدوء ، فهو بارع في تمثيل دوره في الحياة ، وفي النهاية يصفح عنها خوفا من الفضيحة ، لكن الزوجة تشعر أن زوجها قد تناسى العذاب الذي عانت منه طوال حياتها فتقول له :” انت لم تغفر لي لانك تحبني . فماذا كنت اريدني ان افعل بصفحك ” ، وكان يمكن ان تستمر الحياة بينهما بهذا الشكل لولا اكتشاف الزوجة انها حامل من عشيقها ، وقد انجبت طفلة سمتها ” أسموند ” ، بعد سنوات يعود العشيق ليجد ابنته اصبحت فتاة كبيرة ، يذهب الى القس ليخبره بانه يعاني من مرض مميت ويرغب برؤية ابنته قبل موته .. ويجد القس ان قبوله بالامر الواقع لم يكن إلا نوعا من انواع خداع النفس ، وحين تعرف الفتاة انها ليست ابنة القس تقرر الرحيل عن البيت الذي عاشت فيه مخدوعة لاكثر من عشرين عاما ، تقول للقس :” ان ايمانه لم يكن سوى اناء ملون يخفي عنه الوقائع الحقيقية ” ، وترفض ان تلبي رغبة ابيها المحتضر . بعد رحيل الفتاة يشعر القس بعد بفراغ كبير ، فيردد عبارة سقراط الشهيرة ” ان نعرف انفسنا على حقيقتها ” ويكتشف انه لم يؤسس رسالته الدينية على الحب ، ولهذا اصبحت كلماته خاوية لا معنى لها ، فهو لم يستطع ان يفهم اقرب الناس اليه .. ويقرر في النهاية الانتحار ، إلا ان قداسا في الكنيسة يمنعه عن تنفيذ فكرته .. هكذا يعلن جابريل مارسيل ان الانسان لا يجد الشجاعة لاحتمال حقيقة موقفه إلا في حضن الجماعة .. فلا حياة من دون الاحساس بالآم الآخرين ، ومن المواقف المهمة في حياة جابريل مارسيل انه اثناء مشاهدته مسرحية سارتر ” الابواب المغلقة ” وعندما يقول بطل الرواية عبارته الشهيرة ” الاخرون هم الجحيم ” يلتفت مارسيل الى سارتر الذي كان يجلس الى جواره وهو يقول له ” الآخرون هم النعيم ” .بعد ان انتهيت من قراءة ” رجل الله ” اخذت ابحث عن مسرحيات جابريل مارسيل فقرات له ” القلوب النهمة ” و ” المحراب المضيء ” و ” العالم المكسور ” ومسرحية ” روا لم تعد روما ” و ” طريق القمة ” ومسرحيات اخرى لا تسعفني الذاكرة لتذكرها الان . في مسرحيات جابريل مارسيل نجد انفسنا امام الواقع الانساني ، فالفيلسوف والكاتب المسرحي يسعى إلى أن يضع الانسان في مواقف مختلفة من اجل اختبار قدرته على الوجود الحر .. ولهذا فان كل مسرحية من مسرحياته هي محاولة للحفر في اعماق النفس البشرية ، وهو لا يقدم للمشاهد والقارئ حلولا جاهزة لمشاكل الانسان ، وانما مهمته هي اثارة اهتمامنا بالوضع البشري ، والكشف عن سر الوجود ، ولهذا يؤكد دوما انه يسعى الى مسرح لا ينعزل عن الحياة ، وعن هموم الانسان .. وان رفض الانسان للقيم الحقيقية وللايمان راجع في كثير من الاحيان الى عدم الانتباه الذي تتسبب به الحياة اليومية بما تحمله للفرد من تشتت وتجريد من انسانيته ، لكن باستطاعة ” كل انسان ان يستيقظ في اية لحظة من هذا النوم ، وذلك تحت مؤثرات متباينة اشدها تاثيرا في النفس وجود الاشخاص الذين يشعون ايمانا مطلقا ” – جابريل مارسيل يوميات ميتافيزيقية – ويذهب مارسيل الى ان الانسان وهو يصنع نفسه ، مطالبا منه ان يعلو عليها ويتجاوزها ، وهذا العلو لا يكون بغير ارادة ايمان ، والايمان لا يكون بالفكر وانما يكون بالإرادة .. والايمان الوجودي عند مارسيل ليس هروبا من القلق الذي تبعثه الحياة في النفس ، بل هو وليد السعادة والاطمئنان، ولهذا نجد بطل مسرحية ” روما لم تعد روما ” الاستاذ الجامعي بسكال لوميير يقول :” لقد تولد الايمان في نفسي في لحظة من لحظات التوازن الاخلاقي احسست فيها انني سعيد سعادة استثنائية ” .

جابريل مارسيل سواء في كتبه الفلسفية او مسرحياته يؤكد بان الياس حادث عرضي في حياة الانسان، بينما الأمل هو نسيج الحياة الانسانية ، فالانسان لا وجود له من دون الأمل ، واذا انقطع الأمل ، فان النفس البشرية تذبل ، وليس اليأس سولاى شعور بان الزمن مغلق .

ياخذ البعض على فلسفة جابريل مارسيل انها لا تفهم الا في ضوء الايمان ، وان طابعها الوجداني المبني على الامل والحب والوفاء يجعل منها فلسفة مثالية . كما ياخذ عليه البعض موقفه من الديمقراطية ، حيث يرى مارسيل ان الانسان المعاصر انحدرت قيمته في هذا العالم عندما تضاءل شأنه فاصبح مجرد مجموعة من الوظائف الحيوية والاجتماعية .. وقد جعل المجتمع التكنوقراطي منه مجرد آلة ، فنحن نعيش في عالم الغلبة فيه للوظائف على حساب النواحي الاخرى للانسان . حيث تتحول العلاقات الانسانية الى افعال مجردة :” فالديمقراطية هي دولة ( المبني للمجهول ) التي يتحكم فيها الرأي العام الذي لا يستند الى اية تجربة ” . ان جابريل مارسيل وهو يستعرض الكائن الانساني امام ابصارنا ، قصد الى تحذيرنا من الوقوع تحت تاثير ما حققته التقنيات من تقدم وانتصارات ، فهو يرى ان هذه التقنيات ليس لها مهمة سوى فعل التملك ، وأن علينا ان ننتصر لكل ما هو انساني ، حيال بعض منجزات الانسان .

يكتب روجيه غارودي في كتابه نظرات حول الانسان ” – ترجمه يحيى هويدي – انه :” بخلاف وجودية سارتر ، نجد ان الموضوعة الرئيسية في تاأمل جابريل مارسيل ليست الحرية ،بل المشاركة . فالاتصال مع الغير ، في اكمل اشكاله واكثرها عيانية . أي الحب ، هو الذي يفتح لنا الطريق الى الشكل الأعلى من المعرفة ، تلك التي تحدد نفسها لا بدالة المُلك ، بل بدالة الوجود ” .

مع جابريل مارسيل تعود الفلسفة الى منابعها الاولى ، وهي لصيقة بالحياة لا تقبل انفصالا عن الانسان . وقد رفض مارسيل ان يعطي فلسفته شكلا مذهبيا ، وكان العنوان الوحيد الذي ارتضى ان تسمى به فلسفته هو” السقراطية الجديدة ” والتي سماها جان فال “السقراطية المسيحية ” .

شاهد أيضاً

في أسباب تراجع الحضارة العربية الاسلامية وفشل نهضتها: سؤال فوكو / جواب الجابري

محمد ازويتة إنجاز: محمد ازويتة  سئل فوكو في إحدى حواراته عن موضوع  العلاقة بين العالم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *