Warning: include_once(analyticstracking.php): failed to open stream: No such file or directory in /home/couuacom/public_html/wp-content/themes/sahifa/header.php on line 31

Warning: include_once(): Failed opening 'analyticstracking.php' for inclusion (include_path='.:/opt/cpanel/ea-php73/root/usr/share/pear') in /home/couuacom/public_html/wp-content/themes/sahifa/header.php on line 31
الرئيسية / منتخبات / تغطية / محمد سبيلا: نحّات مفهوم الحداثة

محمد سبيلا: نحّات مفهوم الحداثة

في رثاء وتأبين محمد سبيلا

فريد لمريني

فريد لمريني

” محمد سبيلا نحّاتاً لمفهوم الحداثة”، تعني أنه كان صانعا وحكيما وفنانا في آن واحد. فمن شيم النحات أنه يصنع بتفنن. ومن شيمه وصفاته أيضا أنه يشتغل بالضرورة على مادة لها شكل معطى قبليا، أي قبل بداية العمل..هذه حالة مفهوم الحداثة الذي اشتغل عليه محمد سبيلا صانعا وفنانا…..فالمفهوم بأشكاله وأحجامه ومضامينه سابق وقبلي، وهو أيضا مثقل بالمعاني والاستعارات والعلامات التي قد تقودنا إلى متاهة فكرية، غير أن هذا المفهوم المنفلت، يحتاج إلى من يبتكر في ضوءه أفقا جديدا ورؤية تنفعنا في حياتنا….وبالتالي تنير سبيل العقل والإحساس معا…هنا تدخل محمد سبيلا..

كتب نيتشه على لسان جيل دولوز وفليكس كاتاري :

” بين نيتشه مهمة الفلسفة حين كتب قائلا :” من الواجب على الفلاسفة ألا يقبلوا المفاهيم التي تمنح لهم، من حيث أنهم سيقومون بتنظيفها وصقلها، بل عليهم أن يقوموا بصناعتها وخلقها وطرحها على الناس، بعد إقناعهم بالركون إليها.” “”” . – هكذا انشغل محمد سبيلا بمفهوم الحداثة…

صحيح أن هناك في المغرب منذ خمسين أو ستين سنة ، عددا لا بأس به من الفلاسفة الذين اعتنوا أكاديميا بمفهوم الحداثة وفلسفتها، غير أن اسم محمد سبيلا يرتبط من الناحية السوسيولوجية، بعلاقة خاصة ومتميزة بهذا المفهوم ” الغليظ” وبفلسفته، بحيث يبدو هذا الاسم رديفا لذاك المفهوم الزئبقي والممتلئ بالاستعارات العصية على تحييد الشفرة…

أتذكر في هذا السياق التأبيني العلمي والإنساني للراحل، يوم جاءني طالب من طلبتي (ع.أ) في سلك الماستر منذ أكثر من عشر سنوات ، قائلا: ” أوستاد بغيت نقوليك واحد الاعتراف وبغيت نشكرك بزاف. والله ما عمري فهمت مزيان مفهوم الحداثة حتى قريتو عندك.(….).”.

أنا أشهد بدوري الآن، أنني لم استوعب ولم أقترب من مفهوم الحداثة بالعمق الفلسفي الذي أتـصوره الآن، سوى على أيدي أستاذي محمد سبيلا……

قد يكون هناك اليوم من الفلاسفة المغاربة من عالج هذا المفهوم وفحصه بطريقة ”علمية مستقلة”،” أفضل ” مما عالجه محمد سبيلا على هذا الصعيد الشكلي الأكاديمي الضيق، غير أني متأكد بأن استبارا للآراء والتصورات لدى المشتغلين بالحقل الفلسفي بصفة خاصة، والحقل الاجتماعي والثقافي بصفة عامة، في المغرب بطبيعة الحال، سيبين أن هذا الاسم أقوى حضورا وأقوى ارتباطا بمفهوم الحداثة، من غيره من أسماء الفلاسفة المغاربة الآخرين…

نحن لا نحتاج فقط، أكاديميين من أولائك الذين بلغوا أعلى درجات البحث العلمي، بل نحتاج أيضا أكاديميين مواطنين مرتبطين بحرارة، على المستوى الإنساني، بمجتمعاتهم، أقصد بذويهم وأهلهم….لا نحتاج فقط أكاديميين ( داخلين جواهم- ساكتين و قاضيين حاجا- دايرين علاش يرجعو كما يقول الفنان السنوسي” بزيز”)،إما لا وقت لهم سوى للاعتكاف ، وإما لا وقت لهم سوى لحجز تذاكر السفر في درجة رجال الأعمال مؤدى عنها، إلى أوروبا وأمريكا أو إلى الخليج ”البتر ودولاري”، لعرض خدماتهم وخبراتهم المؤدى عنها أيضا بالعملة التي تعرفون…

إننا نحتاج أيها السادة، أيتها السيدات، لأكاديميين مغاربة يحسون بمجتمعاتهم وبناسهم. نحتاج أكاديميين يعيشون في قلب المجتمع، لا في ضواحيه الأرستقراطية التي لا تتقاطع شوارعها الراقية مع الشوارع والأزقة السفلى لهذا البلد العزيز،…..

هكذا كان محمد سبيلا…هكذا عاش..وهكذا داهمته الوفاة……

لم يكن محمد سبيلا داعية ولا ” مصلحا اجتماعيا” ولا صاحب زاوية أو مزار من المزارات المنتشرة في مجتمعنا،من حيث هو مجتمع تقليدي بالمعنى الأنتربلوجي ، وقد كان من المستحيل والمنطقي أن يكون أستاذنا كذلك، لأنه ببساطة كان مؤمنا وزارعا لقيم وأفكار مناقضة تماما لهذا النوع من العلاقات الاجتماعية، خاصة في وسط أكاديمي من المفروض أن العلم فيه سيد المشهد وسيد المؤسسات والعلاقات الإنسانية…

سأقول أن الأكاديمي في ” مجتمع تقليدي”، أو في ”العالم الثالث”، أو في العالم غير الأوروبي وغير الأمريكي،أو في غير ذلك من التسميات الكثيرة التي تسمى بها مجتمعاتنا وأوطاننا، ينبغي أن يكون، علاوة على صفاته الأكاديمية والعلمية المختلفة، مثقفا بالمعنى الأخلاقي الذي تحدث عنه عبد الكبير الخطيبي حين قال:” المثقف شاهد على عصره” والشهادة بهذا المعنى بما تختزنه من نبل وسمو عرفاني وأخلاقي، تذكرني بمفهوم ” الواجب الأخلاقي ” كما نظر له امانويل كانط…

– عاش محمد سبيلا مؤمنا بهذه الفكرة، وعاشقا لهذا الالتزام الصوفي….

سـأقول أنه لا تخلو شعبة من شعب الفلسفة اليوم، في جامعات المغرب كله، من أساتذة وباحثين تتلمذوا على أيدي محمد سبيلا، بل أن نسبة عالية من هؤلاء نالوا الدكتوراه وحازوا درجاتهم العلمية، تحت إشرافه ورعايته….

الفيلسوف هو من يبتكر الرؤية، وينحت أفقا للتفكير والفحص والمراجعة والنظر الدقيق. انه:” من يقول في الوجود قولا مبتكرا ومن يخلق ” وجهة جديدة في النظر” ”، على حد تعبير علي حرب، وأنا أرى أن محمد سبيلا خلق أو على الأقل فقد دعا بحس فلسفي راق، إلى نحت هذا الأفق الضروري لخلق التميز والابتكار في الحقل الفلسفي. والأجمل أن سبيلا لم يصدح بهذه الفكرة، في مقامات أكاديمية مغلقة فقط، بل صدح بها عاليا وعلى نطاق سوسيولوجي واسع…ومن هنا بالضبط، اكتسب حب الناس له، ليس فقط كفيلسوف، بل كذلك كرجل تربية وتواصل…

استطاع محمد سبيلا، بكل ما أوتي من روح علمية وحس تواصلي وبيداغوجي عال المقام، أن يخلق سوسيولوجيا، منتديات اجتماعية اجتمعت من أجل الاقتراب من مفهوم الحداثة العصي، وبالتالي الاقتراب مما يعنيه مفهوم رديف وقوي، هو مفهوم التحديث….

بهذا المعنى، أشهد أن سبيلا كان مولعا ببلده، لهذا كان فيلسوفا، يفحص المفاهيم وصورة المغرب قبالته يتأملها ويجعل منها موضوعا يستحق كامل العناية…فما كان يهم سبيلا بالضبط في مفهوم الحداثة، هو التحديث في المغرب بالذات……..

نحتاج في الجامعة وفي الأوساط الأكاديمية للفلسفة والعلوم الاجتماعية والإنسانية في بلدنا، إلى التدقيق العلمي والنظري والعملي للمفاهيم بكل الانضباط اللازم والصارم لمعايير البحث العلمي الدولي، غير أننا مطالبون بجعلها أليفة وسلسة في الأذهان، ومفهومة إلى حد معين لدى النخبة المثقفة الواسعة على الصعيد المدني…وقد كان سبيلا أكاديميا فاحصا أثناء الدرس وخلال المناظرة، كما كان مواطنا، ومناضلا مدنيا ناقدا ومنصتا…. على رقعة المجتمع…

لا تحتاج الجامعة المغربية فقط، وهي بعد أكثر من ستين سنة، ما زالت جامعة فتية وفي مقتبل العمر، إلى باحثين مرموقين من أولائك الذين بلغوا ” من العلم عتيا”، بل تحتاج أيضا بشكل استراتيجي، إلى من أسميهم ”شارحين ناجحين” أو ” شراحا موهوبين”، أعني بيداغوجيين وديداكتيكيين باللغة المعاصرة. فمهمة التكوين والتعليم والتلقين، واجهة من واجهات مهنة الأستاذ الباحث في الجامعة، لأنه مسؤول عن أجيال من الشباب الذي يلج عالم العلم والعمل..وبهذه الصفة فقط، تستطيع الجامعة أن تتحول إلى مؤسسة علمية تحقق الاستمرارية والتراكم العلمي، وترسخ تقاليدا وأعرافا يتوارثها جيل عن جيل….وما عدا هذا فهو عبث وإعادة إنتاج هجين للزمن العلمي….

هناك في الجامعة المغربية اليوم، فلاسفة وعلماء( أتحدث عن حقل الفلسفة والعلوم الاجتماعية والإنسانية)، من مقام علمي رفيع، لكنهم مع الأسف معلمون وشارحون فاشلون، على مستوى تبليغ المعرفة والخبرة، بل قد يكون منهم من هو فاشل أيضا على مستوى القدرة على نسج علاقات إنسانية محترمة وجديرة بمهنة الأستاذية، مع طلبته وطالباته…..

والمطلوب من الأستاذ الجامعي ، من حيث هو أستاذ باحث، أن يكون، بجانب مهامه البحثية والعلمية، معلما للعلم وناشرا للمعرفة والمهارة والخبرة في وسطه الأكاديمي. هكذا يخلق الأستاذ الباحث خلال مساره المهني فريقا كاملا ومتجددا من الأطر والباحثين الذين يحققون الاستمرارية الأكاديمية بشكل ناجح…

هناك في المغرب اليوم من الأساتذة الذين يحسبون أنفسهم باحثين مرموقين، من يخلطون بين درسهم وشروحهم وحديثهم إلى طلبتهم في مدرج الجامعة، وتدخلهم الأكاديمي في مؤتمر دولي متخصص، إما لأنانيتهم الزائدة عن الحد وتكبرهم المائع، وإما لأنهم في الأصل وبالطبيعة، فاشلين وغير ممتلكين لناصية التواصل الديداكتيكي الناجح، على هذا المستوى من التعليم العالي ….

محمد سبيلا لم يكن منهم…………..

كان سبيلا منارة من منارات الفكر الحر والمتنور، في زمن يمتد على الأقل على مدار أربعين سنة من حياة هذا البلد العزيز( بداية التسعينيات)، سادت فيه ”شعبويات” فكرية تافهة في شعور ولا شعور المغاربة، كما هيمنت على ثقافتنا المسكينة، كل الموجات الفكرية الرخيصة القادمة من الفضائيات ومن الويب،و احتكرت الأصولية المتزمتة والدا عشية المقيتة، وكل أصناف العقائد الدخيلة والإيديولوجيات السياسية والدينية المتطرفة والاقصائية والحاملة للتزمت والكراهية ولأشكال التكفير، والمؤصلة لأشكال الاستبداد الفكري والسياسي والديني والمدني، ساحة التفكير الجماعي، بحيث أفسدت الدين الطاهر و أفسدت التدين النزيه نفسهما……….

وفي هذا المناخ بالضبط، تدخل محمد سبيلا بقوة، قصد فتح كوة صغيرة على قيم التحرر والإبداع والابتكار والتقدم والاستقلال الفكري ويقظة الضمير………..لمصلحة هذا البلد الذي نحبه ونحترمه……

– فشكرا لك سيدي….لروحك الرحمة والسكينة….رحمة الله عليك…..

شاهد أيضاً

النقـش على الحَجـر (1)

سامي عبد العال سامي عبد العال ” أنت في الجنة،  أنت تعيش مع الأطفال في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *