الرئيسية / أدب وثقافة / متابعات / عبد السلام بنعبد العالي: الحداثة ومسألة القطيعة

عبد السلام بنعبد العالي: الحداثة ومسألة القطيعة

عبد السلام بنعبد العالي

مفهوم القطيعة كما نعلم وليد فلسفة العلوم وتاريخها، وهو يُردّ عادة إلى المدّ الباشلاري الذي يَعتبر أن المعرفة العلمية لا تنشأ من فراغ معرفي، وأنها دائما معرفة-ضد تقام على أنقاض بادئ الرأي، وعلى رغمه. إنها تتولد تاريخيا بانفصالها عن ماضيها قبل العلمي، ما عبَّر عنه لوي آلتوسير بقوله “ما قبل تاريخ علم مّا هو تاريخ ايديولوجيته”.

نعلم أن المفهوم لم يبق حبيس المجال الذي توَلد داخله، إذ سرعان ما انتقل إلى تواريخ أخرى، وتاريخ الأفكار على وجه الخصوص. فمقابل التاريخ الإتصالي الذي كان يحرص على وصل الأصول بالفروع، والبحث عن التأثيرات والامتلاءات والتناغمات والتشابهات، والتنقيب عن أسباب السكون والرتابة، والدّوام والثبات: ثبات الحقائق، ورسوخ المعارف، وركود المؤسسات، برزت محاولات لإقامة تواريخ مضادة تلح على القطائع والعتبات والإنفصالات. ونحن نعلم كم كان نفور التقليد الفكري من مفهومات العتبة والقطيعة والتحوّل تكريساًللفعالية التركيبية للذات، وحفاظاً على مفهوم مبسّط متناغم عن الهوية، وإبقاءً على الأنا كدوام ووحدة، وعلى التراث كتقليد واسترسال، وعلى التاريخ كامتداد وذاكرة. لذا ظل شغله الشاغل نفيَ القطائع، وصوْن الاتصال والدوام: دوام الهوية وخلودها، دوام الثوابت التي نركن إليها، واللغة التي نتكلمها، والعادات التي نألفها، والحقائق التي نعتنقها، والعبارات التي نلوكها، والآراء التي نتداولها. ظل الاتصال مستقرا للذات تخلد عن طريقه إلى الهدنة واليقين والتصالح والاسترخاء الفكري.

انفصالا عن هذا التقليد الفكري، انفصالا عن الفكر التقليدي، قامت الحداثة بالضبط لتعيد الاعتبار لمفهوم القطيعة والإنفصال، ليس فحسب كمفهوم إبيستيمولوجي، وليس كأداة منهجية تضبط تاريخ الأفكار، ليس كمفهوم وفكرة فحسب، وإنما كنمط وجود، ليتضح أن الوجود نسيجه شبكة من العلائق، وأن لا شيء تنشد أطرافه بعضها إلى بعض، وتتماسك أجزاءه تماسكا نهائيا، وليتبين أن «كل صلب لا بد أن يتبخّر».

قامت الحداثة لإظهار الانشطار داخل المواقع التي اعتبرت ركائز كل ثقافة، مواقع التماسك والوحدة بلا منازع، وأعني الوعي والذاكرة والهوية. لا يعني هذا، بطبيعة الحال، أن الحداثة دعت إلى إلغاء التاريخ، ومحو الذاكرة، وتفتيت الهوية. فليس الهدف من إثبات القطيعة الوصول إلى حد نعجز فيه عن كل ضمّ وتوحيد، ولا نستطيع عنده قول أنا أو نحن. ليس الهدف الوقوف عند التنوّع الحسي، ولا الاقتصار على الاختلاف الاختباري. ليس الهدف نفي تجدرنا التاريخي، ولا إلغاء الشعور بالتمايز عما ليس إيانا. الهدف هو إقامة تاريخ آخر لا نتشبث فيه بإثبات نفس خالدة ترقد فينا، وإنما نتمكن من “إحياء ما نحمله من أنفس فانية بين جنبينا” على حد تعبير نيتشه. ولم لا نذهب حتى القول إن الهدف هو أن نصل إلى حيث لا تبقى قيمة كبرى للجهر بالأنا وإشهار الهوية والوحدة مقابل التنوع الذي نكون عليه.

ذلك أن القول بالقطيعة يرمي إلى أن يغدو التفرد ضعيفا أمام قوة التعدد، والتوحد ضيقا أمام شساعة التنوُّع، والاقتصارُ على الأنا فقرا أمام غنى الآخر، والانطواءُ على الذات سدّاً أمام انفتاح الآفاق، والانغلاقُ على النفس حدا أمام لانهائية الأبعاد الممكنة، والاستقرارُ عند مقام بعينه ضياعا أمام رحابة التنقل، والاقتصارُ على الحاضر هزالا أمام كثافة الزمن.

ربما لم تكن الحداثة في نهاية الأمر إلا الوعي بهذه الحركة المتقطعة للذاكرة والوعي والهوية، ربما لم تكن إلا الوضعية التي فقدت فيها القطيعة عرَضيتها لتصبح من صميم الوجود، وتغدو نسيج الكائن ولحمته.

هذا الإنغراس للإنقطاع في صميم الكائن يحول بيننا وبين أن نرد التحديث إلى مجرد التجديد. ذلك أن التجديد يقوم على مفهوم «تخارجي» عن القطيعة.التجديد هو كل انسلاخ الجديد عن القديم. أما التحديث فهو «ظاهرة» متفردة بمقتضاها غدت القطيعة خاصية الكائن. في الحداثة لا تظل القطيعة علاقة بين طرفين، بين عاملين، بين مرحلتين، لا تبقى علاقة، وإنما تغدو خاصية: خاصية المعرفة، خاصية المجتمع، خاصية النص، خاصية الكائن. إنها ما يجعل الكائن في هروب عن ذاته، ما يجعل الكائن يتخلله الزمان. فليست الحداثة مجرد إثبات انتقال من حقبة لأخرى، ليست مجرد إثبات للتحولات الكبرى في مختلف المجالات، وإنما هي وعي بأن الكائن تحوّل.

من أجل ذلك علينا أن نميز بين مفهومين عن القطيعة: مفهوم وضعي يفصل فصلا نهائيا بين مرحلة وأخرى، بين عامل وآخر، أو كما يقول أصحاب الإبيستمولوجيا وتاريخ العلوم، بين إشكالية وأخرى،ومفهوم يريد أن يذهب أبعد من ذلك،فيجعل القطيعة انفصالا لا متناهيا ما يفتأ يتم. وما ذلك إلا لأنه ينطلق من نفي الـ«حضور» والتحقق النهائي. بهذا المعنى فإن «جوهر» القطيعة لا يكمن في الفصل، وإنما في لاتناهي الفصل ولا محدوديته. فليست القطيعة هي حلول حاضر يجب ما قبله. القطيعة هي انفصال لامتناه، أي أنها حركة دائبة دائمة لا تنفك تتم. ليست القطيعة انفصالا بين حاضرين، بين حضورين، وإنما هي خلخلة للحضور ذاته. إنها إقحام لللاتناهي «داخل» الكائن.

هذا الطابع اللامتناهي للقطيعة يجعلها لا يمكن أن تكون إلا إعادة ربط، كما يجعل الفروع تعلق بأصولها، بحيث نصبح عاجزين عن اكتشاف الماضي من جديد ما لم نتمكن من قطع الحبل الذي يشدنا إليه. قطع الحبل، مثل قطع حبل السرة، لا يعني انفصالا مطلقا، وإنما هو العملية التي يتم عن طريقها ربط المولود بأمه من جديد. إنه العملية التي يرتبط عن طريقها الوليد بأمه عن طريق الانفصال. وهو العملية التي نتمكن عن طريقها من إقامة علاقة مغايرة للماضي بالمستقبل، ويصبح بفضلها الماضي حيا، ويغدو فيها التحديث شرطا لكل تأصيل.

ذلك أن التأصيل ليس هو التقليد. التقليد ليس مجرد مضمونات وأفكار بعينها وإنما هو موقف، وهو الموقف المضاد للتحديث، أي الموقف الذي تظل فيه القطيعة أمرا عرضيا. أما التأصيل فهو ليس استبدال تقليد بآخر. فمثلما أن التحديث ليس استنساخ نماذج مستوردة، فإن التأصيل ليس تكرار تقليد محنط. التأصيل، تماما كما يتم الأمر بالنسبة لتاريخ العلوم، هو أن نجعل من لحظة القطيعة مركزا ننطلق منه لنجعل تاريخنا ينتظم حوله. إنه ارتباط بالأصول عن طريق الانفصال. وهو بداية متجددة ونشأة مستأنفة تجعل من الهوية حركة لامتناهية للضم والتباعد، ومن الآخر مجالا مفتوحا للاختلاف والالتقاء، ومن الذاكرة حاضرا يمتد بعيدا حتى يبلغ المستقبل الذي يستجيب للماضي.

***********

“انتعاشة اللغة” لـ عبد السلام بنعبد العالي

4 يناير 2021 ترجمةصدر حديثاكتبمتابعات 0

أوَّل دراسة فلسفية أُنجِزَت عن الترجمة في الثقافة العربية المعاصرة عبد السلام بنعبد العالي عبد السلام بنعبد العالي صدر عن منشورات المتوسط -إيطاليا، الكتاب الجديد للمفكِّر المغربي عبد السلام بنعبد العالي، بعنوان: “انتعاشة اللغة – كتاباتٌ في الترجمة”. وهو كتابٌ فلسفيٌّ قدَّم له الناقد والمفكِّر المغربي عبد الفتاح كيليطو، والذي …أكمل القراءة »

الكتابةُ بالقَفْز والوَثْب لـ عبد السلام بنعبد العالي

29 أكتوبر 2020 صدر حديثافلاسفةمتابعات 0

عبد السلام بنعبد العالي صدر عن منشورات المتوسط -إيطاليا، الكتاب الجديد للمفكِّر المغربي عبد السلام بنعبد العالي، بعنوان: “الكتابةُ بالقَفْز والوَثْب”. وهو كتابٌ فلسفيٌّ استهلَّه الكاتبُ بمقولةٍ تضعُ القارئ في محلِّ تساؤل عن طبيعة هذه الكتابة: «لا يمكننا التفكير في المتعدِّد من غير إقامة جسور بين الاختلافات، من غير أن …أكمل القراءة »

صدر حديثا: عبد الكبير الخطيبي بقلم عبد السلام بنعبد العالي

12 يونيو 2019 صدر حديثافلاسفةكتب 0

الدكتور عبد السلام بنعبد العالي يحتفي بعبد الكبير الخطيبي في كتاب مفرد فهرس الكتابأكمل القراءة »

عبد السلام بنعبد العالي .. كاتب بيدين

19 أكتوبر 2017 عامةفلاسفة 0

امتداح لمفكر الاختلاف امتداح لفكر الاختلاف عثمان لكعشمي – الجديدة / المغرب ” بدل أن يتوجه الفكر العربي بحواره إلى فكر الاختلاف ( نيتشه ،ماركس ، هايدغر ) اتجه نحو ميادين العلوم الإنسانية ، المفيدة أجل ، لكنها عاجزة عن تأسيس فكر جديد . ” عبد الكبير الخطيبي مقدمة يرمي …أكمل القراءة »

في مقاومة البلاهة عبد السلام بنعبد العالي

22 أبريل 2017 عامةمقالات 0

“حتى عهد قريب كانت الحداثة تعني تمرداً غير محافظ ضد الأفكار الجاهزة وضد الكيتش. أما اليوم، فتمتزج الحداثة بالحيوية المتدفقة لوسائل الإعلام. أن يكون المرء حديثاً أصبح يعني أن يبذل مجهوداً خارقاً كي يكون مواكباً لما يجري، يكون طبق ما يجري مقدوداً عليه، يكون أكثر محافظة من كل المحافظين. لقد …أكمل القراءة »

عبد الفتاح كيليطو: أبو العلاء المعري بين متاهات القول و متاهات الحياة

30 يناير 2021 دراسات وأبحاثكتبمقالات 0

محمد ازويتة إنجاز : محمد ازويتة لكتابة تاريخ الحقيقة ، تاريخ ألعاب الحقيقة ، تاريخ ممارسات ، اقتصادات و سياسات قول الحقيقة  ،  يقتضي بألا نكتفي ، بالمرة ، بالقول : إذا قلنا هذه الحقيقة ، فذلك لأنها واقعية . يلزم قول العكس : الواقع هو ما هو عليه ، …أكمل القراءة »

منطق الحوار (2):النموذج الاتصالي للحجّة لدى طه عبد الرحمان

19 نوفمبر 2020 دراسات وأبحاثمجلاتمفاهيم 0

الحسين أخدوش الحسين أخدوش* انفرد المفكّر طه عبد الرحمان بصياغة نظرية منهجية للحوار خاصّة بنموذجه الفلسفي المستند إلى المنطق المعاصر، والقائم على منهج المناظرة كما جاء في التراث العربي الإسلامي. ولعرض تصوراته لهذه النظرية الحوارية، نقترح الحفاظ على الجهاز المفاهيمي (الحِجَاجِي والمنطقي والفلسفي) كما نحته واستخدمه للتدليل على نموذجه الحواري …أكمل القراءة »

“في الحداثة والتنوير والشبكات” جديد كمال عبد اللطيف يصدر عن المتوسط

2 نوفمبر 2020 صدر حديثامتابعاتمفاهيم 0

كمال عبد اللطيف صدر عن منشورات المتوسط -إيطاليا، الكتاب الجديد للكاتب والباحث المغربي كمال عبد اللطيف، بعنوان: “في الحداثة والتنوير والشبكات”. كتابٌ يبحث، بالإضافة إلى موضوعات: الحداثة والتنوير والشبكات، في سؤال التَّغيير، والتحوُّلات الجارية اليوم في المجتمعات العربية، وهي تحوُّلات تحكمُها طموحاتٌ تروم الإصلاح والتغيير، كما تحكمها جملة من العوائق …أكمل القراءة »

جديد عبد الفتاح كيليطو: “في جوٍّ من النَّدَم الفكريِّ”

31 أكتوبر 2020 صدر حديثاكتبمتابعات 0

عبد الفتاح كيليطو صدر عن منشورات المتوسط -إيطاليا، الكتاب الجديد للنَّاقد والمفكِّر المغربي ، بعنوان: “في جوٍّ من النَّدَم الفكريِّ”. وقد استقى كيليطو، الذي يولي أهمِّية كبيرة لعناوين كتبه، عنوان كتابه الجديد من مقولةٍ لـ غاستون باشلار، استهلَّ بها الكتاب: «إذا ما تحررنا من ماضي الأخطاء، فإنَّنا نلفي الحقيقة في …أكمل القراءة »

حوار مع عبد الفتاح كيليطو : الكاتب،ثم ألف لغة ولغة*

28 أغسطس 2020 ترجمةحواراتمتابعات 0

سعيد بوخليط ترجمة: سعيد بوخليط تقديم : يحدث أحيانا لمنظمي صالون أدبي أو احتفال ثقافي الا لتماس من عبد الفتاح كيليطو كي يتكلم.خلال كل مرة، يدلي بذات الجواب: لا أعرف سوى الكتابة،لذلك يستحسن أن أترك لكتاباتي فسحة التحدث عني.يبهجنا دائما، أن نرى عبد الفتاح كيليطو، يعمل على نحو شعائري،من أجل تعرية أفكار طِرس، وحده يمتلك سره .عارف بأدق

شاهد أيضاً

الإطار المعرفي لفكر طه عبد الرحمن

حسن العلوي   اختار طه عبد الرحمن “السنة”، كما رسمت تاريخيا في فضاء الملة، إطارا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *