الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / سـالـم العيـّـادي: مقالة في الـفـيلسوف والمـدينـة

سـالـم العيـّـادي: مقالة في الـفـيلسوف والمـدينـة

سالم العيَّادي

د. سـالـم العيـّـادي

أستاذ الفلسفة، جامعة صفاقس، الجمهوريَّة التونسيَّة

لحظة أولى

يثير عنوانُ هذا المقال مسألةً هي من أكثرِ المسائل إحراجًا وأعمقِها إشكالاً، لا بالنّظر إلى وضع الفلسفة فحسب، وإنّما بالنّظر إلى وضع المدينة أيضًا وأساسًا. فالأمرُ لا يقتصر على الأسئلة الّتي قد تُثَار حول ماهيّة الفلسفة وقيمتها وحول وجه الحاجة إليها أو طبيعة النّفع المرجوّ منها، وإنّما هو يتعدّاها ليشمل كلَّ الأسئلة المتعلّقة بالوجود المدنيّ بوصفه بناءً سياسيًّا لحياة عامّة جماعيَّة في أبعادها المختلفة اجتماعيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا وتربويًّا…

فإذا كانت المدينة نسقًا موضوعيًّا من العلاقات المادّيّة والرّمزيّة وفضاءً مشتركًا من الآراء والتّمثّلات، فإنّ انعكاس هذا النّسق في الفكر (تصوّرًا وفهمًا)، وانعكاس هذا الفضاء في الوعي (نقدًا وتشريعًا) لا يتحقّقان إلاّ بضرب من التفكير تتوفّر فيه شروطُ النّسقيّة من ناحية المنهج، وتتجلّى فيه – من ناحية الفعاليّة – القدرةُ على الامتحان العقلانيّ للآراء العامّة والتّمثلات السائدة والمألوفة. فما عسى هذا النّمط من التّفكير أن يكون إنْ لم يكن فلسفةً؟ وإلى أيّ مدى تكون الفلسفةُ مجرّدَ مرآة تعكس الواقعَ التّاريخيَّ الحضاريَّ في مقولات العقل ومفاهيمه أو “عصرَها ملخَّصا في الفكر” كما ذهب إلى ذلك هيغل؟ وإذا كانت الفلسفةُ بنتَ عصرها من جهة النّشأة والظّهور فبمَ نفسِّر طابعَها الكونيَّ والـ”لا- تاريخيّ” من حيث الأفق (الحقيقة) والقيمة (التَّعالي)؟ هل تدلُّ كونيَّة العقل الفلسفيّ على أنَّ مدينةَ الفلسفة يُفتَرَض فيها أن تكون مدينةً كوسموسياسيَّة، أم تدلّ على ضرورة التجاوز السياسيّ للمدينة نحو تدبير مدنيّ للمعمورة الفاضلة بحسب عبارة الفارابي الرّشيقة والملهمة؟

الفلسفةُ هي – في بعد من أبعادها الأساسيّة – بناءٌ نظريٌّ للمدينة يرتِّب العلاقات ويبني مراتب الخطاب الممكنة فيها. وقد يقتضي هذا البناءُ النّظريُّ للمدينة المرورَ بنظريّة عامّة في الوجود والإنسان والعقل. وقد لا يرى البعضُ في تلك النَّظريَّة إلاَّ صرف تأمّلات ميتافيزيقيّة لا طائل من ورائها. ولكن لمّا كانت المدينةُ بنيةً سياسيّةً تدور حول محاورَ متعدِّدة للسُّلطة وتتشكَّل في مواقعَ مختلفة للنُّفوذ، فإنَّ أولى درجات البناء الفلسفيّ للعلاقات المدنيّة ولمراتب الخطاب كانت تفترض دائمًا انقلابًا جذريّا في المحاور والمواقع فيُستَبْدَلُ الولعُ بالسّلطة بإرادة الحقيقة ويُستَعاضُ عن آليّات النّفوذ بفضائل الحوار ومعقوليّة الحجاج والتّعليل.

لقد كان السّؤالُ الفلسفيُّ عن حقيقة السياسة تفكيرًا في سياسة ممكنة للحقيقة وبحثًا في الشّروط المدنيَّة الكفيلة بتقاسم الخيرات والفضائل. وقد واجه الفلاسفةُ الاختزالَ العمليَّ للسياسة في ممارسة السلطة وإدارة الصّراع حول المـصالح، واجهوه بالتّوسيع النّظري لمعنى السياسة حتّى صارت فـنَّ تدبيرٍ وتعقُّلٍ لأجل الخير الأسمى والغاية القصوى للوجود، أيْ لأجل السعادة وعلى سبيل الاستكمال الأنطولوجيّ للإنسان. فما الخير الأسمى إنْ لم يكن استكمالاً للوجود حتَّى يصير الإنسانُ إلى إنسانيّته حرًّا كريمًا؟ وأيُّ تعظيم للمدينة أوضحُ من أن تـُوضَع السّياسةُ شرطًا إتيقيًّا للسعادة وضامنًا تاريخيًّا للتَّحرُّر؟ وإلى أيّ مدى أدركنا – نحن العرب – هذا الاقتضاء المدنيّ للفلسفة في فضاء الملَّة وداخل لغة الضَّاد؟

لَمْ تفكّر الفلسفةُ ضدّ المدينة بل لأجلها (باستثناء الرومانسيّة والفوضويّة تقريبًا). فلمَ انحازت المدنُ للسِّياسة ضدّ الفلسفة، وللمصالح ضدّ القيم، وللاَّمعقول ضدّ العقل؟ هل الأمر راجعٌ إلى سوء تفاهم عرضيّ بين خصميْن يمكن تجاوزُه أمْ إلى تناقض جوهريّ بين نظاميْ خطاب ونمطيْ وجود لا يمكن التّوفيق فيهما بين الانضباط والتّمرّد وبين الامتثال والرّفض وبين التّماثل والاختلاف وبين الوهم والحقيقة وبين الاغتراب والوعي الحرّ؟ أَتكون إدانةُ الفلسفة راجعةً إلى ما يحمله التّفلسفُ من إمكان مضمر لرومانسيّة تستعيد ألقَ الطّبيعة ضدّ انحطاط الحضارة ولفوضويّة لا ترى إمكانًا للحريَّة إلاَّ بتفكيك الدّولة لصالح مجتمع اللاَّسلطة؟

 قد لا يكون من المفيد في مقاربتنا هذه أن نُقحم النّزعات المختلفة الّتي حاكمت الفلسفةَ من خارج معقوليَّتها، سواءً كانت هذه المحاكمة من منطلق التجربة الذّوقيّة الذّاتيّة (الفنّ/التّصوّف) أو كانت بمعيارٍ براغماتيٍّ أو كانت بدعوى علماويّة وضعيّة أو دينيّة نصّيّة. فكلّ هذه النّزعات المتحاملة على الفلسفة لا تنفذ إلى جوهر القضيّة في العلاقة بين الفلسفة والمدينة. وإنّما يردُّ جوهرُ القضيّة ونكتةُ الأمر – في تقديرنا – إلى هذا الأسئلة:

  • هل من معنى مدنيّ لحياة فلسفيّة؟ ما وجه الحاجّة المدنيّة إلى الفلسفة، أيْ إلى هذا الضّرب من الخطاب الّذي ارتسم منذ بداياته الأولى “علمًا مَّا وسيرةً مَّا” بحسب عبارة الفارابي وهو يقرأ فلسفة أفلاطون؟
  • هل الفلسفة تدبيرٌ لحياة الغربة والتوحُّد والعزلة أم هي مراجعةٌ جذريّةٌ لوضع الإنسان والتزامٌ أخلاقيٌّ بمشاريع التحرّر والسّعادة؟ وضمن أيَّةِ شروط يمكن أن تكون سيرةُ أهل المدينةِ سيرةً فلسفيَّةً، أيْ فاضلةً؟ وإلى أيّ مدى يكون ذلك ممكنًا؟
  • ضمن أيَّةِ شروط يتسنّى للفيلسوف أن يكون “شخصًا عموميًّا” منخرطًا في حياة المدينة اهتمامًا وتواصلاً، دون أن يؤدِّي ذلك إلى التشويش على مداره المعرفيِّ بوصفه محبًّا للحكمة مريدًا للحقيقة، وبوصفه مسافرًا باستمرارٍ إلى عالمٍ آخر هو له بمثابة الوطن بحسب المجاز الصُّوفي الّذي يذكره ابن باجة في تدبير المتوحِّد؟ وعلى أيَّ معنى يُحمَل القولُ بأنَّ المدينةَ تسكن الفيلسوفَ وإنْ كان مقيمًا خارج أسوارها منقطِعًا عن حياةِ أهلها؟

يمكن إرجاعُ هذه الأسئلة إلى سؤالٍ محوريٍّ مزدوجٍ، هو: أيُّ نمط من المواطنة تفترضه الحياة الفلسفيّة، حتَّى لا تكون الفلسفةُ مجرّد استقبالٍ نظريٍّ بحت للأشياء الإلهيَّة (أنطو- تيولوجيا)؟ وأيُّ نمطٍ من الفلسفةِ تفترضه المواطنةُ حتَّى لا تتحوَّل السِّياسةُ إلى مجرَّدِ استعمالٍ نافعٍ للعقلِ بوصفه مجرَّد أداةٍ، دون انفتاحٍ ممكنٍ على اقتداره الجميل بما هو نزوعٌ بالأشياء الإنسانيَّة إلى استكمالها الأخير وغايتها القصوى الحرَّة (فنُّ التَّدبير المدنيّ)؟  

قد يكون توتُّرُ العلاقة بين الفيلسوف والمدينة راجعًا بالأساس إلى ما يُجابُ به عن هذا السُّؤال الأخير: فالفلسفةُ تطلب لنفسها مواطَنةً كونيّةً تتجاوز حدودَ المدينة المنتسبة إليها. وهي لا ترى في التزامها بهموم مدينتها من معنى إلاّ بناءً على أسس إنسانيّة كونيّة هي مُثُل الحقّ والخير والجمال كما حدّدتها الفلسفة القديمة، أو قيم التّحرّر والعدالة والكرامة كما تمثّلتها الفلسفة الحديثة، أو مقولات حقوق الإنسان والدّيمقراطيّة والتّنوّع الثّقافيّ والبيئة والبيوإتيقا كما تشتغل عليها الفلسفة المعاصرة داخل السؤال الجذريّ عن المشروعيّة والصّلاحيّة والمعيار.

وقد يكون البحثُ الفلسفيُّ في هذه الأسس الكونيّة السّببَ المفسّرَ لعجز المدينة عن “استعمال” الفيلسوف فلا ترى فيه إلاّ شخصًا يهدر وقتـَه في تأمّلات لا جدوى منها ولا نفع، أوْ شخصًا مقلقًا قد يُفسِد سكينة الوعي السعيد بحيرة وعي شقيّ. غير أنّ المدينة قد تميل على العكس من ذلك إلى امتلاك الفيلسوف حتّى يتحقّق لها بامتلاكه ضربٌ من المشروعيّة لا تملكه الدّولة بما هي دولة: ففكرة الدَّولة ذاتها شأنٌ فلسفيٌّ رأسًا.

وهكذا لئن لَمْ يكن أنكى بالفيلسوف من أن يتمّ إهمالُه، فإنّه ليس أقسى عليه من أن يتمّ استعمالُه. ولعلَّ نضالَ الفلاسفة عبر التَّاريخ كان لأجل منزلة وسطى بين الإهمال والاستعمال. وهذه المنزلة لم تعقها أنظمةُ الاستبداد والدّكتاتوريّات فقط، بل عطّلتها أيضًا المدنُ الدّيمقراطيّةُ ذاتها.      

فأثينا الّتي أسّست لأكاديمية أفلاطون ورشّحت أرسطو مربّـيـًا لإسكندر صغيرًا ومستشارًا له كبيرًا، هي ذاتها أثينا الّتي أعدمت سقراط. وقرطبة الّتي جعلت من ابن رشد رجل دولة مقدَّمًا وقاضيًا مبرَّزًا هي ذاتها قرطبة الّتي ضيّقت الخناق عليه سياسيًّا. وألمانيا النّازيّة الّتي هيّأت لهيدغر أن يكون علمًا من أعلام الفلسفة المعاصرة هي ذاتها ألمانيا النّازيّة الّتي اضطهدت الفكر والفنّ وهي الّتي وجدت في نيتشه التشريعَ الفلسفيَّ لوجودها والتّبريرَ الحضاريّ لممارسة العنف الكونيّ، بل ووجدت في الموسيقار فقنار الرّمزَ الجماليّ لسموّ الجنس الآريّ. والمدينة الحديثة الّتي أنجبت ديكارت تأسيسا ووظّفت جون جاك روسو تنويرا هي ذاتها المدينة المعاصرة الّتي جعلت من الانتحار خيارَ النهايات مع جيل دلوز.

هل الفيلسوفُ إذن عديمُ الجدوى بحيث يمكن للمدينة أن تهمله، أم هو من الخطورة بحيث ينبغي عليها إعدامُه إنْ لم تتمكّن من استعماله؟ فلننظر حولنا ولنتثبّت في مَنْ كان يشغل المواقعَ الحسّاسة في مراكز صناعة الأفكار والدّراسات الإستراتيجيّة العالميّة ويشغلها الآن. أَليسوا متفلسفةً من ذوي “الكلمة الآثمة” المنخرطين في مشاريع الهيمنة ؟ أَليس من الخطأ إذن أن نعتبر الفلسفةَ مجرّدَ ترف ذهنيّ لا يحتمله الطابعُ الاستعجاليُّ لمقتضيات الحياة اليوميّة، أو مجرّدَ تأمّل نظريّ لا يستجيب لمتطلّبات عالم الأعمال والسّياسة، والحال أنَّ الاهتمامات العليا للنَّظر والعملِ كانت باستمرار اهتمامات فلسفيَّة؟

قد يكون من الوجاهة بمكان أن نذكّر بأنّ الفلسفةَ – والفكرَ عامّةً والفنونَ – لم تكن ممكنةً إلاّ بعد أن أدركت المجتمعاتُ الشّكلَ الأعلى للتّقسيم الاجتماعيّ للعمل. وهو الشّكل الّذي هيّأ لفئة مَّا من المجتمع أن تتفرّغ للتّأمّل وإنتاج المعارف والفنون. وبهذا المعنى يمكن القول بأنّ الفلسفة ظاهرةٌ مدنيّةٌ بامتياز وأنّها “حاجة الحاجات المشبعة”. كما يمكنُ القول مع ابن خلدون بأنّ العلوم والفنون لا تظهر إلاّ وَقَدْ أدرك العمرانُ درجة التّرف بحيث يمكن لبعض النّاس أن يتفرّغوا للأعمال الحرّة الّتي لا تُقاس بمقياس الكسب ولا تُعيَّـر بمعيار النّفع المادّي.

وهكذا إذا كانت المدينةُ فضاءَ ممارسة وواقعًا اختباريًّا يُقحم المشاريعَ والأفكارَ والتّصوّرات في عرضيّة الأحداث وتقلّبات الواقع، فإنّ الفلسفة مبحثٌ حرٌّ يتعلّق “بالأسباب الأولى والغايات القصوى” الّتي إليها تعود معقوليّةُ الوجود ومعنى الوجود الإنسانيّ فيما وراء عرضيّة الوضع السّياسيّ. وقد يكون المبحث الفلسفيّ “تثويريًّا” مناضلاً لأجل الحريَّة والعدالة، وقد يكون تبريريًّا في خدمة السُّلطة والهيمنة. وفي كلا الحالتيْن يتعلّق الأمر بعالم الأفكار والوعي، حقيقيًّا كان أو زائفًا.

وإذا كانت المدينة تتيح هذا التّأمّل الحرّ فذلك يعود بالأساس إلى أنّ الرّوحَ تُتاح له مَدَنيًّا إمكانيّةُ التّحرّر من أسْر الشروط المادّيّة والضّرورة الاجتماعيّة. بحيث يمكن القولُ مع ديكارت إنَّ “حضارة الأمّة وثقافتها إنّما تُقاس بمقدار شيوع التّفلسف الصّحيح فيها. فإنَّ أجلَّ نعمة ينعم الله بها على بلد من البلاد هو أن يمنحه فلاسفةً حقيقيِّين”. (ديكارت، مبادئ الفلسفة).

يؤكّد هذا القولُ لديكارت على أنّ شيوع التّفلسف معيارٌ تُقَاس به حضارةُ الأمم وثقافتها. غير أنّ هذا القول يؤكّد أيضًا على ضرورة التّمييز في التّفلسف بين الحقيقيّ والزّائف: فلئن كانت الفلسفةُ على قدر عظيم من الرّفعة والسّموّ فإنّ المضرّ بها والدّاعي إلى الحذر منها هو أنّ العديد من منتحليها ومحترفيها كانوا أقلّ حكمة وأقلّ اعتصامًا بالعقل من غيرهم ولم يكونوا “فلاسفة حقيقيّين” بلغة ديكارت أو كانوا من طينة الفيلسوف الباطل والبهرج والزّور بلغة الفارابي في كتابه تحصيل السعادة.

وهكذا يمكن القول بأنّ الفلسفةَ فلسفات من ناحية، وبأنَّ ممارسة التَّفلسف قد يتَّخذ شكل الحكمة المموِّهة المغالطيَّة من ناحية أخرى، وقد يكون لأجل التغلُّب والاستبداد. فلا يجوز إذن أن يُسْحَبَ الموقفُ من بعضها (مدحًا كان أو ذمًّا) على الكلّ. ولكن ألا ينبغي القولُ أيضا إنّ المدينةَ مدنٌ وإنّ مشكلَ الفلسفة فيها متنوّعٌ بتنوّع سياقاتها ومختلفٌ باختلاف أنظمة الحكم فيها ومراتب الخطاب؟ هل يجوز أن نماثل في الموقف من الفلسفة بين مدينة العلم والتّقنية ومدينة الميثولوجيا والكهانة مثلا؟ وهل أنّ الموقف الفلسفيّ من المدينة هو هو في الجمهوريّة لأفلاطون ومدينة اللهللقدّيس أغسطين وآراء أهل المدينة الفاضلة للفارابي مثلاً؟

حريٌّ بنا إذن أن ننظر في بعض التجارب الفلسفيّة على سبيل التَّمرين والدُّربةِ والدَّربِ، حتّى نتمكَّن تباعًا من استخلاص الدُّروس الفلسفيَّة على نحوٍ تأليفيٍّ مكثَّفٍ. وحريًّ بنا في سيلق هذا التَّمرين أن نخلص إلى الكشف عن طبيعة الموقف الفلسفيّ من المدينة أو طبيعة الوضع المدنيّ للفلسفة.

لحظة ثانية 

رسمَ أفلاطون صورةَ التّفلسف الّتي جعلت الفيلسوفَ موضعَ سخرية. فالفيلسوف قد يرتدي ملاعبَ “أولانب” ولكن لا للتّباري أو المراهنة، ولا للتّسوّق أو تعظيم الآلهة… وإنّما للنّظر في واقع النّاس وهم يتبارون ويتراهنون أو يتسوّقون ويعظّمون الآلهة… كان الفيلسوفُ مندهشًا متعجِّبًا ولا تبدو له الأشياء بديهيّة كما تبدو لغيره. لقد كان التّفلسفُ يقتضي أن يتّخذ الفيلسوف مسافةً من مشاغل النّاس واهتماماتهم. وعلى العكس من المنشغلين بالشّؤون العامّة والمنخرطين في المساجلات والجدال كان الفيلسوف رجل تأمُّل: يتأمَّل السَّماءَ ولا ينظر تحت قدميه فيقع في الجبِّ ويكون مثارًا لسخريّة الخادمة كما حصل لطاليس بحسب رواية أفلاطون في محاورة ثياتيتوس.

السّفسطائيّون في مقابل ذلك هم مَنْ أقحم الفكرَ الفلسفيَّ – بكلّ طاقاته الجداليّة والحجاجيّة – في المعترك السّياسيّ وأعدّوه للخوض في قضايا الشّأن العامّ. وسايرهم سقراط في هذا المنحى. ولكن لم يرض سقراط لنفسه أن يكون مثلَهم “تاجرَ أفكار” و “صائدًا للشّباب الثريّ”، وإنّما ظلّ وفيًّا للفلسفة من حيث هي حبُّ الحكمة وإرادةُ الحقيقة.

عمل سقراط إذن على إنزال الفلسفة من السّماء إلى الأرض فأقحمها هو الآخر مجالَ الشّأن العامّ وجعلها العاملَ الأساسيَّ في بناء المشهد السّجاليّ داخل الـ “أقورا”. وكان سقراط يرفع شعارَ “كلّ ما أعرفه هو أنّني لا أعرف شيئًا” وذلك حتّى يتميّز المقامُ الفلسفيُّ داخل المدينة عن منزلة السفسطائيّ الّذي يدّعي امتلاك العلم ويعلّم الأثرياء بمقابل مادّي. وكان سقراط يرفع من القيمة التّأسيسيّة للمبدأ الدّاعي إلى أن يعرف الإنسانُ نفسَه بنفسه، واعتمد في ذلك منهجَ التّوليد إيمانًا منه بأنّ الذّات حبلى بالمعرفة، وبأنّ من واجب الفيلسوف أن يساعد محاورَه على اكتشاف ذاته. لقد كان سقراط يقود الحوارَ إلى ضرب من التّأمّل في الذّات ويوجّهه صوْبَ ما في المسائل من إحراج وما في الأجوبة المألوفة من مفارقات.

والطّريف في التّجربة السّقراطيّة أنّها جعلت من التّأمّل في الذّات تأمّلاً في المدينة وتساؤلاً جذريًّا عن وضعها. فالحوار السّقراطيّ كان يقود دائمًا إلى ضرب من الدّهشة والذّهول حين يكتشف الجميع حقيقة الجهل الّذي هم فيه: فأربابُ الصّنائع لا يدركون حقيقة صنائعهم (فرجل الحرب لا يعرف حقيقة صناعته والشّاعر لا يدرك قوانين فنّه والمعلّم لا يفقه معنى التّعليم…). وأربابُ الفكر لا يدركون معنى المفاهيم المتداولة بينهم (العدالة، الفضيلة، الحبّ، الخير…). فهل يستقيم وجودُ المدينة والحال أنّ أساس الحكم فيها هو الجهل؟ وأيُّ جهل أعتى من جهل يظهر بمظهر العلم، ويكتسح الفضاء العامّ وميدان النَّقاش العموميّ؟

واجه سقراط التورّطَ الدنيءَ لمثقّفي عصره (السفسطائيّين) في التّبرير الفكريّ لمنطق القوّة والمصلحة السّياسيّ بالتّساؤل الجذريّ عن أسس المدينة وعن الأسباب الّتي جعلت الوجودَ المدنيَّ آلة رهيبة لإنتاج الأوهام أخلاقيًّا ودينيًّا وسياسيًّا. ولقد تبيّن لأفلاطون من بعده أنّ إنقاذ العقل قد يقتضي حلاًّ جذريًّا تتوحّد فيه السّياسة بالفلسفة في صورة حاكم- فيلسوف أو فيلسوف- حاكم، وذلك حتّى لا تكون المدينةُ معدِمةً للعقل كما حدث مع سقراط.

ولهذا السّبب ذهب أفلاطون إلى أنّ “الإنسان الحرّ” هو المنشغل باهتماميْن لا يصلح أحدُهما دون الآخر هما: الفلسفة والسّياسة. كما ذهب أرسطو من بعده إلى التّأكيد على أولويّة السّياسة على الميتافيزيقا. فالشّرطُ السّياسيُّ يتقدّم إذن- حضاريًّا وتاريخيًّا – المشروعَ الميتافيزقيَّ، كما أنَّ العلم الأسمى (الميتافيزيقا بما هي معماريَّة العقل) مشروطٌ بالفنّ الأسمى (السياسة بما هي عمارة المدينة). وهكذا إذا كانت الفلسفةُ معنيّةً بالتّفكير في المدينة فذلك لأنّ هذا التّفكير هو في عمقه بحثٌ في شروط إمكان الفلسفة ذاتها. وما يستوقفنا في التّجربة السّقراطيّة أمران يمكن اعتبارهما درسًا فلسفيًّا لا غنى عنه في استشكال العلاقة بين الفيلسوف والمدينة. وهذان الأمران هما:

أ – موضوع الفلسفة سياسيّ بامتياز. ويتمثّل هذا الموضوع في مجمل الآراء الّتي يبني عليها أهلُ المدن مواقفَهم ويحدّدون بها سلوكَهم ويرسمون على ضوئها دوائرَ السّلطة والنّفوذ. فهذه الآراء لا ينبغي أن تُترَك عرضةً للسّطو السفسطائيّ: أي لهذا الضرب من الخطاب الّذي تتغيّر معه الحقائقُ بتغيّر المصالح وتتبدّل فيه القيمُ بتبدّل الظروف. فالسفسطائيّ “خبيرٌ” في فنون الحجاج المغالطيّ “محايدٌ” من جهة الأهداف، بحيث يمكن لأيّ سلطة أن توظّفه لتحقيق أهدافها. أمّا الفيلسوف فصاحب “رسالة” ثابت على الحقّ لا يساوم. وخطابه غير معروض في “سوق الخدمات” وإنّما هو لأجل الإنسانيّة.

ولهذا السّبب لم يتحرّج سقراط من أن يحاور عبدًا (مينون) وأن يكشف له بأنّه قادر على معرفة أصعب القضايا الرّياضيّة (قضيّة الجذر التّربيعيّ للعدد 2 ) بحكم إنسانيّته وبصرف النـّظر عن وضعه الاجتماعيّ السّياسيّ (محاورة المينون لأفلاطون). أليس في ذلك استباقًا سقراطيًّا لما سيُعرف في الأدبيّات الماركسيّة بـ”البراكسيس”؟ ألم يكن سقراط بمثابة “المثقّف العضويّ” (أنطونيو قرامشي) أو المفكّر الملتزم (سارتر) وإن اختلفت السّياقات والإحداثيّات وطبيعة الصّراع وأطرافه؟

ب – يقول بول ريكور في معرض تحليله للموقف السّقراطيّ- الأفلاطونيّ: “تريد كلُّ فلسفة عظيمة أن تفهم الواقع السّياسيّ حتّى تفهم ذاتها”. (التّاريخ والحقيقة). ويضيف قائلا : “غير أنّ السّياسة لا تكشف عن معناها إلاّ إذا كان هدفُها وغائيّتُها مشدودين رأسًا إلى القصد الأساسيّ للفلسفة ذاتها: أي إلى الخير والسّعادة”. فما الّذي يجعل المدينة تنحو سياسيًّا إلى غير هذا القصد الفلسفيّ؟

تنحو المدينة إلى غير السّعادة والخير إذا كانت آراء أهلها مبنيّة على أسس فاسدة. ومردّ هذا الفساد إلى السّفسطائيّة: “فالاستبداد والسفسطائيّة يشكّلان زوجًا فظيعًا مرعبًا” (بول ريكور، ن.م.). وإذا كان الاستبدادُ ممارسةً للاّ- سياسة فإنّ السفسطائيّة خطابُ اللاّ- حقيقة. وهما صنوان  بحسب عبارة بول ريكور.

ولعلّ في هذا الدّرس السقراطيّ ما قد نبّه أبا نصر الفارابي إلى أنّ مدار الإشكال في السّياسة المدنيّة هو ما يتبنّاه أهل المدن من آراء. ولهذا سعى الفارابي في كتابه آراء أهل المدينة الفاضلة إلىتحديد ما ينبغي على أهل المدينة اعتقادُه من آراء مشتركة لا في ما يتعلّق بحياتهم وعلاقاتهم فحسب، بل وأيضًا في ما يتعلّق بالله وأنبيائه واليوم الآخر والنّفس والعالم، أيْ في مجمل مباحث الفلسفة الأولى والإلهيّات. فهل معنى ذلك أنّ السّياسةَ لا تشرطُ الفلسفةَ فقط، وإنّما تشرط الدينَ أيضًا وتطبعه بطابعها الخاصّ حتَّى يصير نظامًا لـ”مثالات الحقّ” لأجل استعمالٍ إقناعيٍّ وتخييليٍّ مشترك (ملَّة)؟ وضمن أيّة شروط يمكن للوجود السيّاسيّ أن يتّسع للتّعايش السلميّ بين الدّين (اليقين) والفلسفة (السّؤال)؟ ألا يقتضي ذلك أن تحافظ الفلسفة على هويّتها فلا تقترح نفسها يقينـًا بديلا عن يقين الدّين، فتصير هي “الحقّ” و”اليقين البرهانيّ” المؤسِّس لعقائد الملَّة المعقودة داخل نظامٍ تمثيليٍّ خطابيٍّ وشعريٍّ لا غير؟ ولكن هل كان سقراط يدّعي لنفسه يقينًا مَّا حتّى تنقلب عليه مدينةُ السُّفسطائيَّة وتُعدِمه باسم الأخلاق والآلهة؟

   اقترنت تجربة سقراط بالسُّؤال التَّهكُّميِّ وبالطَّابع الإحراجيِّ لأسلوبه في الحوار والحجاج وبمنهج التوليد القائم على التَّسليم المبدئيِّ بوجود الحقيقة وبإمكان دركها إنسانيًّا. واستند “علمُه” و”سيرتُه” إلى يقينٍ نظريٍّ عمليٍّ يمكن إجمالُه في هذه الملاحظات التَّأليفيَّة:

  • كان سقراط صاحبَ “رسالةٍ” متيقِّنًا تمام اليقين بوجاهتها ومشروعيَّتِها المعرفيَّة الأخلاقيَّة. ولمْ يرَ نفسَه مع ذلك “وصيًّا” ممثِّلاً لنداءٍ مفارقٍ ومتعالٍ عن وسع الإنسان بما هو إنسان. فالمعارف والفضائل موجودة في كلِّ إنسانٍ والنَّفس حُبلى بها. وهذا يعني أنَّ التَّوسُّط السِّياسيَّ ليس شرطًا ضروريًّا لبناء العقل وخطاب العقل. بل ويكون هذا التَّوسُّط في أغلب الأحيان معيقًا مثلما هو الحال في الدّيمقراطيَّة الأثينيَّة الّتي استحوذ السفسطائيُّون على “فضائها العام” وآراء أهلها. ولهذا السَّبب لم يكن سقراط قادرًا على “تأديب الأحداث وتعليم الجمهور” مثل ثراسوماخس السفسوطائيّ وإنْ كانت له القدرةُ على “الفحص العلميّ عن العدل والفضائل وقوَّةٌ على المحبَّة” مثلما ألمع إلى ذلك الفارابي في نهاية مقالته فلسفة أفلاطون. وإنَّ افتراض قيام المعارف والفضائل في النَّفس دون توسيطٍ سياسيٍّ يهدِّد المدينةَ في أسسها، لذلك لم يكن بإمكان أثينا إلاَّ إعدام الفلسفة.
  • كان سقراط على يقين قاطع بأنَّه ينتسب إلى “وطنٍ” آخر مع اعتزازه بأثينيَّتِه. وهو يُسمِّي هذا الوطن الآخر سياسيًّا بـ”العالم” (مُواطِن العالم)، ويسمّيه ميتافيزيقيًّا بـ”الخلود”. وإذا كان الانتساب “الدُّنيويّ” للعالم يعطِّل سلطةَ المدينة بما هي سلطةُ حدودٍ فاصلة بين صديقٍ وعدوٍّ وبين أهلٍ وغرباء وبين قريبٍ وبعيدٍ، فإنَّ الانتساب “الأخرويِّ” للخلود يعطِّل سلطة المدينة بما هي نظامُ تحويلٍ قهريٍّ لوجود الإنسان من وجودٍ لذاتِه إلى مجرَّد وجودٍ تراتبيٍّ للنَّاسِ بوصفهم “أجزاءَ مدينةٍ” (مواطنين) محكومين بالمنطق التفاضليِّ لثنائيَّة “الخدمة” و”الرئاسة” بحسب عبارات الفارابي. وما دام سقراط يرى أنَّ الموتَ ليس شرًّا وإنَّما انتقالٌ إلى عالمٍ أفضل، لم يكن بإمكان سقراط الهروب من السّجن كما اقترح عليه أصدقاؤه، ولم يكن بإمكان المدينة السفسطائيَّة إلاَّ إعدامه بحكم انتسابه إلى “سياسةٍ أخرى” و”عالمٍ آخر”.

الوضع الّذي وجد فيه ابنُ رشد نفسَه مختلفٌ عن الوضع السّقراطيّ. فابن رشد لم يواجه السفسطائيّين وإنّما واجه سوءَ التفاهم الرهيب الّذي حكم علاقة الفقهاء وعلماء الكلام والمتصوِّفة بالفلاسفة. وقد وصل سوءُ التّفاهم هذا إلى حدِّ الحكم بتكفير الفلاسفة في بعض المسائل واتّخذ هذا الحكم شكل الدّعوة إلى إبطال الفلسفة، في حين بخس المتصوّفة العقل البرهانيّ حقَّه وتجاوزوه نحو الذَّوق وضربٍ من العرفان مضنونًا به على غير أهله. وقد أدرك ابن رشد أنّ الأمر يتعلّق بمواجهة بين مطلقيْن هما: مطلق الوحي وقد اكتمل مع الرّسالة المحمّديّة (ختم النّبوّة) ومطلق العقل وقد اكتمل فلسفيًّا مع أرسطو (اكتمال النّسق). وأدرك أيضًا أنّ هذه المواجهة لا تعبِّر لا عن حقيقة الوحي ولا عن حقيقة العقل.

لهذا السّبب بحث فيلسوف قرطبة عن المعنى الممكن للاتّصال بين الحكمة والشّريعة: “فإنّ الحقّ لا يضادّ الحقّ بل يوافقه ويشهد له ]… [أعني أنّ الحكمة هي صاحبة الشّريعة والأخت الرّضيعة ]… [وهما المصطحبتان بالطّبع المتحابّتان بالجوهر والغريزة “. (ابن رشد، فصل المقال فيما بين الحكمة والشّريعة من اتّصال). فالتّعارض بين العقل والوحي هو إذن تعارضٌ عرضيٌّ. غير أنّ التّوافق الغريزيّ بين الحكمة والشّريعة لا يعني إمكانيّة التّوحيد بينهما فيما يمكن أن نسمّيه فلسفةً دينيّةً أو دينًا فلسفيًّا: فهما لا يخرجان من رحم واحد مشترك وإنّما الأخوّة بينهما أخوّة رضاعة.

وهكذا فإنّ الاتّصال بين الخطابين أو المعقوليّتين الدّينيّة والفلسفية هو التقاءٌ دون تداخلٍ وتمايزٌ دون تمانعٍ. ومردّ هذه الوضعيّة إلى أمرين: أولاهما أنّ الدّين بما هو دين (الملّة) هو دائمًا دين قوم مَّا أو أمّة مَّا، بينما العقل واحدٌ مشتركٌ بين جميع النّاس. وثانيهما أنّ وظيفة الملّة أخلاقيَّة سياسيّةٌ يكفي فيها أن يُحمَل النّصّ الدّينيّ على ظاهره حتّى لا تُشوَّش عقائدُ العامّة. أمّا وظيفة الفلسفة فمعرفيّةٌ لا يُكتَفى فيها بـ “مثال الحقّ” التّخييليّ الانفعاليّ (الأمثال المضروبة للنّاس في القرآن الكريم) وإنّما يُطلَبُ فيها “الحقّ في ذاته” عقليًّا وعلى سبيل الاستدلال البرهانيّ. وهذه المعرفة الفلسفيّة معرفة “خاصّية” لا تبني “جماعةً” ولا تنظّم مجتمعا. فلا يمكن للفلسفة أن تقوم إذن مقام الدّين. وهذا هو سببُ الفشل الذّريع في تجربة حيّ ابن يقظان وآسال كما سردها ابن طفيل في رسالته الفلسفيّة حيّ بن يقظان.

يبدو أنّ اليقين الّذي ادّعاه سقراط لنفسه فلسفيًّا فحكمت عليه الدّولةُ بالإعدام هو التّالي: العقل كاف لبناء المجتمع والدَّولة، وهذا هو الادِّعاء الأساسيّ لرسالة حيّ بن يقظان أيضًا، وكلا الادّعاءيْن باء بالفشل: فأمَّا سقراط فقد أُعدِم، وأمَّا حيّ بن يقظان وآسال فعادا إلى الجزيرة معزوليْن حتَّى أتاهما اليقين (الموت). وهكذا إذا كانت التّجربة التّاريخيّة قد كشفت أنّ العقل ضروريٌّ لبناء الحياة المدنيّة (هذا ما لم يفهمه الشعراء والسفسطائيّون) فإنَّها قد كشفت أيضًا أنَّه غيرُ كاف (وهذا ما لم يفهمه سقراط وحي بن يقظان).

وقد كشفت الدّولة من حيث هي دولة عن ماهيّتها في قرار إعدام سقراط. ولن تستطيع الفلسفةُ مطلقًـا أن تختزل الدّولةَ في مشروع العقل إلا وهي ” تُعدمُ ” ذاتهَا بذاتها إن لم يعدمها السّياسيُّ بيده. وهذا – في تقديري – المعنى الحقيقيّ لمفهوم اكتمال الفلسفة كما ادّعاه ابن رشد الشارح وادّعاه من بعده هيغل النّابولنيانيّ. فكلا الادّعاءيْن يعني إعدام الفلسفة بيَد الفلسفة ذاتها. ولكن إذا كانت الفلسفة محضَ معرفة خاصيّة لا تصلح لأهل المدينة فما وجه الحاجة إليها إذن؟ في الإجابة عن هذا السّؤال يكمن الدّرس الفلسفيّ الرّشديّ. فكيف ذلك؟

الحاجة إلى الفلسفة مزدوجة: فالفيلسوف هو الضّامن – إنسانيًّا – لما في الشّريعة من حقّ. وهو صلةُ الملّة بالعقل الكونيّ: أي هو القادر على الدّفع بالملّة في خصوصيّتها العقائديّة إلى كونيّة أحكام العقل. ولمّا كان الأمر كذلك فإنّ للفيلسوف الحقَّ (بل من واجبه) في “تأويل” الوحي وذلك سواءً لرفع التّعارض بين ظاهر آية وظاهر آية أخرى أو لرفع التّعارض بين ظاهر آية وبين ما يوجبه العقل. فباطن النّص موكولٌ إلى التّأويل الفلسفيّ لأنّه (هذا الباطن) ذو مضمون معرفيّ عقليّ. ولا يمكن لعقائد الملّة أن تكون عديمةَ الأساس المعرفيّ المشهود له عقلاً، وإلاّ كانت العقائدُ أوهامًا.

وهكذا يمكن القول إنّ للفلسفة وظيفةً مدنيّةً جوهريّة هي التّأسيس المعرفيّ لحياة الملّة وربط هذه الحياة بكونيّة الإنسان. ولهذا السّبب كان ابن رشد يرى في الفيلسوف “حاكمًا على الوجود” ويدعوه إلى الاضطلاع بمسؤوليّته الّتي يمكن إجمالُها في هذه العبارة: “واجب التّأويل”. والتّأويل عند ابن رشد لا يقابل بين حقيقتيْن وإنّما بين نظاميْن لحقيقة واحدة: فالحقّ واحد وإنّما التّعدُّدُ والاختلافُ في أشكال تجلّيه وأنماط قوله. فهل حافظت الفلسفة على وظيفة التّأويل تلك وما تفترضه من حفاظ على خطوط التّمايز بين الفلسفة والدّين؟  

لحظة ثالثة

ذهب هيغل إلى أنّ موضوع الفلسفة والدّين واحد هو الحقيقة/الله (مقدّمة الفصل الأوّل من موسوعة العلوم الفلسفيّة. وهو فصل في المنطق). وقد أدّى هذا الأمرُ إلى “الابتلاع” النَّظرانيّ للدّين في الفلسفة من حيث هي “العلم الموضوعيّ بالمطلق”. فهل يجوز للفلسفة أن تدّعي لنفسها اليقينَ النّهائيَّ على النحو الّذي يجعلها أعلى هيئات الرّوح المطلق (فوق الفنّ والدّين)؟ ثمّ ما طبيعة الدّولة الّتي يمكن بناؤها على أساس هذا العلم المطلق؟ ألن تكون دولةً كليانيةً مغلقةً انغلاق المفهوم المتطابق مع نفسه في هويّة محضة لا اختلاف يسكنها؟ 

لقد قاد هيغل الفلسفةَ إلى اكتمالها بوصفها ميتافيزيقا حين طابق بين الأنطولوجيا والمنطق، وقاد الدولةَ إلى ضرب من الإطلاقيّة تتجاوز الإرادة العامّة للشّعب وتتعالى على المجتمع المدنيّ، حين طابق بينها وبين العقل (وفي ذلك يكمن معنى الرّفض الهيغليّ لفلسفة العقد الاجتماعيّ). ويبدو أن ابن رشد كان من زاوية نظر تاريخ الفلسفة لحظة من لحظات التّشكّل الميتافيزيقيّ للمطلق الفلسفيّ “الحاكم على الوجود”. لذلك لم يكن غريبًا أن يكثّف ابن رشد مقولات العقل الفلسفيّ في مقولات العقل السّياسيّ كما تجلّى ذلك في شرحه لـ جمهوريّة أفلاطون تحت عنوان الضروريّ في السّياسة. ولكن لا ينبغي أن يحجب عنّا هذا الإحراج أمرًا طريفًا في فكر ابن رشد: لم يجعل فيلسوفُ قرطبة المطلقَ الفلسفيَّ أفقًا يذوب فيه المطلقُ الدّينيُّ لصالح تأليف سياسيّ “علمانيّ”  كما انتهى إلى ذلك هيغل في نظريّة الدّولة. فلماذا يرى البعضُ في ابن رشد إرهاصًا من إرهاصات العلمانيَّة؟ لماذا لا ينظرون في فصل المقال على ضوء المشروع الرّشديّ العامّ الّذي عبّر عنه كتابُ الكشف عن مناهج الأدلّة في عقائد الملّة؟

 اكتملت الفلسفةُ/العقلُ مع هيغل وصار تجاوزُها من أهمّ المهامّ الموكولة إلى الفلسفة المعاصرة. ومعنى اكتمال الفلسفة مع هيغل أنّ الفلسفة أنْهِيَت بقرارٍ فلسفيٍّ مثلما أُنْهِيَت بقرارٍ سياسيّ مع سقراط، وأنْهِيَت بقرارٍ علميٍّ لا يقف إلاَّ عند “الضَّروريِّ” مع ابن رشد.

“إنَّ عصرنا هو محاولة للافلات من قبضة هيغل” كما يقول ميشال فوكو (كتاب نظام الخطاب). وهذا الافلاتُ قد فُرض اليومَ على الفلسفة لأنّها لم تعد قادرةً على ادّعاء العلم المطلق. لقد أصبحت الفلسفةُ شيئًا آخر مختلفًا تمامًا عن صورتها الميتافيزيقيّة الّتي اكتملت مع هيغل. فكيف ذلك؟ وضمن أيّة شروط يمكن لنا أنّ نحرِّر الفلسفة من هذا التّاريخ الهيغليّ من ناحية، ومن القراءات المجتزءة الّتي تُخرجِ بعض النّصوص الفلسفيَّة عن الرّوح الفكريَّة العامَّة السَّاريَّة في تجربة التفلسف فكرًا وسيرةً؟

لقد أكّد برتراند راسل في كتابه  مشاكل فلسفيّةعلى أنّ الحقول المعرفيّة الّتي تمّت فيها الإجابةُ عن الأسئلة المطروحة غادرت الفلسفةَ نهائيًّا والتحقت بقائمة العلوم، طبيعيّةً كانت أو إنسانيّة (علم الفلك، الفيزياء، علوم النّفس والاجتماع وعلم اللّسانيّات…). فلم يبق للفلسفة شيءٌ إلاّ الفلسفة: أي المسائل الإشكاليّة الّتي لا يقين فيها. مجال الفلسفة هو إذن ذلك المجال الّذي كان قد رسمه كنط النقديّ منذ القرن 18: الأسئلة الّتي لا يستطيع العقلُ الكفَّ عن طرحها من ناحية، ولا يستطيع الإجابةَ عنها من ناحية أخرى. لا تكمن قيمة الفلسفة إذن فيما تقدّمه من معارفَ وإنّما تكمن في طابعها اللاّيقينيّ ذاته.

وإذا كانت مهمّة الفلسفة الحديثة مهمّةً توحيديّةً تسعى إلى تجميع التّجربة البشريّة وضمّها في كلّ موحَّد هو العقلُ- الدّولةُ، فإنّ التّشتّت المعاصر للحقول المعرفيّة وانفصال بعضها عن بعض لم يترك من فعاليّة مستقلّة للفلسفة إلاّ فعاليّة التّشخيص: “تشخيص الواقع” بحسب عبارة ميشال فوكو. ولكن ما طبيعة الواقع الّذي تعايشه كلُ فلسفة ولا يمكن لها بحال أن تتعالى عنه؟

الواقعُ هو باستمرار “كمّيّات من القوّة في حالة توتّر”. وهو من ثمّ “إنتاجٌ” للسُّلطة. وليست السّلطةُ مؤسّسةً أو بنيةً أو قوّةً يمتلكها البعض دون الآخر وإنّما هي “الاسم الّذي نطلقه على وضعيّة إستراتيجيّة معقّدة في مجتمع ما” أو في العلاقة بين المجتمعات مثلما بيَّن ذلك ميشال فوكو في نيتشه والفلسفة أو إرادة المعرفة. وهذه الوضعيّة الاستراتيجيَّة تستغرق كلّ مجالات الحياة وجميع أنشطة الإنسان بما في ذلك النّشاط المعرفيّ والفنّيّ والتّواصليّ. وليست الفلسفة بمنأى عن هذه الوضعيّة بل قد تكون أيضا متورّطةً فيها.

فما طبيعة المنزلة المعاصرة لفلسفة لا مهمّة لها في التّعامل مع الواقع إلاّ “التّشخيص” ولا قدرة لها في التّعالي عنه إلاّ بخلخلة اليقينيّات لأجل اللاّيقين؟ هل استوعبت المدينةُ المعاصرة كلَّ إمكانات العقل ولم تترك خارج معقوليّتها إلاّ الخواء؟ وإلى أيّ مدى يمكن الثقةُ في عقل إجرائيّ أداتيّ تورّط بعْدُ في آليّات السيطرة والاستغلال؟ أليس جديرًا بالفلسفة أن تستعيد التّساؤل النّقديّ عن أسس المشروعيّة سياسيّةً كانت أو معرفيّةً أو تقنيّةً؟

إنّ الأمر يتعلّق بهويّة الفلسفة ذاتها وبقيمتها. وهذا ما يفسّر – في تقديرنا – إخراج كتاب في ما الفلسفة؟ (جيل دلوز وقاتاري) وإصدار بيان لأجل الفلسفة (آلان باديو). لقد اشتدّت أزمة الفلسفة اليومَ بحيث ينبغي التّفكير مجدّدا في ماهيّتها وفي طبيعة الأدوار الّتي يمكن أن تؤدّيها. وقد يكون كتاب ما الفلسفة؟ لجيل دلوز وقاتاري من أهمّ الكتب المعبّرة عن هذه الوضعيّة المعاصرة للفلسفة. فكيف ذلك؟

 أكّد أفلاطون على أنّ الفلسفة “فنُّ السّؤال”. وأكّد هيدغر على أنّ الصّيغة الاستفهاميَّة “ما الفلسفة؟” لا تنتظر منَّا الإجابة عن سؤالٍ وإنّما تتطلب منّا الاستجابة إلى نداءٍ: فهذا الصّيغة صيغة طلب وجودانيّ لا صيغة استفسارٍ معرفيٍّ. وقد كان جيل دلوز مدركًا لما يستوجبه التّساؤل عن ماهيّة الفلسفة من جرأة وجدّة بالرّغم من أنّ السّؤالَ قديمٌ قدم الفلسفة ذاتها. الطّريف في الأمر أنّ هذا السّؤال يُطرح الآن وعمر الفلسفة أكثر من أربع وعشرين قرنًا. والأطرف من ذلك أن يثيره شخصٌ (دلوز) قضّى حياته في التّفلسف. قد يكون المقلقُ في الفلسفة أنّها لا تكفّ عن وضع الذّات موضع الاستفهام وعن المراجعة الجذريّة للهويّات. وقد يكون هذا الأمرُ سببًا مباشرًا في انزعاج السّياسيّ من الفيلسوف. كيف لا وجوهر التّفلسف هو الاختلافُ، الاختلاف مطلقًا؟

“الفلسفة هي فنُّ تشكيل المفاهيم، صنعُها، ابتكارُها” مثلما عرّفها دلوز وقاتاري في كتاب ما الفلسفة. والمفهوم من حيث هو إبداع فلسفيّ خالص هو دائمًا فريدٌ متفرّدٌ، أو هو فرادةٌ “Une singularité”: أي مطبوع مختوم باسم صاحبه. وقد يطرح البعضُ منّا السّؤالَ عن جدوى خلق المفاهيم وعن الفائدة المرجوّة منه: لماذا يجب خلق المفاهيم؟ ما الضّرورة الدّاعية إليه؟ ولأيّ شيء يصلح المفهوم؟

لا يرى جيل دلوز في هذا السّؤال وجاهةً. وهو لا يقبل الإجابة الّتي تذهب إلى أنّ عظمة الفلسفة تكمن في كونها لا تصلح لشيء. المشكل في نظر دلوز من طبيعة أخرى ولا يمكن إثارته داخل هذا الإطار البرغماتيّ. فلو كانت الفلسفةُ لا تصلح لشيء حقيقةً لما نشأ لها منافسون ولما انتصب ضدّها الخصوم. فالفيلسوف محبٌّ للحكمة. وإنّ المحبَّ ليعظم حبُّه بقدر وجود المنافسين والخصوم (العذّال والوشاة). والفلسفة الّتي هي حبُّ الحكمة لا تلقى منافسةً إلاّ في المدينة: أي في مجتمع يتكوّن من أحرار متنافسين (مواطنين). أمّا الإمبراطوريّات فلا تنافس فيها. ولهذا السّبب لا يتّخذ المفكّرُ داخل الإمبراطوريّات صورة “محبّ الحكمة” بل يتّخذ صورة “الحكيم- الكاهن”. وللفلسفة في مدننا اليومَ العديدُ من المنافسين لم يخطر ببال أفلاطون ولا جال بخياله إمكانُ وجودهم. لا يتعلّق الأمر بعلوم الإنسان فقط وإنّما يتعلّق أيضًا بالإعلاميّة وعلوم التّسويق والتّصميم والإشهار وصناعة الصّورة…

فكلّ اختصاصات الاتّصال قد شرعت بعدُ في ادّعاء أحقّيّتها في ابتكار المفاهيم وإنشاء التّصوّرات وصنع الأنماط: فالعاملون في هذه المجالات هم “مُمَفهمو” Concepteurs عصر التّقنية ولهم القدرة على تفعيل مفاهيمهم في الحواسيب والبرمجيّات كما أكَّد على ذلك دلوز وقاتاري. لقد تمّ توريط القدرة المفهوميّة في عمليّة التّسويق وما تقتضيه من تصوّر تنافسيّ لتقنيّات التّعليب. كما تمّ توريطُها في فضاءات الإعلام وما تقتضيه من تصّوّر تنافسيّ لتقنيّات التمويه.

لا تستوطن الفلسفةُ إلاّ المدينة. وهي قد استوطنت قديمًا أثينا فكان السّفسطائيّ منافسًا لها. واستوطنت بغداد ودمشق وقرطبة فكان الفقهاء وعلماء الكلام والمتصوّفة منافسين لها. وهي تستوطن اليوم الدّول الدّيمقراطيّة والمجتمعات الصّناعيّة المتقدّمة تقنيًّا وينافسها في ذلك أرباب السّوق والإعلام في نسق غير نسقها مرّة أخرى: هو نسق الاستهلاك وثقافة الجموع.

غير أنّ التّوطينَ في الفلسفة يتبعه دائمًا التّرحيلُ بحثًا عن حقول ملائمة للمحايثة بحسب عبارة جيل دلوز وقاتاري. ويستعمل دلوز وقاتاري للدّلالة على حقل المحايثة مفهوميْ الأرض والشّعب وذلك في الفصل المعنون “جيو- فلسفة” من كتاب ما الفلسفة حيث يؤكّد الكاتبان على أنّ الفلسفة لا تاريخ لها بل لها جغرافيا. وهما يذهبان في السّياق ذاته إلى أنّ الفلسفة ستستوطن أرضًا جديدة وشعبًا جديدًا غير أرض وشعوب الدّولة الدّيمقراطيّة ومجتمع الصّناعة والتّقنية: فهذا المجتمع قد حوّل الفكر ذاته إلى صناعة كما حوّل التّواصل إلى تقنية وميّع الحوارَ وبدّد معنى الحجاج وعطّل شروط الاحتجاج.

فالفلسفة مترحِّلةً باستمرار. والتِّرحال الفلسفيّ خارج المدينة الحديثة والمعاصرة قد يتَّخذ شكل المشروع الطّوباويّ Utopie. والملاحظ أنّ جيل دلوز وقاتاري يكثران من استعمال هذا المفهوم في سياق هذه الجيو- فلسفة. وكأنّ مصير الفلسفة أن تتحرّر من كلّ جغرافيا وأن تستوطن “اللاّ- مكان”. فهل معنى ذلك أنّ الفيلسوفَ حريٌّ به من حيث هو فيلسوف أن يكون “مواطن العالم” مثلا؟ ثمّ أَ لمْ يتمّ السّطوُ على مشروع المواطنة العالميّة الفلسفيّ من قبل مشروع العولمة السّياسيّة الاقتصاديّة العسكريّة الثّقافيّة؟

إذا كان المشروع الفلسفيُّ يقتضي رفع الحدود لأجل التَّعارف ويسعى لتعميم شروط الحوار الجادّ، فإنّ مشروع العولمة يقتضي رفعها لأجل التّسويق ويسعى لتعميم ظروف الاستهلاك وإدارة مخاطر الحرب الممكنة. ويبدو أنّ مشروع الحرب قد أخذ يرجّح الكفّة لصالحه ضدّ مشروع الحبّ. ويبدو أنّ مشروع الحبّ هذا قد صار بعدُ مجرّدَ حلم طوباويّ. فهل يمكن للفلسفة أن تجد في الأرض العربيَّة حقلا جديدًا للمحايثة ترتحل إليه وتنشئ من داخله “شخوصَها المفهوميّة”؟

قد تمتلك الفلسفةُ جغرافيّةً جديدةً ولكن بشرط أن يستفيد العقل العربيّ من الدّرس الفلسفيّ السّقراطيّ والرّشديّ والدّلوزيّ. لا ينبغي للعقل الفلسفيّ أن يُعدَم في مدننا ولا أن ينتحر: فهو الضّامن الوحيد للدّخول من جديد في حركة الفعل في التّاريخ واستعادة الأفق الكونيّ لكينونتنا ولمقامنا الأخلاقيّ. ولكن ينبغي على الفلسفة عندنا ألاّ تخطئ في التّعرّف على الخصوم المنافسين حتّى لا تخوض حروبًا وهميّة.

لا يوجد الفيلسوفُ إلاّ وله خصومٌ منافسون وإلاّ صارت المدن إمبراطوريّات. ولكن لا يكون الفيلسوف مفكِّرًا أصيلاً إلاّ متى أصاب أوّلا في التّعرّف على خصومه الحقيقيّين. ولهذا السّبب لن تبنيَ شعوبُنا مدنًا ديمقراطيًّا إلاّ إذا أمكن لمفكّريها أن يميّزوا بين مراتب الخطاب وأنماطه على نحوٍ أورغانولوجيّ واضح، وأن يحرّروا العقل من السّلطة ومن الولع بالنّفوذ والنّزوع إليه باسم حقيقةٍ نهائيَّة مطلقة: ذلك هو معنى البناء العقليّ التَّعقُّليِّ للمدينة. وفي ذلك تكمن حاجة المدينة إلى الفيلسوف وإنْ كانت مدينةَ ملّة أو مدينةً ملّيّة كما تمثّلها الفارابي وابن رشد. فليس أخطر على المدينة من العقل المطلق الهيغليّ فهو ألدّ أعداء “المجتمع المفتوح” بحسب التوصيف الّذي بناه كارل بوبر في بداية الحرب العالميّة الثّانية: فقد أدرك بوبر أنّ هيغل افتتح تاريخا جديدا للفلسفة هو تاريخ “انعدام الشّرف” كما ألمع إلى ذلك في كتابه المجتمع المفتوح وأعداؤه. ويمكن إجمال هذا المنعرج الهيغليّ في هذه النّقاط التّأليفيّة:

  • فقد رفع هيغل الفلسفة من “حبِّ الحكمة” إلى “الحكمة” ذاتها فاستبدل اللاّيقين المنهجيّ المفتوح بيقين مذهبيّ مغلق. وقد أُنْهِيت الفلسفةُ مع هيغل فلسفيًّا مثلما أُعدم سقراط في أثينا سياسيًّا. وإذا كانت الدّولة قد كشفت عن بعدها اللاّعقلانيّ (دون العقل وفوقه = المصلحة الّتي تنتصب الآلهةُ راعيةً لها) بمناسبة سقراط- النّظريّ (العقل والفكر المفهوميّ) فإنّ الفلسفة قد كشفت هي الأخرى عن بعدها اللاعقلانيّ (فوق العقل ودونه = المطلق الّذي هو في الأصل موضوع الرّغبة والتّيموسThymos) بمناسبة هيغل- النّابولنيانيّ (العقل الممتطي صهوة الحصان) الّذي وجد في العقل المطلق أيضا مسوِّغًا لإبادة السكان الأصليِّين في القارّة الجديدة.  
  • وقد توهّم هيغل أنّه بإمكان العقل الفلسفيّ أن يقوم بديلا عن الإيمان الدّينيّ وإن على سبيل الاحتفاظ والتّجاوز. وفي ذلك إلغاءٌ لمفهوم الاتّصال الرّشدي الّذي يفترض أنّ يشهد الحقُّ للحقّ لا أن يلغيه على سبيل التَّجاوز الجدليِّ.
  • وقد تصوّر هيغل أن جدليّة الرّوح يمكن أن تنتهي إلى تجاوز الاختلاف بردّه إلى وحدة المفهوم والهويّة وإن كان ذلك عبر الصّيرورة التّاريخيّة والمرور بكلّ أشكال الاغتراب وهيئات التّخارج. وقد أدركت الفلسفة المعاصرة خطورة هذا المشروع واستعاضت عنه بمفاهيم التّنوّع والاختلاف على جميع الأصعدة الثّقافيّة والسّياسيّة، وكثَّفت ذلك أنطولوجيًّا في مبدأ الفرق بديلاً عن مبدأ الهويَّة كما عمل على ذلك ج. دلوز وأعلام فلسفات الفرق عمومًا.

فلسفة المدينة ومدينة الفلسفة في حاجة إذن لاستخلاص الدَّرس السُّقراطيّ على غير النَّحو الأفلاطونيّ الدَّاعي إلى توحّد العقل والدَّولة في شخص الفيلسوف- الحاكم. وهما في حاجة إلى قراءةٍ عميقة ورصينة لإشكاليَّة الاتِّصال الرّشديَّة خارج المآل الهيغليّ لفكرة المطلق. ولا يمكن أن تستوي العلاقة بين الفلسفة والمدينة دون التجاوز النهائيِّ لمبدأ الهويَّة المنطقي- الأنطولوجيّ وللحلّ الجدليّ القائم على التأليف أو الشميلة النهائيَّة، وذلك في اتّجاه فكرٍ فارقيٍّ يؤصِّل للاختلاف والتَّنوّع.     

************

التّعقّليّة في فكر الفيلسوف التونسيّ فتحي التّريكي

‏أسبوعين مضت دراسات وأبحاثعامةفلاسفة 0

سالم العيّادي سالم العيّادي كلّية الآداب والعلوم الإنسانيّة. جامعة صفاقس “العيش سويًّا في السّلم والسّعادة، هذا هو موضوع التّعقّل”. فتحي التّريكي، الهويّة ورهاناتها. ص. 80. “هذه الدّرجة الانفتاحيّة للعقل هي الّتي سمّاها هابرماس بالفعل التّواصليّ وهي الّتي حاولنا إيجادها في التّعقّليّة اعتمادًا على مفهوم التّعقّل الفارابيّ. والتّعقّليّة تعتمد العقل النّظريّ …أكمل القراءة »

تمرينٌ فلسفيٌّ في دلالةِ المشتركِ لغةً[1]

‏4 أسابيع مضت أخرىمفاهيممقالات 0

سالم العيَّادي د. سالم العيَّادي أستاذ الفلسفة بجامعة صفاقس، الجمهوريَّة التونسيَّة تمهيد     ما المشترَك؟ أَ قبليٌّ هو أم بعديٌّ؟ وبأيّ معنى يكون المشترَكُ شرطَ إمكان الحضارة والتّاريخ من ناحية، ومعيقًا لكلّ وثبة حضاريّة مبدعة وتقدّم تاريخيّ خلاّق من ناحية أخرى؟ ثمّ إلى أيّ مدى يجوز إرجاع الأزمات الإنسانيّة (روحيّةً 

شاهد أيضاً

أفاية ينعي الفيلسوف محمد سبيلا

محمد نورالدين أفاية محمد نورالدين أفاية بوفاة محمد سبيلا فَقَدَ المغرب أحد المثقفين البارزين والأساتذة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *