الرئيسية / منتخبات / عامة / غسيل المعرفة في المؤسسة الثقافية والفنية

غسيل المعرفة في المؤسسة الثقافية والفنية


هايل علي المذابي

هايل علي المذابي

غسيل المعرفة

يشير مفهوم الغسيل في معناه العام إلى عملية إزالة للقذارة التي إلتصقت بشيء ما نتيجة لممارسة عملية، من خلال وضعه في وعاء مخصص، باستخدام مساحيق تنظيف، ثم القيام بتجفيف ذلك الغسيل عبر نشره في قنوات مخصصة.

أما غسيل المعرفة فهو مصطلح مستحدث يقصد به عملية إزالة الشبهات، والقذارة عن كيانات وأشخاص وظواهر وأحداث ومعارف، في أوعية خاصة تناسب كل مجال، باستخدام مساحيق تنظيف كالنصوص المقدسة والمقولات الإنسانية والمعارف النظيفة ثم القيام بتجفيفها ونشرها في فضاءات مناسبة لكل مجال وهذا الشكل يتناسب مع مخرجات المؤسسات الإعلامية والثقافية والفنية.

ويمكن أن يشير مصطلح غسيل المعرفة إلى التصرف في معرفة بيضاء نظيفة المصادر في سبيل مصالح وأهداف قذرة وغير شرعية، كما قد توصف عملية غسيل المعرفة بأنها عملية تهدف إلى إضفاء شرعية قانونية على معرفة محرمة، لغرض نسبتها إلى شخص آخر غير صاحبها الأصلي، ويتم ذلك بالتصرف فيها بدون ذكر مصادرها وإعادة صياغتها وادعاء ملكيتها ومن ثم إدارتها أو حفظها أو استبدالها أو إيداعها أو استثمارها أو تحويلها أو نقلها أو التلاعب في مضمونها، ويحدث هذا في كل الأوساط الأكاديمية وأحيانا كثيرة في الأوساط الإبداعية والأدبية والفنية، وعملية غسيل المعرفة في الشكل الأول والثاني لا تختلفان من حيث أنهما جريمة من جرائم المعرفة السوداء وهي مما يمنعه الشرع ويحرمه.

طرق غسل المعرفة

ينقسم غسيل المعرفة إلى جزئين:

الشكل الأول من غسيل المعرفة فهو عبارة عن إعادة تدوير لمعرفة نظيفة تم استخلاصها من كتب الحكمة والكتب المقدسة، أي هي عملية إعادة للصياغة وهذا الشكل منتشر بشكل واسع لدى فئة النخبة من الإعلاميين والأكاديميين والكتاب والمؤلفين في مختلف المجالات، ثم بعد استخلاص هذه المعارف وإعادة تدويرها وإنتاجها يتم استخدامها لأغراض، في معظمها، أغراضا تجارية واستثمارية، تحت مسمى إبداعي لا يدل على قدرات صاحبها العالية في الإبداع والابتكار الفكري والمعرفي والفني.

أما الشكل الثاني من غسيل المعرفة فهو يحمل المعنى العكسي لهذه العملية حيث يقوم غاسل المعرفة باستخلاصها من مصدر مشروع وهو في ذات الوقت لا ينكر ذلك أو يدعي ملكية هذه المعرفة، ولكن تصريف هذه المعرفة وتخريجها يكون في سبيل إضفاء صفات شرعية على عمليات محرمة ويحدث هذا بكثرة في مجال القانون والإعلام والمؤسسات الدينية حيث تستخدم التشريعات القانونية والسماوية في سبيل تبرير وتحليل كل محرم، وأحيانا يستخدم النفوذ لتكتمل عملية غسيل المعرفة بدون أدنى شبهات. وسنرى في التفاصيل القادمة من هذا الكتاب نماذج كثيرة لتصاريف هذه المعرفة النظيفة وكيفية التصرف فيها.

تبييض المعرفة

إن كلمة غسل المعرفة وكلمة تبييض المعرفة يلتقيان في دلالة مفهومهما. وهذا يعني استخدام حيل ووسائل وأساليب للتصرف في معرفة غير مشروعة، وغير قانونية، لإضفاء الشرعية والقانونية عليها. واصطلاح غسل المعرفة، وتبييض المعرفة هي مصطلحات لأول مرة ترد في هذا الكتاب وهي من إنتاج خالص لمؤلف الكتاب. وتعبر كاصطلاح عصري هو بديل للمعرفة الخفية أو المعرفيات السوداء أو معرفيات الظل. وتعني استثمار المعرفة المأخوذة من مصادر غير مشروعة، وخلطها بمعرفة أخرى مشروعة، واستثمارها في أنشطة مباحة شرعاً وقانوناً لغرض إخفاء مصدرها اللا مشروع والخروج من المساءلة القانونية، بعد تضليل الجهات الرقابية.

وتعني أيضا تنظيف المعرفة القذرة التي يشتهر بها فعل كيان أو مؤسسة أو أفراد بمعرفة نظيفة ومشروعة مأخوذة من مصادر كل ما يعرف عنها أنها رمز للشرعية والخلوص من القذارات، أو يتم تبرير مواقف من خلال عمليات مقارنة بين مواقف لا شك في أنها نظيفة من التاريخ اشتهر بها أو اشتهرت بها كيانات أو أفراد بمواقف أخرى لكيانات أو أشخاص ينطوي ورائها الكثير من الخبث وسوء النوايا أو أنها عموما تتسم بالقذارة.

في السياق الثقافي نتحدث عن غسيل المعرفة بجميع الأوجه المذكورة آنفا وفي كل أشكال الممارسات الثقافية.

·       الترجمة

اتسمت عملية الترجمة التي تعتمد عليها مشاريع المثاقفة دائما بصفة “المعرفة السوداء” وهي صفة غير شرعية كانت ملازمة لها دائما، وهي ليست فقط على صعيد الثقافة فقط بل وفي كافة الأصعدة والمجالات، فنجد مثلا أن عملية الترجمة للأفكار الشيوعية لدى حزب البعث العراقي استمت بهذه الصفة فكانت عملية الترجمة لتلك الأفكار تتعمد ان تنقل تلك الأفكار وتترجمها بما يتوافق مع ما تريده هي ونتيجة لذلك فقد فهم المنتمون إلى هذا التيار النظرية الشيوعية بطريقة أخرى غير ما رسمتها النظرية الشيوعية الأساسية، وهنا أخطأت الممارسة لهذه النظرية دائما في الأوساط العربية بل وإنها تذهب في وجهات أخرى غير وجهات العمل الشيوعي أو لنقل بوضوح انها تغرد خارج السرب. ولعل هذا السبب بالذات هو ما يجعل نظرية “خيانة المترجم” نظرية صحيحة جدا وفقا لهذا المنظور ووفقا لهذه الممارسة.

بدلا من تلك الممارسة الخاطئة والاعتساف في عملية المثاقفة من خلال الترجمات الخاطئة، كان الأجدى انتهاج سلوك خلق وتوليد “الكائن الثالث”، بمعنى ﺇﻥ ﺍﻟﺘﻘﺎء ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺎﺕ ﻗﺪ ﻳﺆﺩﻱ ﺇﻟﻰ ﻧﺘﻴﺠﺘﻴﻦ، ﻓﺈﻣﺎ ﺃﻥ ﻳﺆﺩﻱ ﺇﻟﻰ ﺗﺼﺪﹼﻉ ﻭﺍﻧﻬﻴﺎﺭ ﻧﻤﻮﺫﺝ ﺃﺣﺪ ﺍﻷﺷﻜﺎﻝ ﺍﻟثقافية، ﻭﺇﻣﺎ ﺃﻥ ﻳﺆﺩﻱ ﺇﻟﻰ ﺗﺄﻟﻴﻒ ﺃﺻﻴﻞ ﺑﻤﻌﻨﻰ ﻭﻻﺩﺓ ﻧﻤﻮﺫﺝ ﺛﺎﻟﺚ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺍﺧﺘﺰﺍﻟﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻤﻮﺫﺟﻴﻦ ﺍﻟﺴﺎﺑﻘﻴﻦ. ﻭﻫﺬﺍ ﻳﻌﻨﻲ ﺃﻧﻪ ﻟﻴﺲ ﻫﻨﺎﻙ ﺗﻼﻗﺢ ﺣﻀﺎﺭﻱ ﺩﻭﻥ ﻣﺴﺘﻔﻴﺪ ﻭﺍﻟﻤﺴﺘﻔﻴﺪ ﺍﻷﻭﹼﻝ ﻫﻮ ﺍﻟﻤشهد الثقافي ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﻤﺜﻞ ثقافة متميزة عن الأشكال الثقافية ﺍﻷﺧﺮﻯ ﻭﻣﺘﻤﺘﻌﺎﹰ ﺑﻨﻔﺲ ﺍﻟﻘﺪﺭ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﺍﻗﻌﻴﺔ ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻫﻮ ﻓﻜﺮﺓ ﻣﺠﺮﺩﺓ. ﻭﻣﺴﺎﻫﻤﺔ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺎﺕ ﺍﻟﻔﻌﻠﻴﺔ ﺍﻟﻤﺨﺘﻠﻔﺔ ﻻ ﺗﻘﺘﺼﺮ ﻋﻠﻰ ﻻﺋﺤﺔ ﺍﺑﺘﻜﺎﺭﺍﺗﻬﺎ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ، ﺧﺎﺻﺔ ﻭﺃﻥﹼ ﺍﻟﺒﺤﺚ ﻋﻦ ﺟﺪﺍﺭﺓ ﺛﻘﺎﻓﺔ ﻣﺎ ﺑﺎﺧﺘﺮﺍﻉ ﺃﻭ ﺑﺂﺧﺮ ﻫﻮ ﺃﻣﺮ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺍﻟﺘﺜﺒﺖ ﻣﻨﻪ، ﺛﻢ ﺇﻥ ﺍﻟﻤﺴﺎﻫﻤﺎﺕ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ ﻳﻤﻜﻦ ﺗﻮﺯﻳﻌﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﺻﻨﻔﻴﻦ، ﻓﻤﻦ ﺟﻬﺔ ﻟﺪﻳﻨﺎ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻣﻦ ﺍﻹﺿﺎﻓﺎﺕ ﺍﻟثقافية ﻭﺍﻟﻤﻜﺘﺴﺒﺎﺕ ﺍﻟﻤﻌﺰﻭﻟﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺴﻬﻞ ﺗﻘﻴﻴﻢ ﺃﻫﻤﻴﺘﻬﺎ ﻭﻫﻲ ﻣﺤﺪﻭﺩﺓ ﻭﻣﻦ ﺍﻟﺠﻬﺔ ﺍﻟﻤﻘﺎﺑﻠﺔ ﻟﺪﻳﻨﺎ ﺇﺳﻬﺎﻣﺎﺕ ثقافية ﻧﺴﻘﻴﺔ ﺗﺮﺗﺒﻂ ﺑﺎﻟﻄﺮﻳﻘﺔ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ ﺍﻟﺘﻲ تختارﻫﺎ ﻛﻞﹼ ثقافة ﻟﻠﺘﻌﺒﻴﺮ ﺃﻭ ﻹﺷﺒﺎﻉ ﻣﺠﻤﻮﻉ ﻃﻤﻮﺣﺎﺕ ثقافية ﻭﺍﻟﻤﺸﻜﻞ ﻻ ﻳﺘﻤﺜﻞ ﻓﻲ ﻗﺪﺭﺓ ثقافة ﻣﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻻﻧﺘﻔﺎﻉ ﻣﻦ ﻧﻤﻂ ثقافي ﺁﺧﺮ ﻭﻟﻜﻦ، ﺇﺫﺍ ﻣﺎ ﻛﺎﻥت هذه الثقافة ﻗﺎﺩﺭة ﻭ ﺇﻟﻰ ﺃﻱﹼ ﻣﺪﻯ تكون ﻗﺎﺩﺭة ﻋﻠﻰ ﻓﻬﻢ ﻭﻣﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟثقافة ﺍلأﺧﺮى؟ ﻭﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻨﻄﻠﻖ ﻓﺈﻥ ﺍﻟثقافة العالمية يمكن ﺃﻥ توجد ﺇﻻ ﻛﻔﻜﺮﺓ، ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺃنها ﺗﺤﺎﻟﻒ ﻟﻠﺜﻘﺎﻓﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺤﺘﻔﻆ ﻛﻞﹼ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻣﻨﻬﺎ ﺑﺨﺼﻮﺻﻴﺘﻬﺎ.    

وهنا لا يصبح الكائن الثالث غير شرعي أو إفرازا لممارسة خاطئة هي غسل المعرفة وتصريفها بطريقة غير شرعية بل عملية عملية مثاقفة في جزء منها وإبداع وابتكار في جزئها الآخر.

·       الثقافة

وثمة شكل آخر لسلوك “المعرفة السوداء” نجده بوضوح في الفهم المغلوط لفكرة الثقافة وغايتها، إذ أن الثقافة في غايتها لها مهمة أساسية وهي إشاعة ونشر ثقافة السلام والحوار في المجتمع دائما لكن تصريف الثقافة في مخارج غير هذه المخارج هو ذاته سلوك المعرفة السوداء وانتهاج سبلها فنجد أن هذه المهمة، أي مهمة إشاعة تلك الانواع من الثقافة، نتيجة لسلوك منهاج المعارف السوداء وغسل المعرفة وتصريفها في قناة أخرى غير شرعية ومنها ثقافة الاعتماد على الثقافة في سبيل التكسب كغاية في العمل الثقافي، ما ينتج عنه تبعا لذلك بالضرورة تخلف المجتمع وظهور أعراض كثيرة جميعها سلبية نتيجة طبيعية للممارسات الخاطئة في هذا الوسط. فلو قلنا أن الحديد لا يفلّه إلا الحديد فهو قول صائب تماما، وفي سياق أعم ليس للعولمة أي تأثير في هويات الشعوب والمجتمعات إلا عن طريق أبنائها المثقفين، فهم من يرسخ قيم الولاء والإنتماء لدى المجتمع وهم من يرفع وعي الناس إيجابا وسلباً وفي كافة القضايا وإذا كان المثقف بمنأى عن ذلك الدور الريادي له فذلك أهم سبب من أسباب تخلف المجتمع.

·       المثقف

وفي سياق آخر نجد أن الثقافة نتيجة لانتهاج سلوك المعرفة السوداء وغسل المعرفة يتم استخدامها كسلاح يتم به القضاء على المثقف والأديب في بلده أو في حال كان لاجئاً في بلد آخر. مثلا نجد أن خصومة أو شجار من أي نوع قد يتحول، نتيجة الرغبة في الإنتقام، إلى سبب كافٍ ليتم به القضاء على أي لاجئ من طبقة المثقفين في بعض الدول العربية، وباستخدام الثقافة ذاتها التي يفترض بها نصرته، حيث يلجئ ابن البلد الأصلي للبحث، بواسطة معارفه في الوسط الثقافي، عما يوقع به المثقف اللاجئ، والحديث الآن عن حالات حقيقية، فيتم النبش في مضامين كتابته ثم يبدأ تأويلها بطريقة متعسفة خبيثة وشيئا فشيئا حتى يصل الأمر إلى المفتي الذي يصدر فتواه مستخدما معرفة نظيفة ويحولها إلى معرفة قذرة تحكم بإعدام المثقف اللاجئ أو الحكم بسجنه بالإعدام، وهذا وفقاً لدراسة نقدية يجمع عليها أهل الحل والعقد من النقاد في عالم الأدب والثقافة.

·       الأعمال الإبداعية

ومن الأشكال الأخرى كذلك ما عانته الأعمال الإبداعية في أغلب المجالات بما فيها الفنية والأدبية على السواء لأمد غير قليل من هيمنة فكرة “الاستغباء” التي انتهجها المنتجين في أعمالهم في التعامل مع ذهنية المتلقي فمثل النتاج الجيد من مجمل ذلك النتاج نتيجة لتلك السياسة المنتهجة في إنتاج الأعمال قلة قليلة جدا وهذه الأعمال الجيدة فقط هي التي استخرجت منها الشروط والقواعد بالنسبة للممارسة النقدية لكن هذه الممارسة النقدية تغيرت تبعا لطبيعة المادة النقدية النظرية في مراحل أخرى منها هذه المرحلة التي نعيشها حيث أصبحت المادة النقدية معتمدة على نماذج تنتهج سياسة الاستغباء فأفرزت فكرا وممارسة نقدية تستغبي الفنان فيما يريده وهذا يفتضح بجلاء أثناء دراسة أعمال قديمة جيدة كانت بعيدة عن هذه الفكرة في إنتاجها وبهذا يبدو الفنان في عمله من خلال هذه الممارسة النقدية التي تتناوله ضحية لغباء الناقد وبالتالي لا يسلم المتلقي من أن يكون ضحية أخرى نتيجة لهذه الممارسة الخاطئة.

هذه المعرفة التي اكتسبها هذا المشتغل بالعملية النقدية كان له منذ البداية طبيعة “المعرفة السوداء”؟.

 الأمر الآخر الذي يمكن ملاحظته في سياق الحديث عن سلوك غسل المعرفة وانتهاج أساليب المعارف السوداء هو فكرة الإنغلاق على ثقافة النجاح والصواب المطلقة في الرأي، ففي حين أن سيكولوجية الخطأ تفرض على العملية الإبداعية باتساع رقعة مجالاتها أن الخطأ جزء أصيل منها لكننا نجد ان الخطأ يعتبر وصمة اجتماعية لا يمكن تقبلها لا في سياق المؤسسات ولا في سياق سلوكيات المرء وشخصيته وهنا لا بد من التوضيح ان الخطأ جزء لا يتجزأ من العملية الإبداعية مع فارق أن الأخطاء الذكية هي التي يفترض أن تتقبلها المؤسسات والأفراد حيث لها طبيعة استراتيجية من حيث أنها تفرض على المشتغل بالعملية الإبداعية في الفنون والنقد التعلم من الخطأ والحرص على عدم تكراره لكن الإنغلاق على ثقافة عدم تقبل الأخطاء هي من ناحية تكبر وهذه الصفة منبوذة في قيم المجتمع والثقافة والفنون عموما ثم إن الإصرار على الخطأ قد يجعل لمن يمارس العملية الإبداعية ضحية لهذا الإنغلاق فيكون مجمل نتاجه عبارة عن مجموعة من الأخطاء التي بنيت على ثقافة التكبر وعدم قبول الاعتراف بالخطأ.

لكن لا يمكن ايضا الركون إلى هذه الثقافة المتسامحة مع الخطأ وقبوله لإن ثمة اخطاء وهي فادحة وغير ذكية وليس لها طبيعة استراتيجية ولهذا فهي غير مقبولة أصلا ولا تفيد إلا بأن صاحبها مدعي وفي السياقات الكبرى والطليعية في أي مجال تظهر أخطاء هذا الشخص بأنه محتال وأن معرفته منذ البداية لها طبيعة “المعرفة السوداء”.

·       السينما

وثمة معرفة سوداء أخرى نجد ان المؤسسة السينمائية قد اتسمت بطابعها في ممارستها حيث يفترض بممارستها أنها ممارسة بغرض تقديم رسالة واستخدام هذه الأداة استخداما شرعياً لكن ما يحدث بوضوح هو استخدام هذه الأداة لتصريف معارف غير شرعية من خلال قنوات يفترض أن لها صفات تصريف معارف شرعية فثمة نمط سائد نجد ملامحه بوضوح ويجسد هذه الفكرة وهو نمط الأفلام الذي يحبب المجتمع في الجريمة بل ويروج لها دائما فبدلا من التركيز على عملية الترغيب في الفضائل والترويج لها نجد ان العكس هو ما يحدث فالثقافة السينمائية العالمية في معظمها تروج للجريمة والمجرمين من خلال منصات العرض فبدلا من أن يكون الفيلم الذي يستمر لمدة ساعتين يصور العاقبة التي قد تكون نتيجة طبيعية للممارسات الخاطئة في البيئة الاجتماعية نجده يعرض تفاصيل الجريمة ليرغب فيها ثم يخصص مدة دقيقتين او أكثر من الفيلم للعقوبة التي ينالها المجرمون.

كما ان ثمة ما هو أشد نكايةً من الصمت ذاته بالنسبة للممارسة النقابية والحقوقية في عمل مؤسسات الفن والثقافة فهي تتعمد الصمت دائما ضد ما يحدث كل يوم من عمليات إجرامية وإرهابية ولا يحدث أنها قد تكلف نفسها بعقد اجتماعا أو حتى تصدر بيانا واحدا بخصوص ذلك، لكن ما أن يهفو فنان أو مثقف بلا قصد كما فإنها تهب سراعاً لتدمر حياته وسمعته التي ظل طيلة عمره يبنيها و ليس لديها أي حرج في ذلك على الإطلاق.

·       النقد

إن أسوأ مرحلة قد يمكن أن تعيشها عصور النقد هي تلك التي يضفي فيها الناقد صفة القاضي على تفاصيل أسلوبه أياً كان جمهوره المستهدف وأيا كان موضوعه الذي يتناوله حين يحكم بالبراءة أو الإدانة لإن النقد في هذه الحالة يأخذ مسارا غير مساره وهو مسار المعرفة السوداء فالعملية النقدية ليست حتى في أسوأ حالاتها وهي ممارسة النقد بلا مرجعيات أو تعليلات لما نصدره من أحكام هي بطبيعتها تحتكم إلى الذوق والذوق عبارة عن ملكة تمزج بين العاطفة والعقل والإحساس وهذا المزيج بالضرورة لا بد أن يسير في اتجاه تمييز العناصر الجميلة في الممارسة النقدية وإن كان ثمة مجال لإصدار حكم ما فذلك يعني ان يكون هذا الحكم في سياق هذه العناصر الإيجابية والتي يحقق تنميتها في الممارسة النقدية وعيا جماليا عاما يتجه بالضرورة نحو هذه الممارسة والعكس يصبح واقعا أيضا.

إن التركيز على ما هو سيء في الممارسة النقدية لا بد أن يكون له أسس ولا يتم السياقات الصغرى والشؤون التافهة بل يتم في السياقات العامة وحول مضامينها باعتماد تام على منطق عقلي وعلمي في التعليلات التي تخلق معرفة حقيقية تنتهج لممارسة عملية تصحيح الأخطاء.

إن التركيز على أخطاء الأطفال مثلا كنوع من النقد لا يخلق أطفالا أسوياء بل على العكس فغالبا ما تنشأ الأجيال وفقا لهذه الممارسة على شغف كبير في ممارسة كل ما تم تحذيرهم منه من أخطاء في حين لو تم التركيز على إيجابياتهم لكان الحصاد حبا واضحا يتجسد في تلك المواهب العظيمة التي تظل تكبر بالممارسة الايجابية حتى تؤتي ثمارها العظيمة في مراحل متقدمة من حياتهم.

*************

غسيل المعرفة في المؤسسة الدينية!

27 مايو 2020 عامةمساهماتمفاهيم 0

هايل علي المذابي *احتمالية النصوص ومرونتها، مبرر تشوه المقدس؟!. هايل علي المذابي  إن النصوص الدينية بكل أشكالها هي عبارة عن مواد تتصف بالمرونة والمطاطية، ولا يمكن أن يصدق عليها التأكيد الجازم فيما تذهب إليه هذه النصوص من معنى، بمعنى أنها مواد احتمالية في معناها ولكنها لا تعطي

الهجرة الجديدة: هجرة المثقفين والأكاديميين إلى المهن الدنيا في أزمنة الحرب

‏4 أسابيع مضت عامةمتابعات 0

هايل علي المذابي  هايل علي المذابي عندما يحدث تغير في البيئة فإن الكائنات أمام ثلاثة خيارات: الأول هو الهجرة إلى بيئات جديدة والثاني هو التكيف والتأقلم الناتج عن تغير جيني (اصطفاء طبيعي) والثالث هو الإنقراض..تفرض بيئة الحروب على النخب الفنية والثقافية والفكرية ما تفرضه على الكائنات أي

“رحلة روح” رواية مأهولة بالروح والفكر والسرد الشيق!

1 يناير 2021 تغطيةكتبمتابعات 0

هايل علي المذابي هايل علي المذابي منذ عامين صدرت رواية “رحلة روح” للكاتبة والأديبة اليمنية المبدعة شروق عطيفة* عن دار نشر إماراتية وتحكي الرواية عن قصة شاب يبحث عن مجنون في أحياء مدينة صنعاء القديمة، كانوا قد أخبروه أن هذا المجنون سيعطيه كنزا؟! بعد أيام من البحث يجد الشاب آدم والمجنون

لا تخف أنت ميت .. لن يستطيعوا قتلك!؟

26 أغسطس 2020 عامةمجلاتنصوص 0

هايل علي المذابي  هايل علي المذابي لماذا تخاف على حياتك  وأنت ميت؟! لماذا تتحدث عن مؤامرة لتدمير مستقبلك.. وأنت تعيش في الماضي؟! لماذا تشتكي من محاولة عرقلة خطاك  وأنت لا تملك خارطة للطريق؟!  لماذا تتحدث عن نظافتك  وأنت تعيش في الوحل؟! لماذا تشمئز من الضفادع  وأنت تنام في المستنقع؟! لماذا …أكمل القراءة »

كورونا بين تعدد الرؤى والأحكام القبلية

22 أغسطس 2020 عامةمجلاتمفاهيم 0

 لحسن وحي  لحسن وحي  من قرية بدوية يكتب لكم هذا الإنسان، يكتب ما لا يمكن أن يكتب في زمن تشابكت حوله القراءات والتأويلات، وهذا كله لا يمكن أن يكون إلا استخفافا بالدرس الكوروني للأخلاق وبقيمة الإنسان، وتنبها لما يفعله الإنسان بنفسه، فكورونا إلى حد الآن ليست ثمة حدود تحكمه أو …أكمل القراءة »

كورونا ونظرية الفراشة؟!

1 يوليو 2020 عامةمفاهيمنصوص 0

هايل المذابي هايل علي المذابي ربما كان صحيحا أن نظرية الفراشة الفيزيائية تشير في أبعادها إلى نظام العولمة، فإشارة أن أثر حركة جناح فراشة في الأمازون قد يصبح تسونامي في اليابان تثبتها الأحداث العالمية اليوم فمفاهيم العولمة بدأ تدوالها باتساع بفعل ذلك الرواج الواسع الذي حققته تلك السلع الرخيصة التي …أكمل القراءة »

فيرونيك سلمان: فيروس كورونا: نصائح محللة نفسية لتحمل الحجر

27 يونيو 2020 ترجمةعلم النفسمفاهيم 0

ثلاثية اللاشعور، فهمها لتصبح أفضل : الألم، الإسواء، التجدد مرسلي لعرج مرسلي لعرج قسم علوم الاعلام والاتصال، جامعة وهران 1 أحمد بن بلة، الجزائر فيرونيك سلمان محللة نفسية بالقرب من ليل. معالجة إلكترونية، ترافق مرضاها، وخاصة المغتربين الفرنسيين، عبر سكايب أو فيس تايم، في جميع أنحاء العالم، تمثل الجلسات عبر …أكمل القراءة »

أهمية الرؤية الابتكارية لتحقيق التنمية المستدامة (بديل الطاقة نموذجاً)

20 يونيو 2020 دراسات وأبحاثعامةمفاهيم 0

هايل علي المذابي هايل علي المذابي ·       ضرورة الابتكار لتحقيق التنمية المستدامة! إن أهداف التنمية المستدامة وجهود تحقيقها هي تعبير واضح عن حالة الانمساخ والتشوهات التي لحقت بهذا الوجود الذي نعيشه نظرا للخروج عن السياقات الجوهرية لتلك المراحل الثلاث التي عاشها الإنسان منذ الأزلية الأولى لوجوده (مرحلة الولادة ومرحلة التقليد …أكمل القراءة »

كلير كريجنون: فيروس كورونا – ما هو الدور الممكن للفيلسوف في زمن الوباء؟

20 يونيو 2020 ترجمةفلاسفةمجلات 0

مرسلي لعرج مرسلي لعرج قسم علوم الاعلام والاتصال، جامعة وهران 1، أحمد بن بلة، الجزائر كلير كريجنون دكتورة في الفلسفة في CNRS وأستاذة محاضرة في الفلسفة في جامعة باريس -السوربون. تسلط الضوء الفلسفي على الأزمة التي نمر بها، عن طريق استحضار كبار المفكرين منذ أفلاطون. مقابلة. ما هو الدور الممكن …أكمل القراءة »

مقابلة مع أكسل هونيث: طلب الاعتراف غير مبرر دائمًا

18 يونيو 2020 ترجمةحواراتفلاسفة 0

مرسلي لعرج مرسلي لعرج قسم علوم الاعلام والاتصال،جامعة وهران 1 أحمد بن بلة،الجزائر ما هي النطاقات الاجتماعية أين يجري التعبير عن طلبات الاعتراف؟ في المجتمعات الحديثة، يمكننا تمييز ثلاثة نطاقات تقدير تلعب دورًا مهمًا في فهم ممارساتنا وحياتنا الاجتماعية. مبدأ الحب في النطاق الحميمي، مبدأ المساواة في نطاق القانون، وإنجازات …أكمل القراءة »

غزافييه بافي: ما الذي تكشفه لنا الفلسفة عن وباء فيروس كورونا

15 يونيو 2020 ترجمةمفاهيممقالات 0

مرسلي لعرج مرسلي لعرج قسم علوم الاعلام والاتصال،جامعة وهران 1 أحمد بن بلة،الجزائر عندما يواجه العالم واقعًا يتجاوزه، عندما تكون حياة البشر على المحك، تظهر الأسئلة الفلسفية مرة أخرى. لذا، تجبرنا مرحلة الخوف هذه والذعر والقلق إلى إعادة التفكير في صلب حياتنا اليومية. التساؤل الذي يطرح نفسه في مثل هذا …أكمل القراءة »

مهمة القضاء على الفقراء!

13 يونيو 2020 عامةمفاهيممقالات 0

هايل علي المذابي  د. هايل علي المذابي *إن المهمة الجوهرية لأي نظام اقتصادي هي القضاء على الفقر، لكن ما يحدث من غسيل معرفي يجعل كل آليات تحقيق هذه الغاية تسير في إتجاه القضاء على الفقراء لتتحقق بذلك تفاصيل المعرفة السوداء في هذا المضمار بحذافيرها!========= لقد كانت مهمة القضاء على الفقر …أكمل القراءة »

أندريه كونت سبونفيل: أفضل أن أصاب بكوفيد-19 في بلد حر على أن أنجو منه في دولة شمولية

11 يونيو 2020 ترجمةفلاسفةمجلات 0

مرسلي لعرج مرسلي لعرج قسم علوم الاعلام والاتصال، جامعة وهران 1 أحمد بن بلة، الجزائر يقدم الفيلسوف أندريه كومت-سبونفيل انطباعاته عن الأزمة الصحية الحالية والتمرد والهجمات على الصحيح سياسياً. شخصية محورية في الفكر الفرنسي المعاصر، أندريه كومت-سبونفيل جعل الفلسفة شعبية. مؤلف لما يقرب من عشرين كتابًا، نشر بشكل خاص “المعاهدة …

شاهد أيضاً

الفلسفة والأطفال: تأسيس العقلانية المرحة

سامي عبد العال سامي عبد العال        ربما لم يلتفت كثيرٌ من الفلاسفة إلى ( …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *