الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / أسئلة فلسفية على هامش رواية: طوفان من الحلوى… في معبد الجماجم لأم الزين بنشيخة

أسئلة فلسفية على هامش رواية: طوفان من الحلوى… في معبد الجماجم لأم الزين بنشيخة

أبو ميارى عزديني

أبو ميارى عزديني

(أكاديمي، جامعة صفاقس، تونس)

«من الصَّعب أن نعزِّز “التفسير” بدليل خارجي. ولمن هو ماهر “بالحقيقة” على هذا المستوى فالدليل كافٍ. لكن من يثبت مهارته؟ وسيكون هناك ولكلِّ نجاح في هذا النوع من الكتابة آلاف المخادعين»([1]).

تقديم:

من الأسئلة شبه الدائمة في خلفية القراءة للمسائل ذات النسبة إلى التاريخ، هذا الذي نزَّله أليوت في الصيغة التالية: «هل تتنازل المادَّة؟ أبدا، في أغلب الحالات. وإن تنازلت، لا يكون ذلك إلاَّ بعد فوات الأوان»([2]). لقد مثَّلت رواية طوفان من الحلوى.. في معبد الجماجم لأم الزين بنشيخة بالنسبة إلى هذه القراءة أنموذجا من القول-النص المركَّب. فهي رواية شاملة للواقعي وما ليس منه. وما قد ينفر منه الذَّوق الفني وما قد يشتهيه. وما قد يظلُّ المرء حالما به، ولكنَّه لا يعاديه لكثافة مادَّته غير المحتمَلة. رواية تتعارك مشاهدها أحيانا فيما بينها بحثا منها عن تآلفها غير اليسير. أمَّا عن الراوية أم الزين فيبدو أنَّها باتت تستنفر، في مجرَّد العبارة الروائية، حالها التي هي من كيان أرضها. وفي الرواية يوجد البعد الآخر من الفعل التخييلي الذي تقوله العبارة اللغوية سؤالا حول منطق الاستحالة المحمولة على الأمكنة والأزمنة المتبعثرة. فالأمكنة قد احتوت في واقعيتها على خُبْثَيْن عصيَّيْن على أنفس الأحياء والأموات سواء بسواء. وهما خبثان متوفِّران على قوَّة المادَّة المحتَّم على الإنسان «البريء» والإنسان «الفاسد» احتمالها ومقاومتها رغم كونها دونهما قوَّة في غالب الأحيان. فعلى هذا النحو تموضعت الراوية شأنها شأن لوحات ألبرتو مورافيا غير متسيِّدة على ذاتها ومصيرها تمام التسيُّد. فلا هي قادرة على النأي بذاتها عن موضع «سجين الطب»([3]). ولا هي بقادرة على التموضع تناوبيًّا بين «خبث الجمادات»([4]) و«خبث الفيروسات»([5])، أو حتى التحرُّر منهما في راحة الخيال ووُسْع المخيّلة. أمَّا من جهة تبعثر الأزمنة فهو كذلك، نص روائي يقول غرضه من الأزمنة المتفلِّتة على شاكلة نصٍّ مركَّب. إنَّه النص الذي تأدَّى بنفسه وكاتبته، أحيانا بالإكراه الواقعي وأحيانا أخرى بالإرادة السردية، إلى أن تكون له ذاكرة على غير وئام مع ملكة النسيان. فتظلُّ أسئلة الراوية والقارئ كلُّها عرضة لتهديد خيالي… إنَّها الأسئلة المهدَّدة بأطياف كثيرة من أزمنتها نفسها التي نشأت عنها. ومن البيِّن أنَّ كلَّ سؤال عميق يظلُّ هو الآخر متمدِّدا بين حشايا النص. سؤال يجرف معه في الآن نفسه وُسْعَه الطبيعي الذي كانت تخشى فلسفة كانط النظرية من فضوله، ونُذُر الوقائع السياسية المعيشة وقد خيَّبت رجاء الكلِّ منها: «البريء» من الناس و«الفاسد». فلا هناء للأوَّل ولا راحة للثَّاني. فالكلُّ ماثل، ولا إكراه في التاريخ من خيبة اللاَّمتوقَّع فيه، أو الإدبار من قُدَّام «المفاجآت غير السَّارَّة»([6]).

إنَّه النص الروائي المتوتِّر في الغالب لكونه ظلَّ مدفوعا فلسفيًّا، فيما أقدِّر، بنوع من الديمقراطية في سرد الوقائع والمشاهد أو ما يشبه إلى حدٍّ مَّا العدالة في الكتابة. فمزيج النص من الواقعية والسريالية قد أوجب على أم الزين بنشيخة التحرُّك بين سياقيْن متضايفيْن. ثمَّة من جهة أولى، تخيُّل يريد قول واقعه بشيء من «الإنصاف» الموسوم عادة في أدبياتٍ فلسفيةٍ بالموضوعية. وثمَّة من جهةٍ ثانية، واقع يريد لنفسه بموجب النَّفَس الروائي للنص أن يكون متخيَّلا في مناظر «متصالحة» مع أطيافها، خلافًا لتصالح السياسيين مع خصومهم. وفي الحالتيْن وجد النص نفسه تحت وطأة «السأم» الحادث للتوِّ من أزمنة كذوبة… بل لعلَّه، ظلَّ ملزِما للراوية بالتمتُّع ببقائها في مدارٍ من الأسئلة المورِّطة حتى لكبرى النصوص الفنية الجامعة بين الملهاة المغامِرة والمقَامَرة بقول الراهن. فأسئلة تلهِّي المخيّلة بأمكنة بلد جحود وأزمنة أمل منشود هي المادَّة القصوى التي يخضع لها إيقاع النص أحيانا.. إنَّها الأسئلة التي يبيحها وهج المخيّلة في مواجهة غير منصِفة مع ما قد تخشاه الروح الواقعية من خيانةِ نظام الأسماء لألحِّ هواجسها. هواجس معلَّقة وأخرى مُخْفِقة وغيرها آملة في أن ترى نفسها في حيِّزها الميتافيزيقي من وجود ليس كغيره من الوجودَيْن المادي والروحي. وعلَّة ذلك، أنَّه جنس وجود من قَبِيل «البعد الخامس»([7]) المتخيَّل. ولكونه بُعْدا متخيَّلا، فليس له والحال تلك، أن ينعم بألقه الأنطولوجي حيث «يرقص العدم»([8]) ضدَّه ويتهدَّده باستمرار في كلِّ اقتراب من أسئلته. وليس له حتى اجتناب تلكم الأسئلة لكونها متخَمة هي الأخرى بمضامينها الصَّائرة آملة في مجرَّد راحةٍ ميتافيزيقية. ومن ثمَّ، ستكون الأسئلة اللواحق التي لا «تسخر من دجاج الفقراء»([9]) محاولة في تعقُّب معاني الصور الروائية للنص وما فرضته من أسئلة غير مريحة للعقل والمزاج.

تحميل القراءة في صيغة PDF

1 -أسئلة الاستحالة:

«أمر كان، وأبدًا يعود»([10]).

فما عسى أن تكون دوافع تخيُّل الاستحالة في رواية طوفان من الحلوى… في معبد الجماجم؟ وكيف لنسيجة التخييل الالمام بمعارك صموتة وهي المحاصَرة بين كثرة من الاستحالات؟ يبدو أنَّ لكلِّ استحالة سؤالها المفضَّل من دنيا الجماجم وآثارها المتخيَّلة؟ جمعت الراوية أم الزين بين استحالتيْن أو لعلَّها انتهت إليهما دون رغبة منها في ذلك أو تصميم. إنَّها استحالة التحوُّل من حال إلى أخرى، واستحالة التعذُّر التام لما كان معتقَدا في إمكانه سابقا. ولعلَّ الاستحالة الطبيعية التي للوقائع في عالم المادَّة هي السند الحق للاستحالة المشهدية في عالم الخيال الفني. فإذا مثُلت امرأة فعَّالة، كانت في ما مضى تحفِّز على الحياة، أمام اختبارات الزَّمن الذي لم تعد مقاديره تشفع لها في تقديم رجائها من مُقبل الأزمنة على أوجاع ما فاتها منها، فإنَّ تلك المرأة تجد نفسها في المتخيَّل الروائي مبعثَرة الأنوثة والمعرفة والوجدان والذاكرة…

ومن نواحٍ مغايرة، قد تكون عتمة الأفق السياسي حجَّة بيد المنكِّلين بالتاريخ في تونس كي يسرفوا في تحميل التاريخ وأزمنته من الصُّور الأيقونية ما لا تحتمله مسارات التحرُّر البشري… كاستعادةِ صورة ممكنة من الأزمنة المنصرمة في أحياز باتت هي الأخرى من جنس الأمكنة التالفة. إنَّها التوزيعية اليومية من الصُّور المتكاثرة لاستجلاب الناس خارج أرباضهم الحق. فذلك، ما قد يتعارض كليًّا مع أبسط مبتغى مرأة تصبو إلى حرية أبنائها الأحياء أو تحلم باسترجاع ابنٍ لها هالك أو مفقود بين شعاب الجبال. على مثل هذا النحو، لنا أن نتصوَّر هيأة مرأة متخيِّلة لذاتها وقد تُركت لوحدها أو أُفردت من عشيرتها أو من جبلها أو حتى من شغفها بعلوم النفس البشرية وسويَّة أعصابها…

كلُّ ذلك قد يستحيل إلى تخييل محفِّز على الانتماء إلى أزمنة سريالية أو «السأم» من أخرى واقعية… إنَّها الأزمنة التي يسردها النص الروائي في أوانها وغيره. ولعلَّ هذا ما يتنزَّل وزرًا على الذاكرة المتخوِّفة في كلِّ آن من تفلُّت ملكة النسيان أحيانا أو عصيانها أحيانا أخرى، فيما لو أسندتها وقائع بشرية مستفِزَّة حتى لنظام التسميات غير الهادئة في بلاد تونس. ثمَّة ملكة مغايرة بالماهية والتعريف لقوى الترك والنسيان. ولئن كادت تكون ملَكة مجهولة الهوى والهوية في رواية أم الزين بنشيخة، فإنَّ أثرها من التقلُّب المشهدي يدلُّ على أنَّها ملَكة الحاسَّة التاريخية… غير أنَّ التاريخ كثير التفلُّت والتمنُّع في أقاليم مسفِّهيه من التونسيين. فمن أين للمخيّلة بترميم شظاياه؟ ولعلَّه من شمائل قوَّة التخييل في الإنسان أنَّها سرعان ما تُرضيه بأدنى ما تحرَّر من أحياز الوطن… فالإنسان الطامع في المداومة على سُؤْله من السعادة أدناها في أزمنة التشظي هو نفسه ما ينفكُّ ملازما لربضه الذي أسعفته به الخيلاء إسعافا امتزجت فيه محنة الكتابة بمنحة الوجدان. فلربَّما هذا ما تطلَّعت إليه الراوية دون أن تنتهج سبيل الـ«كفّ عن الحلم»([11]) في النهار.

ههنا تتمازج مناظر من الاستحالة المحمولة غصبا على أرض الوطن. فتتبدَّل مناظر وتتعذَّر أخرى. إنَّه تعذُّر استعادة الحياة من بعد ممات. لكن، تعذُّرا من هذا القَبيلِ ما يزال معرَّضًا بدوره إلى الاستحالة. فقد تجعل المخيِّلة الفنية من المتعذِّر واقعيًّا أمرا ممكنا في مشهدية سريالية ولو جاءت مباينة لحتميات المادَّة وواقعيتها. هو ذا التبدُّل في عالم التخييل الروائي، حيث تكون صور الموت وأسئلته من جنس صور أخرى يتلهَّى بها أحياء شارفوا على الانتهاء من معارك الحقيقة مع الدولة دون حسمها بما يُرضي التاريخ. ثمَّ إنَّها صور قد يحزن لها في الآن نفسه أحياء آخرون بعد أن تعذَّرت عليهم المداومة على مباحث الحقيقة في البر والبحر. فعلى هذا النحو يتصيَّر تخيُّل الاستحالات المتآلفة فيما بينها ضدَّ أهل الحقيقة نوعا من الحبس ذي المصدر الواحد وغير الملهم للحياة: «السَّأم». ومع ذلك، فإنَّه يظلُّ تخيُّلا غير مكرِه للنفس البشرية… حتى وإن أيقنت أنَّ الأموات الذين أفضوا إلى ما أفضوا إليه لن يعودوا إلاَّ في ثلاثةٍ من المواقيت… في ذاكرة تستحضرهم، من دون المهرِّبين، رعايا مهمَلين.. وفي خيال يتصوَّرهم، من دون الموتى، شهداء مكرَّمين.. وفي إحساسٍ يشعر بهم، مثل سائر الأحرار، بالاستجابة لأسئلتهم المعلَّقة ما زالوا متشبِّثين.

وبناءً عليه، أنْ تحتمل النفس البشرية من هنا فصاعدا مزيدا من المثول أمام «قناة تلتقط أشلاء الناس وتحوِّلها إلى حكايات»([12])، فيعني ذلك، أنَّه لا يزال في الحياة من الأوساع الأخرى المسكوت عنها ما يمكِّن روح الحياة فينا من أنْ تأنس في ما تبقَّى من الحياة حُسْنا. فاستحالة الهلاك إلى مجرَّد محكية روتينية يتآلف معها الناس من فرط المعاودة والتكرار، قد تعني بوجهٍ مَّا أمرا مربكا للَّحظة المعيشة. إنَّه الأمر الغليظ: أنْ يُفرض علينا القبول الحسي والتبرير السياسي في آن لمشهدِ السَّوْقِ الرَّعوي للناس المسحوقين بالدناءة التاريخية لدولتهم الضعيفة بأهلها منذ بواكير شبه عهدتها المحلية على نفسها.

تحميل القراءة في صيغة PDF

وعليه، قد تنشأ احتفالية جديدة بمشاعر سأم من الحياة جديدة. وقد ينشأ عالم من السرديات الأخرى المحتوية على تضايف الواقعي والسريالي. إنَّه عالم الرواية الذي كانت معه أم الزين معتصِرةً للكلِّ خارج مواضع تعيُّنه المادِّي. أمَّا في عالم اليومي، أي الكذب الدامي، فإنَّ مفاعيل الإدراك كلَّها قد تستحيل لَبْسًا في لَبْسٍ. ومن ثمَّ، فقد لا يكون لنا من الفروق بين مصائر الأحياء ومصائر الموتى إلاَّ ما ينفع لِمَخيطِ الخيالات غير الهادئة في تواترها. وتبعا لذلك، فإنَّ المصير المحتوم للكلِّ من الأحياء والموتى، بل وللواحد منهما في استدعائه للآخر، لا يتعدَّى بحث أحدهما عن شبيه له في الآخر أو عن جنيس له في الترك والإهمال أو نظير له في مسارات التاريخ غير المتعافية أو حتى في حلمٍ صغير مجزٍ للوجدان البسيط. على هذه الشاكلة، قد يستحيل «الكلُّ نسخة من رغبةٍ أخرى»([13]). ولمَّا كان الكلُّ في عالم الكلِّ المشتقِّ من وُسْع الأحلام يزداد تمدُّدا حدَّ السَّطو على شتى المناظر البشرية الواقعية وأطيافها المتخيَّلة، فإنَّ معارك كبرى ستنشأ لزوما بين كيانات الإنسان المتطاحنة بدورها تفلُّتا من وضعيات التذرُّر والتفتُّت والتشظِّي. تلك هي بعض المآلات التي تحرص المخيِّلة الروائية على قلقلتها، فتحصينها من الارتهان في الوضعيات القصوى للفعل السياسي القاتل للدولة والمجتمع.

إنَّ الحياة المحاصَرة بكلِّ الرعب من المصير والخوف من عروجه الغليظ، تكاد تكون هي نفسها الحياة المحبوكة في الرواية. غير أنَّ الحبكة الخيالية للرواية تواجه ولا ريب، عناء التكفُّل بنَظْم ما انتسب إلى الفوضى والعماء. فللمخيّلة هنا أن تستحدث استحالةً ممكنة للتمتُّع بالنشاز عندما يتجلَّى مشهدا يكون فاعله نفسُه أحد الحائرين المتوحِّدين بذواتهم أو غير المطْمَئن بَعْدُ إلى اختبار وحدته في السرِّ والعلن. فهل تكون المخيِّلة هي التي «أسرعت لتنضيد هذا الانتصاب الفوضوي»([14])؟ ومن يدري لعلَّ المخيِّلة هي التي استحالت إلى ملَكةٍ تُقامِر باختبار قواها ضدَّ الحقيقة، فيما لو راهنت على إحداث النظام في عالم الفوضى غير الخلاَّقة. وفوق ذلك، إن كان لصورة المرأة التي «نسيت قلبها في عالَمٍ انتهى منذ عاميْن»([15]) أن تتشكَّل فنيًّا في نصٍّ، فإنَّ المعنى الممكن استقراؤه من تلكم الصُّورة، هو أنَّ الحياة تظلُّ آملَةً من الأحياء في كلِّ الأسانيد الممكنة لتعافيها.

2 – سؤال الموت والأمل في الحياة:

«ثُمَّ إنَّ العودة إلى الماضي صعبة. ليست المسألة عودة إلى الماضي، إنَّما هي تطلُّع إلى المستقبل. تطلُّع إلى المستقبل؟ نعم هو كذلك»([16]).

من خصائص رواية أم الزين أنَّها استحضرت لا فقط صريح الأسئلة بشأن الأمل في الحياة، وإنَّما أيضا الصامت منها بشأن الموت. فالمنظور الذي تحتفظ به المخيِّلة الروائية أفقا للجنوح إليه، هو ما تجلَّى فعلا في الفسيفساء المشهدية التي حوتها دفَّات الرواية. ذلك، أنَّه لا مهرب من التحوُّط المادي لا فقط من أزمنة الواقع وأحداثه، وإنَّما وجبت الحيطة الفنية كذلك تحسُّبًا لأزمنة روائية تؤثِّث عناصر المشهد المسرحي. مشهد متلوِّن أحيانا بشيء من «الجغرافيا الحزينة»([17]) جريرة واقعٍ خَشِنٍ. ومع ذلك، تقرُّ الراوية أنَّ الأمل في الحياة يظلُّ قائما لأنَّه أمل منتزَع من الذات الغيورة على محبَّة الحياة. غير أنَّ الآمال تحتفظ هي الأخرى لذاتها بتجديد كياناتها. فالكيان الواحد «لا يزال هناك يحتلُّ الأفق ويسطو على أقدارهم»([18]). فما هي الأقدار التي تواجهها المخيّلة؟

إذا كانت الطبيعة قد فرضت منطق حتمياتها على الثقافة، فلا يعني ذلك أنَّ عالم الفكر فاقد للوُسْع النظري والتجريدي. ومن هنا يكون شرط القبول بأنَّ «بعض الناس لا يولدون إلاَّ بعد موتهم»([19]). فكيف لنا أن نتخيَّل هذه الحقيقة التاريخية المنكِّلة بانتظارات الناس من عصرهم ودنياهم؟ بل كيف للعصر أن يُصاغ في نصٍّ من اللُّغة المكتوبة؟ هل تقوى الرواية حقًّا على انتزاع المادي من عينيته تمام الانتزاع ليُقال في الخيال لوحده؟ وهل يكون لُحوق الواقعي في حدثيته هو المنفِّر لقوى التخييل من كلِّ ما هو مادِّي؟ وما مصير الجماجم وهي تسأل بعضها البعض عن الزَّمن والراحة والعائلة وبراءة الطبيعة ومكر مرتفعاتها وتضاريسها ومغاورها وخصوصية احتفالها بزوَّارها وضيوفها وساكنيها بالأصالة والنيابة؟

تبدو القيمة السردية لصورة المعبد كامنة في تعذُّر تشكُّله فنّيًّا في مرسم من الحلوى المسلِّية. بيد أنَّه من الممكن خياليًّا، حَمْل طيف المعبد في المظهر المرئي من طوفان الحلوى المُلِذَّة. فالمعبد هو الذي استحوذ على منطق الكلمات في الكثير من مسارات القول الروائي ومنحنياته. فالهالة التي يمنحها المعبد لذاته هي التي تحوِّله في الخيال الفلسفي وبمنتهى اليسر إلى سؤال مرتدٍّ إلى ذاته. إنَّه سؤال كيف للمعبد أن يكون وقورا بكثرة جماجمه، وربَّما أيضا بتنويعتها العمرية. فعلى هذه الشاكلة بدت الرابطة التي تجمع بين الحلوى والجمجمة كما لو كانت هي نفسها التي تجمع بين الأمل في الحياة ومواجهة مصائر الموت. وكأنَّ الهالك من الموتى بالإرهاب هو الوحيد الذي يُشجَّع الأحياء على عدم استحضاره، لا في المادَّة ولا في النَّص. أيظلُّ نظام الأسماء معلَّقا من غير حقيقةٍ أو من غير سند لإدانة واقعة ذبح الحقيقة في المعبد واستهلاكها في الحلوى وصهرها في مرسمها؟

لقد جعلت الراوية أم الزين من وحدة الحياة والموت القائمة في تونس على «ضربٍ من التضامن الكلبي»([20]) أشبه ما تكون بـ«الأرض نفسها»([21]) عندما «تختنق داخل (كلِّ) الرئات الجماعية»([22]). فهل يعني ذلك أنَّها ما تزال قادرة على اختبار قواها المقاوِمة من أجل الحياة؟ بل لعلَّ، كلَّ القوى ستتخيَّر الكمون خلف النص والصُّورة والمرسم والمشهد واللوحة وكلّ ما كان من الرمزيات المتحلّلة من الماديات الثقيلة. ولهذا الاعتبار بدت شخصية الراوية أم الزين وهي تعاند موانع الحياة، كما لو كانت نصًّا غير يسير القراءة. فهي سرعان ما تتوحَّد على هيأة الممسِك بالحياة كلَّما استحضرت الحق في الانتصار للحياة. على هذا النَّحو، جاءت صورة هذه الأخيرة وأملها كما لو كانت «جملة تركض وراء جملة»([23]) أخرى من جمل الموت، لا فقط «من أجل إسكاتها»([24]) وحسب، وإنَّما أيضا من أجل عتق صورة الرجل الذي طالما «كان عليه أن يعيش بكذبةٍ من أكاذيب أمّه»([25]) التي استغفلته بها أيام حداثته وكثرة حاجته.

وعليه، فالمهمَّة الفنية للفعل الروائي هي تأثيث مشهديةٍ من الفعل الحرِّ. وذلك في سبيل ضمان انبعاث القوَّة الروحية للنفس البشرية فعَّالةً بما فيه الكفاية لحظة الاقدام على الحياة… فعلى الروح الحرَّة ألاَّ تستكين لاحقا إلى دُرْجة: «لكن هيهات..»([26]) مهما «ثقُلت موازين الأرض بأخسَّائها.. وأنذالها.. وحقوديها..»([27]). فالبطولة هو ألاَّ ينكص الإنسان كلَّما مَثُلَ قُدَّام عصيان تونسي لوجهة التاريخ وحقيقته. فبعيدا عن منطق «التخييل الفظيع»([28]) تبدو أم الزين وكأنَّها اقتبست من نُذُر الصوت غير النحاسي للكيان المجتمعي بشائر أخرى لعوالم أخرى. وهي في كلِّ هذا وما سلف تتمحور حركتها النصية حول فكرة أنَّ الخيال صنو الوجدان وما اشتهى… الوجدان وما خاب فيه من شهوة رؤية تونس بلدا حرًّا غير مأمور. ولكن، لا يعني انكسار الوجدان من بعد تضرُّعه للتاريخ وسُؤْلِه الاستقامة في حركته والحرية في مساره، أنَّ القَصَصَ الروائي سينتكس ملوِّحا بالفشل أو بضرب من الخيبات «الملطَّخة بالثَّوم المقدَّس»([29]). فعدم الارتداد إلى الذات نكوصا يقتضي دوام تنفيس الذات بذاتها في الفعل السيزيفي البطولي. ومن المعلوم إنَّ «بطولة من هذا النوع تقتضي استهلاك كمّيّة مدمّرة من الحزن الخاص جدًّا»([30]) بسكَّان الخيال.

3 – سؤال الأزمنة ولعبة الأسماء:

«كنت وحيدا مع نفسي، أي مع الضيق والقلق الذي كان في الوقت الراهن طراز حياتي الوحيد»([31]).

لا تقوى رواية من الروايات أن تسلم من رهاب الأزمنة. لا من أزمنة تقول «آثار علِّيسة»([32]) جهرا، ولا من أخرى تقول أوجاع ذكرى «الخبز القديم»([33]) سرًّا. فأم الزين تعلم أنَّ الكلَّ بات مشوَّها. ولكَم حملت ثقافةٌ سياسية تونسية على الأشياء مواصفات منتحلة. فكلُّ الصفات باتت من جنس الألقاب المُسنَدة جزافا على غير مستحقِّيها. وعلى هذا النحو، فإنَّ الكلَّ «يتَّجه بجسد آخر غير جسده الماضي»([34]). ولعلَّنا بأم الزين تشي من خلال ما تقدَّم بأنَّ المفكِّر في أرضه ووطنه لم يعد ليحتمل كثيرا «فراغ المدينة»([35]) أيام كورونا. ولهذا الاعتبار توفَّر مخيال طوفان الحلوى على قوَّة «اختراع الزمن الخاصّ بخلق كائنات أخرى»([36]). فبعد أن انتصب الواقع السياسي بحاكمه ومعارضه نهَّاشًا للكلِّ وأفئدتهم، تراءى للراوية أنَّه «لن يكون بوسعها التحليق إلى الكواكب الأخرى»([37]). وفي هذا وغيره دلالة على بحث التخييل الروائي عن مواضع أخرى قد تكون أزمنتها غير حافَّة ولا جافَّة.

إنَّه زمن العتق باللَّوحة الفنية التي تشكِّلها هذه الشخصية الروائية أو تلك بين ثنايا النص المثقل بالجماجم. وقد تمثِّل الخانة القويَّة من الخيلاء الفنية سند ذاتها في اشتقاق فانطاسمات صورية أو همسات صوتية أو أطياف… ذلك أنَّه في الشعور بالانتماء إلى الأزمنة العجاف لا مهرب للتشكيل الفني من التماس مداخل تُحرِّره وصاحبته من ضاغوط الوفرة الأيديولوجية الكسولة في تونس. لمثل هذا السبب وغيره تظلُّ الراوية في كلِّ حين ذات حنين إلى «الصَّوت الآتي من تلك اللَّوحة»([38]) شبه المكتملة. وأيا تكن لوحة ألبرتو مورافيا المهشَّمة أو سد المسعدي ومناظره أو أية لوحة أخرى متخيَّلة لدى أم الزين كأن تتخيَّل أو ترسم لوحةَ «حماية» الإفرنجة للبايات من حركة مقاومة الشَّعب للبايات. إنَّ مثل تلك اللوحات سرياليّها أو واقعيّها، وهو أمر غير مهم في المنطق الروائي للأزمنة المغشوشة، هي التي من شأنها تحريرنا (ولو في الخيال البسيط) لا فقط من تلك الأزمنة وحسب، وإنَّما أيضا من آثارها المتعيِّنة في أخلاف مجلس الأمَّة من المهرِّبين. ودونما يأس من الأزمنة في بلدنا، ولكن فيما بدا لي أنَّه من قبيل الإشارة والتنبيه إلى عدم تصديق ما تقوله تلك الأزمنة من أحكام التمدُّن والحداثة حول ذاتها. إنَّ قلب تلك الأزمنة وتقويض المخيّلة الروائية لآثارها هما شرط المنقلب الزمني المنتظر: ألاَّ يصبح «النهار (متطاولا) على الراكبين فوق صهوته..»([39]). غير أنَّ الواقعية قد تفرض علينا هنا تصوُّر ذاك المنقلب الزمني ممكنا. فجواز ذلك، هو ما يظلُّ دافعا بالراوية إلى الأمل أكثر في مناظر أجمل للحياة. فالحياة مستمرَّة ولو «توقَّفت عن القراءة»([40]) كلُّ «الرؤوس المذبوحة»([41]) من بعد ما حُكِم عليها «بكلِّ أنواع الموت الكسول..»([42]).

ثمَّة أمر آخر زيَّن الرواية حدَّ جعلها مدينةً من المفردات: إنَّه نظام الأسماء ولعبتها. وهو ما أضفى نوعا من الجمالية الحسنة على تشبيك التسميات في مظهر يوحي إلينا بأشياء جديدة تحيط بنا وأحيانا لا ندركها. فتوظيف الراوية للغة ورد على نحوٍ لا يجعل حتى من ذاك الرجل الذي «في جسمه جوع قديم إلى بنات المدينة..»([43]) مرتاحا لشهوته. فلقد حالت كلُّ «طقوس الدفن»([44]) الجديدة التي فرضتها الفواجع الجديدة دون لقاء الرجل بشهوته أو تصريف جوعه. فههنا فواجع من جنس محْدَثٍ ألزم أم الزين باشتقاق اسم على مسمَّى: «أبو المفجّع العياري»([45]). أتعني لعبة الأسماء في ما سبق هنا مزجا بين اسم جديد ونسبةٍ مألوفة؟ أيكون هذا هو صاحب إنتاج الفواجع وتوزيعها بإنصافٍ على البشر والحجر؟ أيستثني من فواجعه «بنات المدينة» الجديدة و«المهرِّبين» من النواب القدامى؟ أيكون هو نفسه صاحب السلطة الجديدة على ما يشتهيه الآخرون من حياةٍ جديدة ذات زِواقةٍ أجدّ؟ وهل أنَّ السيِّد «أبو المفجّع العياري»([46]) هو فعلا المشهود له وحده، من بين كلِّ أشباهه، بحسن إنتاج الفاجعة؟ وهو إذْ ينتجها، هل ينتجها مع احترام كلِّي لكراس شروط «الإرهاب»؟ وما دام الرجل هو عينه أبو الفواجع فلا نخاله منتجها إلاَّ وفقا لمقياس: «تونسي الصنع.. أمريكي العلامة»([47]). لا، بل هل هو مجرَّد مهرِّب برلماني لا للبضاعة وحسب، وإنَّما أيضا إلى ما يحتاجه تهريبها من تهريب موازٍ لنصوص التشريع، عسى أن تكون مقبولة مسبقا لدى «الهيأة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين»؟

في الواقع، ليس لنا والحال تلك إلاَّ أن نرى مع الروائية كيف «كانت النَّار أجمل أشكال الإيقاع في هذا المشهد»([48]) من تنافر الأسماء. ولكنَّها، ليست نارا كغيرها من نيران الهنود أو الزرادشتيين. وليست من قَبِيل نار أولمب، بل هي أشبه بنار جماهير كرة القدم المعاصرين وقد أعوزتهم الروح الرياضية عند ضيق التعادل أو الخسران.

4 – سؤال الخيال وسكَّانه:

«وسرعان ما هدَّأني هذا الليل الهادئ إلى هذا الحدّ، ولكنّي كنت أشدّ تبصُّرًا من أن يغيب عنّي أنَّ جميع ألوان الجمال في العالم لم تكن تستطيع أن توقف مجرى همومي ومشاغلي إلاَّ فترة قصيرة»([49]).

يمكن للرواية أن تلوذ بالبحث عن تموضع لشخصياتها ومشاهدها وعناوينها وذلك في أفق جامع بين الخيالي والمادي. ولعلَّ نسيجة الأحداث التي تواترت في أغلب مقاطع هذا النص دونما ارتهانٍ في زمنية خطية هي التي جعلت من صور الخيال الروائي ومقولات العقل الواقعي متشابكة في وحدة شاملة. وأمَّا ما يظهر لنا سرديًّا من حين لآخر فقد يمثِّل عندنا ما تعتبره الراوية «لغة الداخل»([50]) التي تفرض علينا أن «لا نرى إلاَّ القليل»([51]) من المادَّة وحتمياتها. لكن، هل المادَّة التي تتنازع معها أم الزين «حقيقة أم خيال؟»([52]). كثير من المادَّة جاءت لصيقة للجغرافيا التي أصبحت بدورها خاضعة للقسمة العالمية من تصريف عمليات ترهيب الأحياء. فمثلما توجد قسمة عالمية للجيو-سياسة وللاقتصاديات والماليات والرقميات وحتى تعاطي المعارف العلمية، توجد كذلك وبالتوازي قسمة نظيرة لصناعة الفوضى وخطاباتها. وفضلا عن ذلك، كان بوسع الخيال السارد الاستعاضة عن خطاب المادَّة السياسية الفارضة لقسمة الحياة والموت بين البشر والشعوب بمناظر فنية شاءت لنفسها أن تكون في معظم مفاصل الرواية مبعثرة في إيحاء بعلوم محدَثة لتدبير الفوضى المعاصرة.

في مثل هذا الغرض تحلُّ الحكاية شبه الهزلية أحيانا محلَّ الخطاب المادي وصرامته المزعومة. و«لكن هل بوسع الحكايات إنصاف الجغرافيا أيضا..؟؟..»([53]). هذا ما فُرض على قوى الإدراك مجتمعة لكي تشتقَّ له من مناظر الكينونة المجتمعية المخرومة واحدةً من صور النشاز الفني. فهل يكون بوسع نشاز من هذا القبيل أن يحتمي بتشكيليته الفنية في رهانه على انتزاع موقع له في صراع الصُّور المتطاحنة من أجل الفوز بالإنسان؟ لكن، هل الفوز بالإنسان هو دوما من أجل تثبيت سياسي وأنطولوجي له في عالم الحياة أم هو فوز به ليُساق مع سائر أشياء العالم إلى الموت المبرمج؟ أيكون النشاز الفني مؤمِّنا لجماليته من القول والمشهد حتى يبلغ سؤاله منتهاه: «أين ستولد الحياة من جديد؟»([54]). ومن ذا الذي يقوى اليوم بموهبته الفنية على الانخراط في معركة الظَّفر بالحياة الحرَّة والمكان والزمان المحرَّريْن؟ أباتت قسمة الأمكنة هي الأخرى من متمّمات القسمة الجديدة للجغرافيات بين أراضٍ محظوظة وأخرى منكوبة؟ أليس من مألوف أسئلة الخيال الفني العمل على إبداع «الإنسان المقبل» بديلا عن «الإنسان الأخير» وطواحينه الهوائية؟

ربَّما تكون الراوية أم الزين قد عهدت في عصر الفعل الخجول من ذاته إلى طيف من الإنسان المتآلف مع الحياة بمَهَمَّة غير يسيرة. إنَّه الفاعل الإنساني القادر على أن «يهدّم جدران الواقع المهزوم في كلِّ مكان»([55]). لكن، في المقابل، أليس للخيال هو الآخر خصيصة الاحتماء الفني بصوره ضدَّ التطبيع مع وقائع العالم ولغته وتنكريته؟ ثُمَّ، من أين يمكن اشتقاق يقين تاريخي بأنَّنا بتنا نتفكَّر نهاية العالم من خلال «الجماجم»: استحالات الناس في نوع من الهلاك الجديد؟ و«هل نحن فعلا في نهاية العالم (…)؟»([56]) أم أنَّنا صرنا مجبرين على مجرَّد التسليم السياسي بأنَّ «كلّ الأمكنة قد أصابها الفساد والتعفُّن (…)»([57]) رغم وجود هيآت عليا لمقاومة الفساد؟

تحميل القراءة في صيغة PDF

لم تتضمَّن الرواية من أسئلة الخيال ما تضمَّنت وحسب، وإنَّما هي كذلك من النصوص التي تشتقُّ لشخصياتها سكنًا في الخيال. إنَّها الشخصيات الروائية التي ورد خير تعريف لهويتها بما هي كائنات «بلا أحلام ولا آلام ولا أفكار ولا خيال.. ولا عالم..»([58]). فسكنى الخيال هي الإقامة المفضَّلة التي للرعاة وقد أخلدوا إلى ما في تصاديات أصوات مزاميرهم من صورٍ للعيش الرعوي. والحقيقة أنْ «لا أحد بوسعه التأقلم مع سكَّان الخيال إلاَّ من كان يملك روحا مناسبة لكمية العنف المطلوبة هناك»([59]). فالعنف الدنيوي هو ما يُحْمل على أنحاء عدَّة. فمنه العنف الفني الذي كان الإغريق يستجلبون به من السعادة ما أمكن لهم استجلابه لعيش اللحظة. ومنه ما تضمَّنته بعض الفنون المعاصرة كذاك العنف الذي تخيَّره ألبرتو مورافيا خاتمةً لأعماله فهشَّمها ولم يهمِّشها لا في منطق «السَّأم» من الحبيبة أو من ثورة لينين على القياصرة، ولا في تصاريف «الحب الزوجي» وملاذاته المدنية غير الآمنة عند النشاز التاريخي لسياسة الرجال، ولا في منطق «الانتباه» اللاَّزم لمجرَّد «الاحتقار»، فيما لو عزمت الذائقة الفنية على نزع حجب «امتيازات الغباوة»([60]) عن فظاعة العالم المعاصر.

خاتمة:

«وكنتُ أنتظركَ من أقصى مبدأ أيَّامي وعُمري. حتى كدتُ أنفد»([61]).

ربَّما تضمَّنت الرواية عنوانا وتفريعا له أو تذييلا بما يشبه الوضع اللغوي المتنافر. فما بين الحلوى والجماجم قد تكون أم الزين قاصدة الإبانة عمَّا في هواجسها من نزوع إلى التوحُّد مع منظر من العالم هو جديد في مخيالها، غير جديد في الوقائع السياسية. فمن ناحية أولى، لعلَّه منظر الركن الآخر أو المستحدَث من وطنٍ عليل تودُّ لو جعلت منه، بل لعلَّها فعلا قد «تخيَّلته حبيبها الجديد.. الذي سيبقى..»([62]). لكن، من ناحية ثانية، قد يكون منظرا فرضه العنصر التفكُّري في قواها الإدراكية وقد عادت بها إلى الفلسفة الميتافيزيقية. هو ذا ما جعلها ترى أنَّ «العالم فكرة متعبة جدًّا»([63]). وفي معمعة القراءة والتأويل غير اليسيريْن، قد نراها تصيَّرت بذاتها متوحِّدة حدَّ إفرادها هذا النصيب المتبقَّى لها: «فقط قليل من الذرَّات وبعض الأوجاع القديمة»([64]). بيد أنَّه من محسِّنات القَصص الروائي أن تظلَّ شخصية أم الزين متوارية خلف كلماتها التي أودعتها في معظم الأحيان وعلى نحوٍ صامت في تشكيل اللوحات التي نسبتها مرَّة إلى أحد النكرات ومرَّات أخرى إلى أحد المعلومين.

تحميل القراءة في صيغة PDF

المصدر والمراجع

المصدر:

  • بنشيخة، أم الزين. طوفان من الحلوى… في معبد الجماجم. تقديم محمَّد الخبو. سلسلة ديوان الحكايا (تونس: الدار التونسية للكتاب، 2021).

المراجع:

  • إليوت، توماس ستيرن. «التحدار والموهبة الفردية». تعريب محمد عبد النبي. ورد في مجلة العرب والفكر العالمي. العدد 21/22 (بيروت: مركز الانماء القومي، 2007)، (صص. 136-148).
  • الشركي، محمَّد. العشاء السفلي: رواية. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1987.
  • مورافيا، ألبرتو. الاحتقار: رواية. ترجمة خليل حنَّا تادروس. ط. 3. بيروت: دار الآداب، 1986.
  • –          —. السَّأم… رواية، ترجمة خليل حنَّا تادروس، ط. 5. بيروت: دار الآداب، 1994.
  • –          —. الانتباه: رواية. ترجمة خليل حنا تادروس. بيروت: المكتبة الثقافية، 1980.
  • المسعدي، محمود. السُّد. تونس: الدار التونسية للنشر، 1974.
  • هارفي، تشارلز. «خبث الجمادات: مراجعة للمنزلة الأنطولوجية للأشياء». تعريب شفيق اكريكر. ورد في مجلة العرب والفكر العالمي. العدد 35/36. بيروت: مركز الانماء القومي، 2015، (صص.34-39).
  • Cioran, Emil Michel. Précis de décomposition. Paris : Gallimard, 1949.

هوامش:

([1]) توماس ستيرن إليوت، «التحدار والموهبة الفردية»، تعريب محمد عبد النبي، ورد في مجلة العرب والفكر العالمي، العددان 21/22، (بيروت: مركز الانماء القومي، 2007)، ص. 147، (صص.136-148).

([2]) تشارلز هارفي، «خبث الجمادات: مراجعة للمنزلة الأنطولوجية للأشياء»، تعريب شفيق اكريكر، ورد في مجلة العرب والفكر العالمي، العددان 35/36، (بيروت: مركز الانماء القومي، 2015)، ص. 35، (صص.34-39).

([3]) أم الزين بنشيخة، طوفان من الحلوى… في معبد الجماجم، تقديم محمَّد الخبو، سلسلة ديوان الحكايا (تونس: الدار التونسية للكتاب، 2021)، ص. 244.

([4]) هارفي، «خبث الجمادات»، ص. 34.

([5]) بنشيخة، طوفان من الحلوى… في معبد الجماجم، ص. 196.

([6]) المصدر نفسه، ص. 200.

([7]) المصدر نفسه، ص. 178.

([8]) المصدر نفسه، ص. 18.

([9]) المصدر نفسه، ص. 99.

([10]) محمَّد الشركي، العشاء السفلي: رواية (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1987)، ص. 11.

([11]) بنشيخة، طوفان من الحلوى… في معبد الجماجم، ص. 259.

([12]) المصدر نفسه، ص. 19.

([13]) المصدر نفسه، ص. 18.

([14]) المصدر نفسه، ص. 50.

([15]) المصدر نفسه، ص. 18.

([16]) ألبرتو مورافيا، الانتباه: رواية، ترجمة خليل حنا تادروس (بيروت: المكتبة الثقافية، 1980)، ص. 49.

([17]) بنشيخة، طوفان من الحلوى… في معبد الجماجم، ص. 52.

([18]) المصدر نفسه، ص. 17.

([19]) المصدر نفسه، ص. 204.

([20]) المصدر نفسه، ص. 127.

([21]) المصدر نفسه.

([22]) المصدر نفسه.

([23]) المصدر نفسه، ص. 52.

([24]) المصدر نفسه.

([25]) المصدر نفسه، ص. 112.

([26]) المصدر نفسه، ص. 52.

([27]) المصدر نفسه، ص. 126.

([28]) المصدر نفسه، ص. 242.

([29]) المصدر نفسه، ص. 36.

([30]) المصدر نفسه، ص. 87.

([31]) مورافيا، السَّأم… رواية، ترجمة خليل حنَّا تادروس، ط. 5 (بيروت: دار الآداب، 1994)، ص. 206.

([32]) بنشيخة، طوفان من الحلوى… في معبد الجماجم، ص. 40.

([33]) المصدر نفسه، ص. 197.

([34]) المصدر نفسه، ص. 189.

([35]) المصدر نفسه، ص. 77.

([36]) المصدر نفسه، ص. 18.

([37]) المصدر نفسه، ص. 209.

([38]) المصدر نفسه، ص. 110.

([39]) المصدر نفسه، ص. 138.

([40]) المصدر نفسه، ص. 140.

([41]) المصدر نفسه، ص. 68.

([42]) المصدر نفسه، ص. 128.

([43]) المصدر نفسه، ص. 175.

([44]) المصدر نفسه، ص. 34.

([45]) المصدر نفسه، ص. 74.

([46]) المصدر نفسه.

([47]) المصدر نفسه، ص. 35.

([48]) المصدر نفسه، ص. 96.

([49]) مورافيا، الاحتقار: رواية، ترجمة خليل حنَّا تادروس، ط. 3 (بيروت: دار الآداب، 1986)، ص. 164.

([50]) بنشيخة، طوفان من الحلوى… في معبد الجماجم، ص. 81.

([51]) المصدر نفسه، ص. 46.

([52]) المصدر نفسه، ص. 218.

([53]) المصدر نفسه، ص. 88.

([54]) المصدر نفسه، ص. 209.

([55]) المصدر نفسه، ص. 145.

([56]) المصدر نفسه، ص. 214.

([57]) المصدر نفسه، ص. 209.

([58]) المصدر نفسه.

([59]) المصدر نفسه، ص. 36.

([60]) Emil Michel Cioran, Précis de décomposition (Paris : Gallimard, 1949), p. 139.

([61]) محمود المسعدي، السُّد (تونس: الدار التونسية للنشر، 1974)، ص. 127.

([62]) بنشيخة، طوفان من الحلوى… في معبد الجماجم، ص. 92.

([63]) المصدر نفسه، ص. 209.

([64]) المصدر نفسه، ص. 213.

تحميل القراءة في صيغة PDF

رابط بديل

******************

ﻫﻞ ﻳﻤﻜﻦ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻋﻦ ﻓﻠﺴﻔﺔ ﻋﻤﻮﻣﻴﺔ؟

31 يوليو 2020 بصغة المؤنثمجلاتمفاهيم 0

ﺃﻡ ﺍﻟﺰﻳﻦ ﺑﻨﺸﻴﺨﺔ ﺍﻟﻤﺴﻜﻴﻨﻲ ﺃﻡ ﺍﻟﺰﻳﻦ ﺑﻨﺸﻴﺨﺔ ﺍﻟﻤﺴﻜﻴﻨﻲ ﺛﻤّﺔ ﻫﺸﺎﺷﺔ ﻣﻔﺰﻋﺔ ﺗﺼﻴﺐ ﻓﻀﺎﺀﺍﺗﻨﺎ ﺍﻟﻌﻤﻮﻣﻴﺔ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻓﻲ ﺣﻀﺎﺭﺓ ﺍﻟﻌﻮﻟﻤﺔ ﺣﻴﺚ ﻳُﺒﺎﻉ ﻛﻞّ ﺷﻲﺀ ﻭﻳُﺸﺘﺮﻯ ، ﻣﻦ ﺃﺻﻮﺍﺕ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺍﻟﻰ ﻋﻘﻮﻟﻬﻢ ﻭﺃﻗﺪﺍﺭﻫﻢ ، ﻓﻲ ﻭﺭﺷﺔ ﺍﻻﺗّﺠﺎﺭ ﺑﺎﻟﺒﺸﺮ ﻛﺂﺧﺮ ﻣﻌﺎﻧﻲ ﺍﻟﻌﺒﻮﺩﻳّﺔ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪﺓ ﻓﻲ ﺩﻭﻝ ﻟﻢ ﺗﻌﺪ ﺗﺘﻘﻦ ﻟﻌﺒﺔ ﺻﻴﺎﻧﺔ ﺣﺪﻭﺩﻫﺎ ﻭﺭﻋﺎﻳﺔ ﻛﺮﺍﻣﺔ

إلى كلِّ الجزائر والجزائريين.. رسالتان في المودَّة والموقف الثالث

8 أبريل 2019 عامةمجلاتمقالات 0

المولدي عزديني المولدي عزديني الرسالة الأولطاب زمانكم… كنتم ولا زلتم (رجالاً ونساءًا) من أهل العظمة والمحبَّة والصداقة. وأنتم شرفاء من جهة النسب إلى هكذا أهل. وأينما كان الأحرار فهم أهل لكم في عالَمَيْ التاريخ والجغرافيا. صحيح أنَّ القائم على فعله أدرى من غيره بغرضه وعُدَّة إمكانه. غير أنَّ الأمر يتعلَّق

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في امتحانات شهادة المرحلة النهائية بكالوريا 2021

رحموني عبد الكريم رحموني عبد الكريم باحث من الجزائر            إن التقويم المنهجي الذي يتم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *