الرئيسية / منتخبات / عامة / توتاليتارية الرقمية

توتاليتارية الرقمية

قراءة في كتاب الانسان العاري، الديكتاتورية الخفية للرقمية، ل “مارك دوغان” و”كريستوف لابي” ، ترجمة سعيد بنكراد

بقلم: سـمـية رطبي

إن الكتاب الذي لا يتغيا صاحبه، معالجة معضلة من المعضلات التي يعاني منها المجتمع/ العالم، لا يعول عليه، وأظن أن كتاب “الإنسان العاري” للمؤلفان الفرنسيان مارك دوغان وكريستوف لابي، والذي نُقل إلى اللسان العربي بقلم سعيد بنكراد،  من الكتب التي يعول عليها، لفهم التشظي والضياع، وحالة الاستلاب المُطلق الذي يؤرق الإنسان المعاصر اليوم، بسبب التطور المهول الذي أضحت عليه التقنية، خاصة إذا انقلبت عليه وجعلت منه خصما لذودا لها، بعدما ظن أنها أتت لتساعده على تخطي المسافات والتخلص من غرابة الكون والاغتراب فيه.

   وهو الكتاب الذي يفتح أعيننا على الكثير من الأشياء حولنا، والتي غذت بديهية بالنسبة إلينا؛ إنه زاخر بالكثير من المعلومات المتعلقة بالتقنية التي أضحت جزء لا يتجزأ من حياتنا دون أن نعرف عن ماهيتها شيئا أبدا، إننا نهرع في كل وقت وحين لهواتفنا وحواسيبا بحرية لا محدودة، لكننا نجهل جهلا مطبقا تأثير ذلك على حميميتنا وعلى حريتنا وعلى أدمغتنا، ثم ما يربحه الآخرون من نقراتنا المتواصلة.

ومن المفاهيم المهمة والمهيمنة على الكتاب، مفهوم البيغ دتا وهو فيض لا ينضب من الآثار والعلامات التي يتركها المبحرون في عالم الأنترنيت، عبر الفيسبوك وتويتر وغوغل …وغيرهم، فعندما نبحث عن معلومة معينة بمحض إرادتنا، متيقنين من اختيارنا في أننا نشاهد ما نشاء ونقرأ ما نشاء، ونتابع ما نشاء، فنحن بذلك نزود رواد البيغ دتا ـ من أمثال لاري بيج وسيرغاي برين وهما مؤسسي غوغل، ومارك زاكربيرغمؤسس فيس بوك، وبيل غيتز صاحب ميكروسوفت، وستيف جوبر، مبتكر آبل، غيفان وليام أحد مؤسسي تويتر…إلخ ـ بكل ميولاتنا ورغباتنا، وحلاتنا النفسية، وطموحاتنا، وأفكارنا وهي مرتبطة بالاستخبارات من جهة، والشركات التجارية العابرة للقرات من جهة أخرى، حتى تساعدهم على معرفة زبنائها ورغباتهم، وبتكوين فكرة عن إنسان اليوم وإنسان المستقبل، حتى يسهل التحكم فيه.

وبهذا المعنى يكون الإنسان العاري أو المكشوف، ليس ذاك الذي تجرد من ملابسه، بل الذي أصبحت حياته الخاصة مكشوفة ومعروفة لمن يهمه أمرها، غذت خاضعة لمراقبة دائمة وشاملة بأقل التكاليف، وبطريقة غير محسوسة.

إختفاء خصوصية الأفراد

لقد أضحت الخصوصية في خبر كان، وتبخرت الديموقراطية التي حاربت من أجلها الأجيال، وباختفاء الحميمية تختفي الأصالة، والعلاقة المباشرة والواقعية التي يربطها الإنسان بالواقع العيني، ليحل محلها عالم افتراضي، يُشبّهُه الكاتبان بكهف أفلاطون، حيث لا نرى سوى الظلال والزيف، والمشكلة ليست هنا، بل في كوننا نعتقد أن تلك الظلال هي الحقيقة، إنها سلطة ناعمة وخفية، تتحكم فينا دون أن ندري نحن بذلك، لأننا صدقنا الوهم الرائج بأن التقنية أتت بالخلاص للإنسان، وذلك بأن تسهل حياته وتساعده على قضاء مآربه بيسر غير مسبوق.

لقد جاءت البيغ دتا والقلة من الأفراد المتحكمين فيها بقوانين جديدة، هي قوانين الرقمية، التي تساعد في فتح الباب على مصرعيه، أمام الليبرالية المتوحشة، التي تبتغي جعل العالم سوقا،   فيه القدرة على بيع وشراء كل شيء ممكنة، حسب قانون السوق، ولم يعد للقوانين التي تسنها الحكومات أي مصداقية بالنسبة إليها؛ إننا في عالم قوانينه يضعها الأقوى والأصلح، وقد أثبتت التقنية اليوم في كل المجالات أنها الأقوى والأصلح.

 إنها سلطة من طراز آخر تجاوزت السلطة القديمة بل وأضحت تتحكم فيها.

وهم الحرية

إن الفرحة، التي يعبر عنها جيل اليوم، بامتلاكه للمعلومة، وتسهيل نمط العيش، تخفي وراءها عواقب وخيمة لا يفقهون إليها، وهي فقدان التوازن النفسي والمادي؛ عندما نألف السرعة التي نسير بها في العالم الافتراضي، ونستأنس بقدرتنا على القفز من موضوع لآخر، لا يصبح للأشياء الواقعية أي قيمة، فذلك الصراع والتشنج الذي يصيبنا عندما نضع بين أيدينا كتابا واقعيا، نفقده عندما نستغني عنه بالمعلومة الجاهزة، وهذا يحد من شدة انتباهنا، ويزيد من غبائنا وقلة صبرنا، ويعطل نشاطنا الدماغي، كما يؤثر على نمو الذكاء لدى الأطفال ويحد من قدرتهم على الإبداع، فالعقل الذي استهوته الصورة الجاهزة وبهره ضوئُها، سيفقد بالتدريج ومع مرور الأيام القدرة على التركيز والتفكير وبالتالي على الخلق.

ومن ثمة يمكن القول أن التقنية نجحت في تسطيح الإنسان وتتفيهه، وكل ذلك يخدم قروش عالم الرقمية، الذين يمنعون على أبنائهم كل وسائل التكنولوجيا منعا باتا، في مقابل تسويقها لأطفال العالم، حتى أصبح وجود عالمهم الصغير مرتبط بالهاتف أو الحاسوب، بعدما كان الآخر والأشياء الواقعية هي مكمن فرحهم وسعادتهم البسيطة والبريئة.

إن الغرور الزائد يدفع بعمالقة الأنترنيت إلى رقمنة كل شيء، وسجن العالم الواقعي في كبسولات يسهل التحكم فيها، إنه خزان لا متناهي يضم العديد من الصور والفديوهات والمعلومات، إنها تبحث عن إنسان يبقى متصلا بالإنترنيت أكبر مدة ممكنة، وبالتالي فنوم الأفراد يعد بالنسبة إليها وقتا ميتا، لذلك فهي تطمح إلى تقليص ساعات النوم؛ فالرأسمالية تزحف على أهم الأشياء حيوية في الإنسان، وقد امتد الأمر إلى أشد الأمور خصوصية في حياة الأفراد، فالهوس باستخلاص فائض القيمة لمراكمة الأرباح وبجعل للزمن مردودية، قاد أسياد الأنترنيت إلى فتح خدمة خاصة تتعلق بتجميد بويضات العاملات إلى ما بعد الأربعين ليتم الاستفادة من عملهن وهن في أوج العطاء بل ويتم التشجيع على ذلك، في مثال صارخ لمدى بلوغ قروش الرأسمالية درجة من فهم الإنسان تمكن من إخضاعه وفقا لمصالحها، إخضاعا يغدو عبودية طوعية لا تكلفهم سوى تكاليف ترويض الإنسان حتى يرتمي بملء إرادته في بحر رأسمالية القرن عصرنا.

السيطرة على مجال الطب

لقد أصبحوا يعتقدون أن مصدر تحسين الكائن البشري، بل وأيضا القدرة على تمديد الحياة يوجد في التكنولوجيا، إذ غذا التحكم التقني يمس الحياة أيضا؛ إن العلم الجديد، الذي سموه البيوتكنولوجيا، يتطلعون من خلاله إلى التحكم في الأمراض، ومعرفة إمكانية وقوعها انطلاقا من معرفة التسلسل الجيني… ستدخل التكنولوجيا لقلب جسد الإنسان، وتنبأ بحالته الصحية، بل إن طموحها يتعدى كل ذلك، بأن تتحكم في نقاط الحياة فتضيف لمن يمتلك المال وتخصم لمَن لا يملكه، إنها سلطة تعد بزيادة التفاوت بين الفئات المجتمعية، لكن في أشد المسائل خصوصية هذه المرة: في الحياة.

فالشركات الرقمية العملاقة التي تمتلك تريليونات الدولارات، لها القدرة على استقطاب أهم المتخصصين في الطب والشيخوخة، لتطوير أبحاثهم، والتحكم في استخداماتها؛ إنها اللامساواة التي ستطال أيضا الأعمار، فهم يسعون – حسب ما جاء به الكتاب –  ليتحكموا في العلم ليخدم مصالحهم ويحققون الخلود لقلة قليلة وهي من يحتكر الموارد.

الربوهات محل الإنسان

ومن جهة أخرى فالداربا DARBA وهي الوكالة المكلفة بتطوير التكنولوجيات الجديدة الموجهة للاستعمال العسكري، والتي كانت وراء ظهور الأنترنيت، تسعى إلى تطوير الذكاء الاصطناعي  ليصل، بل يتجاوز، الذكاء الإنساني، لتزويد الفِرق في المجال العسكري بقوة فوق إنسانية.

ومن الأخطار التي تهدد الإنسانية، جراء هذا الحلم الخارق الذي يسيطر على مخيلة أباطرة الأنترنيت: الاستغناء عن العمال البشريين؛ إذ دخلوا عصرا جديدا يجربون فيه إمكانية قيام الربوهات بمهام الإنسان، وأكثر من ذلك، فمع الآلة سنضمن استمرار العمل، رغم الإضرابات العمّالية، بدون أيام العطل ولا نوم ولا راحة، ولا تعويضات، مما سيسمح باستخلاص قيمة مضافة، أكبر من تلك التي يستخلصونها عبر استغلال اليد العاملة البشرية. إن متكري الثروات يسيرون في اتجاه تدمير الوظائف القديمة لخلق وظائف جديدة، ستنخفض قيمة اليد العاملة إلى أدنى مستوياتها، من أجل ضمان غناهم المستمر-المتراكم.

سيتكون جيش من العاطلين همه الأساسي، تلبية رغباته المحدودة انطلاقا مما تخوله له البيغ دتا، ستدفع الناس للقبول بهذه البطالة، من خلال تسلية مجانية تقدمها لهم، وتترك المهام للربوهات، وقد يحدث أن تخرج الآلة عن التحكم الإنساني، وتصبح هي السائدة بل وتسعى إلى استعباد الإنسان وتوجيهه، كما نشاهد منذ عقود في أفلام الخيالي العلمي. 

ستنهار خصوصية الأفراد ووجودهم الطبيعي، وتهيمن  عليهم الرغبات الكثيرة التي تسعى إلى التحقق. إن غرض البيغ دتا هو فهم انفعالاتنا لكي تراقبنا، وتوقظ المستهلك الذي يرقد داخلنا، تتعرف على عاداتنا الاستهلاكية القديمة، لتتحكم في رغباتنا في الاستهلاك المستقبلية. وإذ تجح في ذلك  فسنغذو مراهقين غير قادرين على تأجيل رغباتنا، وبالتالي غير قادرين على التتفكير، وعلى نسج علاقات إيجابية مع غيرنا؛ فمن خلال التعاطي المفرط للرقمية، ترتمي في حضنالعزلة المطبقة، في الوقت الذي توهمنا بوجود أصدقاء، وهذا ما يحدث في شبكات التواصل، إذ يعتقد المرء أنه محاط بكثلة غير محدودة من الأصدقاء، لكنه في حقيقة الأمر فردا معزولا خاضعا ومتأثرا بأشعة هاتفه أو حاسوبه.إنهم يسرقون منا أهم شيء حيوي وضروري بالنسبة لنا، وهو الواقعي والملموس الذي نجده في الطبيعة والأشياء وفي الأقارب، والأصدقاء الحقيقين.

إنها إديولوجيا جديدة تمتلك سيادة فائقة تتجاوز كل نظيراتها، تتجلى في التكنولوجيا التي استعبدت حياتنا وتحكمت في عواطفنا وأفكارنا. إنها لبيرالية متوحشة تقودها القلة من أسياد العالم، وهم الذين يمتلكون ثروة هائلة اليوم ويطورونها باستمرار وكل يوم، كل ساعة، كل نقرة… إنها سيادة القلة الأكثر تطرفا في التاريخ البشري برمته. لقد انسلخنا من الروابط التي تجمعنا بالآخر، لنتيه في بحر الوحدة، الذي تضمنه لنا البيغ دتا بما تحمله لنا من ملل وفقدان الصبر… وباختصار، بكل ما تحمله من استلاب واغتراب.

نخلص إلى القول أن الذي جعل هذا الإنسان عاريا ليس تجرده من كرامته وحريته التي فقدها أثناء نظم الحكم التوليتارية، بل بسبب سلطة أكثر قوة وسطوة هي قوة التقنية، التي جاءت مبشرة بالمساواة والعدل، لكن جذورها مبنية على التفاوت، لأنها مرتكزة في أيادي القلة الذين يتحكمون اليوم في العالم الرقمي.

إن الإنسان العاري هو المستهلك الذي جرى ترويضه، وتجريده من كل انتماء، وتخليصه من كل مثل أعلى… هو الإنسان الذي تريده الرأسمالية مسطحا، تافها، طيعا لا حول له ولا قوة في علاقته برغباته. كائن لا يعيش حياته، بل يوجد – كغيره من الأشياء- إذ أن أحاسيسه مُصطَنعة، وانتباهه متحكّم فيه عن بعد، بواسطة حواسيب.. من يدري؟ قد تكون في إحدى الجنات الضريبية، هدفها المراقبة والضبط والتوجيه.. توجيه البشرية في اتجاه أوحد: الحفاظ على سيرورة الإنتاج من أجل استمرار مراكمة رأس المال.

وفي الختام، ورغم أننا متأكدون بأننا، بهذه الورقات،  لن نوفي الكتاب حقه، لكننا قد نجازف ونقول بأنه أوضح جواب على فرضية من الفرضيات التي أتى بها الفيلسوف الألماني كارل ماركس، القائل ذات كتاب ” أننا سنصل مرحلة حيث عالم الأشياء يصبح أكثر قيمة من عالم البشر.”   

شاهد أيضاً

التّعقّليّة في فكر الفيلسوف التونسيّ فتحي التّريكي

سالم العيّادي سالم العيّادي كلّية الآداب والعلوم الإنسانيّة. جامعة صفاقس “العيش سويًّا في السّلم والسّعادة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *