الرئيسية / العلوم الإنسانية / علم الإجتماع / قراءة في كتاب سوسيولوجيا وأنثروبولوجيا الصحة: طروحات نظرية

قراءة في كتاب سوسيولوجيا وأنثروبولوجيا الصحة: طروحات نظرية

من إنجاز الطالبين :

أسامة البحري

يونس فارس

 تقديم :

نشر كتاب سوسيولوجيا وأنثروبولوجيا الصحة : طروحات نظرية ، عن مؤسسة مقاربات للنشر والصناعات الثقافية ، في طبعته الأولى سنة 2018 ، والتي تمتد على 182 صفحة من القطع المتوسطة ، من تصميم التشكيلي عزيز أزغاي بتوظيف لوحة فنية للفنانة نادية فالح .

والكتاب طبعا من تأليف الباحثة و الأستاذة عزيزة خرازي – أستاذة علم الإجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بني ملال – فهو عبارة عن طروحات نظرية حول سوسيولوجيا وأنثروبولوجيا الصحة سعت من خلاله وضع الأسس النظرية لهذين التخصصين في مجال الصحة ؛ لترسم منذ البداية الأهمية العلمية لهذا العمل وتتجلى في وضعها هذا الكتاب أمام الباحثين والمختصين من أجل فهم هذين الفرعين – أي سوسيولوجيا وأنثروبولوجيا الصحة – حيث تقول الباحثة  ” ونظرا لجنينية البحث في سوسيولوجية الصحة وكذلك في أنثروبولوجيا الصحة في المجتمع المغربي ، أثرنا وضع هذا الكتاب أمام الباحثين من أجل فهم هذين الفرعين والتعرف على أهم رواد كل فرع ونظرياتهم “[1] بالإضافة إلى هذا الرهان النظري سعت أيضا إلى ” إقامة التصالح بين الطب الشعبي والطب الحديث (…)  ووضع ما تداوله العلاج الشعبي في إطار البحث العلمي التجريبي لإثبات أو نفي نجاعته ، وكذلك اصلاح ما فسد من الطب الحديث من انعزاله عن الأخد بعين الاعتبار الأنساق الاجتماعية التي يعيش فيها كل من الطبيب والمريض  [2] .

ويأتي هذا المؤلف في صلب اهتمام الباحثة حول قضايا الصحة والمرض والأمراض المزمنة ، لأن اهتمامها هذا  يتجسد في مشوارها الأكاديمي تدريسا وتأليفا ، والجدير بالذكر أيضا أنها إنشغلت على ذات الموضوع في أطروحتها لنيل الدكتوراه .

تتجلى هيكلة الكتاب في تقديم البروفيسور محمد البياز ومقدمة وكلمات مفتاحية بالإضافة إلى فصلين ويضم الفصل الأول تقديم تندرج تحته ستة مباحث ثم محور آخر وخاتمة أما الفصل الثاني يضم تمهيد و أربع محاور وخاتمة ،  ويندرج تحت المحور الثاني والرابع مبحثين والمحور الثالث يندرج تحته ثلاث مباحث ، إلى جانب لائحة المراجع والفهرس ، خصص الفصل الأول لمناقشة الأسس النظرية لسوسيولوجيا الصحة ، ويقدم كذلك كيف ثم الإنتقال من بحث معرفي لآخر وأهم الرواد في كل بحث معرفي وصولا إلى أهم النماذج النظرية في سوسيولوجيا الصحة .

يشير محمد البياز في تقديمه إلى  أن الدراسات الأنثروبولوجية الطبية يرجع تاريخها إلى خمسينيات القرن الماضي ، لكن مع نهاية القرن التاسع عشر نجد الإرهاصات الأولى مع الأنثربولوجي فيرشو* ، لينتقل بعدها إلى تحديد مهمة الطب وعلم الإجتماع ، فالأول يدرس قضايا الصحة والمرض ، بينما الثاني يدرس البناء الإجتماعي للمجتمع ،فعلم الاجتماع الطبي إذن يشكل حلقة وصل بين هادين العلمين أي أنه يدرس قضايا الصحة و المرض في ضوء علاقتها بالنظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية [3] ، كما ركز أيضا على دور الأنثروبولوجية الطبية في وضع سياسات ومنظومات صحية تخدم صحة المواطن على اعتبار أن البحث الأنثروبولوجي يدرس ثقافة الشعوب ومعتقداته الفكرية والدينية [4] .

أشارت الباحثة في مقدمة كتابها أنه في البداية كان ينظر إلى العوامل البيولوجية هي  فقط الأسباب الوحيدة التي تحدث المرض ، لكن شيئا فشيئا بدأ هذا التوجه يفتقد أهميته ، بعدما بدأ الباحثون ينفتحون على العوامل الأخرى الاجتماعية والنفسية في تدبير الصحة ، حيث  ساهم علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في توضيح أهمية هذه العوامل  ، بمعنى أن النشاط الطبي يتطلب فهما واعيا للضغوط الإجتماعية والثقافية التي تؤثر على الفرد لمدى حاجته للخدمة الصحية

فمع تقدم البحث العلمي ظهرت أهمية العوامل الاجتماعية والثقافية ، حيث توقف الأطباء أمام أمراض فرعية -يعجز الطب عن الإجابة عنها – تؤثر عليها عوامل سياسية واجتماعية ثقافية . وهو ما ساهم في تحرير الأطباء من قبضة النموذج البيولوجي للمرض .

أرست الباحثة أيضا مجموعة من المفاهيم كمدخل أساسي لفهم محتوى هذا المتن النظري  :

*مفهوم الصحة : هي حالة كاملة من السلامة الجسمية والعقلية والإجتماعية لا مجرد الخلو من المرض والضعف ، إن هذا التعريف يتجاوز التعريفات الكلاسيكية لمفهوم الصحة التي تقتصر على الصحة الجسدية ليشمل بذلك كل التجليات السيكوسوسيولوجية لا البيوطبية فقط .

*مفهوم المرض : هي حالة يتعرض لها الإنسان نتيجة مجموعة من الأسباب إجتماعية ، نفسية ، ثقافية ، فما قد يكون مرضا في مجتمع قد لا يكون كذلك في مجتمع آخر

*مفهوم الثقافة : كما هو معلوم أن هذا المفهوم من أكثر المفاهيم غموضا ، وذلك راجع إلى التعدد الثقافي أو المنطلقات الأيديولوجية للباحث ،لذا سنكتفي بالتعريف الإجرائي الذي قدمته الأستاذة ، أن الثقافة هي مجموعة متكاملة من القيم والمعايير والتصورات والمعتقدات والرموز والأعراف والتقاليد التي يتداولها الناس جماعيا وتتوارثها الأجيال بصفة منتظمة داخل مجموعة بشرية وتشكل رأسمالا رمزيا يتعين إعتماده .

*الأمراض المزمنة :  هي تلك الأمراض القابلة للتشخيص أو التدخل الطبي ولكن لا يكون قابلا للشفاء ، ويتميز الإزمان بالثبات والاستمرارية . بمعنى آخر هي تلك الأمراض التي تتطلب علاج طويل الأمد كما يتطلب من المريض ومحيطه الإجتماعي والثقافي التعايش معه .

الفصل الأول :

وفي بداية الفصل الأول تناولت الباحثة التحديد البيولوجي والسوسيولوجي لمفهوم الصحة ، وترى بأن التعريف البيولوجي يقصي البعد البشري في تعريف الظاهرة الصحية ، بمعنى أن الطب عندما يدرس الإنسان يدرسه بماهو كائن طبيعي فقط  ، ولا ينظر إليه من داخل وجوده الإنساني ، ومرد هذا الإقصاء يرجع إلى سببين إثنين ؛ الاعتقاد بوجود المرض كخلل فيزيولوجي ناتج عن اضطرابات فيزيولوجية ، ثم اقتناع البيوطبية  بقصور المعارف الثقافية والاجتماعية ، وعلى هذا الأساس اتجهت المقاربة البيوطبية في الصحة اتجاهين مختلفين :

* الاتجاه الأول- يمثله كونط وكلود برنار- يرون أن الصحة والمرض لا يختلفان عن بعضهما من حيث الطبيعة لأنهما نوع واحد ، فكونط يتأسس تفكيره على وحدة الوجودين الطبيعي والإنساني ، وتتماثل ظواهرهما . وخضوعها لنفس القوانين والقواعد العامة عكس ذلك ، جعل برنار من التجربة الأساس الذي تقوم عليه المعرفة والعلمية عموما .

فرغم اختلاف في طبيعة التصور إلا أنهما يتفقان في نهاية المطاف عن تماثل الصحة والمرض

أما الاتجاه الثاني  ، يختلف تماما عن الأول ، بمعنى أن أصحاب هذا الاتجاه – بلاندل – كاش – مانكوفسكي – يقولون باختلاف الصحة عن المرض من حيث الطبيعة  وبوجود الظاهرة العادية والظاهرة المرضية كحالات مختلفة من حيث نوعها وأشكال وجودها والقوانين التي تحكمها

أما التحديد السوسيولوجي لمفهوم الصحة فيعرفها دوركايم أنه هي الحالة التي تنمو فيها القوى الحية بشكل سليم ، ويتكيف داخلها الجسم مع محيطه بطريقة كاملة

وبهذا ينزع من الظاهرة الصحية طابعها البيولوجي ليضعها أمام مقدمتين  أساسيتين الأولى ترتبط بقابلية التحول البيولوجي بجميع أشكاله كموضوع للسوسيولوجيا ، والثانية أنه يمكن للعلم الاجتماعي أن يكشف عن البنيات التي تشكل وتضفي المعنى على الظواهر البيولوجية .

إن مساهمة دوركايم في تأسيس الدراسة السوسيولوجية للصحة باعتبارها ظاهرة اجتماعية ، تشكل إنقلابا على أكبر الأطروحات البيولوجية في الصحة . وبذلك لم يعد المرض رهين بالجسد وإنما أصبح كذلك من داخل المجتمع ، فبدل الحديث عن صحة الجسد أصبحنا نتحدث عن الصحة الاجتماعية .

بالانتقال إلى محور أصول التفكير الإجتماعي بقضايا الصحة والمرض ؛ تشير الباحثة إلى أن الإرهاصات الأولى للتفكير الإجتماعي حول أصول المرض كانت خلال القرنين الثامن عشر  والتاسع مع الأطباء الوقائيين الذين اعتبروا المرض حادثة اجتماعية ، فبعد أن توصل هؤلاء الأطباء إلى كون الأمراض ليست نتاجا للوسط الطبيعي فقط ، بل نتاج للوسط الاجتماعي أيضا ، فأحدثوا بذلك قطيعة مع التصور الميتافزيقي الطبي لأبوقراط . مما سمح لهم التفكير في المرض بمنطق اجتماعي .

وقد تطور هذا التوجه الاجتماعي للأطباء خلال القرن الثامن عشر من خلال السعي إلى إقامة تحديد أكثر دقة بين الشوط الاجتماعية للمرضى وبعض الأمراض ، وفي أواخر القرن 19 وبداية القرن 20 إعتمد الأطباء الباحثون مصدر الأمراض والأوبئة بناء على ما كانت توفره آنذاك السوسيولوجيا من تقنيات ومناهج البحث الاجتماعي ، قتم بذلك نحث مصطلح ” علم الاجتماع الطبي ” هذا الأخير الذي بدأ الاهتمام به يتزايد في ثمانينيات  القرن الماضي بفعل الحاجة الملحة إليه ، فهناك من يرى بأن ظهور هذا التخصص يرجع إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية ، إذ تؤكد ذات المصادر نفسها أن جذور علم الاجتماع الطبي أبعد بكثير ، حيث أن هناك دراسات عديدة تجمع على هذه النشأة ؛ على سبيل المثال نجد في بريطانيا  إدوين جادويك حول ” أسباب الوفيات الناجمة عن الأوبئة ” 1842 في ألمانيا إسهامات فيرشو وونيومان في قيام نظام الحماية الاجتماعية والتغطية الطبية 1848  ، وفي بلجيكا دراسات مين حول ” الطوبوغرافيا الطبية للبلجكين ” .

أما في أمريكا لم تكن هنالك جذور لعلم الاجتماع الطبي ، لكن شكل مرحلة ما بين1950-1960 مرحلة جادة في ظهور كتابات شكات منطلقا أساسيا في البحث السوسيولوجي العلني في قضايا الطب ، وخصوصا المقالة التي قدمها تالكوت بارسونز سنة 1951

إذا كانت السوسيولوجية الطبية قد مكنت من ترسيخ مفهوم الحق في المرض والحق في العلاج ، فإن سوسيولوجيا الصحة ستدافع عن مفهوم الحق في الصحة وليس فقط الحق  في العلاج بعد أن يصاب الفرد بالمرض . بمعنى أن ستدفع اصحاب القرار إلى ضرورة توفير البيئة الملائمة للأفراد أي  تحسين ظروف العيش الاقتصادية أولا ثم الاجتماعية والبيئية ، فمحاصرة المرض في جزء منه لن يتم إلا بتحسين هذه العوامل   

أما في ما يتعلق بالنماذج النظرية لسوسيولوجيا الصحة ، يعتبر تالكوت بارسونز من أبرز علماء الاجتماع الأمريكيين الذين اهتموا بموضوع الصحة والمرض ، وانطلاقا من النظرية الوظيفية ، سيعمل على تناول هذا الموضوع معتمدا في ذلك مفهوم الدور ، فبحسبه فإن لكل من الطبيب والمريض دورا اجتماعيا يؤديه ، فمن المنظور الوظيفي يعتبر المريض منحرفا اجتماعيا ، فدور المريض هوالعمل على الخروج من خالة الانحراف هذه ، من خلال علاج نفسه انطلاقا من نصائح ووصفات الطبيب ، وبذلك يصبح مريضا جيدا ، إلا أن مفهوم الدور تعرض للنقد  كثيرا خصوصا من طرف هيرزليتش و نلتنون على اعتبار أن هذا المفهوم لا ينطبق دوما على  الواقع المعيش  ، كما هو الشأن في المجتمعات غير الغربية   حيث يتم التزاوج بين الطبين التقليدي والعصري .

وفي ستينات الفرن الماضي سيظهر اتجاه آخر ويسمى بالاتجاه التفاعلي الذي طوره إيليون فرايدسون ، وينطلق من مقاربة تعتبر الطب لمقولتي الصحة والمرض باعتبارهما مقولتين إجتماعية ، فالبنسبة لهذا المنظور فإنه لا ينبغي الخلط الواقع العضوي للمرض وبين واقعه الاجتماعي ، فهو يعتبر المرض انحراف كبارسونز ولكن يتم تقنينه عن طريق الممارسة الطبية لميكانيزم الضبط الإجتماعي ، بمعنى أن المرض عبارة خلل بيولوجي ، وهكذا استطاع أن يتخلص من الإرث البارسونزي الذي اختزل العلاقة بين الطبيب والمريض في أدوار محكمة يكون معها الطبيب صاحب سلطة مطلقة والمريض شخص مسالم ، فوضح بأن العلاقة القائمة بين الإثنين مرتبطة إرتباطا وثيقا بانتمائهما إلى أنساق مختلف ، فالطبيب ينتمي إلى نسق مرجعي علمي بينما المريض ينتمي إلى نسق مرجعي عامي ، فإن طبيعة الصراع إذن بين الأطباء والمرضى لا ترتبط بعدم احترام الأدوار المحددة بقدر ماهي مرتبطة بالصراع بين الأنماط الثقافية العلاجية[5]  

أما الاتجاه الثالث يسمى بالاتجاه التفاوضي لأنسليم ستراوس ، وينطلق من فكرة أساسية مفادها أن التنظيمات هي أنساق التفاوض الدائم ، حيث أن النظام الاجتماعي هو نظام يقوم على تفاوض مستمر يتفاعل فيه الأفراد مع الشروط البنائية لهذا النظام ، في هذا الصدد تقدم ستراوس باقتراح مرجعي يتجاوز البعد الطبي  للتجربة المرضية إلى البعد الاجتماعي . ووفق هذا الاتجاه فالطبيب والمريض ليسا وحدهما الفاعلين في تدبير المرض ، وإنما هناك فاعلون آخرون في هذه العملية ( الأسرة – المساعدات الاجتماعية ….)

جعلت بازنجيه من نظرية البناء الاجتماعي حول الأمراض المزمنة منطلقا أساسيا لدراستها ، فهذه الأمراض تتميز بشيء أساسي هو كونها أكثر اجتماعية من الأمراض الحادة ، وذلك لأن المعرفة الطبية المتاحة والشك الذي يصاحبها جعل منها أمراض غير قابلة للشفاء ، وتشترك الأمراض المزمنة في سمتين هما :

* مدة المرض والتي تطول بنفس المدة التي ستمتدها حياة الشخص المريض

* تدبير المرض فمسألة التدبير اليومي للمرض لا تقتصر على العمل الطبي فقط أو تكييف العلاج بالنسبة للمريض ، وإنما يتسع ليمتد كل نواخي الحياة الاجتماعية ، ولمدة زمنية غير محدودة

بالاضافة إلى النماذج السابقة ظهرت مقاربة جديدة للمرض والمريض ، وهي المقاربة التأويلية التي اعتمدتها هيرزليتش ، فهذه المقاربة تهتم من جهة بالطريقة التي يعطي بها المريض ومحيطه الاجتماعي معنى أو تأويلا للمرض ، ومن جهة أخرى كيف أن هذا المعنى أو التأويل يمكن أن يكون له تأثير على سلوك الأفراد ، لم تدرس السلوك الفعلي للفرد بل المعايير والتأويلات التي يستوجبها هذا السلوك ، واستنتجت أننا غالبا ما نجد أنفسنا أمام ثلاث أنواع من المرض : المرض كهدم / المرض كتحرر/ المرض كمهنة

أما النموذج التفاعلي لايفين كوفمان فهو يقدم نموذجا آخر ، للعلاقات بين الأطباء والمرضى ويسميه بالتفاعل الاستراتيجي ، ويسمح بالتعمق في العلاقات التي تحدث بين الأطباء والمرضى

فنموذج الموقف التفاعلي لكوفمان  كنوع من المناورة يحاول الأفراد الوصول إلى الحد الأقصى من المكافأة عن طريق التصرف بأسلوب هادف وتقدير الموقف ، فهناك حاجة الى تقدير مدى ثبات كل من الطرفين ، وهناك أيضا القدرة على تقدير كل النتائج المحتملة والقدرة على السلوك بالطريقة التي يتطلبها الحكم على المواقف ، ثم هناك تقدير التكامل أي مدى استعدادهما للبقاء مخلصين لمصالح كل منهما المتفق عليها بمجرد الاتفاق على العلاج

من خلال هذا التفاعل بإمكان الطبيب  أن يدرك المصطلحات غير العلمية التي يستخدمها المريض

خاتمة :

 من خلال ما سبق يمكن أن نقول إذن أن هناك علاقة علاقة وثيقة بين الصحة،المرض والنسق الثقافي و الاجتماعي لأي مجتمع كان، لهذا سعى الباحثون بدراسة وتحليل مكونات الأنساق الثقافية للمجتمعات الإنسانية و ، كيفية مساهمتها في تشكيل وصياغة تعريفـات الصـحة لـدى الأفراد ، وكذلك تحديد أنواع الاستجابات التي تصدر من الناس تجاه المرض عند حدوثه إضافة إلى تحديـد مواصـفات وخبرات الأشخاص أو الفئة التي لها القدرة على تشخيص الأمراض و معالجتها فأصبح من الضروري البحث حول تأثير الإطار الثقافي على الناحية الصحية ، وضرورة الكشف عن العناصر الثقافية التي توجه سلوك الأفراد في حـالتي الصحة والمرض، كما تعمل العناصر الثقافية أحيانا على توليد وترسيخ قناعات بفاعلية الطب التقليدي

  • أسامة البحري

الفصل الثاني :

بالعودة الى تاريخ الانثربولوجيا نجد أنه في القرن 19 مع فيرشو تم الاهتمام بمجال الطب الاجتماعي ، فقد نحث فيرشو فكرة الصحة الحرجة في الانثربولوجيا ، و انتقالا من الانثروبولوجيا الطبية  الى السوسيولوجيا الطبية ، سنجدها  قد ظهرت بالقرن 20 و قد ركزت  على امراض عديدة من بينها السل الخ   و من ببن مقارباته النظرية نجد بارسونز و فرايدسون  و كان الرهان كما جاء في مداخلة للأستاذ عبد الهادي الحلحولي حول سوسيولوجيا الصحة . تتمثل في ان على الباحث في السوسيلوجيا الطبية ان يتسلح باليات الصف الاثنوغرافي و كذا على خاصية المنهج الكيفي من اجل استنباط المعنى الرمزي الذي يضفيه المرضى على مرضهم. و طبعا نحن لا ننقص من اهمية البحث السوسيولوجي  في تكميم الظاهرة الصحية و النظر اليها كمعطى اجتماعي مع دوركهايم او كبناء سوسيو رمزي مع بورديو   .  و لكن و كما سنرى مع ما جاءت به الأستاذة عزيزة خرازي . يجب ان يكون هنالك تلاقي ما بين الانثروبولوجيا الصحية و السوسيولجيا الصحية لان هذه الأخيرة قادرة على فهى قادرة على فهم  البنى الاجتماعية للظاهرة المرضية و الأخرى قادرة على استنباط شبكة المعنى الثقافية التي ينسجها المرريض في ذهاب و إياب بين معتقداته و مرضه

بالعودة الى تاريخ الانثروبولوجيا

للانثروبولوجيا حظ اوفر في دراسة المرض . كموضوع يتداخل فيه الجانب الثقافي و الاجتماعي . على عكس التصور السوسيولوجي الذي حلل المرض بما هو اجتماعي فقط . متغاضيا عن فكرة ان المرض يمكن ان يكون ذو حمولة ثقافية و هنا نجد مالينوفسكي على سبيل المثال يرى ان الثقافة تجيب للإنسان المنخرط فيها عن كل مشاكله الفيزيولجية الجن على سبيل المثال . و هنا نجد أيضا مارك اوجيه الذي يرى ان الانسان يندرج مساره بين الحياة و الموت . و بذلك فان الثقافة تحاول في استمرار ان تخلق فهم ثقافي لمسببات المرض . و بذلك فان الانثربولوجيا في دراستها للصحة تركز على المعتقدات و الرموز الاجتماعية

مارسيل موس

يعتبر موس الصحة انها من الظواهر الكلية التي تخترق كل الطبقات .فالصحة اذن حسب موس هي كذلكظواهر سحرية و هنا احيلكم على القراءة التي قدمها يونس الكيلي حول الجماعة و السحر و بالتحديد الى قراءته حول مفهوم المانا عند موس الذي يعني قوة الاجتماعي . فان المرض اذن حسب المجتمع هو ناتج عن الأرواح الشريرة وكذا عن مخالفة قواعد المجتمع

مارك اوجييه

فبالنسة له .المجتمع ينتج اليات لتفسير كل ما يقع بالجسد البيولوجي . فان التاويل يكون نابعا من بنية رموز المجتمع

و بذلك فان الانثروبولوجيا تدرس المعتقدات و الممارسات الخاصة بالصحة و المرض سواء الشعبي او الرسمي بالإضافة الى ذلك تدرس كيف يتمثل الناس أسباب مرضهم . و كذلك تهتم بانواع العلاجات التي يتعاطون لها فهي يكل بساطة تهتم بالارتباط الذي يقع بين المعتقدات و التحولات البيولوجية للجسد . فهي اذن تهتم بتمثلات المرضى لمرضهم

نشاة الانثربولوجيا الطبية

يرى ميشال فوكو في كتابه ولادة العيادة ان الاهتمام بمووضوع الصحة كمجال علمي يرتبط دائما بالقرن الثامن عشر . لكنه في الأصل حسبه كان منذ البدايات الأولى . فمثلا كما نجد في الجزء الأول من كتابه تاريخ الجنون فان المجتمعات كان لها وعي صحي . فمثلا في القرن الخامس عشر كان هنالك استبعاد اجتماعي من طرف المجتمع لما يسمى بين قوسين الاحمق . و هذا الوعي حسب فوكو ليس وعيا طبيا . بل هو وعي ثقافي اجتماعي حول ما خالف ما سماه فوكو بالتطبيع الفعلي أي مجموع السلوكات المتداولة داخل المجتمع . و قد أدت كل  هذه الممارسات الى ظهور المستشفى بالقرن السادس عشر من اجل سجن الافراد لكن هذا المستشفى سيتحول الى دوز حجز يسجن فيه الافراد و للتوسع في هذا النقاش ادعوكم الى الرجوع الى مقالة د الابراهيمي المعنونة ب ميشال فوكو . السياق التاريخي لتشكل المؤسسات و الممارسات الطبية .  و كذلك الى المقابلة التي اجراها فوكو بمعية من الفيلسوف الان باديو و التي تحدث فيها عن تاريخ المؤسسات العلاجية للتحليل النفسي  و التي لا ترتبط فقط بما نسميه نحن مؤسسة العلاج . بل انه في التاريخ كانت هنالك ممارسات علاجية طبية أسست للعلم . فان المؤسسة العلاجية كانت مرتبطة بالتراكمات الخاصة بالممارسات الثقافية حول فعل العلاج . و هذا ما يلخصه كتاب تاريخ الجنون فلو لم تتكدس كل الخطابات و الممارسات الثقافية حول الحمق . لما ظهر الطب العقلي . و طبعا كل ما قيل حول الطب و المرض كان يفتقر دائما لخاصية . ستظهر من اجلها الانثروبولوجيا الطبية لتعالجها  و هي فهم المعنى الرمزي للمرض . و كما جاء في الكتاب فقد بدا الاهتمام الانثربولي بالمرض . بالقرن 20 و تضاعف بعد الحرب العالمية الثانية . و هنا بدا الاهتمام بالمعتقدات و الطب كدراسة بريتشارد . و قد ركز على الكلية السوسيوثقافية في علاقتها النسق الطبي للمجتمع . أي التركيز على علاقة  التنظيم الاجتماعي من حيث الطقووس و الرموز في بناء المخيال الثقافي حول  الصحة .

 و يمكن القول كذلك انه هناك ثلاثة محاور تتوزع انثروبولوجيا الصحة 

أولا التفكير الاثنوغرافي من طرف الأطباء

. و قد ركز على الكلية السوسيوثقافية في علاقتها النسق الطبي للمجتمع . أي التركيز على علاقة  التنظيم الاجتماعي من حيث الطقووس و الرموز في بناء المخيال الثقافي حول  الصحة .

 و يمكن القول كذلك انه هناك ثلاثة محاور تتوزع انثروبولوجيا الصحة 

أولا التفكير الاثنوغرافي من طرف الأطباء

ثانيا كان هنالك تعاون  في الاربعينيات من طرف علماء  الانثربولوجيا و من طرف الأطباء النفسيون

توسع البرامج اادولية حول الصحة

فقد وسعت هذه المراحل الفهم البيوطبي لعالم الصحة و المرض

من اهم مجالات الانثروبولوجيا الطبية . نجد الايكولوجيا و علم الأوبئة

الايكولوجيا و علم الأوبئة

اكدت العديد من الدراسات ان علاقة الانسان بالبيئة تتمخض عنها بعض الامراض . كدراسة جاكس ماي حول القرويون و زراعة الأرز التي تمخضت عنها مرض الانكلستوما . و كذا دراسة وايتنج على تاثير الثقافة في حدوث المرض في الانساق الايكولوجية . أي تاثير الثقافة السائدة على بنية السلوكات و التي غالبا ما تحرم أشياء قد تؤدي الى الامراض . و هنا احيلكم على مقالة عبد الصمد الديالمي البيدوفيليا البنوية و التي تحدث فيها عن الكبت الجنسي بالمغرب . جراء تحريم العلاقة الرضائية بين المتحابين داخل المجتمع  و التي تؤدي كما بين في مقالته الى بيدوفيليا بنيوية أي ان المكبوت او المكبوتة تصبح مريضة نفسيا و اجتماعيا و هذا ما يؤدي بهم الى ممارسات بعض السلوكات التي اعتبرها الديالمي انفجارا لهذا الكبت  زد على ذلك ان الثقافة أيضا تحدد لبعض الافراد المدن التي يجب التركز فيها و هذا ما أدى بادئ ذي بدئ الى انتشار الأوبئة بين الافراداكدت العديد من الدراسات ان علاقة الانسان بالبيئة تتمخض عنها بعض الامراض . كدراسة جاكس ماي حول القرويون و زراعة الأرز التي تمخضت عنها مرض الانكلستوما . و كذا دراسة وايتنج على تاثير الثقافة في حدوث المرض في الانساق الايكولوجية . أي تاثير الثقافة السائدة على بنية السلوكات و التي غالبا ما تحرم أشياء قد تؤدي الى الامراض . و هنا احيلكم على مقالة عبد الصمد الديالمي البيدوفيليا البنوية و التي تحدث فيها عن الكبت الجنسي بالمغرب . جراء تحريم العلاقة الرضائية بين المتحابين داخل المجتمع  و التي تؤدي كما بين في مقالته الى بيدوفيليا بنيوية أي ان المكبوت او المكبوتة تصبح مريضة نفسيا و اجتماعيا و هذا ما يؤدي بهم الى ممارسات بعض السلوكات التي اعتبرها الديالمي انفجارا لهذا الكبت  زد على ذلك ان الثقافة أيضا تحدد لبعض الافراد المدن التي يجب التركز فيها و هذا ما أدى بادئ ذي بدئ الى انتشار الأوبئة بين الافراد

الطب الشعبي

بالعودة الى هوجز . سنجده يرى ان هنالك تلاقي بين الطب الشعبي و الطب الحديث و قد سلمت بعض الدراسات ان هنالك تلاقي بين الطب الحديث و الطب الشعبي . يتحول دائما على شكل صراع فالاول ينظر الى اامرض نتاج ميكروبات و فيروسات . على عكس الثاني الذي يفسره بقوى متعالية

اكدت العديد من الدراسات ان علاقة الانسان بالبيئة تتمخض عنها بعض الامراض . كدراسة جاكس ماي حول اكدت العديد من الدراسات ان علاقة الانسان بالبيئة تتمخض عنها بعض الامراض . كدراسة جاكس ماي حول القرويون و زراعة الأرز التي تمخضت عنها مرض الانكلستوما . و كذا دراسة وايتنج على تاثير الثقافة في حدوث المرض في الانساق الايكولوجية . أي تاثير الثقافة السائدة على بنية السلوكات و التي غالبا ما تحرم أشياء قد تؤدي الى الامراض . و هنا احيلكم على مقالة عبد الصمد الديالمي البيدوفيليا البنوية و التي تحدث فيها عن الكبت الجنسي بالمغرب . جراء تحريم العلاقة الرضائية بين المتحابين داخل المجتمع  و التي تؤدي كما بين في مقالته الى بيدوفيليا بنيوية أي ان المكبوت او المكبوتة تصبح مريضة نفسيا و اجتماعيا و هذا ما يؤدي بهم الى ممارسات بعض السلوكات التي اعتبرها الديالمي انفجارا لهذا الكبت  زد على ذلك ان الثقافة أيضا تحدد لبعض الافراد المدن التي يجب التركز فيها و هذا ما أدى بادئ ذي بدئ الى انتشار الأوبئة بين الافراد

زد على دراسة الأستاذ عبابو حول الانحراف . فمثلا في الوطن المغربي كل مريض بالسيدا بالنسبة لهم . مرد مرضه هي العلاقلات الجنسية

علاقة الصحة بالثقافة

هناك العديد من القراءات  اكدت ان هنالك تلاقي بين الثقافة و الصحة و المرض في أي مجتمع كما كان . و هنا تتدخل السوسيولوجيا و الانثروبولوجيا من اجل فهم ما يسمى بالمعادلة الثقافية للطب و الصحة ضمن الحياة الاجتماعية .

الثقافة تفسر أسباب المرض من خلال ترسانة المعتقدات التي تحتوي عليها . فهي من تقرر هل المرض يمكن ان يعالج من طرف الطب الشعبي فقط ام يقتضي ما تسميه هي العلاج الرسمي . و كانت هنالك العديد من الدراسات الانثروبولوجية في هذا الصدد التي ركزت

الثقافة و الصحة و المر ض

هناك العديد من المقاربات التي سلمت بان هنالك نقط تلاقي بين الثقافة و الصحة 

الترسانة القيمية الثقافية تفسر أسباب المرض.

ففي هذا الصدد كان للعديد من الانثربولوجيون . في دراسة علاقة الدين و القيم الثقافية بالممارسات الصحية . فالمعتقد الديني يلعب دورا أساسيا في تمثل الصحة و المرض . فمثلا في الوطن الإسلامي الفقهاء يحرمون ذهاب المراة الى المستشفى بدعوى انه لا يجب على الانثى ان تختلط و ما الى ذلك من التصورات الدينية التي تعود الى ظروف اجتماعية معينة . زد على ذلك في الهند يمنع اكل اللحم  و شرب لبنها بسبب تالهيها . و بسبب نقص البروتينات تكثر امراض كالهزال

و بذلك يتضح لنا ان ثلاثية الصحة و المرض  و الثقافة يجمعها رباط سميك  . فالثقافة كما يعرفها غيرتز هي شبكة من المعاني المتراكمة تاريخيا . و التي نتطبع بها اجتماعي و هنا بيار بورديو أساسي في فهم كيف يهيمن علينا الشعور الثقافي و الذي نعته بالحس العملي الناتج عن مفهومه المحوري الهايتوس الذي يعني لنا مجموع الأفكار التي تطبعنا بها اجتماعيا و التي تخلق استعدادات مستنبطة بعمق من الاجتماععي لكي تجيب على كل مثير اجتماعي بالحياة الاجتماعية . و خصوصا الصحة و المرض التي ترافق الانسان.ة منذ ولادته.ا الى مماته.ا .  و هنا احيلكم على القراءة التي قدمها الأستاذ الحلحولي حول نص الذبيحة لمارسيل موس . كيف ان الاضحية كفعل هو مسنبط بعمق من الشروط و المعاني الثقافية . بمعنى لا يهم ان تكون الاضحية بصحة جيدة . بل ما يهم ه ان تتجسد هذه الطقوس على ارض الواقع و هو سيلان دم الخزوف و الشواء الخ . و هذا يعني لنا ان قوة الثقافي تهيمن على جدلية الصحة و المرض . و كما قالت الأستاذة عزيزة خرازي

هناك ثنائية دائما حاضرة و نجدها متشجدية في عمق الصحة و المرض هي جدلية التقليدي و المعاصر


[1]  خرازي عزيزة ، سوسيولوجيا وأنثروبولوجيا الصحة  طروحات نظرية  ، مؤسسة مقاربات للنشر والصناعات الثقافية، الطبعة الأولى، 2018، فاس المغرب، ص: 12

[2]  المرجع نفسه ص : 8

[3]  المرجع نفسه ، ص : 5

[4]  المرجع نفسه ، ص : 6

[5]  محمد عبابو ، سوسيولوجيا الصحة والمرض ، دروس الفصل السادس علم الاجتماع ، كلية الآداب ظهر المهراز ، فاس

شاهد أيضاً

الإعلان التأسيسي للمجلة الموريتانية للدراسات الفلسفية

مراعاة من مؤسسة بيت الحكمة للدراسات والأبحاث لما تعيشه الساحة الثقافية الموريتانية من ركود فكري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *