الرئيسية / منتخبات / عامة / الأنوار بين تربية العقل (الفلسفة) وتربية الشيخ والمريد (التصوف)

الأنوار بين تربية العقل (الفلسفة) وتربية الشيخ والمريد (التصوف)


عبدالكريم لمباركي

عبد الكريم لمباركي

ملاحظة: كنت في بادئ الأمر أنوي الكتابة في موضوع الأنوار عند كانط، وأنا أكتب وجدت نفسي في سياق آخر لهذا سنؤجل موضوع كانط.

          لو حاولنا إعطاء تعريف اشتقاقي لمفهوم ” الأنوار” لوجدنا أنها كلمة تناقض “الظلام” وتشير إلى الإضاءة والنور، أما على المستوى الاصطلاحي فإن مصطلح “الأنوار” هو مصطلح ارتبط بالقرن الثامن عشر في تاريخ الفلسفة الأوربية؛ سميت كذلك نظرا لنشوء مجموعة من الحركات الثقافية الإصلاحية في ميدان المعرفة والعلم والدين كذلك، فحينما يظهر النور لابد له وأن يضيء كل ظلمة داخل المجتمع، سيضيء المعرفة بواسطة تحريرها من النَّظْرَة الغنوسية التقليدانية والدغمائية، وسيضيء العلم بواسطة إعطاءه مناهج جديدة في البحث والتقصي وتجاوز كل تقليد علمي أظهر عجزه أمام سيرورة تقدم العلوم وبالخصوص أمام التأكد المخبري، وكذا محاولة التقليل أو القضاء على السطوة الفكرية  التي كانت الكنيسة تمارسها على العلم والمعرفة، فالأنوار نتيجة لمرحلة سبقتها، وهي مرحلة النهضة التي كانت سببا رئيسيا في الثورة على كلّما هو بديهي ومألوف في تفكير الإنسانية من تقديس لآراء الكنيسة والاخلاص للفكر الأرسطي والبطليمي، لهذا فالفكر في القرون الوسطى – التي تعرف “بعصور الظلام” – كان خاضعا لإرادة الكنيسة ولا يمكن لأي مفكر   نشر مشروعه الفكري إلا بمباركة الكنيسة وإرادتها، لأمر الذي جعل من كل المشاريع التي اشتهرت  ابان هذه الحقبة تسير وفقا لمنطق الكنيسة ومزاوجة كل ما يمكن أن يدمج من فكر أرسطو مع متطلبات الكنيسة والتخلص من ما لا يمكنه تحقيق هذه الغاية، لقد حاول  القديس أوغستين قد دمج الأفلاطونية غير أنه هو الأخر لم يسلم من منهج التوفيق. إن هلع الكنيسة لم يفارق مخيال الفلاسفة والمفكررين حتى في المرحلة الحديثة، ولعل ما قام به ديكارت خير دليل على ذلك؛ في اللحظة التي كان يسعى فيها ديكارت إلى نشر كتابه الرياضي الهندسي في حركة الأجرام والأرض والعالم المادي”رسالة في الهندسة”، أنداك كان “جاليليو” يتعرض للمحاكمة من طرف الكنيسة، ليتوقف ديكارت حينها عن نشر الكتاب الذي كان قد توصل فيه إلى نفس الحقيقة الفزيائية والكوسمولوجية التي توصل إليها “جاليليو” (الأرض تدور حول الشمس)، إضافةً إلى مجموع الرسائل التي كان يرسلها للأب ميرسن لكي يتدخل هذا الأخير ويجعل الكنيسة تحتضن مشروعه الفلسفي واستبدال “أرغانون أرسطو” بكتابه التأملات، هذا الكتاب الذي يوجه في ديكارت بنوع من والذكاء التام رسالة للكنيسة لكي تحتضن كتابه وتروجه وعيا منه بالسلطة التي تمارسها الكنسية حتى تلك اللحظة، كانط نفسه وجهة رسالة للوزير الأول في كتابه نقد العقل المحض يقول في  أخر الرسالة” خادمكم الوضيع المطيع” الأنوار إذن، جاءت كردة فعل على سطوة كل قديم وتقليد عن طريق الدفاع عن العقلانية ومبادئها، لكن في حدود التعامل بتاريخانية جادة مع الأوضاع التي كانت سائدة حينئذ. إن الأنوار بما هي تصدي  للأوضاع الاجتماعية والدينية والاقتصادية في فهم الأشياء وتأويلها فهي لم تسثني أي ثقافة ولا أي مجتمع، حتى في الفكر العربي الإسلامي كان مفهوم التنوير حاضرا بقوة، لكن بطريقة مختلفة عن الأنوار في أوروبا، فإذا كان التنوير مرتبط بالعقل والعقلانية وإعمالهما  في تدبير شؤون الإنسان كليًّا لدرجة  تقديسهما ونعث نعث أصحاب هذا السرح الفلسفي بالعقلانيين الأداتيين، بدء بديكارت وصولا إلى كانط على أقصى تقدير، فإن الأنوار في الفكر العربي الإسلامي قد ارتبطت بالتراث الصوفي، كان الإنسان في الأنوار الأروبية مسؤول على تدبير شؤونه بكل حرية ومتخلصا من كل الوصايا، فإن الصوفية ترفض هذا الفهم لأن مفهوم التنوير عند الصوفية يرتبط بتدبير الإله لشؤون الإنسان، ذلك لأن الله هو مدبر كل شؤون الحياة، والحرية الحقيقية عند المتصوفة هي الخضوع للذات الإلهية فقط والتخلص منا إكراهات الحياة الاجتماعية والاقتصادية، فالصوفي لا يرتاح ويطمئن إلا وهو بين أيدي الله بالمعنى الذي يفهم، ومن هنا جاء ما يصطلح عليه “بالتخلية” في الفكر الصوفي، التي تعني النخلي بطريقة تدريجية عن الأشياء التي تتعلق بالحس من وراء انغراسها في النفس وما يتولد عن ذلك من آفات خلقية سواء حيال الذات و الغير، فتدخل النفس في مكابدة ومجاهدة، لدى وجب من آجل قيادتها في شعب النفس، طبيب نفوس الأرواح أو ما يصطلح عليه “بالشيخ المربي أو المريد” وهذا الأخير يشترط عليه شروط دقيقة على رأسها أن يكون هو نفسه قد تربى على يد غيره وعرف نفس المجاهدة النفسية وخبر مجالاتها وشعبها لأن الصوفية آمنوا بمبدأ أخلاقي تربوي أساسي هو “من لم ترب لا يربي”.

نلاحظ إذن، أن الأنوار في أوروبا تختلف عن الأنوار في الفكر العربي الإسلامي، فالأولى تؤمن بتخلص الإنسان من جميع الوصايا وأن يكون وصيا لعقله فقط (تربية العقل) وإن هي ذاتها تخضع لإكراه العقلولا تعني الحرية بالمعنى التام للكلمة، أما الثانية في هي دوما في حاجة ماسة إلى المربي أو الوصي لكي يساعدها على التفكير بحرية (تربية المريد)، فالحرية التي تخضع للعقل ترتبط بالمسؤولية وتضع الإنسان أمام العالم مباشرة ولا يمكن  أن نتعاطف مع صاحبها إذا ما لم يحقق غاياته منها ولم يصل إلى مراده لحظة طلب الشفقة على فعل قام به بذريعة “أنا لم أقصد ذلك”، لا أبدا بما أنك شخص عاقل ومفكر ووجودك “سابق عن ماهيتك” كما قال سارتر، فلا مجال لك للتملص من أفعالك واختياراتك والتنكر لها. هكذا هي الأنوار في الفكر الأوربي، هي الخضوع لما أمرك العقل  به دون أي تبرير لأنه لا مجال للتبرير في ميدان العقل والعقلانية في سياقها العملي. أما الصوفية التي تنغرس في أعماقنا كثقافة إسلامية- حتى وإن يتبين العكس عند الأكثرية- فإنها أنوار تؤمن بالوصاية والوسيط، فلكي يتحرر المسلم والعربي على حد سواء فلا بد له من مسير يسير ويفكر في مكانه، لهذا فالعربي لم يحمل على كاهله مهمة التفكير لأنه غير قادر على تحمل المسؤولية يوما، وإن خضع لإكراه الحرية وتابعياتها فإنه يقول “هذا من عند الله” وهذا القول يحمل نوعا من العجز أمام الواقع الاجتماعي والاقتصادي، لذا وجب ألّا ننتظر من العربي التغيير يوما، وما نلاحظ من حركات انفعالية لا تغدو سوى ردود أفعال تنتج وهم الحرية، كيف سنعيش الحرية بالمعنى الذي دافعت عنه الأنوار ونحن أول من حارب العقل الأنوار الإصلاحي الوحيد الذي سبق روسو وهوبس و كانط وفوكو في تأسيسه لتيار الأنوار على حق، نعم إنه فيلسوف قرطبة “إبن رشد”، فإذا كان كانط يربط الأنوار بالاستعمال العام للعقل وهو الخضوع لقوانين الحاكم بما يحمله هذا التصور من إديولوجيا، فإن إبن رشد عان الأمرين مع المنصور، لكن بدل احتضان فكر إبن رشد ثمت مواجهته  بنوع من الاضطهاد من طرف العقول المتحجرة، ومنذ ذلك الحين والعالم العربي الإسلامي يعيش ركودا وانحطاط، لهذا نرجو من العرب أن يعودوا إلى رشدهم وكفانا توهما، فالحرية هي نتاج مخاض صعب، إنه تشبه “الوجع” الذي تعيشه المرأة في لحظة الولادة، وليست بشيء سهل يمكن أن يتحقق بين عشية وضحاها، إننا أبناء من سفهوا “إبن رشد” وفي أعماقنا فكر صوفي لن نتحرر منه مهما حاولنا ذلك أو تنكرنا  له. الحركة التنويرية في أورروبا  شكلت أساس انطلاق الثورة الفرنسية ومن ثمة الثورة الأمريكية وحركات التحرر في أمريكا اللاتينية، كما مهدت لنشوء الرأسمالية ومن ثم ظهور الاشتراكية، الأنوار إذن ليست بفكرة تقال وإنما مكابدة اجتماعية ونفسية وعقلية تعاش، لكن عيشها يقتضي التأسيس لها منذ زمن، أوروبا أسست لها، لكن نحن أخفقنا قبل أن نعيشها، اتهمنا متزعميها بالزنادقة، لهذا فلنتأمل ذواتنا ولنقرأ قليلا إبن رشد لعلنا نعيش الأنوار في حدود العقل وحده، أما الأجرأ فهذا من باب العبث واللاواقع.

إن الثقافة العربية الإسلامية ثقافة صوفية لحد بعيد، ثَمّ فالحديث عن الحرية في الثقافة العربية شبيه بالحديث عن شيء مستحيل، ولجعل هذا المستحيل ممكنا يوما ما وجب أن نتعقل قليلا وأن نتخلص من الانفعالات التي لا تأتي إلا بالمصائب للذات وللغير، ولنقرأ أولا بدل الصياح دون قراءة ولا تمعن في المقصاد والمعني، فلو تأملنا قليلا تاريخ أوروبا لتمهلنا قليلا وفكرنا كثيرا، فماركس عاش حياة البؤس ودخل السجن ومات أبناءه جوعا، وكانط طوال حياته وهو أستاذ غير مرسم على الرغْم من نبوغه وكوبنيك حرق، وجاليلي كان سيعيش نفس القدر لولا ذكائه هو وديكارت. “الأنوار تاريخ وليست وليدة اللحظة

شاهد أيضاً

التّعقّليّة في فكر الفيلسوف التونسيّ فتحي التّريكي

سالم العيّادي سالم العيّادي كلّية الآداب والعلوم الإنسانيّة. جامعة صفاقس “العيش سويًّا في السّلم والسّعادة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *