الرئيسية / منشورات / جرائد / انتفاضات العالم العربيّ

انتفاضات العالم العربيّ

الطاهر بن قيزة  

الطاهر بن قيزة  

1.     ليس من السهل أن نفكر في ثورة لا تزال قائمة. والصعوبة في هذا الشأن مزدوجة. صعوبة أولى تتعلق بمعرفة حقيقة ما حصل وما يحصل، (هل أن ما حصل في تونس انتفاضة أم ثورة؟ وهل تحوّلت الانتفاضة إلى ثورة؟) وصعوبة ثانية تتمثل في ربط ما نعرفه بما نأمله ونحلم به، فما الفعل ؟ (إذا كان ما في تونس ثورة، فكيف نحافظ على هذا المكسب التاريخي؟ وهل نحن في بداية طريق تحقيق مساره أم أنها ثورة أُجهضت ولم يبق منها سوى حلمها الوردي؟)

وجهة النظر التي أريد تقديمها تطمح إلى أن تكون فلسفيّة دون أن تكون موغلة في التجريد. لذلك فهي تنطلق من محاولة تحديد المفاهيم المستعملة وتدقيق المبادئ التي نستند إليها لربطها بعد ذلك بواقع تونس التاريخي والاجتماعي. غير أن الصعوبة في هذا المضمار تتضاعف عندنا لما تعوّدنا عليه من ترتيب الوقائع والأحداث بحسب نظرة عقلانيّة يعسر عليها النظر إلى الأشياء بغير عقليّة مُمَنهِجة تُحيل الجديد إلى القديم، والظاهر إلى الباطن، والحدث إلى القاعدة. فقد تَرَبّينا على تصوّرات الفلسفة العقلانيّة التي تعتبر أن لا شيء يمكن أن يوجد دون أن تكون ثمّة علّة كافية تفسّر وجوده على شكل ما دون شكل آخر. إنه مبدأ العلة الكافية الذي يُدرِج كل مظاهر الواقع في سياق التصوّر العقلانيّ بمنحه كل مظاهر الواقع معقوليّة ومنطقيّة.

نقصد من وراء هذه الإشارة المبدئيّة، لفت الانتباه إلى أن تكويننا الفلسفيّ يمكن أن يمثّل عائقا في طريق استيعابنا لمظاهرَ وحوادثَ تخترق منطق التوقّع والتنبؤ العقلانيين. وكأنّ العقلانيّة عاجزة عن هضم ظواهر وأحداث مفصليّة مثل تلك التي شهدتها تونس في شهر جانفي 2011. هل يعني ذلك أن العقلانيّة منهج غير مُثمر وعقيم، أم أن الأمر يتعلق بالتنبيه إلى ظاهرة مميّزة للتفكير العقلانيّ؟   إن المقصود من هذه الإشارة هو التأكيد على أن الاكتفاء بالنظر العقلانيّ العلميّ هو الطريق الأمثل لفهم وتوفير الشروط الضروريّة التي تؤدي إلى وقوع حدث مثل الثورة التونسيّة، لكن العقلانيّة عاجزة عن تجاوز تلك العتبة لأنها تكتفي بادراك الشروط الضروريّة لما هو جديد، لكنها لا توفر الشروط الكافية لتوليد الأحداث وخلقها.

فمن طبيعة العقلانيّة أن توفّر آليات التفسير والتحليل في سياق نماذج فكريّة أو عمليّة تُدرج الوقائع والأحداث في سياق معقوليّة تحيل كل ظاهرة جديدة إلى قاعدة أو قانون أو آليّة محددة، بحيث يمكن التنبؤ بما سيقع بطريقة علميّة ناجعة توفّر أساليب التقدّم وإمكانيات التطوّر النظريّ والعمليّ. غير أن هذا النمط من الفهم العقلانيّ، رغم نجاعته الإجرائيّة المفيدة، تواصليّ في جوهره، لا يمكن بموجبه فهم الوقائع الجديدة إلا من خلال إدراجها ضمن تصوّرات وقواعد وأحداث قديمة. وإذا كان هذا النوع من التفاسير العقلانيّة العلمّيّة صالحا ومفيدا بالنسبة للظواهر الطبيعيّة، فإن الأمر يختلف كثيرا حين نتحدث عن الظواهر الإنسانيّة. وكما يقول دلتاي Dilthey ، فإذا كانت الظواهر الطبيعة تُفسّر، فإن الظواهر الإنسانية تُفهم.  طبعا، تُوفّر العلوم الإنسانيّة وسائل وتقنيات مهمة لتفسير السلوك الإنسانيّ، لكننا حين نتناول حدثا مثل الثورة التونسيّة، فإن آليّة التنبؤ والتوقّع تتعطل، إذ من طبيعة الحدث الحقيقيّ أنه يقيم قطيعة تقيم شرخا في متن التحليل والتفسير بحيث يصبح تأويل الظواهر والأحداث بالاستناد إلى الآليات والمعطيات المتوفّرة إلى ذلك الحين غير مُجدية، فلا يمكن فهمها بالاستناد إلى المبادئ والقيم والمعايير والنماذج القديمة لمجرّد أنها تستند إلى مبادئ وقيم ومعايير ونماذج جديدة تُوسّع أفق الفهم والعمل وتُثوِّره.

2. فعلا، لا أحد يقدر اليوم، بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على اندلاع ثورة الحريّة والكرامة، أن يعرف بالتدقيق، كيف تحوّلت الانتفاضة التي أشعل فتيلها محمد البوعزيزي بحرق نفسه إلى ثورة عارمة هزّت كيان كل التونسيين، وكيف هزّت  صرخة بقّال عروش قلوب الهمامة والفراشيش وجلاص، فدَوّت في كل أصقاع تونس مُحوّلة شتات التونسيين المفتعل من قِبَل سلطة طاغية متعسفة، تُؤثر التعامل مع “غبار أفراد” على الإسهام في تكوين شعب، إلى جسم واحد سَرَت في عروقه روح الانتماء إلى أرض واحدة ووطن واحد ونشيد واحد. هو وطن انقلب فيه المضطَهدون المقهورون المنكسرون إلى كائنات تحدٍّ يصرخ وَعيها صرخة كبرياء وأنفة، سرعان ما نراها تستعيد أمجاد الأوّلين. ومن دون أن نعرف كيف حصل ذلك، تصادت أحلام بيرم الخامس وخير الدين باشا وعبد العزيز الثعالبي ومحمد على الحامي وفرحات حشاد والحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف وغيرهم من زعماء الرعيل الأوّل مع أحلام شباب سيدي بوزيد والقصرين وتالة وقفصة وصفاقس وجندوبة والكاف وبنزرت ونابل وسوسة وغيرهم من أبناء تونس. أحلام عزة تونس، حريّة المواطن التونسي وكرامته، هاجس الصالح العام وممتلكات الشعب، تلك هي الهواجس التي صدع بها الشباب الثائر الذي ضحى في كل ولايات الجمهوريّة بشهداء سرعان ما تحوّلوا مع الثورة إلى رموز  تُبشّر بتخطي تونس عتبة مرحلة جديدة من تاريخها، هي مرحلة الحداثة المكتملة التي تعلن عن زمنيّة انتصار الإنسان على قدره من خلال إرادة شعب يريد الحياة ويقرر الخروج من ظلمة الاستبداد بتكسير القيود لكي تكون الحريّة علامة مضيئة في سماء فرديات تسهم في جوقة سنفونيّة، يعزف كل طرف فيها معزوفته الخاصة، فينبثق من تناغم الكثيرين لحن بديع يشدو بشدو الحريّة.  فهل من باب الصدفة أن يتردّد على كل الأفواه بيتان شعريّان لأبي القاسم الشابي:

“إذا الشعب يوما أراد الحياة *** فلا بد أن يستجيب القدر

ولا بد لليل أن ينجلي *** ولا بد للقيد أن ينكسر

إني أرى أن الرمزيّة التي يمنحها التونسيون اليوم لبيتي أبي القاسم الشابي تختلف عن تلك التي كُتبت من أجلها حين غدا الفراشيش وبنو عون والهمامة وغيرهم يجتمعون في انتسابهم إلى شعب واحد. إرادة الشعب اليوم طالبت بإسقاط الدكتاتوريّة وإحلال الديمقراطيّة. يكمن وجه جِدّة هذا الحدث في كونه مُولّدا لقِيَم جديدة ومعبّرا عن آفاق كانت في وقت غير بعيد مغلقة وتكاد تكون معدومة. فإن كان ما حدث في تونس ثورة، فتفسير ذلك لا يتمثل في نجاح التونسيين في الإطاحة بدكتاتوريّة مستبدة، بل في رغبة التونسيين العارمة في إعادة تأسيس شرعيّة الدولة من خلال الدفاع عن ِقيَمٍ تخترق التصوّرات المعهودة والجاهزة التي كثيرا ما راجت عن التونسيين والعرب والمسلمين، والتي يمكن اختزالها في مثال بياني بسيط، وهو القائل بوجود تعارض شبه طبيعيّ بين العرب والحداثة أو الإسلام والحداثة. لا يمثل اختراق هذا الفهم الراسخ في عقول كثير من الأوروبيين بل وفي عقول كثير من العرب أيضا، مجرد ظاهرة عرضيّة بسيطة ومعزولة، فقد تلت الثورة التونسيّة ثورة مصريّة أطاحت بالنظام القديم  وانتفض الليبيون ضد نظامهم المستبد منذ أكثر من أربعة عقود. ومع انتشار موجة الاحتجاجات في جميع البلدان العربيّة، يبدو المشهد العربي وكأنه يقظة مدنيّة شاملة شبيهة بيقظة الشعوب العربيّة في الخمسينات والستينات والتي أدت إلى تحقيق استقلالها، لكن الثورة العربيّة اليوم تُشرِّع لقيم طويلا ما قيل أنها دخيلة على ثقافتها مثل قيمة الحريّة الفرديّة والتسامح والديمقراطيّة. 

3. لفهم هذه المسألة، نحتاج  إلى العودة إلى منطلقاتنا العقلانيّة التي اعتبرنا أنها قادرة على تحديد الشروط الضرورية لظهور الثورة التونسيّة، وهي كما أكّدنا شروط ضروريّة لكنها غير كافية. فكيف كانت هذه الثورة ممكنة في تونس؟

كثيرة هي الأشياء التي تبرّر ظهور هذه الثورة في تونس. فمن لا يعرف تونس يسمع أنها من أكثر البلدان العربية حداثة. ليس ذلك ناتجا عن الصدفة بل ثمّة عوامل موغلة في القدم تميّز هذا البلد عن بقيّة البلدان المغاربيّة والعربيّة رغم  علاقتها الوثيقة بها. فتونس عاصمة المتوسط منذ حنبعل الذي هدّد روما في عقر دارها، بها نظام مدنيّ منذ أكثر من عشرين قرن. إنّها أوّل بلد عربيّ تبنّى دستورا منذ سنة 1861، وقد تميّزت بحركة وطنيّة نجحت في تأسيس دولة عصريّة تمكّنت من تحقيق قفزة نوعيّة جعلت تونس تلج الحداثة من بابها الواسع. فمنذ سنة 1956 نجح  أحمد المستيري، بإيعاز من الحبيب بورقية، في توحيد القضاء وتعصيره بالقطع مع كل أصناف المحاكم الشرعيّة واليهوديّة والنصرانيّة، مما كان من شأنه عقلنة العمل القضائي والإسهام في القضاء على النزعة القبلية والجهويّة الراسخة في ذلك الوقت. وبعد ثلاثة أشهر فقط من الاستقلال عمد بورقيبة، بفضل الأستاذ الفاضل بن عاشور، إلى وضع قانون الأحوال الشخصيّة الذي كرس المساواة النسبيّة بين المرأة والرجل بمنع تعدد الزوجات وتحديد سن الزواج ووضع آليّة الطلاق التي أصبحت حقا للزوجين عن طريق القضاء. وقد تدعّم هذا المسار التحديثيّ الذي كرّس احترام الأفراد باعتبارهم ذوات مستقلة من خلال مجموعة من الخيارات، لعل أهمها توحيد التعليم وتعصير محتواه ومناهجه بحيث أصبح إجباريا للجنسين وملتزما بتكوين العقول المستنيرة والكفاءات الوطنيّة التي تعهّدت بتحقيق الحداثة التونسيّة، كما عمدت دولة الاستقلال التي أعلنت يوم 20 مارس 1956 إلى القضاء على الأحباس ووضع التعليم الزيتونيّ الدينيّ تحت إشراف وزارة التعليم العالي عساه يطوّر ترسانته النظريّة والمنهجيّة ممّا من شأنه أن يُعقلنه ويُطعّمه بأدوات معرفيّة ونوافذ على الأنتروبولوجيا السابقة للإسلام. صاحب ذلك عمل جبار على مستوى الرعاية الصحيّة والتنظيم العائلي ممّا وفّر الوسائل الفعليّة لكي لا تبقى المساواة بين الجنسين مجرّد شعار أجوف بل حقيقة ملموسة وفعليّة تكرّس حقوق الإنسان والقيم الكونيّة.

كانت معظم هذه القرارات الحداثيّة التي بدأت مع الاستقلال فوقيّة، لكنها، رغم بعض مظاهر المقاومة، كانت مقبولة من قِبل الشعب التونسيّ إلى درجة أنها أصبحت من باب تحصيل الحاصل الذي يعسر التراجع عنه. غير أنّ مهمة تأسيس الدولة التي اضطلع بها الحبيب بورقيبة وضرورة تدعيم ما سمّاه بالوحدة الوطنيّة، لم تكن مهمّة وطنيّة صرفة. فقد تحوّل الزعيم إلى قائد مستبدّ عاجز على تصوّر مستقبل البلاد بدونه، وهو أمر قد جعله يخيط دستور البلاد على مقاسه ويشرّع لنظام رئاسيّ يكرس إيديولوجيا الزعيم الأوحد والحزب الأوحد والرأي الأوحد. لقد كان بوسع بورقيبة أن يحوّل تونس إلى بلاد نموذجيّة لو قَبِل في السبعينات من القرن الماضي بتحقيق انفتاح ديمقراطيّ، لكنه لم يفعل. مكّن ذلك زين العابدين بن على من السير في الاتجاه الذي سطّره بورقيبـة، ومن تحويل البلاد من مركز إشعاع متوسطيّ، إلى ملكيّة عائليّة تُبتزّ وتُنهب دون هوادة.

4. ورغم تكريس القهر والظلم والإقصاء، فإن نظام بن على قد استثمر الدفع الهائل الذي تمتعت به تونس زمن البورقيبيّة. لم يتضمن ذلك الاستثمار الجوانب السلبيّة وحدها بل تضمن جوانب إيجابية ارتبطت بإيمان التونسي عموما بضرورة التعليم وبطموح الارتقاء الاجتماعي. لم يكن بن علي يتوقّع أن يكون للتشجيع الذي كان يقوم به لتطوير الثقافة الرقميّة بغية تلميع صورته في الخارج، دور ما في الإطاحة به. ذلك هو مكر العقل في التاريخ الذي حدثنا عنه هيغل. فالشبكات الاجتماعية التي سمح بن علي بتطويرها بغية مراقبة التونسيين البوليسية، لعبت دورا فعّالا في الإطاحة بنظامه الدكتاتوريّ. ومع ذلك، يبقى عامل الشبكة الاجتماعية “فايس بوك” عاملا مهمّا، أسهم في قيام الثورة التونسيّة، غير أنه من الشطط الاعتقاد أنه العنصر الأساسي الفاعل فيما سماه بعضهم “ثورة الياسمين”.

قد تكون هذه التسمية صالحة لتسويق ما حدث في تونس، وذلك شيء محمود في حد ذاته، فتونس بلد سياحيّ لا بدّ من تغيير صورته السلبيّة التي كثيرا ما أسهم الرئيس المخلوع في تشويهها. وفي الحقيقة، كانت الثورة التونسيّة ثورة حريّة وكرامة وعزة عبّرت عنها النعرة القبلية من خلال هبَّة عروش الوسط والجنوب للتعبير عن غضبها من الأسباب التي كانت وراء استشهاد البوعزيزي. فإذا بالوازع القَبَليّ يتحوّل إلى مطلب وطنيّ يتخطّى عائق الخوف الذي طويلا ما كان أداة الحكم المفضلة في نظام بن علي.

يفترض فهم حقيقة كل ما حدث في تونس وضوح رؤية لا أعتقد أنها متاحة لنا جميعا. لذلك، فإن الشعور الغالب عند التونسيين اليوم هو مزيج من الفرحة والخوف. هي فرحة عارمة يتذمّر التونسيون من عجزهم عن التعبير عنها. ولعلّ ذلك صادر عن وعيهم بهشاشة الموقف الذي يعيشونه، ولأنّ إمكانيّة الارتداد إلى ما هو أسوأ واردة جدّا، فشروط وجودها متوفّرة تماما. هذا الخوف يُحتّمه الوعي بأنّ المشهد السياسي والاجتماعيّ قد تغيّر، وأنّ كثيرا من شروط الارتداد إنما هي على حافة هاوية، بحيث صار متيسّرا أيضا إزاحتها، فتحا لأشكال الإمكان المتنوّعة وتوسيعا لأبواب الرّحمة كما يقال.

في مثل هذه الظروف يحتّد الشعور بالأزمة، أي الشعور بأننا في لحظة حاسمة وفي زمنيّة مختلفة عن التوقيت المعهود وعن الكرونولوجيا الرتيبة التي نعيش فيها ولا تعيش بنا. إنها زمنيّة نشهد فيها أن عصرا جديدا في حالة تأهب للظهور in statu nascendi. تلك هي لحظة الإبداع التي يتحدد فيها الإنسان  بما يفعل، بحيث يغدو سؤال هويّتة، هو سؤال الذات المؤثّرة في خِضم فعل خلاق، وليس سؤال الجوهر المخلوق الذي ينتظر رحمة ربّه. وضعُنا هشّ، هو وضع أزمة بالمعنى الطبّي للكلمة، أي الوضع الذي يمكن أن يتحوّل فيه الإنسان من الصحة إلى المرض أو الموت، يمكن أن تكون الأزمة المرضيّة أيضا تجربة مناعة تحمي صاحبها من شتى أشكال التراجع والفتور.

5. أولئك الذين يشعرون بخطورة الموقف الذي تعيشه تونس اليوم يختزلون هواجسهم وكوابيسهم في سؤال واحد : ما العمل؟

في الواقع، للسؤال عدة معان، لكنه، في حد ذاته، سؤال صحّي ينمّ عن تملّك التونسيين لفضائهم العموميّ. وقد طرح كانط في عصر التنوير عين السؤال. فسؤال “ما الذي يمكنني أن أفعل؟”، أي سؤال معرفة إمكانيات وحدود العقل العملي قد أدّى به إلى التساؤل عن حدود وإمكانيات العقل النظري في كتابه الشهير “نقد العقل الخالص”، كما أن لينين قد وجد نفسه في موقف مشابه حين كتب :”ما العمل ؟”، إذ، قبل الشروع في مناقشة آليات الانتصار على قوى الردة، بدأ لينين بحثه بالنظر في مسألة “حريّة النقد”. ونحن نقصد من خلال ذلك أنّ تناول المسائل العمليّة يفترض تصوّرا قِيَميًّا يجعلنا نتفادى الخلط بين معايير التميّيز بحيث لا نخلط كلام الحق الذي يراد به باطل بكلام الحق الذي يعلو ولا يُعلى عليه، ولا بين شعارات من يطالبون بالحريّة من أجل تنصيب إيديولوجيا تقوم إما على خرافة تطبيق الشريعة وتنصيب دولة خلافة عالميّة كليانيّة تمنع الحريات الفرديّة أو على دكتاتوريّة البروليتاريا بواسطة ما يسمى “بالعنف الثوري”، وبين من يقبلون الموت في سبيل أن يحظى غريمهم بحقّ التعبير عن رأيه الشخصي. طبعا، لا أحد يقبل أن ينعت بالدكتاتورية، ولكل شخص أو اتجاه أو حزب الحق في الدفاع عن نفسه وتبرير موقفه من الأقوال والأعمال. وأخيرا، فمن حق المواطن الذي لا يريد الدخول في متاهات التحليل والتأويل والتبرير والجدال أن يمسك بشبكة معياريّة تُخوّل له أن يُحدّد بوضوح موقفه من الحزب الفلاني أو السياسي الفلاني. إننا لا ندّعي توجيه أحد نحو اختيارٍ دون آخر، فذلك شأن لا يعنينا، لأنّ طموحنا لا يتجاوز حدود الفهم والتنوير.

لقد تساءلنا في بداية هذه الورقة عن علاقة تونس بالحداثة ويبدو لنا واضحا اليوم أن تأسيس الدولة التونسيّة سنة 1956 قد مكّن بلادنا من ولوج الحداثة من بابها الكبير. فقد كانت مجموعة القرارات المهمّة التي وفّرت الأرضيّة الخصبة لتحقيق المساواة  بين الجنسين، مثل مجلة الأحوال الشخصيّة وتوحيد القضاء والتعليم وقانون الصحافة وتدعيم تنظيم اجتماعي عقلاني عن طريق الإدارة وتطوير الصحة والاقتصاد والخدمات وكل هذه الانجازات التي تحققت بفضل رجال تونس ونسائها، قد نحتت نموذجا اجتماعيا يتميّز بصفة رئيسية هي عنوان الحداثة ومظهرها الأكثر جلاء، وهي صفة توجّه الأفراد والمؤسسات نحو المستقبل من خلال وضع برامج ومشاريع وطموحات. لا يعني ذلك عدم الاهتمام بالماضي لكن النظرة إلى الماضي تتمّ عبر وسائل ومناهج الحاضر بحيث يكون البحث في الماضي تجديدا له وتفكيكا لمفترضاته وأطروحاته وتوظيفا لرموزه. ينمّ هذا التمشي الاستردادي عن قدرة فائقة على التأقلم والتطوّر والارتقاء. وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن تونس قد حققت في مدّة خمسين سنة ثورة من أهم الثورات في العالم، تمثلت في تقليص نسبة الولادة من 7،096 سنة 1956 إلى  2،013 سنة 2010. لا جدال أن مثل هذا التطوّر في تحديد النسل كان أهم شرط من شروط تطوّر التونسيين نحو حداثة فعليّة لا يتيسّر التشكيك في حقيقتها اليوم. فهل كان هذا التطوّر الهائل للمجتمع التونسي ممكنا بدون هذا الوعي النسويّ الذي كان محركه الأساسي؟

لا يعني تبني التونسيين لنهج الحداثة انعدام وجود توجّه آخر بقي مشدودا إلى الوراء، يحنّ إلى الماضي ويحاول فهمه بالاعتماد على افتراض عصر ذهبيّ يريد العودة إليه ولكن بغير وسائل الحاضر وانتصارات العلم الراهن أو أنه يرى في العلم الراهن تدعيما لنهج الاعتقاد وترسيخا لمنطوقه. يجمع هذا التوجه الماضوي ألوانا إيديولوجية مختلفة تذهب من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. يحتّم النظر إلى المستقبل الإقرار بضرورة الفصل بين المجالات بحيث يتمّ اختيار الأفراد الفاعلين في الإدارة والدولة بمعيار كفاءتهم وليس بمعيار تحزبهم أو عقيدتهم أو جنسهم أو لونهم أو ذوقهم. وإذا كانت تونس قد نجحت إلى حد الآن في أن تكون بلدا من أكثر البلدان العربية تقدّما، فإن ذلك ليس معزولا عن توجّهها الحداثي الذي حيّنته الثورة التونسية فصار بفضلها محلّ جدال ونقاش عمومي بواسطة ما سمّاه هابرماس “العقل التواصلي”. وهو عقل يقر بغيريّة الآخر المختلف عني تصوّرا وعقيدة ووجهة نظر.

ما العمل إذن؟

تطلبت منا الإجابة عن هذا السؤال العودة إلى تاريخ تونس الحديث والإقرار أن هذا البلد قد اختار منذ عدة قرون نهج عقلنة الوقائع وتنظيم الحياة الاجتماعية بمقتضى دستور وضعي أقر بصلاحيته وهو اليوم يطالب بتثويره ليتماشى وطموحات الشعب في الحرية والكرامة. يفترض منّا البقاء في هذا الاتجاه الحداثيّ الذي بَوّأ بلادنا أن تكون مثالا فريدا في التاريخ الوعي التام بضرورة تكريس هذا التوجّه من خلال اختيار أفراد أو مجموعات تعلن صراحة تبنيها لقيم الحداثة التي ثار من أجلها شباب تونس والتي تتمثّل أساسا في الديمقراطيّة وفي الفصل بين مختلف المجالات وفي تدعيم الحرية الفرديّة. لا يمكن بهذا المعنى القول إن للناس حريّة في التعبير عن آرائهم الشخصيّة دون الاعتراف بقيمة الأفراد المطلقة بحيث يكون للفرد الحق في مخالفة الجماعة مخالفة تامة، وحريّة في تغيّير رأيه وعقيدته دون أن يُعرّض حياته للخطر. فالديمقراطيّة إنما هي قاعدة تعامل تكرس حقّ الأغلبيّة مع المحافظة على حقّ الأفراد دون إكراه أو ضغط من قِبَل الجماعة. فالفرديّة أساس المواطنة التي لا تظهر من خلال حقّ التصويت والتعبير عن الرأي فقط، بل أيضا من خلال حقّ الشغل وتحمل المسؤوليّة والمشاركة في الحياة السياسيّة والاجتماعيّة. وفي هذا الشأن، تبدو المساواة بين الرجال والنساء مسألة مفصليّة. قد يقول بعضهم إن عدد النساء اللواتي لهن كفاءة “حقيقية” لتحمل المسؤولية قليل، وهذا أمر يتطلب مناقشة معايير الكفاءة التي هي، كما هو معلوم، رجالية صرفة. زد على ذلك، فعدد الرجال الذين يتحمّلون مسؤوليات القرار دون كفاءة “حقيقيّة” كثر، وهذا يجعل الاعتراض الوارد مهزوزا وغير وجيه. نعتقد أن ربح رهان المستقبل لا يتحقّق ما لم نقم بما يسمى بالتميّيز الإيجابيّ الذي يخوّل للنساء التعوّد على الاضطلاع بالمسؤوليّة التي حرموا منها طوال قرون طويلة.

تتحدّد الحريّة الفرديّة كما عرّفها جون لوك أوّلا وقبل كل شيء من خلال امتلاك الفرد لشخصه، لحياته وبدنه (habeas corpus). ويعني امتلاك الإنسان لنفسه أيضا أن حياة الفرد واستقلاله المدني ليست مسألة تُحدّدها إرادة الغير بل تنبع من ذات الفرد دون تدخّل للمعايير التي تدّعي المحافظة على الأخلاق الحميدة والاستقامة أو الأوامر الدينية أو ما قال به السلف الصالح.  لذلك، ارتبطت الحداثة بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية التي يمكن التحقق من وجودها أو عدم وجودها بمجرد التثبت من وضع المرأة في المجتمع. وإن كانت تونس من أكثر البلدان العربية قابلية لتحقيق الطفرة النوعية نحو الديمقراطية، فإن ذلك ليس غريبا عن مكانة المرأة في المجتمع. وهي مكانة علينا اليوم تدعيمها إن كنا صادقين في سَعيِنا لتحقيق الديمقراطية والحرية.

لخصنا حديثنا عن التوجه الحداثي التونسي من خلال معيار وحيد بسيط وهو المعيار الذي يمكّن من التمييز بين أولئك الذين ينظرون إلى المستقبل ويعتنون بالماضي بالاستناد على علوم الحاضر وتقنياته، وأولئك الذين يطمحون إلى العودة إلى عصر ذهبي ويغضّون النظر عن وسائل ومناهج العلم الحديث معارضين بين الأصيل والدخيل كما نعارض بين الحق والباطل. يمكن التحقق من صدق المدافعين عن الديمقراطية والحرية إذن بمجرد التحقق من مُتَغيرين أساسيين : 1. هل يقدم المدافع عن الديمقراطية مشاريع وبرامج ترسخ قدمنا في المستقبل أم لا ؟ 2. ما هو الدور الذي يمنحه للمرأة في مشروعه، هل هو دور الشريك الفاعل أم دور التابع القانع ؟

*********************

شاهد أيضاً

النسخة الأخيرة من المثقف

سامي عبد العال سامي عبد العال      أبرز وجُوه الثقافة أنْ تقاوِم أشكال القُبح الخفية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *