الرئيسية / تربية و تعليم / فلاسفة / غاستون باشلار والمعرفة – الضد

غاستون باشلار والمعرفة – الضد

عبد السلام بنعبد العالي

عبد السلام بنعبد العالي

ينطلق باشلار من التأكيد على أن الفكر يسلك في بنائه للمعرفة العلمية مسالك متعثرة ودروبًا ملتوية وطرقًا غير مباشرة. إن كانت فلسفات العلم التقليدية، في صيغتها الوضعية خاصة، تعد المعرفة العلمية امتدادًا للمعرفة العادية، فتكتفي بأن تنصح الدارس بـ “الإصغاء لما تقوله الطبيعة”، وتحدّد الموضوعية بأنها نفي للذاتية، بل تجعلها مقابلاً لها، فإن إبستمولجية باشلار تحدّد الموضوعية على أنها “موْضَعة”، وتَدَخُّل في الطبيعة وتحويل للمعطى المباشر، وترى أنها نفي للتلقائية، وطعن في المباشرة. فيقول صاحب “العقلانية التطبيقية”: “إن كل موضوعية، مهما كانت شدة التحقق منها، فهي تكذب الاتصال الأوّل مع الموضوع. إن عليها أوّلاً أن تنتقد كل شيء: الإحساس وبادئ الرأي والممارسة العادية”.

لا تصف المعرفة العلمية واقعًا معطًى ولا تصف “طبيعة”، بل إنها تتعامل مع “واقع” صُنْعي؛ فملاحظة الطبيعة لا تتمثل في أن يتحول العالم إلى آلة فوتوغرافية. الملاحظة ليست هي، كما كان يقول كلود برنار: “أن يكون الملاحظ مصوّرًا محايدًا للظاهرة، وأن تكون ملاحظته تمثيلاً دقيقًا لها، وأن يكون منفعلاً لا فعالاً، مصغيًا للطبيعة ليسجل ما تمليه هي عليه”. في المعرفة العلمية المعاصرة تغدو الملاحظة مشروعًا نظريًا، “فالواقع بالنسبة للعالم لا يتكون إلا بفضل عمليات تعديل متعاقبة … لقد بلغت المعرفة العلمية مستوى أصبحت فيه الموضوعات العلمية ما نصنعه نحن لا أقل ولا أكثر”. فالفكر لا “يصغي” إلى ما يُقال أنّى كان مصدره، وهو لا يقف منفعلاً متلقيًا، وإنما يبدأ بأن يتهم المباشر. وليست بداهاته “أوّليات” ومبادئ؛ فالأوَّليّ موضع اتهام دائمًا، إنه ما ينبغي تحويله واستنطاقه وليس الوثوق به، والبداهات نتائج يُتوصل إليها، وليست منطلقات يعتمد عليها. بهذا المعنى كان باشلار يقول: “ليست هناك حقائق أولى، بل أخطاء أولى”؛ فِـ “بادئ الرأي يكون مبدئيًا دومًا على خطأ، إنه يفكر تفكيرًا سيئًا، أو لنقل بالأحرى إنه لا يفكر، وإنما يترجم حاجيات وينقلها إلى معارف”.

المعرفة العلمية هي دومًا معرفة- ضد، لأنها دومًا تصحيح لأخطاء. بهذا المعنى سيسترجع الخطأ قوّته ووجوده الفعلي المتعنت، ولن يعود وجودًا عرضيًا، أو افتراضًا منهجيًا، وإنما سيستعيد صلابته، بل وضرورته إن صح التعبير، مادام يشكل منطلق كل معرفة علمية، إذ إن هذه لن تعود إلا مجموعة من الأخطاء التي قد تم تصحيحها. وذلك، لأن “كل تجربة موضوعية صحيحة ينبغي أن تُحدِّد دومًا كيفية تصحيح خطأ ذاتي”.

على هذا النحو، يبدو الكشف عن الواقع دومًا كشفًا متراجعًا إلى خلف، وذلك لأن “الواقع” لا يكون أبدًا ما يمكن أن نظن أنه عليه، بل هو دومًا ما كان علينا أن نعتقده. كل “كشف ” لحقيقة يتم في “جو من الندم الفكري” دومًا. في هذا السياق، يؤكد باشلار أن “الفكر وهو أمام المعرفة العلمية، لا يكون قط حديث النشأة، بل شيخًا مثقلاً بالسن، لأنه يحمل من ورائه عمرًا طويلاً يعادل عمر أحكامه المسبقة”.

وبناء عليه، ليس الجهل فراغًا معرفيًا، إنه ليس غياب معرفة، بل هو امتلاء معرفي، “إنه نسيج من الأخطاء الإيجابية المتماسكة والملحة”، و”المعرفة لا تصدر عن الجهالة كما ينبثق النور من الظلمات”. ليست هناك درجة صفر للمعرفة، كل ما هناك معارف متراكمة، وأخرى مضادة تصحّح مسارها، وتقوّم أخطاءها.

هذه المكانة الأنطلوجية الجديدة للخطأ، لا تغيّر تحديدنا لـ”الواقع” وفهمنا لطبيعة البحث العلمي وحدهما، وإنما تبدّل من طبيعة الفكر نفسه، وتجعله فكرًا “مناضلاً”مقاومًا للأخطاء العنيدة، فاقدًا ثقته في الأوليات، مؤمنًا بأن لا شيء يُعطى إياه، وأن عليه أن يكتسح المجهول، ويقهر “العقبات الإبستمولوجية” المتعددة، فيعلنها حربًاعلى الأخطاء والأحكام المسبقة، ومعرفته غزو وجهاد، وليست مجرد تأمل منفعل. وذلك، لأن المعرفة العلمية تضع الوضوح في التراكيب المعرفية وليس في تأمل منعزل لموضوعات معطاة، كما أنها تؤمن بالوضوح الإجرائي محل الوضوح في ذاته، وبالموضوع المبني بدل الموضوع المعطى، والحدس النتيجة بدل الحدس المنطلق، مؤكدة أن الفكر سلسلة من القطيعات والانفصالات، وأنه دومًا مراجعة ونقد وإعادة نظر.

فليس النقد صفة تُحمل على الفكر. الفكر دوما مراجعة وإعادة نظر، لهذا تبدو عبارة “الفكر النقدي” اليوم من قبيل تحصيل الحاصل، لأن النقد والمراجعة طبيعة الفكر ومحتواه، وليست عرضًا من أعراضه، فلا فكر إلا نقدي. وليست النقدية اليوم اتجاهًا فلسفيًا أو مدرسة فكرية، وهي ليست مرحلة وخطوة يتخذها الفكر تمهيدًا لعمله، إنما هي جوهر الفكر وعمله الأساس، فالتفكير يبدأ حالما يفقد الفكر ثقته بالمعطيات المباشرة ويسيء الظن بها. وحتى الأسئلة التي يطرحها لا تُعطى إياه، وإنما يكون عليه إبداعها وتوليدها. في هذا المعنى يقول صاحب “الروح العلمية الجديدة” بأنه “ينبغي أولاً وقبل كل شيء معرفة طرح الأسئلة”؛ فالأسئلة في الحياة العلمية لا تطرح نفسها، وهي لا تكون، كما يقال، “مطروحة في الساحة”، لأن لا شيء في هذا المضمار “يطرح في الساحة”، ولا شيء يُوهب ويُعطى، ولا ثقة في التلقائية. كل شيء ينبغي أن يُغزى ويُكتسح، وكل معرفة علمية هي، تحديدا، معرفة – ضد .

///////////////////////////

“انتعاشة اللغة” لـ عبد السلام بنعبد العالي

4 يناير 2021 ترجمةصدر حديثاكتبمتابعات 0

أوَّل دراسة فلسفية أُنجِزَت عن الترجمة في الثقافة العربية المعاصرة عبد السلام بنعبد العالي عبد السلام بنعبد العالي صدر عن منشورات المتوسط -إيطاليا، الكتاب الجديد للمفكِّر المغربي عبد السلام بنعبد العالي، بعنوان: “انتعاشة اللغة – كتاباتٌ في الترجمة”. وهو كتابٌ فلسفيٌّ قدَّم له الناقد والمفكِّر المغربي عبد الفتاح كيليطو، والذي …أكمل القراءة »

الكتابةُ بالقَفْز والوَثْب لـ عبد السلام بنعبد العالي

29 أكتوبر 2020 صدر حديثافلاسفةمتابعات 0

عبد السلام بنعبد العالي صدر عن منشورات المتوسط -إيطاليا، الكتاب الجديد للمفكِّر المغربي عبد السلام بنعبد العالي، بعنوان: “الكتابةُ بالقَفْز والوَثْب”. وهو كتابٌ فلسفيٌّ استهلَّه الكاتبُ بمقولةٍ تضعُ القارئ في محلِّ تساؤل عن طبيعة هذه الكتابة: «لا يمكننا التفكير في المتعدِّد من غير إقامة جسور بين الاختلافات، من غير أن …أكمل القراءة »

صدر حديثا: عبد الكبير الخطيبي بقلم عبد السلام بنعبد العالي

12 يونيو 2019 صدر حديثافلاسفةكتب 0

الدكتور عبد السلام بنعبد العالي يحتفي بعبد الكبير الخطيبي في كتاب مفرد فهرس الكتابأكمل القراءة »

عبد السلام بنعبد العالي .. كاتب بيدين

19 أكتوبر 2017 عامةفلاسفة 0

امتداح لمفكر الاختلاف امتداح لفكر الاختلاف عثمان لكعشمي – الجديدة / المغرب ” بدل أن يتوجه الفكر العربي بحواره إلى فكر الاختلاف ( نيتشه ،ماركس ، هايدغر ) اتجه نحو ميادين العلوم الإنسانية ، المفيدة أجل ، لكنها عاجزة عن تأسيس فكر جديد . ” عبد الكبير الخطيبي مقدمة يرمي …أكمل القراءة »

في مقاومة البلاهة عبد السلام بنعبد العالي

22 أبريل 2017 عامةمقالات 0

“حتى عهد قريب كانت الحداثة تعني تمرداً غير محافظ ضد الأفكار الجاهزة وضد الكيتش. أما اليوم، فتمتزج الحداثة بالحيوية المتدفقة لوسائل الإعلام. أن يكون المرء حديثاً أصبح يعني أن يبذل مجهوداً خارقاً كي يكون مواكباً لما يجري، يكون طبق ما يجري مقدوداً عليه، يكون أكثر محافظة من كل المحافظين. لقد …أكمل القراءة »

عبد الفتاح كيليطو: أبو العلاء المعري بين متاهات القول و متاهات الحياة

30 يناير 2021 دراسات وأبحاثكتبمقالات 0

محمد ازويتة إنجاز : محمد ازويتة لكتابة تاريخ الحقيقة ، تاريخ ألعاب الحقيقة ، تاريخ ممارسات ، اقتصادات و سياسات قول الحقيقة  ،  يقتضي بألا نكتفي ، بالمرة ، بالقول : إذا قلنا هذه الحقيقة ، فذلك لأنها واقعية . يلزم قول العكس : الواقع هو ما هو عليه ، …أكمل القراءة »

منطق الحوار (2):النموذج الاتصالي للحجّة لدى طه عبد الرحمان

19 نوفمبر 2020 دراسات وأبحاثمجلاتمفاهيم 0

الحسين أخدوش الحسين أخدوش* انفرد المفكّر طه عبد الرحمان بصياغة نظرية منهجية للحوار خاصّة بنموذجه الفلسفي المستند إلى المنطق المعاصر، والقائم على منهج المناظرة كما جاء في التراث العربي الإسلامي. ولعرض تصوراته لهذه النظرية الحوارية، نقترح الحفاظ على الجهاز المفاهيمي (الحِجَاجِي والمنطقي والفلسفي) كما نحته واستخدمه للتدليل على نموذجه الحواري …أكمل القراءة »

“في الحداثة والتنوير والشبكات” جديد كمال عبد اللطيف يصدر عن المتوسط

2 نوفمبر 2020 صدر حديثامتابعاتمفاهيم 0

كمال عبد اللطيف صدر عن منشورات المتوسط -إيطاليا، الكتاب الجديد للكاتب والباحث المغربي كمال عبد اللطيف، بعنوان: “في الحداثة والتنوير والشبكات”. كتابٌ يبحث، بالإضافة إلى موضوعات: الحداثة والتنوير والشبكات، في سؤال التَّغيير، والتحوُّلات الجارية اليوم في المجتمعات العربية، وهي تحوُّلات تحكمُها طموحاتٌ تروم الإصلاح والتغيير، كما تحكمها جملة من العوائق …أكمل القراءة »

جديد عبد الفتاح كيليطو: “في جوٍّ من النَّدَم الفكريِّ”

31 أكتوبر 2020 صدر حديثاكتبمتابعات 0

عبد الفتاح كيليطو صدر عن منشورات المتوسط -إيطاليا، الكتاب الجديد للنَّاقد والمفكِّر المغربي ، بعنوان: “في جوٍّ من النَّدَم الفكريِّ”. وقد استقى كيليطو، الذي يولي أهمِّية كبيرة لعناوين كتبه، عنوان كتابه الجديد من مقولةٍ لـ غاستون باشلار، استهلَّ بها الكتاب: «إذا ما تحررنا من ماضي الأخطاء، فإنَّنا نلفي الحقيقة في …أكمل القراءة »

حوار مع عبد الفتاح كيليطو : الكاتب،ثم ألف لغة ولغة*

28 أغسطس 2020 ترجمةحواراتمتابعات 0

سعيد بوخليط ترجمة: سعيد بوخليط تقديم : يحدث أحيانا لمنظمي صالون أدبي أو احتفال ثقافي الا لتماس من عبد الفتاح كيليطو كي يتكلم.خلال كل مرة، يدلي بذات الجواب: لا أعرف سوى الكتابة،لذلك يستحسن أن أترك لكتاباتي فسحة التحدث عني.يبهجنا دائما، أن نرى عبد الفتاح كيليطو، يعمل على نحو شعائري،من أجل تعرية أفكار طِرس، وحده يمتلك سره .عارف بأدق …

شاهد أيضاً

جابريل مارسيل .. الآخرون هم النعيم

علي حسين ارتبطت الوجودية بالمقهي ، فعندما نسمع كلمة وجودية نتذكّر دوماً صورة جان بول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *