الرئيسية / منتخبات / عامة / بودريار: من حرب فيتنام إلى تكهنات وقوع أحداث سبتمبر، وصولاً للأزمة السورية

بودريار: من حرب فيتنام إلى تكهنات وقوع أحداث سبتمبر، وصولاً للأزمة السورية

رامز مكرم باكير

لمحة عامة :

يرى الكثيرون في تحليلات بودريار غموضاً كبير , فنوع السرديات السياسية التي قدمها سواء التي سبقت أو تلت أحداث ١١ سبتمبر , لم يستطع اليمين أو اليسار السياسي تناولها أو تلقفها ، خاصة حينما يتحدث عن بعض القضايا مثل الرمزية أو فكرة الرمزية. ونظرياته التي يطغى عليها البعد الفلسفي التحليلي بدلاً من الفلسفي السياسي , مما يجعل من الصعوبة إدماجها في السياسة اليوم كما يفهما الكثيرون .

في بداية كتابه (روح الإرهاب) ، كتب بودريار:

“عندما يتعلق الأمر بالأحداث العالمية ، فقد رأينا عددًا قليلاً جدًا منها ; من وفاة الاميرة ديانا إلى مونديال كأس العالم ,وأحداث عنيفة , من حرب وابادات جماعية . ومع ذلك , وعندما يتعلق الأمر بالأحداث الرمزية على المستوى العالمي ، أي ليس فقط الأحداث التي حظية بتغطية عالمية ، بل الأحداث التي مثلت انتكاسة حقيقية للعولمة نفسها ،لم يقع حدوث الكثير منها . تلك الأحداث التي تشكل تحديًا حقيقياً للنظام ، نظام العولمة ” . فقد شكل موضوع العولمة لبودريار هاجساً كبيراً , والذي يصفها أحياناَ بالنظام المطلق التكاملي . والكثيرين يربطون العولمة بنظريته عن ال(simulacrum) , هذا المصطلح المهم الذي لم ينل قدره من الاهتمام من قبل اللغويين العرب , فالبعض ترجمه على أنه “النسخة الزائفة” , والبعض الآخر نقل الكلمة كما هي “السيميولاكروم” , وفي فيلم الماتريكس الشهير والذي يحاكي الكثير من أفكار بودريار بشكل سينمائي ولا يخلو من السطحية والخيال المفرط , تم تأويل السيميولاكروم على  أنه ال (matrix)  و تمتت  ترجمته على أنه المصفوفة .

 انا شخصياً أرى ان أقرب معنى لهذا المصطلح وبحسب السياقات التي ورد بها , أفضل استعمال الكلمة نفسها (السيميولاكروم) أو (منظومة التّحاكي) .  فهذا المصطلح  له صلة قوية جدًا بمشروع العولمة بحسب بودريار، ففي (السيميولاكروم) يهمل الواقع كلياً و  تصبح الأشياء المستنسخة أكثر واقعية من الواقع ذاته .

 لكن يجب أن نسأل هنا: كيف تبدو هذه الحقيقة ؟ هل هي حقيقة تتوافق مع واقع كل شخص على وجه الأرض؟ وهنا بالضبط تكمن مهمة انظمة الدمج.

يحذر بودريار من الطريقة التي يُرتبط بها السيمولاكروم بشكل كبير بالعقلانية العلمية (scientific rationality) ، وكيف يشكلان هذان الاثنان جنبا إلى جنب هذه المنظومة, والدور الذي يلعبونه في هذا النظام العالمي التّكاملي . وتتحول المادية الموضوعية إلى مجرد فكرة يعبئها السيمولاكروم لإقناع الناس بأنهُ الواقع , بل و أكثر واقعية من الواقع ذاته. (فهو حقيقي واقعية لأنهُ من الممكن تحديدهُ كمياً ، ومن الممكن التحقق من أو إثباتُ وجودهِ ، ومن الممكن إثباتهُ من خلال أساليب البحث العلمي).

عندما يتناول بودريار موضوع “الأحداث المطلقة” كما يسميها في كتاباته ونظرياته , “فاحياناً” وليس دائماً, يتحدث عنها من حيث كيفية تناولها في الصور و وسائل الإعلام. أو بمعنى أدق , كيف تنقل لنا الحرب من خلال الميديا أو الوسائط المختلفة , وكيف تصنع مشهدية الحدث المطلق , وما الذي يجعل منه حدثاً بهذه الاهمية , , وليس عن الحدث بحد ذاته. وباعتبار الحروب أكثر الأحداث تأثيراً , كتب بودريار عن الحرب باعتبارها مُعرضة للوقوع فيما سماه “التبادل الرمزي” مثلها مثل الكثير من الظواهر الأُخرى , وبذلك تفقد الحرب ما يسميه  ال “Duel” “المبارزة” الندية والتحدي ، وهي كلمات مهمة وكثيراً ما نصادفها في كتابات بودريار وعبر أعماله .

 كتب بودريار عن العديد من الحروب ، ولكن يلاحظ في أعماله أن حرب فيتنام ، وحرب الخليج ، وحرب العراق وأفغانستان التي أعقبت أحداث ١١ايلول(سبتمبر) كان لهم التركيز الأكبر في أعماله .  فلكل واحدة  من هذه الحروب خصوصيتها وأهميتها الفريدة بإظهار جزء مختلف من مفهوم الحرب باعتبارها الحدث المطلق عند بودريار . وسعياً لاستنباط نظرية بودرياردية عن ما جرى من فترة سبعينات القرن الماضي ,وصولاً إلى وقتنا الحاضر.

حرب فيتنام :

توسع بودريارد في أحد أهم كتبه وأكثرهم شهرةً simulacra and simulation (السيمولاكر والمحاكاة) في تحليلاتهِ عن حرب فيتنام. حيث ادّعى أن الولايات المتحدة الامريكية قد انتصرت في هذه الحرب رغم انسحابها.

ولكن ما الذي يعنيه في ذلك؟

لم يكن من الضروري أن ينتصر الأمريكيون في هذه الحرب بالمعنى التقليدي والتاريخي للانتصار العسكري ، فهدفهم لم يكن في الواقع التغلب على الجيش الفيتنامي ، بل كان مشروعهم هو إدخال ودمج الجيش الفيتنامي الشمالي في النظام العالمي للأجهزة العسكرية المعترف بها “عالمياً” على المستوى التنظيمي والتّقني ، ليصبح من الممكن فهم أساليبهم وقدراتهم وفق معطيات هذا النظام . و بمجرد دمج المقاتلين الفيتناميين الشماليين في القوات النظامية , تكون بذلك قد أُنجزت مهمة الولايات المتحدة .

يلاحظ في معظم كتب بودريار، من كتابه الأول ,  نظام الأشياء (the system of objects)، وصولاً إلى كتابهِ الأخير ، ذكاء الشر (the intelligence of evil)  قلقهُ إزاء نشوء نظام عالمي مطلق من هذا النوع والذي يسميه النظام المطلق التَكاملي . وهذا جزء من مفهوم السيمولاكر والذي توسع بودريارد في شرحه وصياغته في كتاباتهِ .  فالأمر لا يتعلق فقط بصور وسائط الإعلام  و مشهدية الحرب كما يساء فهم كتابات ونظريات بودريارمن قبل الكثيرين ، ولا يتعلق فقط بـ “الواقعية الفائقة” the  hyperrealism  للأحداث . بل يتعلق الامرُ بمسألة وضع العالم بأسره , وإخضاعه لمبدأ ونظام توجيهي واحد ومُهيمن , وبحسب هذا المبدأ التوجيهي يصبح من الضروري إدخال الجيوش كافة وتحويلها إلى أجهزة عسكرية يمكن تتبعها و السيطرة عليه من الخارج .

بالعود إلى عالم الصورة والوسائط , لم يكن بودريار مهتماً بالحرب الفيتنامية من منظور وسائل الإعلام . و كيف كانت تنقل أخبار الحرب , مع أن حرب فيتنام كانت أول حرب تتم تلفزتها في التاريخ ، بل تناول الحرب من خلال تأويلاته و تحليلاته عن فيلم “Apocalypse now”,  فيلم حرب فيتنام الشهير من إخراج فرانسيس كوبولا و بطولة مارتن شين . وقد رأى بودريار في هذا الفيلم نموذجا مصغراً للحرب نفسها ، فالفيلم شكل كابوساً هائلا من  حيث الإنتاج ، فكان هناك العديد من المشاكل التي حدثت مع الكاست في مواقع التصوير , فكان حقا انعكاساً للحرب الذي جسدها .حيث أن الفيلم كان يجسد  نوع من المحاكاة “simulacrum” للحرب في حد ذاتها. وهناك أيضاً نقطة أخرى أثارت إهتمامي ; ففي الفيلم , يتتبع المشاهد مجموعة صغيراً من الجنود الأمريكان الذين يتنقلون من فيتنام إلى كمبوديا , بهدف القبض على كولونيل أميركي مارق وفاسد(العقيد كيرتز) وقتله , و خلال هذه المغامرة عبر هذه البلدان ، نلاحظ أن هذه المجموعة لا تشتبك بشكل مباشر مع العدو. فالعدو دائماً ما يكون متوجداً في المدى البعيد ، أو متخفياً في الغابات. فهم لم يكونوا في الواقع متواجدين في خضم حرب بالمعنى التقليدي للكلمة . بقدر ما كانوا غزاةً ضد أُناسٍ لم يكونوا مهيئين لخوض هذا النوع من المعارك . فأكثر المقاتلين الفيتناميين كانوا من الريفيين الذين لا يملكون نفس الأسلحة والخبرات القتالية ، أو بمعنى أصح ; نفس الوسائل لتحدي الجيش الأمريكي . وهنا يتحول هدف هذه المجموعة نحو ملاحقة  الكولونيل كيرتز ،هذا الجندي الأمريكي المارق والفاسد. وهنا يصبح قلقهم وعدائهم أقل ضد الفيتناميين الشيوعيين ذوي الميول الأيديولوجية المختلفة “الآخر المختلف والشاذ عن ما اعتاده الأمريكان ” ضمن نظام جملة المفاهيم وما هو إعتيادي والذي من الصعب فهمه أو تحديده .

ولهذا السبب قلبوا أنفسهم ضد الكولونيل كيرتز ، ضد رمزية أن الجيش الأمريكي أيضاً يمكن أن يكون هذا الشيء “الآخر والمختلف والشاذ”. وهكذا أخذوا على عاتقهم القضاء على هذه الرمزية المتجسدة في شخص الكولونيل كيرتز , و لتطهير منظومة الجيش الأمريكي الأخلاقية ونظامه القائم . وهذا برأيي كان جوهر ما كان يحاول جان بودريار ايصاله .

حرب الخليج:

في وقت ما , و في خضم حرب الخليج , سأل أحد مراسلين السي إن إن بعض الجنود المتواجدين في الميدان عن ماذا يحدث على أرض المعركة ؟ فكان رد الجنود في كثير من الأحيان ; “نحن مثلكم ننتظر لنرى ما يحدث في نشرة السي إن إن”. فمشهدية الحدث كانت طاغية بشكلٍ كبير على الحدث بحدِّ ذاته . فالحرب كانت بالنسبة للكثيرين من الجنود مثل أي متلقي للحدث.  حدثاً يعاش من خلال التلفاز أكثر من كونها حرب تعاش بواقعيتها و بشكلها الحقيقي . طبعاً لم تكن هذه الصورة الكاملة لحرب الخليج . و لفهمٍ أعمق واستناداً إلى النص الشهير الذي كتبه جان بودريار في كتابه simulacra and simulation (السيمولاكر والمحاكاة) ,وتحت عنوان ( إن حرب الخليج لم تحدث) ; فبحسب بودريار هي لم تكن حرباً بمعنى حرب ,  بل كانت غزواً , حيث أن كل شيء كان معداً مسبقاً ، كل شيء كان واضحاً تقنياً من الناحية الإحصائية وتم تحديده . كانت عملية نظيفة خلفت تقريبا ١:٢٠٠ قتيل من الجيش الأمريكي مقابل الجيش العراقي . فهي لم تكن حرباً بالمفهوم التقليدي عن الحرب ، كانت غزو مبرمج و إحصائي ومدروس . ما نراه في حالة حرب الخليج هو انتهاء لحالة الصراع المزدوج والتي تتطلب نوع من الصراع الديالكتيكي بين الطرفين المتحاربين . و بدلا من ذلك لدينا الآن هذا النظام الواحد الحاكم والمهيمن ,  والذي لا يحتاج إلّى لعملية واحدة من هذا النوع , ليلقي بثقله وتقنياته العسكرية الهائلة لإنهاء أي طرف آخر ، ذلك الأخر الذي لا يملك حتى القدرة أو الامكانية على الرد ضد هذا النظام الشامل المهيمن والمسيطر. فهي ليست حرباً , فلا وجود لحرب بدون طرفين متحاربين.

جمع بودريار بين البعد الرمزي للحرب بواقعيتها الفائقة و مشهديتها المُعاشة من خلال الوسائط المختلفة (الميديا) ، كنشرات الأخبار المُتلفزة والصحف من جهة  . وبين البعد السياسي الرمزي لها من جهةٍ أُخرى . وهيمنة هذا النظام والذي سماه  النظام العالمي التَكاملي , وما يمكن استنباطه هو ان هذا النوع من التحليلات للأحداث يمكن بشكل دقيق تسميتها بالتحليلات البودريارديه .

ما بعد أحداث ١١ سبتمبر و غزو العراق وأفغانستان:

حوالي عام 1976 ، وفي كتاب بودريار (التبادل الرمزي والموت) ; كتب فيه نص يتأمل فيه برجي التجارة العالميين، وقال فيه شيء غريب بعض الشيء واصفاً البرجين  بأنهما يمثلان علامة أو رمز  لنظام عالمي متكامل بشكل ٍ تام .   فالبرجين هما عبارةٌ عن صرح يجسد هذا الرمز. برجين توئم يشبهان بعضهم البعض بشكلٍ مباشر, وبالتالي يشكلان حلقة مغلقة مرجعها هو نفسها , ومن نفسها إلى ذاتها. ورأى فيهما علامة على المسار الذي تتبعه هذه السلطة العالمية الكلية , بسلطتها الإقتصادية بالدرجةِ الأولى ,  إمتداداً إلى السلطة  العسكرية ، والسلطة السياسية و الاجتماعية.  ويدعي بودريار في كتابه أنه إذا ما حدث شيء للبرجين (هو لم يستعمل عبارة تدمير أو إزالة) بل استخدم عبارة “إذا ما  أُنزل البرجين” “taken down” ;  وشُيّد مكانهما برج واحد , فهذا يعني أننا سنرى نهاية هذا النظام  و الذي سماه  النظام المطلق التَكاملي . ذلك النظام المزدوج الذي يعكس نفسه كمرآة ذاته .

ومع القفز ٢٥ سنة إلى زمن وقوع أحداث سبتمبر، وبكلمات بودريار التي كانت مستفزة للبعض ؛ بوصفه ما حدث للبرجين “بأنهما قد أقدما على الانتحار” .  

تم تشييد “One World Trade Center” برج التجارة الواحد والمتفرد. تلك الكتلة المتراصة الزجاجية الضخمة والتي لا تزال ترمز لهذه السلطة الكلية ، ولكن هذه المرة بصرحٍ واحد , ليحلّ بدل البرجين التوأمين .

سوريا حرب أم إدارة الصراع :

من زمن أحداث حرب فيتنام التي انتهت في السبعينات ، وحتى عام ٢٠٠١ ، ما كنا نشهده كل هذه السنين هو توطيد سلطة هذه القوة العالمية التكاملية التي تحدث عنها بودريار  ، وليس بالضرورة تحت سيادة الولايات المتحدة الامريكية ، بل تحت نطاق حكم وسيطرت هذا النظام المُحكم المثالي فائق الواقعية “hyper real system”.  ومع تفاوت حصص الدول الكبرى في هذا النظام ، تبقى الولايات المتحدة الأمريكية أبرز رمز وتجسيد لهذا النظام .

ومع القفز ١٠ سنوات إلى زمن وقوع الأزمة السورية ، يُلاحظ  أن  كل ما سبق من تحليلات وتنبؤات بودرياردية تنطبق بشكل دقيق على وقائع هذه الأزمة ، فهي أزمة عالمية مركبة وليست حرب أو حتى حرب أهلية بالمعنى الكلاسيكي لهذين المصطلحين . وهي حدثاً مطلقاً يشكل تحدياً كبيراً لمشروع العولمة . و يلاحظ هذا من خلال آلية التعامل مع هذا الحدث ، منذ  بدايته وحتى الآن . المعطيات والمخرجات فيه أصبحت مدروسة بشكل دقيق وإحصائي . والتوقعات والمخرجات فيه أصبحت واضحة بشكل تام على ارض الميدان . ويلاحظ أيضاً مع مادراً ما وقع حصول أي إلتحام أو حتى مناوشات بين الأطراف الخارجية ذوي المصالح المختلفة ، فليس من الضرورة الدخول في هكذا التحامات ، فالصراعات بين الدول قد فقدت ال”dual”  أو النديّة أو المبارزة المباشرة كما يقول بودريار،  فالجميع لديه أسهمه في هذا النظام التكاملي (نظام العولمة) , وفي هكذا صراع معولم لا

 مجال بعد الآن للرعونة أو البطولات الفارغة وردات الفعل غير مدروسة.

بل ويُلاحظ أن القوات الأمريكية والروسية تسيّر دورياتها معاً ، وفي نفس مناطق النفوذ في بعض الأحيان . ويتواجد الأمريكان والإيرانيين على نفس المحاور وفي مرمى أحدهما الآخر ، يفصلهما  كيلومترات قليلة في بعض المناطق ، ولكن دون أن نُسمع دوي رصاصة واحدة من أحد الأطراف . ويقوم الجيش التركي بدفع فصائل يدعمها في الالتحامات مع قوات سورية الديمقراطية والجماعات الكردية بالوكالةِ عنهم .

أما من ناحية مشهدية الحرب السورية ، فهي أكثر الحروب تم توثيقها في التاريخ . فهناك الملايين من الصور والفيديوهات والمدونات والتغريدات والملفات الصوتية وغيرها من المواد المتاحة لإعادة صناعة مشهدية الحرب ، وتعبئة الرأي العام ، فنفس مثال الجنود الأمريكان في حرب الخليج ينطبق على الإنسان السوري في زمن الأزمة.  ففي دمشق و في وقتٍ ما ، كان الإنسان السوري بحاجة لمشاهدة نشرة الأخبار لمعرفة ماذا يحدث في الأحياء المجاورة لهُ ، أو مصدر القصف على حيهِ .

فمشهدية الحرب أو الأزمة كانت طاغية على الأزمة نفسها بشكلٍ شبه تام .

ما المعنى من هذا كله ؟

الدخول أو الخضوع  و الأندماج  في هذا  النظام العالمي المُحكم هو حتمي ، فهذا النظام لا يمكن إخضاعهُ أو تدميرهُ من الخارج . ولكن من الممكن تدميره من الداخل ، فبذرة أو فتيل تدمير هذا النظام هي من ضمنه . أما في حالة الإرهاب ( ظهور دولة خلافة كالدولة الإسلامية ، أو في حال الهجمات الإرهابية العشوائية التي من الصعب تتبعها وتوقعها ) يقول بودريار أن هذه من أكبر العلامات على إتمام عملية تشكّل هذا النظام وتكامله الشامل ، وانه بذلك أصبح نظاماً عالمياً , وكل القوى العالمية تم إدماجها بالكامل . والإرهاب هو “بكلمات بودريار”هو مجرد “abreaction” أو آلية فك عقد ، أو تنفيس ؛ وهي عملية رد فعل لهذا النظام ضد نفسه . مع أن هذا الإرهاب العدمي يمثل لحدٍّ ما آخر المحاولات لتحدي هذا النظام ، هذا النظام الآخذ بالقوة وأصبح جباراً أكثر من اللازم , ومسيطر اكثر من اللازم بهذه الطريقة البغيضة المليئة بالشر .


وفي حالة حرب الخليج  وغزو العراق و الذان خلفا ما يقارب المليون ضحية ، وتأبيد الازمة السورية والتي راح ضحيتها فوق النصف مليون إنسان .  يقول بودريار أن هذا هو بعينه نتاج طبيعة هذا النظام العالمي والذي كان وما زال  يلحق الضرر بالناس في جميع أنحاء العالم .  هذا النظام الشامل والذي تحديه سيكون من نفس طبيعته ، نظام مطلق يواجه بعنف مطلق ألا وهو الإرهاب العدمي . 

جاء في أحد النصوص الذي كتبها بودريار بالثمانينات تحت عنوان “fatal strategies” استراتيجيات مميتة أو كارثية.

“لا أخشى الإرهاب بقدر ما أخشى نظام قادر على إنهائه” هذه العبارة التي تقول الكثير وتبين الكثير عن مجمل نظريات بودريار . والذي لطالما حاول أن يتحدى هذا النظام العالمي المطلق وقوة قدرته على دمجِ لكل شيء في ذاتهِ، هذه القوة التي تحاول أن تقضي على احتمالية وقوع أي احتمال حتى ، احتمالية وقوع أي  تغيير أو تطور ، احتمالية وقوع الصراعات والتحديات ، وحركة والمجتمع ، الأمور التي نعرف نفسنا بها كبشر , إنسانيتنا. بهذه النُظم الموضوعية والعلمية وذات القدرة على ابتلاع ودمج كل شيء في هذا النظام التكاملي، هذا النظام الفائق الواقعية ، والأكثر واقعية من الواقعية ذاتها ، والذي في اتساع وسيطرة دائمة، والذي في يومٍ ما قد نجد أنفسنا مضطرين للإستسلام والخضوع له ، بل ودمجنا بالكامل فيه.

********************

الثقافة بحسب أدورنو

‏أسبوعين مضت مفاهيممقالاتمقالات 0

رامز مكرم باكير الثقافة “Culture” هي واحدة من أكثر الكلمات تعقيداً في اللغة الإنجليزية”، ويمكن بسهولة قول الشيء نفسه معناها في العربية او حتى في الألمانية “Kultur” . ومع تشابه معنى هذه الكلمة، يبقى لها صداها الخاص ودلالاتها ومعانيها المختلفة. كما أن معظم مفكري القرن العشرين كانوا حساسين تجاه هذه …أكمل القراءة »

مفهوم السلعة بحسب جان بودريارد

‏أسبوعين مضت عامةمفاهيممقالات 0

رامز مكرم باكير اليوم، ومع تعقيدات الحياة وتسارع التطور التكنولوجي والإنتاج، وبعد دخولنا عصر المعلومات وتطور أساليب وأنماط التواصل الاجتماعي، دخلنا أيضاً عصراً جديداً من تطور مفاهيمنا وتعريفنا للأشياء، ومنها مفهومنا عن السلعة. وبمساعدة منصات تداول الفيديوهات والتواصل الاجتماعي، وبفضل الاقتصاد الدعائي الفقاعي، أصبح  بالمكان تحويل أي نشاط شائع، وعادي، 

شاهد أيضاً

الفلسفة والأطفال: تأسيس العقلانية المرحة

سامي عبد العال سامي عبد العال        ربما لم يلتفت كثيرٌ من الفلاسفة إلى ( …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *