الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / ألبير جاكار: لا خلاص خارج النجاح المدرسي، أو كيف نجعل من المدرسة فضاء خالقا للإنسانية

ألبير جاكار: لا خلاص خارج النجاح المدرسي، أو كيف نجعل من المدرسة فضاء خالقا للإنسانية

ترجمة: يوسف سليم

***

“هل الآباء على استعداد لسماع بعض الحجج الداعمة لتربية تركز أكثر على التعاون وأقل على المنافسة. إن الآباء على وعي بضرورة إيقاظ روح التضامن في الأطفال، ويدركون جيدا الأضرار النفسية التي يمكن أن يلحقها بهم الهوس بالنجاح الدراسي. لكن مع ذلك هم قلقون: ألا ينبغي إعداد الأطفال لمواجهة المجتمع الذي سيلجون؟ ألن يسحقوا سحقا إذا ما تخرجوا من مدرسة يسودها الإخاء ليلجوا عالم المحاربين ذوي النزعة الفردانية الأنانية؟ أفي مستطاعنا حقا تخيل مجتمع ينهض على قيم جديدة تقطع مع المنافسة الشرسة؟ نريد حقا تصديق ذلك، لكن أليس حريا بالمدرسة أن تكون القدوة في ذلك؟”

ينتظر الكثير من الآباء أن تجعل المدرسة من أطفالهم “فائزين”. لذلك يجب عليهم توقع هذه الحقيقة الواضحة أيضا: إذا فاز أطفالهم، فإن أطفالا كثيرين آخرين سيخسرون. دعونا نحاول استخلاص العبر.

إن بنية النظام التعليمي هي بالضرورة انعكاس لمشروع المجتمع. ومع ذلك، لا يمكن لمشروع مجتمع أن ينهض إلا على تعريف للإنسان. خلال القرن الماضي، جدد التقدم العلمي نظرتنا للكون تمامًا؛ ويهمنا داخل هذا الكون جزء منه هو الإنسان. بعد إعادة النظر في المفاهيم التي تنطوي عليها نسبية أينشتاين (Einstein)، والفيزياء الكمية عند بوهر (Bohr،)، وهايزنبرغ (Heisenberg،)، وديراك (Dirac) وكثيرين غيرهم، ونظرية توسع الكون عند إدوين هابل (Hubble،)، ومبرهنات عدم الاكتمال لكورت غودل (Gödel)، وبالأخص اكتشاف دور جزيء الحمض النووي (ADN) في تطور الكائنات الحية؛ لم يعد من الممكن إعطاء نفس التعريف للإنسان كما كان من قبل. فمن خلال البرهنة على أن الأرض ليست سوى كوكب عاد، يدور حول نجم عاد، غرس كوبرنيكوس وجاليليو بذرة ثورية في فكر الفلاسفة واللاهوتيين. كم وخيمة هي الآثار المترتبة عن ملاحظة أن الكون له تاريخ، وأن هذا التاريخ الذي يبلغ حوالي خمسة عشر مليار سنة أفضى إلى ميلاد قطعة نادرة، عابرة، ومحلية، التي هي الإنسان.

طرأ تحول آخر أكثر عمقا: أدى اكتشاف الحمض النووي إلى كشف لغز “الحياة”. فهذا الجزيء يوضح، من خلال الإشارة إلى العمليات العادية للتفاعل بين البنيات الكيميائية، قدرات الكائنات التي تحوزه. إن التكاثر في حد ذاته ما هو إلا نتيجة لعبة الذرات التي تشكل هذا اللولب المزدوج (double hélice).

تعريف جديد للإنسان

إن جميع الأشياء الموجودة في الكون لها نفس الأصل؛ ووفقًا لتعبير علماء الفيزياء الفلكية، فإن الجميع؛ البشر، والشمبانزي، والبكتيريا، أو الأحجار هم ” غبار النجوم”. فكيف يمكن بهذه الرؤية، أن نبني فضيلة الاحترام الذي نطالب به نحن البشر؟

صحيح، نحن البشر نتميز ببعض السمات المحددة، مثل المشي انتصابا على القدمين أو تعقيد الجهاز العصبي المركزي. ولكن، بتوسيع نطاق البحث في هذا الاتجاه، لا يجد المرء إلا خواص الطبيعة فقط؛ فمهما كانت الطبيعة رائعة، لا يمكن لها أن تسوغ اشتراطنا الاحترام. لأن من الضروري أن يبنى هذا الاحترام على أساس الأداء المفرد. ولماذا لا في القدرة على امتلاك هذه “المعرفة الكينونة ” (se savoir être)؟

إن كل شيء من حولنا كائن (est). لكن من الواضح أننا وحدنا بصفتنا بشرا من يعلم أننا كائنون (nous sommes). إن هذا الوعي، الذي يسمح لنا أن نقول “أنا”، ليس هدية من الطبيعة؛ فتراثنا الوراثي (génétique) لا يحتوي على أي مورث (gène) يدفعنا إلى أن نقول “أنا”. وما لم نتخيل معجزة إلهية تمنحنا روحًا (فرضية لا تقبل الدحض، وبالتالي، غير علمية)، فعلينا أن نعترف بأن هذه القدرة هي نتيجة اللقاء بالآخرين. “أقول: أنا” لأن الآخرين قالوا لي: “أنت”.

يؤدي هذا الاستنتاج إلى النظر إلى كل فرد من أفراد جنسنا من خلال الإقرار بوجود حقيقتين: من ناحية، أفراد من صنع الطبيعة، عن طريق آليات التكاثر التي تم توضيحها جيدا، والاختيارات العشوائية للمورثات المنقولة من جيل إلى جيل. ومن ناحية أخرى، أشخاص ذاتيو البناء بفضل اللقاء بالآخرين. إن شرط الاحترام يتعلق قبل كل شيء بالناس، فهو ينعكس على الأفراد فقط في الحدود التي يكونون فيه، منذ نشأتهم في الأرحام، أشخاصًا بشريين محتملين.

من الغريب أن هذه النظرة المزدوجة يستضمرها مصطلح “تربية”، الذي يمكن تحليله – بلاشك، في تحدٍ لأصل الكلمة الحقيقي-على أنه يعني “القيادة خارج الذات”. فالتربية تُخْرِجُ الشَّخْصَ مِنَ الفَرْدِ بالطريقة التي تَخْرُجُ بها الفراشة من اليرقة. مع الإقرار بهذا الاختلاف الذي يفيد أن خواص الفراشة مبرمجة بالكامل بواسطة جينوم اليرقة، في حين أن خواص الشخص تتوقف بشكل أساس على إسهام المحيط البشري.

أي مجتمع لأي إنسان؟

إذا أخذنا الأمر على محمل الجد، فإن هذا التصور الواقعي للإنسان يؤدي إلى تشكيك جذري في أهداف مجتمعاتنا. ولن يكون هذا الهدف إلا تزويد الجميع بالمواد اللازمة لبنائهم الذاتي، من خلال جعل اللقاءات بينهم مثمرة قدر الإمكان.  بالتأكيد، يجب على المجتمع أيضًا توفير كل ما تتطلبه احتياجات الأفراد من الغذاء، والحرارة، والحماية، لأنه من الضروري أن يتمدد أمد استقلابات (les métabolismes) البقاء على قيد الحياة. لكن اتضح أن التقدم التقني يسمح بتلبية تلك الاحتياجات بجهد أقل كثيرا. وهكذا أضحى الطريق ممهدا أخيرًا لإعطاء الأهمية الحقيقية للأنشطة الأساسية الخاصة بالنوع، تلك التي تهم الناس، وتلك التي تعزز، بالتالي، الاجتماع واللقاء.

 إن المجتمع الذي أنشأته الثقافات الغربية بعيد كل البعد عن أن يكون نموذجًا في هذا المجال، ويرجع ذلك بشكل خاص إلى اختياره المتزايد للمنافسة كمحرك للنشاط. فأن نخوض غمار منافسة هو الرغبة في التغلب على الآخر، وبالتالي لن نعود قادرين على إقامة تبادل معه، بل تنضيبه كمصدر للذات. من المؤكد، يمكن أن يقودنا هذا السعي إلى تجاوز الذات؛ لكن الغرض هو الانتصار على الآخر. وهكذا، فإننا نُدْفَعَ إلى اعتبار تجاوز الذات هزيمة عندما لا يسمح لنا بتجاوز الآخر، في حين يكون الهدف المعقول الوحيد، هو التغلب على الذات، قد تحقق. الموقف الوحيد المفيد حقًا، ليس موقف التنافس (la compétition)، لكن موقف المضاهاة (l’émulation)؛ فهذه المضاهاة تشجعنا على مقارنة أنفسنا بالآخرين، ليس من أجل تجاوزهم، لكن من أجل قياس تقدمنا المحتمل عندما يتجاوزنا الآخرون.

إن الميل المدمر والانتحاري الجماعي للمنافسة مقبول قبولا جيدا من قبل مجتمعنا لدرجة أن مجرد الإشارة إلى رفضه يبدو ضربا من اليوتوبيا الخالصة. إن تفسيرا تبسيطيا للأفكار الداروينية يجعلنا نعتقد أن الصراع من أجل الحياة في الطبيعة أدى إلى تحسين الأنواع. وهكذا فإن قبول هذا الصراع داخل مجتمعنا يعني التوافق مع الآليات العظيمة للكون، ومع “قوانين الطبيعة”. ويعني كذلك نسيان أن تطور الأنواع قد أعطى دورًا حاسمًا أحيانا لأفراد تلقوا طفرات غير مواتية، ولم يهيأوا بشكل كاف للصراع. وقبل كل شيء، نسيان أننا قادرون على قول “لا” للطبيعة، وأن هذه “لا” هي مصدر أجمل انتصاراتنا، تلك، على سبيل المثال، التي حصلنا عليها في معركتنا ضد المرض، وضد وفيات الأطفال. لا تستطيع الطبيعة أن تملي علينا أخلاقنا؛ إذ لا يجب البحث  في حضنها  عن قواعد السلوك.

إن الوضوح يجبرنا على ملاحظة أن اللعبة المعممة للمنافسة بين الشركات أو بين الدول، والتنافس بين الأفراد، تؤدي حاليًا إلى تدافع مجنون نحو المزيد من الاستهلاك، واستنزاف الموارد غير المتجددة للكوكب، والإضرار بالمناخ. ومن ثم ، إن موقفا أكثر احترامًا للقيود ضروري وملح.

كيف نجعل المجتمع الغربي يتحول؟

إن الفجوة كبيرة جدًا بين المجتمع المرغوب فيه الذي يستبعد، أو على الأقل يحد، من المنافسة، والمجتمع الغربي المهيمن حاليًا، الذي يبدو أن التحول فيه غير قابل للتحقق. ما عدا أن نتخيل حادثًا تاريخيًا من الجسامة بحيث يؤدي إلى إعادة ضبط جميع مواقف الحياة المشتركة إلى الصفر. قد يتخذ هذا الحادث شكل تمرد عنيف من قبل أولئك الذين يشعرون بأنهم مستبعدون من توزيع الثروة المنتجة. فمظاهر عدم المساواة مخزية وصادمة للغاية داخل المجتمعات، كما فيما بينها، لدرجة أن فرضية الانتظار العاقل لأيام أفضل من قبل أكثر الناس حرمانًا أمر غير واقعي؛ سينفذ صبرهم في يوم من الأيام؛ ويؤدي بهم السخط إلى تجاوزات لا يمكن السيطرة عليها. إن ردود الفعل الشعبية الأخيرة ضد خطط العولمة التي اقترحها تكنوقراط الدول الغنية هي علامة على تمرد جاهز للانفجار.

ربما، على العكس من ذلك، فهل سيقع هذا الحادث في قلب الأسواق المالية المنتشية بالنصر، وسيكون نتيجة لخلل مفاجئ في الآليات الموضوعة لتنظيم التبادلات؟ إن فرضية انفجار الفقاعة المالية الدولية، التي أصبحت غير متكافئة مع حجم التجارة في السلع والخدمات، مما أدى إلى انهيار سوق الأوراق المالية المعمم، مع عواقب وخيمة، هي واحدة من السيناريوهات المحتملة على المدى المتوسط.

مهما تكن طبيعة الحادث الذي قد يتسبب في انفجار مفاجئ، فإن انتظار وقوعه كي يتم تحويل “أساليب العيش المشترك” لستة مليارات من البشر في اتجاه أكثر معقولية، سيكون حلا يائسا، لأن التكلفة البشرية لهذه الهزة، سواء كانت مالية أو اقتصادية أو اجتماعية، تنذر بخطر مريع.

ربما لا يزال هناك متسع من الوقت لإحداث ثورة هادئة. لن تكون هذه الثورة قادرة على تغيير مجرى التاريخ إلا عن طريق انخراط غالبية الناس لبلوغ هدف بعيد المدى، وليس في البحث الحالي، الدائم والمضني، عن مكاسب شخصية صغيرة، يومية ومؤقتة، كما هو معمول به حاليا، الذي قد يؤدي إلى مواجهات أخرى لا نهاية لها.

وأداة تغيير الذهنيات هذه موجودة: فدور المدرسة  هو تزويد الصغار بذخيرة من أساليب التفكير، والفهم والتساؤل، التي راكمها النوع البشري منذ أن أصبح يعي وجوده. ففي المدرسة يصير الفرد شخصا. ففي المدرسة، إذن، يمكن للمجتمع البشري أن يعيد توجيه نفسه.

بعيدًا عن أن تكون المدرسة فضاء لهذا التجديد، تُستخدم اليوم لضمان استمرار السلوك العدواني من جيل إلى جيل. والصيغ الجاهزة المخصصة للشباب لتبرير التعليم الإلزامي هي ذات دلالة على هذا الدور المحافظ؛ “في المدرسة، تستعد للحياة النشطة” … كما لو أن المراهقين لم يمروا بأكثر مراحل حياتهم نشاطًا! “اجتهد كي تحصل على مكان في المجتمع ! »… كما لو أن الواجب الأساسي لهذا المجتمع لم يكن هو إفساح المجال لجميع الأفراد فيه! “احصل على درجات جيدة وسوف تتغلب على الآخرين !” » … كما لو كان ضروريا، منذ المهد، اعتبار مسار الحياة سلسلة متوالية من المعارك! تكشف ردود أفعال هيئة التدريس عن نظام تعليمي مخصص للحفاظ على البنية الاجتماعية: يؤكد المدرسون بصدق أن دورهم هو إعداد التلاميذ للامتحانات؛ وتقيم السلطات للمؤسسات التعليمية وفقا لنسب النجاح في هذه الامتحانات وتنشر السجلات الخاصة بذلك. وهذا العدول عن الهدف المتفق عليه بالإجماع لا يصدم للأسف أي أحد تقريبًا.

عن مدرسة للاصطفاء

بعض الإجراءات الرمزية تجعل من الممكن تسليط الضوء على انحراف المدرسة. ولكي تكون هذه الإجراءات فعالة، يجب إعادة النظر في العصب الحي للنظام المدرسي، والحلقة الساخنة التي يصل فيها إلى ذروته، أي ما يسمى بالمدارس “الكبرى”، وبشكل أعم، الشعب الدراسية التي تشتمل على مباراة أو لائحة ضيقة لأعداد المقبولين (numerus clausus) تُلزم المترشحين بالانخراط في معركة ضارية ضد بعضهم البعض. والمثال الأكثر مدعاة للسخرية هو على الأرجح السنة الأولى من كلية الطب، حيث يحد العدد القليل من المقاعد، المقرر مسبقًا، من الالتحاق بالسنة الثانية، بغض النظر عن مستوى الطلاب. وهكذا يتم اختيار أطباء المستقبل من خلال إعطاء الفرصة فقط لأولئك الذين يملكون القدرة على تسخير الطاقة والذكاء في خدمة الصراع الفردي الذي يخاض ضد الآخرين، في سن اكتشاف العالم، واندفاعات الحماس لبناء المستقبل. ومما يزيد من تناقض العملية، أن هذا الانتقاء يجرى وفقا للنتائج المحصل عليها في مواد ليس لها ارتباط كبير بالطب.

من المؤكد، ومن الطبيعي كذلك، أن يقبل في السنة الثانية فقط الطلاب القادرون على متابعة تعليمهم بشكل فعال؛ لكن هذا يتطلب امتحانا يظهر فيه كل فرد قدراته الخاصة، وليس مباراة تجعله يعتقد أن هذه القدرات تفوق قدرات الآخرين.

الحجة المطروحة لتبرير هذه المباريات هي تشبع مهنة الطب، وبالتالي من الضروري الحد من عدد الممارسين! لكن التقنين اللازم يجب أن يتم، بشكل معقول، بعد ذلك بوقت طويل. إن مجتمعنا غني بما يكفي لكي يوفر ترف متابعة الدراسات الطبية لبضع سنوات لشباب لن يصبحوا أطباء ولكن سيتحولون إلى وظائف كمهندسين معماريين أو قضاة أو مهندسين. سيكون التكوين الذي يتم تلقيه خلال متابعة هذه الدراسات قيما لتعميق التفكير لديهم بغض النظر عن المجال الذي سيطورون فيه كفاءاتهم. فحيثما تتم الإشادة بسيولة المسارات الوظيفية، تذكر الحاجة إلى مد الجسور بين المهن، ولهذا يجب تقديم هذه الإمكانات منذ فترة المراهقة.

إن العيب الأساسي في نظام المباريات هو أنه يحدد مصير كل شخص بعد التخرج، إذ كيف نبرر استخدام الألقاب المحصل عليها في سن العشرين لتعريف الكفاءة عند الخمسين؟ إن صيغة “قدماء تلاميذ…” المستخدمة باستمرار، تكشف عن هذه الرذيلة الجماعية…

دعونا نأمل أن يُنظر إليها قريبًا على أنها علامة على صبيانية مجتمعنا.

نحو مدرسة للتفتح:

سيكون من الضروري إجراء المزيد من الإصلاحات كي يأخذ هذا المجتمع، في النهاية، على محمل الجد أهداف الاحترام، وتكافؤ الفرص، والعدالة التي يطالب بها دونما اقتناع. وقد يكون هذا المجتمع قادرا على توجيه هذه التغييرات بحكمة بدلا من تحمل تشنجات ثورة عنيفة، إذا ما تم الشروع في إصلاح النظام التربوي، وإصلاح ما يشكل النواة أي المؤسسات التي تتمتع بالمكانة المرموقة فيه.

وهذا ينسحب على كل أمة، ولربما أكثر على هذه المجموعة المتفاعلة الآن التي هي الإنسانية. إن التوترات المتزايدة بين من يملكون ومن لا يملكون، بين الشمال والجنوب، ربما لا يزال من الممكن حلها دونما حصول تدمير مأساوي؛ وهنا مرة أخرى، لا يمكن للأمل أن يتأسس إلا على تطوير التعليم.

من الواضح أن الأمر لا يتعلق بتوحيد محتوى البرامج أو طرق التدريس، ولكن توفير فرص متساوية لجميع الشباب للحصول على تكوين ينمي ذكاءاتهم. قليلة هي الدول التي تحقق ذلك لمواطنيها اليوم، وسيكون توسيع نطاق هذه المساواة لتشمل البشرية جمعاء مهمة صعبة. ولكن، لحسن الحظ، إن التقدم التقني يجعل ذلك ممكنًا اليوم.

إن مفهوم “التراث المشترك للإنسانية” الذي اقترحته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) منذ إنشائها، تبنته جميع الدول؛ إنها قادرة على تجميع مواردها عندما يتعلق الأمر بإنقاذ معبد بوروبودور (1) أو معبد أبو سمبل (2).

وبالمثل، يمكن اقتراح مفهوم “الهدف المشترك للإنسانية” الذي يوحد جميع الدول في دينامية جماعية. ولعل أول الأهداف المشتركة يجب أن يكون هو تعميم الوصول إلى التعليم. ألا يمكننا تخيل أن تكلفة أنظمة التعليم في جميع دول العالم يتم تمويلها من خلال صندوق مشترك يساهم فيه الجميع؟ سيتم استخدام الضرائب التي يدفعها مواطنو الدول الأكثر ثراءً لدفع رواتب معلمي ومعلمات أبناء الساكنة الأكثر فقرا.

لا يثير نظام العولمة الكثير من الحماس عندما يتنافس المصرفيون والتجار لتطوير قواعد المنافسة. وإذا سعى السياسيون والمربون إلى إيجاد الوسائل الكفيلة بتعليم كل البشر فن “التلاقي”، فمن شأن ذلك أن يبعث على أمل جماعي. المدينة الفاضلة؟ بالتأكيد. أكيد، أن القرن الحادي والعشرين لن يكمل هذه المهمة. لنأمل أن تحقق الألفية الثالثة ذلك.

الهوامش:

(1) معبد بوروبودور، معبد بوذي، يعود تاريخ بنائه إلى القرنين الثامن والتاسع للميلاد في فترة حكم سلالة سيلندرا. يعد من أعظم الآثار البوذية في العالم. وهو يقع في وادي كيدو، في القسم الجنوبي من جزيرة جاوة الوسطى في إندونيسيا.  شهد هذا المعبد عملية ترميم واسعة، بالاشتراك مع اليونسكو، من سنة 1975 إلى 1982. أدرج كموقع للتراث العالمي في عام 1991، وأصبح أكبر منطقة جذب سياحي في إندونيسيا.

(2) معبد أبو سمبل: هو موقع أثري يقع على الضفة الغربية لبحيرة ناصر، جنوب غرب أسوان. وهو أحد مواقع “آثار النوبة” المدرجة ضمن قائمة اليونسكو لمواقع التراث العالمي. في سنة 1960 توجهت  لحكومة المصرية بطلب إلى منظمة اليونسكو لمساعدتها على إنقاذ آثار منطقة النوبة التي يتهددها الغرق خلال إنشاء بحيرة ناصر. وبالفعل استجابت اليونسكو للنداء، وأقامت مؤتمرا دوليا، ووجهت طلبًا لدول العالم أن تساعد في ذلك المشروع الضخم. وتعد هذه العملية إحدى أهم نجاحات اليونسكو في إنقاذ التراث الإنساني.

الكاتب: ألبير جاكار (Albert Jacquard)، (23 دجنبر 1925/ 11 شتنبر 2013)، إخصائي في علم الوراثة، أستاذ ” الإنسانيات” في جامعة تيسين، (Tessin.)، من أعماله: ح

-” في مديح الاختلاف” 1978/ Éloge de la différence, Éditions du Seuil, 1978

-“الكل مختلفون، الكل متشابهون» 1991 / Tous différents, tous pareils, Éditions Nathan, 1991

 “-العلم والإيمان»، 1994/ Science et croyances, Éditions Écriture, mars 1994

-” ابتداع الإنسان” 1984/ Inventer l’homme, Éditions Complexe, 1984

-” الانفجار الديموغرافي” 1994/ L’Explosion démographique, Flammarion, collection « Dominos », 1994.

المرجع:

MEIRIEU P. coord., HAMELINE D. collab. L’école et les parents : la grande explication, Plon, 2001 (269- 279)

***************

ضد أيديولوجية الكفايات، يجب أن تعلم المدرسة التلاميذ التفكير

24 فبراير 2021 أخرىترجمةحواراتمتابعات 0

حوار متقاطع مع فيليب ميريو (Philippe Meirieu)، المربي والباحث، ومارسيل غوشيه (Marcel Gauchet)، المؤرخ والفيلسوف. ترجمة: يوسف سليم بقلم نيكولاس ترونج (Nicolas Truong). نشر الحوار يوم 02 أيلول (سبتمبر)2011. “في الماضي، كانت الأسرة “تصنع الأطفال”، أما اليوم فالطفل هو الذي يصنع الأسرة. فبقدومه إلى الحياة من أجل إشباع رغبتنا كآباء

جاك طاسين: الحجر الصحي أو أفول حاسة اللمس

13 أبريل 2020 ترجمةعامةمفاهيم 0

ترجمة سليم يوسف الكائن البشري كائن لمسي بامتياز، فلمس العالم حاجة ومصدر سعادة له. لكن يلزمنا، وبأسرع وقت ممكن، أن نعيد تعلم العيش وفق أهواء أجسادنا. لم تخلق الأزمة الصحية الحالية شكلا من أشكال التذرية الجسدانية التي لا سابق لها فقط، ولكن خلقت أيضا شكلا من أشكال الحذر حيال كل …

جان جيونو: ثلاث قصص

‏3 أسابيع مضت ترجمةكتبنصوص 0

يوسف سليم (1) اليد كان الصباح. عندما غادرت البلدة، كان الفجر، بالكاد، مثل قطرة ماء. وكانت تسمع همهمات كل الينابيع. استقبلت أولى أشعة الشمس وأنا أصعد منتصف التلة. وها أنا أجلس على المنحدر، الآن، ويتناهى إلى سمعي وقع خطوات تنزل على الطريق. من يكون هذا المبكر قبلي؟ كانت الخطى النازلة

شاهد أيضاً

ترجمة الفلسفة…هل تسيء إلى لغتنا؟

فتحي المسكيني فتحي المسكيني ليس ما يمنعنا من ملاقاة أنفسنا مثل أن نترجم بها ما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *