الرئيسية / صدر حديثا / يصدر قريباً كتاب “الثقة والأخلاق والعقل البشري”

يصدر قريباً كتاب “الثقة والأخلاق والعقل البشري”

كتاب “الثقة والأخلاق والعقل البشري” للمؤلف أولي لاغرسبيتز عن دار ابن النديم والروافد الثقافية وهذه نبذة يسيرة عن موضوع الثقة بشكل عام مستقلة عن كلمة الغلاف:شغلت الثقة في أول الأمر ذهن علماء الاجتماع منذ القدم إلا أنها لم تحظَ بأهميتها الفلسفية إلا بعد المقال المؤثر” Trust and Antitrust” لأنيت باير الذي صدر عام 1986. ففي هذا المقال نجحت باير في إضفاء أهمية فلسفية على موضوع الثقة من خلال جملة من الأفكار حول الثقة أبرزها إضفاء طابع أخلاقي على الثقة عبر تمييزها عن الاعتماد وربطها بالخذلان والخيانة واللوم وربط الاعتماد بالإحباط أو الفشل. فعرّفت الثقة على أنها قابلية الطعن المقبولة فينا بوصفنا واثقين أمام الآخرين الذين نثق بهم ومن ثم عوّلت على ما تسميه بالطابع بعد الوفاتي للثقة – بمعنى أنها لا تبرز للعيان إلا عندما نشعر بالخذلان أو الخيانة. وكانت تعارض في مذهبها هذا النظريات السائدة حول الثقة التي تنظر للثقة من خلال نظريات الألعاب أو من خلال المنظور الهوبزي – التعاقدي – حيث تكون الثقة عملية عقلانية أشبه بالمخاطرة أو الرهان. وكانت باير ترى أنّ معنى الثقة لا يقتصر على هذه الصورة، إذ الثقة التي بين الأزواج وأفراد الأسرة والأصدقاء تتعدى صورة الرهان أو المخاطرة. تتابع النقاش حول الثقة منذ نهاية الثمانينات وخلال التسعينات، فاهتم بأفكارها مؤلفنا أُوْلي لاغرسبيتز وأستاذه لارس هيرتبيرغ حيث انتقدا أفكارها واتساقها معها وصقلا بعضاً منها معتمدين على مخرجات فيتغنشتاينية ومنذ ذلك الحين والتفاعل مع مقالتها مستمر فنجد كارن جونز توظِّف فهم باير للثقة لكن مع إضفاء صفة الموقف العاطفي عليها ونجد راسل هاردين – فيلسوف ومنظر سياسي له إسهامات مهمة حول الثقة- يوظّف مفهوم المصالح المغلّفة في فهم الثقة. ونجد آخرين يعاملون الثقة بوصفها ظاهرة نفسية أو سلوك أو موقف افتراضي أو اعتقاد وغير ذلك من الاستدراكات والردود. من هنا تبرز أهمية عمل مؤلفنا لاغرسبيتز المعنون بـ الثقة والأخلاق والعقل البشري، ففيه يتناول كل هذه الرؤى الحديثة ويرد عليها موظِّفاً أفكاراً فيتغنشتاينية ومعتمداً أيضاً على أستاذه هيتزبيرغ وبيتر وينش. يُعد توظيف الفهم الفيتغنشتايني في موضوع الثقة من الأهمية بمكان، ذلك أنه الفيلسوف الأقرب إلى لغة الرجل العادي والاستعمال اليومي البعيد عن التنظير الفلسفي الذي عادةً ما يتخلل الكثير من النزعات الفلسفية التي هي نفسها محل أخذ ورد، فمع أفكار هؤلاء الفلاسفة حول الثقة دائما ما قد تجد في نفسك أنّ الأمر المعتاد أو اليومي ليس على نحو ما يصفون، لكن مع فيتغنشتاين تجد العكس تماماً، إذ غالب الحلول القائمة على أفكار فيتغنشتاين حول الثقة على وجه الخصوص تجدها أكثر قرباً أو تماهياً مع اليومي. في هذا الكتاب، يرى لاغرسبيتز أنّ الثقة ميزة بشرية متممة للميزة العقلية ومرتبطة بالأخلاق بشكل عام. فنجده يستدرك على باير عدم اتساقها في تعاملها مع الثقة على النحو الذي قدمته. ويستفصل في معنى الثقة أمام العقل الهوبزي من خلال معضلة السجينين وناقداً نظريات الألعاب ومفاهيم المخاطرة والرهان في الثقة. ومن ثم يتناول مفهوم الائتمان وعلاقته بالثقة ويتناول أيضاً مفاهيم الصادقيّة والتواصل وعلاقتهما بالثقة. وفي علاقة الثقة والصادقية بالتواصل هناك حديث ماتع ومهم من جهة علاقته بتفسير ريتشارد دوكنز وكربس للسلوك الحيواني واستدراكه عليهما. كذلك يتناول الثقة من خلال البعد الزمني من حيثية نبذ اللازمنية المنهجية في التعامل مع الثقة وتسليط الضوء على تزمّن الثقة وعدم انفكاكها عن السياق. لا يتوقف الأمر إلى هذا الحد، بل يستحضر لاغرسبيتز تأصيلات بعض من أبرز الفلاسفة الذين اهتموا بالثقة أمثال لوغستروب وويل وبيتر وينش. كما ويتناول أيضاً علاقة الثقة بالشهادة، ويعالج كذلك موضوع الثقة الأساسية.كانت هذه نبذة يسيرة عن هذا الكتاب المهم المتسم بسلاسة الأسلوب ووضوح العبارة والشمولية للموضوع مما سيجعلنا نحيل عليه كثيراً في المستقبل كمدخل محايد لفهم الثقة ولفهم الأفكار المتقدمة والمعقدة حول الثقة- هذا الكتاب بمثابة الغيث الذي يروي جفاف هذا الحقل ويهوّن من صعوبته ويوجّه المهتم على النحو الصحيح فيزيد من وعيه بمآلات الأفكار المطروحة حول الثقة. وقد زودتُ الكتاب بمقدمة مترجِم دسمة حرصتُ فيها قدر الإمكان على أن تكون بمستوى أهمية الكتاب والموضوع بشكل أعم.وبالنسبة إلي، لم يُحسم موضوع الثقة بعد، والعمل جارٍ على ترجمة كتاب نخبوي آخر حول الثقة أرجو من الله أن يرى النور في هذه السنة. تجدون في التعليقات

شاهد أيضاً

كتاب كوة 5: فريديريك نيتشه: انفصلوا عني واحرسوا أنفسكم من زرادشت

كتب كوة الرقمية – الكتاب 5 أبريل 2021 صدر بمناسبة الميلاد الخامس لمشروع كوة الكتاب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *