الرئيسية / منشورات / جرائد / مطلبُ التَّنوير: ضرورةٌ تاريخية وحضارية أم “حصانُ طروادة”؟

مطلبُ التَّنوير: ضرورةٌ تاريخية وحضارية أم “حصانُ طروادة”؟

أحمد دلباني

أحمد دلباني

كاتب

لا يُمكن الحديثُ عن التنوير، في اعتقادي، هكذا في المطلق وبمعزل عن استحضار “عصر الأنوار” الأوروبي وملابسات نشأة تلك الحركة الفلسفية والعلمية والأدبية والنقدية العظيمة في البلاد الأوروبية طيلة القرن الثامن عشر. فلقد مثل “عصر الأنوار”، بكل تأكيد، لحظة ميلاد الغرب الحديث، كما مثل خلفية مرجعية للفكر الأوروبي برمَّته. وحتى إن كان بعضُ مُؤرّخي الفكر ينفون، تقريبا، كل أصالة عن فلاسفة ومفكري ذلك القرن على اعتبار أنهم كانوا مناضلين لم يخرجوا كثيراً عن علم نيوتن وتجريبية لوك وأفكار القرن السابع عشر العقلانية والسياسية، إلا أنَّ ذلك لا ينفي خصوصية التنوير الأوروبي الذي استطاع أن يجعل للنقاشات الفكرية امتداداً في المجتمع من خلال التأكيد على النضال الثقافي لإشاعة المعرفة العلمية ونبذ الخرافة (كما نجد لدى أصحاب مشروع “الموسوعة” الذي أشرف عليه ديدرو ودالامبير)، والدعوة إلى تأسيس شرعية السلطة السياسية على التعاقد الاجتماعي لا ادعاءات التفويض الإلهي (وهو ما بلغ ذروته مع الثورة الفرنسية التي أطاحت بالملكيَّة وأعلنت قيام الجمهورية سنة 1789)، أو من خلال التبشير بفضائل التسامح ونبذ التعصب والانغلاق الديني كما نجد عند فولتير الذي يمكن اعتباره أول مثقفٍ بالمعنى الحديث يتدخل في الشأن العام باسم ضرورة الدفاع عن الحقيقة والعدالة والحرية.

ربما أمكننا، انطلاقا من ذلك، أن نعتبرَ التنويرَ الأوروبيَّ مشروعا متكاملا قطع، بصورةٍ شبه جذرية، مع الماضي على كل الأصعدة وقذف بالإنسانية الغربية في أتون مغامرة الحداثة التي دشنت عهداً جديداً احتل فيه الإنسانُ مركز دائرة القيم وحل فيه الإيمانُ بالتقدم محل الخلاص الديني. كما لا يمكننا، بالطبع، أن نتجاهل الطبيعة الإشكالية لمشروع ثوريّ مماثل ظل، منذ بداياته، عرضة للانتقاد من قِبل ممثلي تيارات فكرية ونقدية مختلفة رأى فيه بعضُها ينبوعا أول للعدمية من خلال تنصيب الإنسان مرجعا للقيم بعد زحزحة التعالي عن المركز؛ كما رأى فيه بعضها الآخر مهداً للشمولية السياسية القائمة على تمجيد العقل الذي تحول إلى أداة إخضاع ومراقبة وتحكم في المصائر الإنسانية كما نجد عند بعض ممثلي مدرسة فرانكفورت أو حتى عند ميشال فوكو وهو يقدم تحليله الذائع لطبيعة المجتمع الحديث القائم على آليات المراقبة والعقاب المتوارية خلف واجهة الحريات البراقة. وربما لم يتورع البعضُ أيضا حتى عن تحميل فكر “عصر الأنوار” جريرة تبرير الاستعمار الحديث وفظاعاته كما نعلم.

ولكن هل يمكن فعلا اعتبارُ “الأنوار” بمثابة “صندوق باندورا” الذي خرجت منه كل مثالب العصور الحديثة كالاستعمار وجرائم الإبادة المختلفة وصنوف الاستغلال وأشكال العنصرية المعروفة؟ هذا هو السؤال المركزيُّ الأساسيّ الذي أراد الكشفَ عن طبيعة العلاقة بين خطاب “الأنوار” والممارسة الحضارية الأمبراطورية لأوروبا الحديثة.

ولعلنا لا نختلفُ حول وجود إجابتين لهذا السؤال. فمن جهةٍ أولى من الواضح أنَّ التوجهات الفكرية النقدية التي تناولت مشروعَ الحداثة بالنقد مالت إلى اعتبار عقل التنوير مسؤولا عن تاريخ العسف والنبذ والعنصرية والانغلاق أمام تعدُد العالم. فلم يكن بإمكان عقل الحداثة الكلاسيكيِّ الظافر أن يفتحَ أفقا للتفكير في الغيرية والآخرية خارج أسواره العتيقة المتصلبة أو مُسبَّقاته العرقية واللاهوتية، كما لم يكن بمقدوره أن يزدهرَ إنسانيا بمعزل عن نرجسيَّته التي ظلت ترفدُ مغامراتِه وحماقاته. ومن زاوية نظر أخرى مغايرة نلاحظ أنَّ بعض الاتجاهات الإنسانوية الحالية في التفكير حاولت جاهدةً أن تقدّمَ شهادةَ تبرئةٍ تاريخية لمشروع “الأنوار” من مجمل الانحرافات التاريخية التي طبعت تجربة أوروبا في علاقتها بالآخر كما نجدُ، مثلا، عند المفكر البارز تزفيتان تودوروف في كتابه “روح الأنوار”. إنَّ هذا الإنسانويَّ الكبير لم يستطع أن يرى أنَّ هناك شيئا يربط – في العمق – بين مشروع الأنوار التحريري والمغامرة الأمبريالية الاستعمارية لأوروبا. “الأنوار” كانت تبشيراً بالحقوق الكونية المتساوية وتدشينا لاستقلال العقل عن وصاية الماضي والمؤسَّسة الدينية ولم تكن، بحال، دعوة إلى العنصرية والتمييز والاستغلال. “الأنوار” الحقيقية – باعتبارها فكراً ومشروعا تحريريا عظيما – لا علاقة لها أيضا بالنزوع القوميِّ الباحث عن الأمجاد التي تُشرَبُ أنخابُها على الجماجم. “الأنوار” الحقيقية هي فولتير لا الماريشال بيجو الذي ذبح آلاف الجزائريين. هذه خلاصة ما ذهب إليه تودوروف في مُؤلفه المذكور. ولعلنا لا نختلفُ معه حول الطبيعة الاستثنائية لمشروع “الأنوار” الذي حبلت به أوروبا في القرن الثامن عشر باعتباره الخلفية المرجعية لكل فكر إنسانويّ يرومُ تقويمَ انحرافات “إرادة القوة” الهوجاء والبراغماتية السياسية التي طبعت علاقة الغرب بالآخر تاريخيا. نقول هذا وإن كنا، بطبيعة الحال، لا نستطيعُ أبدًا أن نفك الارتباط مثله بين المنشأ التاريخي الأوروبي لهذا المشروع وشعور القارة العجوز الطاغي بمركزتيها وأحقيتها المزعومة في أن تفيضَ بهذه “الأنوار” على باقي سكان الأرض بالأساليب المعروفة لدى الفاتحين في كل العصور. “فالبربرية ليست مُجرَّد عنصر يرافقُ الحضارة، وإنما هي جزءٌ لا يتجزأ منها” كما كتب المفكر إدغار موران في بعض تأملاته مُستعيدًا بأسفٍ وذهول – ضمن ما استعاده من أفعال البربرية الكولونيالية – مجازر الثامن أيار /ماي في مدينة سطيف الجزائرية عشية انتهاء الحرب العالمية الثانية.

إنَّ الحديثَ عن التنوير في عالمنا العربي – الإسلامي لا يخلو من الطابع السجالي النضالي ومن أشكال الحماسة أو الاعتراض غير المُؤسَّسة. وربما كان من الصحيح أن نتفقَ، أولا، على كون “الأنوار” أوروبية المنشأ وهذا ما يجعل منها إنجازاً نسبيا يلتبسُ بالتاريخ الأوروربيّ في فترة من مراحل تطوره. التاريخ ليس مسرحا للمطلق بكل تأكيد. لقد كانت “الأنوار” إجابة عن بعض تحديات المجتمعات الأوروبية في فترةٍ تاريخية محددة أعلنت فيها التناقضات بين الواقع والممكن عن نفسها بصورةٍ مشهدية. كما مثلت إيديولوجية الطبقة البورجوازية الثورية الناهضة ضدَّ الطبقات الآفلة والعالم القديم إجمالا. ولكنَّ هذا الأمرَ يجب ألا يكون ذريعة، بكل تأكيد، لتسفيه التنوير أو لاعتباره مشروعا غير ملزم لنا على اعتبار أنه يتضاربُ مع خصوصيتنا الثقافية والتاريخية والدينية.

لقد قام مشروع “الأنوار ” باسم الإنسانية والكونية وضرورة “خروج الإنسان من الوصاية” التي مارستها المؤسَّسات التقليدية نحو النضج والانعتاق من سلطة الماضي كما نستطيعُ أن نقرأ ذلك في إجابة الفيلسوف كانط الشهيرة عن سؤال “ما هي الأنوار؟” سنة 1784. فإن كان نقدُ “الأنوار” ووعودها وانتكاساتها – منذ قرنين تقريبا – شيئا مشروعا بكل تأكيد، فإنه لا يُبرّرُ معاداة العقلانية والحرية ومحاولات تأسيس الحياة على قيم الانعتاق من مجتمعات الوصاية على الفكر والجسد والروح. التنويرُ ليس ارتماءً في أحضان الأمبريالية الغربية والتبعية العمياء بالضرورة، وإنما هو احتضانٌ لمغامرة البشر في أنسنة الحياة، وإسهامٌ في تخليص الأفراد من التدجين وعتقٌ لجذوة الأصالة الذاتية المطمورة تحت رماد القرون.

لعل المرحلة الراهنة التي يطغى عليها الانكماشُ الهوياتي والاعتصامُ بحبل الخصوصية الثقافية في ظل عولمةٍ ليبرالية لم تحقق نهاية سعيدة للتاريخ، جعلتنا نُشيحُ بوجوهنا قليلا عن القيم التي بشرت بها “الأنوار”. فشحوبُ النضال من أجل التنوير عندنا اليوم خلف شحوبَ وتراجعَ مشاريعنا القومية والاشتراكية والثورية لصالح اليأس العام الذي مثله الانتكاسُ واضمحلال الوعود المختلفة قبل عشريات. فالتنوير الذي ينهل عموما من تراث الليبرالية والقيم الكونية التي بشَّرت بها يجابه اعتراضا من قِبل سدنة الهوية الذين يرفعون لافتة الحذر من الاستعمار في طبعته الثقافية الجديدة. لم نعُد نعتقدُ بقيم الكونية والإنسانية والتحرر والتقدم، وأصبحنا نرى فيها ذريعة للقولبة والاختراق، أو “حصان طروادة” يُبرّرُ التدخل في شؤوننا الداخلية واستغلالنا وتفكيكنا. ولعل البعضَ منا أصبح يلجأ إلى آخر فتوحات الفكر النقدي التفكيكي الما بعد حداثي ليكشفَ عن المستور في خطاب الكونية الذي يُخفي إرادة محو الآخر من خلال تأسيس مركزية جديدة تحت قناع النزوع الإنساني المُشترك. نحن نتفهم هذا جيدا، ولكنَّنا نعتقدُ كذلك أنَّ الهوية ليست ركونا إلى الماضي والمؤسَّسات القائمة اجتماعيا وسياسيا وإنما هي إبداعٌ أيضا وتثاقفٌ مع الآخر وانخراط في التاريخ وجدل لا ينتهي مع العالم. الهوية ليست مُعطى يعلو على التاريخ وإنما هي وعدٌ بالتحقق. إنَّ رفضنا لكل نزوع يرومُ الهيمنة والتمركز يدفع بنا أيضا إلى رفض الانغلاق على الذات الموروثة باسم الدفاع عن الخصوصية خدمة لكل ما يكبحُ المجتمع أو يُعيقُ ازدهاره ويؤجل انبثاقَ “الكوجيتو” الذي طال انتظاره في حياتنا. وفي كلمةٍ: يجبُ ألا تتحول مقاربة تجربة “الأنوار” نقديا إلى ذريعةٍ للدفاع عن الذات التاريخية المتهالكة أمام رهانات التحديث وتحدياته. إذ إنَّ بعض صور النقد اليوم – وتحت يافطة ما بعد الحداثة والتفكيك – أصبحت تجرّدُ هذا النقد من فعاليته السياسية الطليعية، وتجعله أداة تبرير للوضع البائس القائم باسم ضرورة الدفاع عن الخصوصية الثقافية والحضارية في عالم تلاشت فيه المركزيات والمرجعيات المطلقة.

في كل خصوصية ثقافية جانبٌ من المُشترك الإنساني العام كما لاحظ الأستاذ الجابري: هذه قاعدة مثلى في التعامل مع الموروث الثقافي والفكري الإنسانيّ. وأعتقدُ شخصيا أنَّ الموقفَ المشكك في ضرورة حضور التنوير في حياتنا لا يزال ينطلقُ من المفهوم الذي يرى فيه تجربة تاريخية غربية أوروبية غير مُلزمة ولا يتمتع، بالتالي، بطابع الكونية المزعوم. وربما وجدنا أنفسنا لا نختلف مع هذا لاعتقادنا بالطابع النسبيّ لكل تجربة بشرية في التاريخ. ولكنَّ التنوير ليس تاريخا فحسب وإنما هو أيضا كل حركة وتطلع إنسانيّ مشروع إلى مجتمع حر وديناميكي تتجذر فيه قيمُ العقلانية والتسامح واحترام حقوق الأفراد والجماعات. إنَّ الموقف الرافض للتنوير عندنا لا يتمتعُ بوجاهة النقد المعرفي والسياسيّ الذي نجده في الضفة الأخرى من المتوسط، وإنما ينهل من المخاوف المُعبَّر عنها من قِبل القوى المحافظة وثقافتها الألفية والمؤسَّسات التقليدية التي لا تزال تبسط هيمنتها على الفضاء السوسيو – سياسي. لا يمكن، بالتالي، لرفض التنوير أن يأتي إلا من جهة من يدافع بنوع من اليأس المُضمَر عن الوصاية في أشكالها الدينية العتيقة. إنَّ هناك استنجاداً بطوق نجاةٍ مخروم أمام تحديات التاريخ الذي لا يرحم والذي نعتقدُ، انطلاقا من موقفٍ فلسفيّ إنسانوي، أنه يتجه صوب تجذير سيادة الأنتروبوس على مصيره بعيداً عن وصاية الماضي.

—————

شاهد أيضاً

أفاية ينعي الفيلسوف محمد سبيلا

محمد نورالدين أفاية محمد نورالدين أفاية بوفاة محمد سبيلا فَقَدَ المغرب أحد المثقفين البارزين والأساتذة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *