الرئيسية / منتخبات / عامة / جيل دولوز: لا أحب السفر

جيل دولوز: لا أحب السفر

 لا أحب السفر بسبب شروطه لمثقفٍ بائسٍ يسافر. وربما لو كنت قد سافرتُ بصورةٍ مختلفة، لعشقت السفر، لكن المثقفين، ماذا يعني لهم أن يسافروا؟ يعني الذهاب إلى محاضرات، عند الطرف الآخر للعالم لو اقتضى الأمر، ومع كل ذلك، يتضمن هذا ما قبل وما بعد، التحدث قبلها مع أناسٍ ويرحبون بك بلطفٍ بالغ، والتحدث بعدها مع أناسٍ استمعوا إليك بأدب بالغ. التحدث، التحدث، التحدث. ومن هنا، فسفر المثقف هو نقيض السفر. أن يذهب إلى نهاية العالم ليتحدث، الأمر الذي يمكن أن يفعله جيدا جدا في وطنه، وأن أرى الناس قبلها للحديث، وأرى الناس بعدها للحديث، هذه رحلة شيطانية. وبعد أن قلت هذا، حقيقي أنني لا أشعر بميل للسفر،

لكنه ليس نوعا من المبدأ بالنسبة لي، ولا أتظاهر حتى بأنني على صواب، الحمد للهّ. حسنا، ومن ثم أسأل نفسي، ماذا ينتظرنُي، ماذا ينتظرني في السفر؟ أولا، هناك دائما قليلٌ من القطيعة الزائفة.

أقول أن هذا هو الجانب الأول منه: ما الذي يجعل السفر مُنفِّرا تماما بالنسبة لي! السبب الأول هو: أنه قطيعةٌ رخيصة، وأفهم ما عبّر عنه فيتزجيرالد: الرحلة ليست كافية لخلق قطيعةٍ حقيقية. إذا

أردت القطيعة، فافعل إذن شيئا بخلاف السفر لأنك في النهاية، ماذا ترى؟ من يسافرون يميلون إلى السفر كثيرا، وبعدها، يفخرون بذلك. يقولون أن ذلك من أجل العثور على أب. هناك مراسلون عظام كتبوا كتبا عن هذا، فعلوا كل شيء، فيتنام، أفغانستان، إينما شئت، ويقولون بفظاظة أنهم كانوا جميعا يبحثون عن أب. ما كان حجب أن يتكلفوا العناء … يمكن للسفر حقا أن يكون أوديبيا بهذا المعنى. حسنا، أوكى … أقول لا، هذا لن يفيد! السبب الثاني: يبدو أن …تُحركّ مشاعري بقوة عبار ةٌ جديرة بالإعجاب، كالعادة، من بيكيت الذي جعل أحدى شخصياته ]كامييه[  لقول، لقريبا  أنا أكتب س بصورة سيئة، والأمر مُعبَّرٌ عنه بصورةٍ أفضل:  بالتأكيد، جميعنا مغفّلون، لكن ليس، ليس إلى حد السفر من أجل المتعة، لا، لسنا مغفلين إلى هذا الحد!

وهناك جانبٌ ثالث للسفر. لقد قلتِ “بدوي” … حسنا، نعم، لقد انبهرت دوما بالبدو، لكن بالضبط لأن البدو أناسٌ لا يسافرون. من يسافرون هم مهاجرون، ويمكن بالتأكيد أن يوجد أناس محترمون تماما مجبرَون على السفر، المنفيون، والمهاجرون. هذا نوعٌ من الرحلة لا حجب حتى

السخرية منه لأن هذه أشكالٌ مقدسةٌ من السفر، السفر القسري. أوكى، حسنا … لكن البدو لا يسافرون. البدو، على العكس، وحرفيا، يظلوّن ثابتين تماما، كل الخبراء في البدو يقولون هذا. لأن البدو لا يريدون الرحيل، لأنهم يتمسكون بالأرض، أرضهم. تصبح أرضهم مهجورة ويتمسّكون بها، لا يمكنهم ممارسة البداوة إلا على أرضهم، وبقوة الرغبة في البقاء على أرضهم يمارسون البداوة.

ومن هنا، بمعنى من المعاني، يمكن الق ل أن لا شيء أشدَّ سكونا من البدوي، لا شيء يرتحل أقل من البدوي. لأنهم لا يريدون أن يغادروا فإنهم بدوٌ. ولذا فهم مٌضطهَدون تماما. وأخيرا، الجانب الأخير من السفر الذي لا يجعله شديدا … هناك عبار ةٌ جميلة جدا من پروست تقول: في نهاية

المطاف، ماذا يفعل المرء دائما حين يسافر؟ دائما ما يتحقق المرء من شيء. يتحقق المرء من أن لونا بعينه حلمُ به موجودٌ حقا. ثم يضيف شيئا بالغ الأهمية. يقول: الحالم السيء هو من لا يذهب لرؤية ما إذا كان اللونُ الذي حلمُ به موجودا، لكن الحالم الجيد يعرف أن عليه الذهاب للتحقق إذا ما كان اللون هناك حقا. أعتبر هذا تصورا جيدا للسفر، لكن بخلاف ذلك …

الألف باء، ترجمة أحمد حسّن، ص 166-167.

شاهد أيضاً

شذرات فلسفية حول مشكلة القيم

بقلم: يونس فارس شكل موضوع القيم ولا يزال مجالا خصبا للدراسات الفلسفية التي تقوم على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *