الرئيسية / ترجمة / فيليب ميريو: يا أساتذة العالم، اتحدوا…

فيليب ميريو: يا أساتذة العالم، اتحدوا…

خالد جبور

ترجمة: خالد جبور

        هناك بورصة شيكاغو لتجارة الحبوب، ومؤشر نازداك NASDAQ  بالنسبة للصّناعات الرقمية. في ما يتعلّق بالعمليات المالية في باريس، هناك CAC 40أما لمنظوماتنا التعليمية فالكل يعلم أن دراسات بـــيــزا  PISA (1) هي بمثابة المنظمة العابرة للقارات، والتي تفعل ما تفعله المنظمات السالفة الذكر في باقي القطاعات.

 منذ سنة 2000، يقوم هذا البرنامج الدولي، الذي يُعنـى بمتابعة مكتسبات المتعلّمين/ت، بتقييم مستوى التلاميذ في سن الخامسة عشرة، من حيث تمكّنهم من ضوابط الكتابة، وقدراتهم في مجال الرياضيات، ومستوى معارفهم العلمية. وفي هذا الصدد، يقارن البرنامج نتائج دراساته بين دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OCDE والعديد من الدول في مختلف بقاع العالم. إن نشر هذا التقرير السنوي يُسيل لعاب كل المتخصّصين في الحقل التعليمـي، وتتبعه تعاليق لا متناهية في ضجة إعلامية ضخمة

        لكن، ومع تعاقب السنين، أصبحت تأويلات هذا التقرير تكتسي طابعا حذرا أكثر فأكثر. لم يعد القائمون على هذا التقرير يلوّحون بالتقسيم حسب الدول؛ وهم على حق في ذلك إذ أن عدد هذه الأخيرة يعرف ارتفاعا كبيرا بعد كل تحقيق. وفي بلدنا، لم نعد نَهُبّ لربط نتائج التقرير مع الإصلاحات التي تم تنزيلها في عهد وزراء التعليم السالِفينعلما أن التلاميذ في سن 14 عاشوا أكثر من إصلاح طيلة الاثنتـي عشرة سنة الماضية.

إننا نتحاشى المنظومات التعليمية التـي تسجل أفضل النتائج، لكي لا نجعلها نماذج يُقتَدى بهاونقول أننا على حق، لأن أغلب هذه النماذج بعيدة كل البعد على أن تصبح نماذج موحدة، وأنّه، وبالرغم من كون أغلبها في آسيا، نجد أيضا نتائج ممتازة في دول مختلفة، كليتوانيا، كندا أو أستراليا.

        لا نتحمس كثيرا للطرق البيداغوجية التـي يُقال أنها تحقق نتائجمعجزة“… ونقول أننا مُحقّون بالرغم من أن نموذجي فلندا وكوريا الجنوبية يُبيّن بالملموس نقيض ذلك: النموذج الأول ينبني على تشجيع التدرّب المكثّف الذي تُحفّزه سلسلة طويلة من الامتحانات والمباريات، مع انتقاء جذري ابتداء من نهاية السلك الابتدائي، دون أن ننسى الضغط المُسلّط على الآباء والأولياء لمضاعفة زمن تعلّم أبنائهم عبر ساعات طويلة من الدروس الإضافية المؤدّى عنها؛ أما النموذج الثاني، فيُحذَف فيه كل انتقاء، وكل تقويم منقّط، إلى حدود السنة الخامسة عشرة. في هذا النموذج، يتم نبذُ المنافسة، لحساب التعاون والشراكة الممنهجين، حيث يتم استقبال كل التلاميذ في نفس المدرسة الأساسية، طيلة فترة تمدرسهم الإجباري، نفس المدرسة التي تقترح، كل ظهيرة، أنشطة يدوية، فنية أو رياضية لفائدة كافة التلاميذ.

        يجب أن نعترف بأننا لا يمكن أن نخلُص إلى نتائج ثابتة، نتائج دوغمائية، انطلاقا من الدراسات والأبحاث التي تقوم بها PISA. تمحيص هذه الدراسات يُبطِلُ الطرح القائل بتدبير المؤسسات التعليمية انطلاقا من النتائج: هل يريدون أن يحصلوا على نفس النتائج، بتقليد فلندا أو كوريا الجنوبية ؟  في الواقع، وبما أنه من المستحيل نقل تجربة من هذه التجارب وتنزيلها في مجتمعنا، إذ أن الخصوصيات المجتمعية والتاريخية تنزل بثقلها على قطاع التعليم، فإن أي مقارنة دولية لا يمكن أن تُغنينا عن التفكير في مشروعنا التربوي الخاص: أي أطفال نريد تكوينهم لأي مجتمع، لأي عالم؟ وأي طُرق بيداغوجية سنستعمل لتحقيق ذلك؟ 

        وفي أقل تقدير، يمكن القول أن تقارير PISA تُطلِعُنا على وضعيتنا وعلى تطورها، بعد تسليم كل تقرير جديد: نعلم إذن أننا بلد من أكبر البلدان من حيث الهوة بين التلاميذ المتفوقين ونظرائهم الأقل نتائج (ما يقارب أربع سنين بين الفئتين). بالإضافة إلى أننا فـي بلد حيث الأصول الاجتماعية تُعتبَر من أهم محدّدات النجاح من عَدمِه، وواحد من البلدان التـي يتم فيها تخصيص أكبر حصة من الزمن المدرسـي لضبط الأقسام التـي أصبح أبرز هاجس فيها هو ما يتعلق بالانضباط والسلوك، على حساب التربية والتعليم. نرى أيضا أن هذه المشاكـل المتراكمة، وهذه الوضعية المتفاقمة، لم تجد بعد حلولا ناجعة فعّالة…  وهنا سبب آخر للالتزام وحشد الجهود دفاعا عن هذا القطاع!

        لكن، والحق يُقال، مخطئ كـل من يحصر  هذا الالتزام فـي التنزيل الممنهج لتقارير PISA وتوصياتها على كل المستويات الدراسية: إن الهوس بالمِحرار لا يؤدي إلى انخفاض الحرارة ! بل وأكثر من ذلك، قد يدفعنا إلى إغفال أعراض مرضية أخرى متعددة، أشد خطورة، أعراض إذا ما نالت ما تستحق من اهتمام، ستجعل حبل النجاة في متناولنا، إذ ستقودنا إلى فهم الوضعية في شموليتها وإيجاد الحلول المناسبة لإشكالاتها المعقّدة

        هذا هو الخطر الأساسي للتقويمات المرتكزة على الكَم: تختزل المشروع التربوي في ما يمكن حِسابُه وقياسه ومقارنته، وبالتالي ما يمكن تداوله في البورصة الدولية للتربية، حيث العملة السائدة هي تقارير PISA؛ إنها تقود اختزالا رهيبا للتربية في كل ما هو قابل للحساب والمقارنة، سواء في ما يتعلّق بالسياسات التعليمية، أو في ما يخصّ موقع العائلات في علاقتها بالمنظومة التربوية وتعامل الآباء والأولياء مع تعلّمات أبنائهم، مواقع وتعامل يُمليها في أغلب الأحيان ترتيب المؤسسات؛ بل وحتى في ما يتعلق بالممارسات الصفية حيث تطغى، أكثر فأكثر، ما أدانه وشجبه الأساتذة بالولايات المتحدة،طيلة سنوات، أي ما يسمى ب التدريس من أجل التقويم” (2)

الهدف من التقييم: المقارنة أم التطوير؟

      منذ سنة 1848 لاحظ ماركس و إنجلز أن المصانع، تحت السيطرة المطلقة لهاجس رفع الأرباح، تحولت إلى آلة ضخمة تفرض على العمال الرضوخ التام والقيام بأعمال متكررة محكومة فقط وِفق معايير قابلة للمقارنة: لقد فضح ماركس وإنجلز، و شجبا عالما لا إنسانيا، العلاقات بين البشر  فيه خاضعة للمتطلبات القاسية للعدد (الكم)، عالم حيث البورجوازية أغرقت كل أشكال الإنسانية في المياه المتجمّدة لأنانية الحساب“.

أما الشاعر بول كلوديل، برفضه حبس كتاباته داخل أي شكل من الأشكال النمطية القابلة للمقارنة، ومطالبته بشِعر يسمح بالتعبير عن موسيقى الكلام، فقط بواسطة اللعب بالإيقاعات والأوزان، كتب سنة 1942: ” يجب أن يكون في القصيدة رقم يجعل كل حساب غير ممكنا “.

كان هذا قبل ظهور PISA، أي قبل هيمنة التقويمات الكمّية، واستئساد هاجس النتائج. كان هذا قبل الخلط بين الرقم والقيمة. يقول عالم النفس جون أوري: ” ما ثمن تلميذ قادر على كتابة قصيدة، يلعب بالأرقام على سجيّته، ولا يخاف من أخذ الكلمة أمام أنظار زملائه، يكتشف معنـى خريطة جغرافية معيّنة، وينبهر أمام لوحة فنية؟ بكم ؟ ذلك التلميذ المهذّب الذي يبتسم ويقول صباح الخيرعند وصوله، صباحا، إلى المدرسة؟

هل يجب الطعن في كل تقييم للعملية التربوية؟

 سيكون الخطر كبيرا، إذا ما احتمينا خلف التسويف والتعليق، وحتى إذا ما طالبنا بعدم تحميل المسؤولية للمجتمع. لا شك أنّ العلاقة البيداغوجية هي دائما علاقة فريدة، وأن انعكاساتها لا تظهر في الأمد القريب، لكن، وبالرغم من ذلك، لا يمكن أن تكون قضية خاصة: إن الأستاذ يشتغل ضمن نظام، تدفع له الدولة راتبا بفضل أموال دافعـي الضرائب. أكيد أن تربية فرد لا يمكن أن تنحدر إلى مستوى صناعة الأشياء، وأننا في منأى عن المساءلة، عندما نبتغي المساهمة في انبلاج الحرية ومرافقة الالتزام في تجربة التعلّم، لكن، رغم ذلك، على الأقل، لابد من أن نقدّم حسابا: فالأستاذ، شأنه في ذلك شأن الطبيب،  لا يمكن أن يرضخ ل شرط النتيجة، في حين أنه محكوم بشرط الوسائل“. يمكن الجزم بصعوبةِ تقييم  التقاء المتعلّم بالثقافة، بالاعتماد على معايير واقعية، موضوعية ( إلا إذا اعتبرنا التحضير  لهذا الالتقاء، كالتحضير لمسابقة من سيربح المليون“)، لكن يجب إيجاد مؤشرات تُحيل إلى مدى التزام المدرّسين، ومستوى تطلّعاتهمهناك خطر يحدق بهذه الفئة: فقدان  الحُظوة على نحو خطير.    

        لهذا بات مستعجَلا بالنسبة للمدرسين، ولكـلّ من يشتغل في قطاع التربية، أن يُبَلوِرُوا آليات جديدة لتقييم ممارساتهم، سواء في إطار تيارات بيداغوجية، أو داخل منظماتهم المهنية. إنه لمن غير اللائق ذاك التذمر السلبـي من  الانعكاسات الوخيمة للتقييمات الدولية والمؤسساتية، خصوصا إذا لم يُرافق هذا التذمر وهذا الرفض خلق وإبداع لبدائل عملية، تُقترَح وتُناقَش مع الدولةالمشغّل، تُجرَّب بمعيّة المتعلّمين والمتعلّمات، وتُقدَّم لوسائل الإعلام ولآباء وأولياء التلاميذ.

        شخصيا، اشتغلت في هذا الورش الشاق في العديد من المناسبات. في بعض المدارس الابتدائية، حاولنا، بمعيّة المدرسين والآباء، أن نحدد بعض المؤشرات التي تمكّن من كشف وتعقب رغبة التلاميذ في القراءة، وَسَعيِهِم نحو استثمار مختلف الوثائق، وقدرتهم على تجنيد معارفهم في الرياضيات لحل بعض المشاكل التي يصادفونها في حياتهم اليومية، ورغبتهم في الإبداع الفـنـي وكذلك مستواهم في التواصل الشفوي. تلزم الإشارة هنا أن تحديد واختيار هذه المؤشرات عملّية تقتضي الكثير من الدقة، وأنّ جمع المعطيات أمر شاقّ، لكنها مقاربة مثمرة للغاية.

        على سبيل المثال، في ما يتعلق بمسألة القراءة والاشتغال على الوثائق، يمكن أن نعتمد  على مجموعة من المؤشرات: زيارة المكتبة، استعارة الكتب وتلخيصهاوهذا  لا يسمح لنا فقط بِتَتَبُّع تطوّر كل متعلم على حدة، بل يمكّننا من تحديد هدف تربوي محفزّ لمبادرات جديدة سواء من طرف المدرّسين، أو الآباء أنفسهم. ستتضاعف العروض. سينبثق نادي القراءة. ستظهر عملية تبادل للكتب بين العائلاتوقد يذهب التلاميذ حدّ رفع تحدي الفوز بجائزة أدبية !

في مدرسة إعدادية حيث حددّ المدرّسون مكافحة العنف وإنتاج الكتابات الطويلة، كمحور للاشتغال، بَحَثنا، مع إشراك مندوبـي التلاميذ، عن أية مؤشرات ستمكّننا من معرفة مدى التقدم في شِقـَّي هذا المحور (مكافحة العنف، إنتاج كتابات طويلة). في بادئ الأمر نختار مؤشرات بسيطة، كتناقص عدد المشاجرات في ساحة المدرسة، أو عدد حالات الطرد من القسم نتيجة سلوكات عنيفةلكّن، وفي نفس الوقت، نعثر على مقترحات لمؤشرات مذهلة: عدد المناقشات أو المناظرات، نسبة المتعلمين المنخرطين في أعمال ذات طابع تعاونيأو حتـى نسبة ارتياد الجمعية الرياضية !

        إن البحث عن مؤشرات النجاح لا يعطينا فقط وسائل لتصوير الحالة الآنية لمؤسسة معينة، بل يحفز كذلك عملية خلق جماعـي لها من النتائج ما لا يُعَدُّ ولا يُحصى، وعلى أصعدة متعددة.

نفس المشهد تكرر في ما يتعلق بمسألة الالتزام بالقواعد في الكتابة والتمكّن من اللغة: انتقلت مؤشرات النجاح من النقاط الجيدة في الفرنسية وتدنـّي عدد الأخطاء الإملائية في باقي المواد، ( انتقلت) إلى : عدد المقالات التي تتوصل بها جريدة المؤسسة، التلاخيص ونقد الأفلام التي تُعَلَّقُ على جدران الداخلية، عدد الملخّصات  العلمية، أو حتى عدد المشاركين في مسابقة ” رسائل الحب”، والتي قررّ المتعلّمون بأنفسهم تنظيمها.

        في الحقيقة، هذا التفكير في طرق التقويم أعاد هَيكَلَة حياة المدرسة وأعطاها هويّة: عندما نقرر جماعةً ما نريد أن نصبحه والطرق التي ستساعدنا على ذلك، نخلق آنئذ ما يُسمِّيه علماء الاجتماع ب انعكاس المؤسسةeffet établissement ، انعكاس يؤثر في الالتزامات الفردية كما في هيكلة الجماعـي المشترك.

وما هو ممكن في الابتدائي والإعدادي، ممكن أيضا في التعليم الثانوي والعالي. دون استبعاد أهمية نتائج الامتحانات، يمكن للفاعلين أن يتجنّدوا لتحديد مؤشرات تجعل ممكنا تتبع نجاح وتطور العملية التعليمية في مناحيها المتعددة: البحث والتوثيق، تبادل المقروءات والعمل التعاوني، ومدى انخراط مندوبي التلاميذ، أو الدينامية الثقافية على مستوى المؤسسة

لكن، مهما بلغت أهمية هذه الدينامية المحلية فهي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تستغني عن المؤسسة التعليمية، وعن إدراجها في إطار أكثر اتساعا؛ إذ هناك خطر محدق، وهو أن انهمام كل مؤسسة بتحديد مقياساتها الخاصة قد يُفضـي إلى حجب الطموح المشترك الذي يجمع كل المؤسسات. ولهذا فإنه لمن الضروري بلورة بدائل فعلية لأساليب التقويم التقنوقراطية الطاغية على منظوماتنا التربوي: إنه لواجب على الأساتذة في كل أقطار العالم أن يتوفروا على آليات تمكّنهم من تحديد الوسائل الواجب استعمالها، بطريقة جماعية، من أجل ضمان وصول الجميع إلى الثقافة، ومن أجل النهوض بحرية الفكر لدى الجميع، ولتفعيل شتـى أنواع التضامن تأمينا لمستقبل  المُشتَرَك.

وهنا لابد من الإشارة أنه من الممكن أن تحلّ منظمة غير حكومية كاليونسكو UNESCO (3) مثلا، محلّ منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (4)  التي هي ليست سوى ودادية تهدف إلى ترويج الليبرالية، تَمَّ تأسيسها سنة ، 1948 لتنزيل مخطط مارشال (5)، والتي تحاول اليوم بسط هيمنتها وفرض معاييرها حول الفعالية والنجاح في العالم قاطبة.

 إن منظمة الأمم المتحدة ستُشرّف نفسها إذ تفي بوعدها بخصوص وضع دفتر تحمّلات مناسب لنشر تعليم تحرري وتربية تضامنية. وهذا لن يُجبـِر، سواء الدول أم المدارس، على التخلّي عن أنظمتهم التربوية؛ بل سيمكن الجميع من التموقع حول منظور مشترك: المعارف الأساسية أي تلك التي تجمع بني البشر؛ لا تلك التي تنشر بينهم التفرقة؛ تلك التي تساهم في الانعتاق، لا  تلك التي تُفاقِمُ شروط العبودية وكـلّ القيم التي تَحُولُ دون ارتمائنا في أعماق البربرية: احترام الغيرية والتعاون خدمة للجميع.

لا شك في أنها مهمّة بالغة الصعوبة، ولكن من يجرؤ على القول بأنها غير ضرورية وبأنّها لا تغدو ملحّة يوما بعد يوم؟

فعل التدريس: تطبيق أم تصوّر و استحداث؟

        في الحقيقة، تفرض هذه المهمة نفسها نظرا للضرورة الحيوية التي يكتسيها تجنّد الأساتذة وشحذ قِواهُم الجماعية للإجابة عن أسئلة الرهانات الحضارية الكونية التي تواجهنا، شِئنا ذلك أم أبيناه.

 والحال أنه، وبالرغم من رفع المستوى الأكاديمي لتوظيف الأساتذة، فإنه لمن الواضح أن هذه الفئة أصبحت تعيش نوعا من البلترة (6).

نعتقد أن كارل ماركس أطلق اسم البروليتارية على العمال، والحال أن  هذا فهم ناقص. ماركس بيّن بطريقة علمية كيف أن الطبقة العاملة هي أول الفئات المتضرّرة من سيرورة البلترة؛ فالآلة تفرض قوانينها وَ هُم مُكرَهون على الخضوع لسلطانها المتمدّد (7). وقد بدأ هذا الامتداد بالهيمنة على نمط عيش العمال (تحديد ساعات العمل…)، ليستمر عبر تقسيم العمل، هذا العمل الذي أصبح تِبيان معناه مستحيلا ( التايلورية  في الأزمنة الحديثة )، عمل سمته الأساسية هي العزلة المُمَؤسَسَة، حيث لا مجال فيه للتعاون والعمل المشترك، والذي يؤدي إلى استحالة استثمار الذكاء الإنساني من أجل الإبداع في العمل. هذا ما يسميه ماركس اغتناء المساهمين ( مالكي الأسهم) وتفقير (تفقير مادي وفكري) للمنتِجين المباشرين. هذا النظام الفارض لسلطانه بطريقة ديكتاتورية يستحيل في ظله لكل فرد أن يُطوّر ذاته في وظيفته، وأن يقدم رأيه الشخصـي ويُبدي نزعة إبداعية في عمله.

         هذه هي الوضعية التي تواجه معظم الأساتذة اليوم. هذه الوضعية التـي سلط عليها سيلفان غرانسير SYLVAIN GRANDSERRE  ما يكفي من الضوء في مؤلفه :

 Un instit ne devrait pas (avoir à) dire ça. هذا الكاتب المناضل المُقتنع تمام الاقتناع بقضيّته، دائم الالتزام في المغامرة الفريدة للّقاء اليومي مع المتعلمين“. هو كاتب يعيش بألم تجربة ما سماه إيف كلوت  Yves Clot،   الطبيب النفسي المتخصص في الأمراض ذات العلاقة بالعمل، ب Le travail empêché” (العمل المُعاق): يحكي أنه دائما عاجز عن مواكبة الإجراءات والبروتوكولات السارية: وُجوب استعمال نفس الوسائل التي تستهلك الوقت والطاقة، كالامتحانات الوطنية، والكُتيّبات الرقمية، اولإجراءات المرقمَنة. يقول: ” نحن محاصرون، كل يوم، بالجداول والشبكات والدراسات والتحريّات، بالتقييمات الواجب القيام بها، وبالروابط التي يجب الاطلاع على محتوياتها، وبالإرشادات من كل نوع. يجب أيضا تقديم طلبات مكتوبة قانونية للإدارة، للممرضة أو المستشار النفسي، في انتظار جواب يَبقى محتَملا نظرا لقلة هؤلاء الأطر، ولأنهم مشغولون في العديد من الشؤون الطارئة“.   اليوم، هناك العديد من الأشياء يمكن قضاؤها طيلة اليوم دون ممارسة فعل التدريس في الفصل؛ طالما أن هناك أمور يمكن (يجب) الاهتمام بها خارج حجرة الدرس“. أما في ما يتعلق بالمؤطِّر التربوي، الذي يجب أن يكون متواجدا لمواكبة الأشخاص ولتبسيط سُبل اشتغالهم، فهو يعيد ضبط نفسه مع كل تغير جديد لمِلكِـيَـــتِه، ينفي ذاته باستمرار عندما يُطالِب بالامتثال المطلق لآخر المناهج والمراسيم والمذكرات، والتـي فـي الغالب ما تكون مناقضة لما سبقها.”

وهكذا فإن الأستاذ يجد نفسه منجرفا وسط دوّامة من التعليمات والتوجيهات، لدرجة يصبح من العسير عليه أن يركّز جل انتباهه على وظيفته البيداغوجية، هذه الوظيفة التي أصبحت مخنوقة من طرف اشتراطات ومتطلّبات لا تدع مجالا لمبادرات الأستاذ وتفكيره الخلاّق. إن المؤسسة، بِـتَـبّـنيها، رسميا، لمقاربة مُعقلَنة، مُجرّدة من أي إيديولوجيا، ومرتكزة على التجريب والمعطيات القاطعة الإثبات” (8)، فإنها تترك مجالا شاسعا للاعتقاد بوجود، ليس فقط لوسائل أبانت عن فعاليتها بصفة مطلقة، في حقل التربية،  بل أكثر من ذلك، حين تَــدَّعي وُجود خوارزميات (9)  موضوعة سلفا وجاهزة للتنزيل. وهكذا، وأمام سطوة الهواجس المؤسساتية، تصبح مهمة الأستاذ مقتصرة في التطبيق، حيث يتم تكوينه فقط في طرق تشخيص صعوبات التعلّم لدى المتعلّمين هذا ما يفسّر هوس الأنظمة بالامتحانات  من أجل تطبيق تدابير بلورها الباحثون وتَمَّ تبنّيها بعد مقارنتها بتدابير أخرى، تماما كما يحدث في مجال صناعة الأدويةإن الأمر هنا يتعلق بسبب من الأسباب الرئيسية التي أدّت إلى ترسّخ الفكرة القائلة بوجود ممارسات جيدة وموحَّـدة، ومتتاليات موضوعة بصفة نهائية، وسيرورة من العمليات أو التوجيهات التي تمكّن من حلّ مجوعة من المشاكل المُحدّدَة؛ وهنا أبيح لنفسي حق القول أن الأمر يتعلق بتنزيل ميكانيكي لطرق الخوارزمية التقليدية في مجال شديد التعقيد، ألا وهو تربية النشأ.

إلاّ أنّ هذه الفكرة تتنافى كليا مع حقل البيداغوجيا، حيث كل وضعية تتميز بتفرّدها (10)، وحيث أن لا شيء يُمكِنُ تنزيلُه بطريقة ميكانيكية في هذا القطاع، حتى وإن استمتنا في البحث عن التجسيدات الأكثر إقناعا لدحض هذه الفكرة.  

  وجدير بالذكر هاهنا أن حتى أولئك الذين يدافعون عن الفكرة القائلة بإمكانية وجود خوارزميات بيداغوجية ” –  مع الكثير من الحيطة والحذر من جانبهم، أكثر من الصحافيين والسياسيين الذين يعتمدون على أبحاثهم –  يضربون ألف حساب وحساب قبل اقتراح أي خوارزمية من هذا القبيل! إنهم يكتفون فقط بإعطاء بعض النصائح الأولية حول ضرورة الأكل والنوم الجـيِّــدَين، وحول إثارة فضول المتعلّم أو إشغاله. لهذا نجد خلف العناوين الرنّانة: ” الانتباه، الطرق الفعالة ، ونجد كذلك نصائح غارقة في العموميات، وفي بعض الأحيان في صيغ بلاغية رديئة، ك للإبقاء على الانتباه لابد من  أن نُبدِيَ استعدادنا وأن نبتعد عن كل مصدر للإلهاء“. نجد أيضا مجموعة من الأبحاث العلمية الرصينة، الجدية، التي لا تنتهي إلا إلى سلسلة تعليمات، هي في الجوهـر استرجاع وإعادة صياغة لتصورات بيداغوجية منتشرة منذ زمان ليس بالقريبيجب الحرص على ضمان التزام الطفل في تعلّماته، وعلى أن يستثمر انتباهه في عمله، وأن يُخطِئ ويجعل من أخطائه موضوعا للتفكير، قبل أن تتحول هذه الأخيرة لِعادات سيّئة،  وأن يستوعب بعض التدابير التي يجب أن يقوم بها لمواجهة وضعيات متعدّدة، وليُنجِزَ مهاما صعبة

كل هذه الأمور هي بطبيعة الحال أمور بالغة الأهمية، لكن هذا لا يُعطي لأي أحد الحق في اعتبارها، بأي حال من الأحوال، برنامجا للتدريس: إن المُدرّس هو الذي من المفروض أن يبنيَ وضعيات تعلّمية أصيلة ومُحفّزة، وأن يختار المُحتويات الثقافية التي تمكّن المتعلّمين من اكتشاف معارف جديدة، إضافة إلى التمارين التي هي وسائل للتدرّب وتثبيت المكتسبات.

ومن أجل مزيد من الدقّة، وبخصوص السؤال المصيري، سؤال تعلم القراءة، فيمكن القول أن الدرّاسات الفوقية الدولية (11)، هي أكثر ما نلجأ إليه بحثا عن أجود الطرق التعليمية. ولكن، إذا ما أمعنّا النظر جيدا في هذا الأمر، نكتشف أنها غير جديرة وغير قادرة على بلورة وطرح هذه الطرق: هذه الدرّاسات، في أحسن الأحوال، لا تستطيع أكثر من تنبيهنا حول أهمية القراءة، وبضرورة تخصيص أوقات خاصة للعمل على استيعاب الترابط بين المقاطع والكتابة (تعلّم الكتابة)، خصوصا في السنوات الأولى من التّمدرُس. لكن كل هذا لا يقول شيئا مُحددا حول طبيعة النصوص التي يمكن استثمارها، حول الآليات البيداغوجية التي يمكن الاعتماد عليها، وحول الصلة الأساسية بين القراءة والكتابة: وبالتالي نمرّ، بطريقة تقريبية، من اليقظة المقطعية ، إلى فرض الطريقة المقطعية “. أمّا في ما يخصّ الصيغة الشهيرة المُقدَّمة كقاعدة ذهبية للقراءة؛ أي: فهم كتابي = قراءة × فهم شفوي، فهي قاعدة لم تعُد دقيقة، زد على ذلك أنها تترك للمدرّس حرية العمل على القراءة والتعبير الشفوي بوسائط من اختياره، وتبعا للطريقة التي يقرّرها بنفسهتترك له أيضا مسؤولية إيجاد الحلول الكفيلة لكي يستوعب المتعلّمون كيف أن تعلّم الكتابة وقواعدها ليست امتحانا مفروضا عليهم لاختبار ردود أفعالهم ومقاومتهم، وإنما هي مغامرة عجيبة مدهشة، مغامرة رائعة لكونها فرصة للتواصل مع الآخر البعيد عن دائرة الأقارب

وفي هذا الصدد يمكن أن نحلّل الإرشادات التقنية المُقترَحة على المدرّسين، في فرنسا، في إطار منظومة  EvalAide التي وضعها المجلس العلمي للتربية والتي تقترح تشخيص حاجات كل متعلّم في القراءة والرياضيات، عبر امتحانات وطنية مُوحّدَة، وذلك لتمكين المُدرّس من القيام بفعل تربوي مُكيّف مع حاجات المتعلم. فطرق معالجة التعثرات التي يتم رصدها تبقى، في جوهرها مرتكزة على النتيجة الواجب تحصيلها؛ هذا ناهيك عن أنّ الاختبارات تعتمد على آليات ( وكأنّها صالحة لكل سياق ولكل زمان ومكان)، مع غض الطرف عن انعكاساتها على أداء المتعلّمين والمُتعلّمات: نقترح على طفل يقرأ ببطء أن يفعل ذلك بطريقة سريعة؛ لطفل لا يستطيع التفريق بين بعض الحروف نقترح عليه تمارين يُنجزها لكي يصبح قادرا على ذلك  وهلم جرا…  هذه التمارين ليست غير نافعة بشكل مطلق، لكن لا يجب أن ننسى أنّ الأستاذ هو، في المقام الأول والأخير، القادر على زرع هذه الطرق العلاجية، بالطرق الأنسب  لخصوصيات مجموعة قسمه؛ أي أن هذه الطرق مَهما بلغت درجة عِلميّتها فإنها لا يمكن أن تُحصَر في سلسلات من التمارين الفردية.

        وفي الأخير وجَب التذكير أننا هنا لا نتعدى تحليل الأعراض، لأننا نُنَحِّي جانبا السؤال المركزي: سؤال علاقة الطفل بالكتابة، سؤال المعنى الذي يُعطيه هذا الطفل لتعلّماته: لماذا نتعَلّم القراءة والكتابة ؟ أمِن أجل أن نخضع لأوامر البالغين وخوض تجربة المدرسة، أم من أجل الوصول إلى تواصل أكثر دقة وأوفر سعادة مع بني البشر؟

الفعل التربوي: حِساب أم تَحكيم؟

في الحقيقة، إذا ما نظرنا إلى قطاع التربية من موقع قريب بما فيه الكفاية، نجد أنّ الفعل التربوي لا يمكن أن يكون إطلاقا سلسلة من التدابير أو التوجيهات التي تمكّن من معالجة مجموعة من المشاكل المُحدَّدة “. وهذا من حسن الحظ ! عقل الأستاذ ليس آلة حاسبة، بل جهازللتّحكيم. ففي الحساب، لا وجود إلا لحلّ واحد أوحَد؛ أما عندما يتعلّق الأمر بالتحكيم فهناك دائما إمكانات لا تُعدُّ ولا تُحصى. أولا لأن التحكيم يتِمُّ وِفق أهداف ضمنية أو صريحة. كُل أستاذ يحمل مُثلا عُليا تربوية تُحيل علىالقسم الجيد“: إمّا قسم فيه كل فرد يقوم بنفس الشيء، في نفس الوقت، أو قسم فيه المتعلمّون يتبادلون فيما بينهم، يتشاركون فيما بينهم؛ إما قسم وظيفة المتعلمين فيه وظيفة تطبيقية، أو قسم يتفكر فيه المتعلمون، بطريقة جماعيةأضف إلى ذلك أنّ تمثل هذا القسم الجيد يندرج ضمن تصور عن المدرسة الجيدة “:  إما مشروع قائم على الانتقاء أو مؤسسة في خدمة المُواطنةوأخيرا، هذا التمثل عن المدرسة الجيدة يحيلناأولا وأخيراإلى مشروع من أجل المجتمع والعالَمتعزيز حرية الفكر في التجمعات المتضامنة، أو دعم وضمان الانتصار الوشيك للهواجس الفردانية الأنانية، في كل البقاع، عبر جعل كل فرد يتقوقع حول ذاته.

لا أحد يستطيع غض الطرف عن الجوانب القيمية في مجال البيداغوجية. إنها حاضرة دوما، واضعة بصمتها في أبسط إيماءاتنا، وبلا شك، أكثر وضوحا وشفافية في أعين متعلّمينا الذين لا يمكن إلا أن يشعروا بها ويستبطنوها.

لكن التحكيم يقتضي الاختيار أيضا، في وقت مُحدّد، بين ممكنات عديدة، الأمر الذي يقتضي بالضرورة مِن الحَكَمِ إبداء تقديره الخاص، وتأويل المؤشرات بطريقة آنية لتحديد أو تخيُّل ما يجب قَولُه، أو ما يجب القيام به لكي يكون (يبقى) القسم بيئة مواتية للتعلُّمِ. لقد قُلت مرارا وتكرارا أن الأمر يتعلق ب فن ممارسة ،أو،  إذا صحَّ تعبير ميشيل سيرتو  (12): فَهمُ ما يقع، وتمحيص نتائجه، تصوُّر بدائل مع تقدير آثارها المحتملة، ثم اختيار الوسائل بعد تحديد سُبل التدخل.

بغض النظر عن المظاهر، هذا العمل لا يمت لتطبيق الخوارزميات الجاهزة بأي صلة، بل على العكس تماما: إنه نوع من الحضور في وأثناء العمل، حضور يقترن فيه الاستثمار الكامل لما ندرِّسُ مع الجاهزية  الكاملة من أجل أولئك الذين ندرِّسُهُم. قُدرة على تِبيان الوقت الذي فيه تتداخل الأهداف المتباينة، وأين يمكن استغلال الفرصة، هذه اللحظة اللغـز، حيث مجموعة من المعلومات تُكوِّنُ ترسُّبا؛ أي معطيات متنوعة، متعددة، تتداخل في ما بينها، تندمج، لتغدو سندا لقرار تمَّ اتخاذه: ” مريم، أتستطيعين شرح ما وجدتِ، في السبورة؟ ” ” سأوقف عَرضي، وسيبحث كل واحد منكم عن مثال يجسّد ما قُلته للتو.”  ” سأشتغل من نعيم ولورا وماييل، في الوقت الذي فيه الآخرون يُنجزون تمرينهم.”  ”  هل بإمكانكم البحث ،كتابة، عمّا قلته للتو، ومقارنة نتيجة بحثكم مع نتائج زملائكم؟ الآن، لنوقف النقاش، ولنحاول جميعا وضع خلاصة لما كنا نقوله.” كثيرة هي القرارات البسيطة التي تجعل من القسم نظاما بيئيا حيّا حيث التعلّم دائما في قلب النشاط الجماعي

والقدرة على اتخاذ كل هذه القرارات البسيطة لا هي هبة غامضة ولا بعد روحاني لهذه المهنة. بل على العكس تماما؛ إنها التجسيد التام لمهنية المدرّس، وما يجعل منه خبــيــرا فعليا في التعلّمات، وهذا ما استطعت ملاحظته يوميا أثناء إدارتي للمعهد الجامعي لتكوين الأساتذة بأكاديمية ليون

إن اتخاذ هكذا قرارات قُدرة قابلة للتكوين، قابلة للتفكير، قابلة للتطوير: ليس هناك فنّ يستطيع الانكماش على ذاته، وإلا كان مصيره التيه والتآكل في فوضى العادات. ولهذا السبب بالذات كل أستاذ بحاجة ماسة لتحليل ممارساته التربوية، ولتبادل الخبرات والتفكير حول مهنته بطريقة جماعية، طيلة مسيرته المهنية. إنه بحاجة حيوية لتكوين مستمر ذي أسس متينة، يندرج ضمن أوقات عمله، وحيث يمكنه الالتقاء بالباحثين، وفي الآن ذاته، يصبح أستاذا باحثا، تماما كما يجب على كـل أستاذ أن يكون

ومن أجل الوصول إلى هذا المبتغى، لدينا اليوم وسائل كثيرة جدا. من جهتي، أستعمل شبكات للقراءة لتحليل الضغوطات البناءة في الفعل التربوي. نفهم أيضا كيف يمكن تغيير إعادة توجيه المؤشر بين قطبين سهلي التحديد، من أجل القدرة على التحكيم وسط بيئة القسم الحية، وبين تدخلات عديدة ممكنة.

كمثال لهذه الضغوطات، يمكن أن نأخذ التموقع الشاق بين صرامة البرمجة واستقبال الأحداث الطارئة . فالبرمجة أمر لابد منه ضمانا لحزم المقاربة ولتوفير فضاء مأمونللمتعلّمين؛ إلا أنها قد تبلغ من الصرامة حدّ التحجّر لدرجة أنها قد تصبح عائقا أمام التفكير حول كل ما يقع بصورة فجائية. ضروري ضرورة بالغة ذلك الانفتاح على اللامتوقَّع، ضروري لأنه يمكّن من تكييف المعارف الأكاديمية مع الظروف التي يعيشها المتعلم، وضروري لأنه حافز قوي لرغبة التلميذ في التعلّم ولتسيير نقل المعارف إلى خارج المدرسة. هذا الانفتاح ضروري كما قلنا، للأسباب التي بَيّنا، إلا أنه قد يغدو، إذا ما كان انفتاحا فوضويا، عنصرا مدمرّا للإطار الذي نشتغل داخله، وهكذا يمنع أي محاولة من طرف الأطفال في الفهم المعمّق للأشياء والأحداث.  

من المفروض إذن أن نُخطّط المجزوءة، أن نجزئها إلى مراحل مختلفة، أن نحدد طرق الاشتغال بدقةوفي الوقت ذاته، لابد من أن نكون كلنا أذانا صاغية لردود الفعل الفردية أو الجماعية من طرف المتعلّمين، أن ننتبه لمؤشرات عدم الفهم أو الفهم المغلوط، أن نبدي اهتمامنا بالأمثلة والاقتراحات المُقَدَّمة، وأيضا للأحداث التي قد تنشُب فجأة، للأحداث التي قد تصلح لتكون وسيلة يمكن استثمارها في عمل مشترك ينخرط فيه الجميع، في عمل مشترك فيه تُبنى التعلّمات ويتمّ مشاركتها.

في الحقيقة، إنها موازنة بالغة الصعوبة، لا يمكن أن تكون مُكتَسَبة بصفة نهائية، بحيث تقتضي تغيير المؤشّر باستمرار لكي يكون للقسم معايير اشتغاله وليكون قادرا على التكيّف  مع اللامُتَوَقَّع، شأنه في ذلك شأن أي بيئة حيّة. هذه المُوازنة (بين التخطيط الصارم وتدبير اللامُتَوَقَّع) هي وحدها الكفيلة بجعل المتعلمين/ت جزءا من بروتوكول ( تَعلُّميتعليمي )، فاهمين طُرُق اشتغاله، عارفين متى يستطيعون التحرّر منه، وفي أي شروط، وواعين بأهمية هذا البروتوكول ومتى وجب الامتثال له حرفيا.

قد نجد موازنة من نفس النوع، بين الدينامية الملازمة للاكتشاف والثبات الطابع لفعل الاكتساب؛ فالأولى تعطي الأولوية  لكل أشكال البحث والاكتشاف، أما الثانية فتركزّ أكثر على تتبُّع المكتسبات، هيكلتها، وإدماجها. إن الدينامية تُلِحُّ على الإتمام والصيغ النهائية، وترَكِّزُ على إشراك التلاميذ  في بناء تعلّماتهم، دون غض الطرف عن إمكانية تفضيلهم لأسهل الطرق، أسرعها وأكثرها سطحية. أما الثبات فَيَرنو إلى التمَكُّنِ من القدرات، وإعطاء الطابع الرسمي للتعلّمات، الأمر الذي يحمل في طياته خطورة من نوع آخر، تتمثل في إمكانية  تحويل فضاء التعلّم إلى كتلة جامدة متحجّرة، وجعل فعل التعلّم مجرد اجترار للكلام.

وهنا أيضا لا مجال للحديث عن خلاصات مثالية، إذ لا وجود إلا لتصحيح وتعديلات وتنقيحات مستمرَّة، هي الضامنة لاتساق وتماسك التعليم، وهي الكفيلة، في الوقت نفسه، بتكوين ذكاء المتعلمات والمتعلمين.  

        لهذا أقول: يجب توسيع حقل الإمكانات أمام الأستاذ، ومنحه فضاءات فيها يستطيع استثمار تقديراته الخاصة. بعيدا عن كل بيداغوجية على طريقة الخوارزميات ، بإمكان الأساتذة المطالبة بحقهم في أن يكونوا مصممين فعليين للتعلمات،  صانعين لوضعيات تعلّمية فيها يُسائِلون باستمرار معارف تخصصاتهم.

 هذا بكل بساطة لأن تغيير المؤشر ليس تأرجحا بين احترام المتعلّم وتقدير المعارف  – خلافا للمشاحنات الكلامية الطاغية في وسائل الإعلام، كلما تعلق الأمر بموضوع إصلاح المدرسة: إن تغيير المؤشر عكس هذا بالضبط؛ أي عدم القبول بالتقوقع وسط هذا التخيير العبثي.

يتعلق الأمر بعكس ذلك تماما؛ أي بالبحث الدائم عن التماس الذي يجعل الالتقاء ( بين التلاميذ والمدرّس والمعارف) ممكنا ومثمرا؛ مع إثارة رغبة التدريس لدى الأستاذ، وتحفيز رغبة التعلّم عند المتعلّم.

إنها مغامرة عجيبة ومغرية حيث التزام الأستاذ لا يمكن أن يؤدي إلى التزام المتعلّم إلا إذا كان هذا الالتزام مُرفقا بتقييد لا غنى عنه: ” سأفعل كل ما بوسعي لكي تتعلم، لكن أنت من يجب أن تقرر أنك ستتعلم.

إيريك بريرا (13) قدّم مديحا رائعا للباقة في مجال التربية. وهو على حق تماما: في الجمع بين الالتزام والتقييد، هناك بحث عن المسافة الملائمة التي تُمكِّن المدرس من أن يجيز دون أن يفرض، أن يدرّب دن أن يُرغِم، وأن يحَفِّز دون أن يحتجز. اللباقة هي بدون أدنى شك أسمى فضيلة تربوية. ولكن يجب أن لا ننسى أن هذه اللباقة تفلت من قبضة كل مخطط جامد على شاكلة الخوارزمية. فهل يمكن تخيّل حاسوب يشتغل بلباقة ؟ لا وجود لأي آلة يمكن أن تصاحب كائنا بشريا صغيرا في سبيله نحو الحرية،  وإن كانت هذه الآلة مجهزة بأحدث برامج الذكاء الاصطناعي.  

سيخسر الأساتذة كـل شيء إذا ما تنازلوا عن حريتهم التربوية. لديهم عالم، عالم الغد، عالم ليس جاهزا بل يجب عليهم بناؤه. و أول لبنات هذا البناء هي المطالبة بحريتهم في مجال عملهم.

    يا أساتذة العالم…

**************

  1. Le Programme International pour le suivi des acquis des élèves

البرنامج الدولي لتتبع مكتسبات التلاميذ: مجموعة من الدراسات التـي تُنجزها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، تهدف إلى تقييم الأنظمة التعليمية للدول الأعضاء وغير الأعضاء؛ ولا يقتصر دورها في انجاز هذه الدراسات وإصدار التقارير ، وإنما برفع (( توصيات ))…

  • TEACHING TO THE TEST
  • Organisation des Nations Unies pour l’Education, la Science et la Culture

منظمة الأمم المتحدة للتربية, والعلم والثقافة.

  • OCDE (Organisation de Coopération et de Développement Economique)
  • Plan Marscahll   (يندرج ضمن إستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة المد الشيوعـي حيث تحالفت مع مختلف الدول المتضررة من الحرب بدعمها عسكريا ( اليونان في حربها الأهلية مثلا) وماليا من أجل تنفيذ خطة لإعادة البناء والإعمار  شريطة تنزيل مجموعة من التوصيات سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسـي، كتحرير الاقتصاد وفتح الأبواب أمام رؤوس الأموال الأجنبية… )
  • Prolétarisation: نسبة إلى prolétariat ، تفقير، وخفض القدرة الشرائية لفرد أو لفئة اجتماعية معينةفي المعجم الماركسي، الانتقال من البورجوازية أو البورجوازية الصغيرة إلى البروليتارية، نتيجة للنزعة الاحتكارية لرأس المال: يقول كارس ماركس: ” إن تراكم الثروة في قطب هو تراكم للفقر في القطب الآخر” . (المترجم).
  • ماركس بيّن كيف أن تراكم رأسمال يؤدي بالضرورة إلى تطوير وسائل الإنتاج من أجل تراكم أكبر لرأسمال؛ لكن لا يجب أن نغفل أيضا أنه وضح طبيعة هذا التراكم: الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج واستغلال الطبقة العاملة المُجبَرة على بيع قوة عملها (المترجم)
  • Stanislas Dehaene et le Conseil scientifique de l’Éducation nationale, La
    Science au service de l’école, Paris, Odile Jacob, 2019.   
  • Des algorithmes:

ألغوريتم. طريقة حسابية تُستَعمل في حلّ المشكلات العويصة، واسم هذه الطريقة مُقتَبَس من عالم الرياضيات الخوارزمي. ( معجم عبد النور المفصّل عربي فرنسـي. جبور عبد النّور)

  1. )Dans l’entreprise pédagogique ) toute situation est singulière.
  2. Les méta-analyses internationales.
  3. Michel de Certeau, L’Invention du quotidien. 1. Arts de faire, Paris,
    Gallimard, « Folio Essais », 1990. J’ai repris et développé l’analyse de
    Michel de Certeau dans le champ pédagogique dans La Pédagogie entre le
    dire et le faire, Paris, ESF Éditeur, 1995.
  4. Eirick Prairat, Éduquer avec tact, Paris, ESF Éditeur, 2017

——————————–

جاك أتالي: كـورونـا والـغـيـستـابـو*: عشرة أفكار

1 يناير 2021 ترجمةمجلاتمفاهيم 0

خالد جبور ترجمة خالد جبور      لا أحد غيره جريء لهذا الحد: إدغار موران، هذا الصباح، في محادثة شخصية،  والتي سمح لي بنقلها، قال فجأة: ” أترى، فيروس كورونا كالغيستابو؛ نحن لا نراها، لكننا متأكدون من أنها حولنا تتربّصُ، نتَّخِذ كل الاحتياطات لكي نتفاداها. وبعدها، في العديد من الأحيان تَنقضُّ؛عندما تمُرُّ …

فيليب ميريو: العلوم التربوية والبيداغوجيا*

29 أكتوبر 2020 أخرىترجمةعامةمتابعات 0

ترجمة: نور الدين البودلالي نور الدين البودلالي المترجم: هذه الترجمة إلى روح أبي الذي وافته المنية وأنا أعدها للنشر «صحيح أن علوم التربية تزخر، كل واحدة في مجالها، بالكثير من الحقائق التي يمكن التحقق منها. إلا أن البيداغوجيا ليست، بالقدر المطلوب، هي علم التربية. إنها ممارسة لقرار متعلق بهذه الأخيرة. …أكمل القراءة »

فيليب ميريو: من تحليل السمات الشخصية إلى دراسة التعلّمات

25 سبتمبر 2020 أخرىترجمةمفاهيممقالات 0

خالد جبور ترجمة وتقديم: خالد جبور        تتعالى أصوات العديد من الذوات الراغبة، فكرا وعملا، في بناء مجتمع إنساني، يستطيع الفرد فيه تحقيق ذاته، وتطويرها؛ فرد يعي جيدا أنه يعيش، مع ملايير البشر الآخرين، على نفس الكوكب، يتشاركون نفس الحب تجاه الحياة، ونفس الهبة تجاه الموت، يتنفسون نفس الأكسجين، ونفس …أكمل القراءة »

فيليب ميريو: لما يقوض الأدب اليقين بالطفولة

30 يوليو 2020 ترجمةمجلاتنصوص 0

ترجمة عبد السلام اليوسفي  بين مورياك وبياجي ذات يوم، قلت في ندوة جامعية جادة حول تكوين المدرسين أنه كي يصبح المرء مدرسا، فإن “قراءة رواية “ساغوين”[1] (Sagouin) لفرانسوا مورياك (Mauriac) ربما كانت تستحق قدر ما تستحق قراءة كل سيكولوجيا جان بياجي (Piaget). ولم تكن الصيغة خرقاء فحسب، بل كانت غير …أكمل القراءة »

فيليب ميريو: يجب الكف عن توثين التكنولوجيا الرقمية

6 مايو 2020 ترجمةمجلاتمفاهيم 0

ترجمة عبد السلام اليوسفي فيليب ميريو (Philippe Meirieu) منظر وتربوي تقدمي معروف، يشتغل منذ فترة طويلة على موضوع المدرسة، وبالخصوص اللامساواة بين الأطفال داخلها، تلك اللامساواة التي تعيق الرسالة التحررية والتربوية التي تضطلع بها.  منذ الإغلاق العام للمؤسسات المدرسية بفرنسا بسبب أزمنة كوفيد 19 يعمل فيليب ميريو على تناول المشكلات …أكمل القراءة »

حوار مع فيليب ميريو: “المدرسة عن بعد يجب ان تظل جماعية”

14 أبريل 2020 أخرىترجمةمجلاتمفاهيم 0

ترجمة عبد السلام يوسفي في مواجهة خطر تعاظم اللامساواة المدرسية في سياق التعليم عن بعد، يشدد فيليب ميريو، الأستاذ الفخري في علوم التربية بجامعة لوميير ليون، على ضرورة الوصول إلى ” بناء المشترك”. س: يضع الحجر الصحي المدرسة، بوصفها فضاء مشتركا، قيد الاختبار. كيف يمكن التغلب على الأمر ؟ ج: …أكمل القراءة »

فيليب ميريو: التعليم عن بعد يفاقم أوجه اللامساواة

7 أبريل 2020 أخرىترجمةحواراتمفاهيم 0

ترجمة عبد السلام يوسفي مقدمة المترجم في هذا الحوار القصير الذي أجراه الصحافي إيمانويل فرانسوا مع الخبير التربوي فيليب ميريو ، يعود هذا الأخير إلى مفهوم “الاستمرارية البيداغوجية” (Continuité pédagogique ) الذي اعتمدته وزارة التربية الوطنية الفرنسية، كتدبير وإجراء، لمكافحة وباء كورونا المستجد، والتخفيف من وقعه القوي والمكلف على المنظومة …أكمل القراءة »

فيليب ميريو: التعليم عن بعد يزيد من التفاوتات

5 أبريل 2020 ترجمةحواراتمجلاتمفاهيم 0

ترجمة: خالد جبور بقلم: فيليب ميريو، باحث متخصص في علوم التربية حاورته ايمانويل فرونسيز ترجمة حصرية لكوة ما الذي تعنيه ” الاستمرارية البداغوجية” التـي نادت بها وزارة التربية الوطنية في علاقتها مع الأساتذة؟ بالنسبة لي، هذه الاستمرارية تعنـي الحفاظ على الاتصال بين المتعلمين والمدرسين. هذا ليس بالأمر السهل؛ بحيث أن …أكمل القراءة »

فيليب ميريو: من الخوف ما بنى طفلا*

13 نوفمبر 2019 العلوم الإنسانيةالفلسفة للأطفالترجمةمجلات 0

نور الدين البودلالي Philippe Meirieu ترجمة: نورالدين البودلالي مشاعر الصغار ليست مشاعر صغيرة كوركشاك، عالم التربية البولوني، المتوفى في تريبلينسكا لعدم رغبته التخلي عن الأطفال اليهود في دار الأيتام التي أنشأها في حي اليهود بفارصوفيا، ومؤلف كتاب «إعلان حقوق الطفل» في سنوات العشرينات، لم يتوقف عن ترديد أن الطفل هو، …أكمل القراءة »

الكذب والديداكتيك؟ امثولة تقويضية تفكيكية للعلاقة المأزومة بين البسودوغرافيا والبيداغوجيا؟

‏يوم واحد مضت مجلاتمفاهيممقالات 0

محمد بصري بقلم محمد بصري باحث تربوي جزائري من القنادسة بشار قد يبدو غير وارد منطقيا  اثارة تناقض غير دقيق مفاهيميا  واتيمولوجيا Etymology  بين الكذب والديداكتيك ،ليس من الانصاف فلسفيا الجمع بين مفهومين ينتميان لحقلين متشاكسين ومختلفين هما الديداكتيك أو فن  طرائق التدريس الذي سلب البيداغوجيا احد أعتى اركانها اي …أكمل القراءة »

ضد أيديولوجية الكفايات، يجب أن تعلم المدرسة التلاميذ التفكير

‏4 أيام مضت أخرىترجمةحواراتمتابعات 0

حوار متقاطع مع فيليب ميريو (Philippe Meirieu)، المربي والباحث، ومارسيل غوشيه (Marcel Gauchet)، المؤرخ والفيلسوف. ترجمة: يوسف سليم بقلم نيكولاس ترونج (Nicolas Truong). نشر الحوار يوم 02 أيلول (سبتمبر)2011. “في الماضي، كانت الأسرة “تصنع الأطفال”، أما اليوم فالطفل هو الذي يصنع الأسرة. فبقدومه إلى الحياة من أجل إشباع رغبتنا كآباء، …

ألبير كــامو من العبث إلى التمرد

‏أسبوعين مضت كتبمفاهيممقالات 0

خالد جبور بقلم: خالد جبور     وُلد ألبير كامو في 7 نونبر 1913 في الجزائر. في سنوات الحرب العالمية الثانية، اشتغل كصحفي ملتزم بقضية المقاومة. اشتهر بمواقفه ذات النزعة الإنسانية وبآرائه السياسية خصوصا حول الحرب. وبالموزاة مع ذلك، وفي رعيان شبابه، رفع كاتبنا تحدي فريد تمثل في كتابة أعمال أدبية

حوار مع أكسيل هونيت: في نقد مخاطر الفردانية الليبرالية

3 أكتوبر 2020 ترجمةحواراتفلاسفةمجلات 0

أكسيل هونيت ترجمة: خالد جبور ترجمة حصرية لموقع كوة أكسيل هونيت، رائد مدرسة فرانكفورت، وأبرز ممثلي الفلسفة الاجتماعية، الفيلسوف الذي خلف يورغن هابرماس، والذي اهتم بتحليل الميكانيزمات التي تعيق تحقيق الإنسان لذاته في ظل الرأسمالية المعاصرة. حاورته أليكساندرا لينيل لافاستين. سيد أكسيل هونيت، ما هو

فيليب ميريو: من تحليل السمات الشخصية إلى دراسة التعلّمات

25 سبتمبر 2020 أخرىترجمةمفاهيممقالات 0

خالد جبور ترجمة وتقديم: خالد جبور        تتعالى أصوات العديد من الذوات الراغبة، فكرا وعملا، في بناء مجتمع إنساني، يستطيع الفرد فيه تحقيق ذاته، وتطويرها؛ فرد يعي جيدا أنه يعيش، مع ملايير البشر الآخرين، على نفس الكوكب، يتشاركون نفس الحب تجاه الحياة، ونفس الهبة تجاه الموت، يتنفسون نفس الأكسجين، ونفس

على خطى أندري كونت سبونفيل

26 سبتمبر 2019 فلاسفةمقالات 0

 خالد جبور كنت في السادسة من عمري ألعب مع أطفال حيّنا الشعبي بمدينة مراكش. كانت براءة الطفولة تدفعنا إلى القيام بأمور جنونية ان نحن رأيناها بعيني الإنسان البالغ.  رأيت رجلا أعمى يمشى برفق وتمهل، يحمل عكازا يحركه أمامه يمينا وشمالا، وكأنه يرسم حدود المسار الذي كان يتبعهُ. كان رجلا أعمى. أغلقت عيناي …

فيليب ميريو: التعليم عن بعد يزيد من التفاوتات

5 أبريل 2020 ترجمةحواراتمجلاتمفاهيم 0

ترجمة: خالد جبور بقلم: فيليب ميريو، باحث متخصص في علوم التربية حاورته ايمانويل فرونسيز ترجمة حصرية لكوة ما الذي تعنيه ” الاستمرارية البداغوجية” التـي نادت بها وزارة التربية الوطنية في علاقتها مع الأساتذة؟ بالنسبة لي، هذه الاستمرارية تعنـي الحفاظ على الاتصال بين المتعلمين والمدرسين. هذا ليس بالأمر السهل؛ بحيث أن …

الكسندر ادلير : إمكانية نشوب جائحة _ من تقرير CIA

16 مارس 2020 ترجمةكتبمقالات 0

ترجمة خالد جبور ترجمة من فصل إمكانية نشوب جائحة  من كتاب: كيف سيكون العالم غذا؟ (التقارير الجديدة ل CIA)، الصادر عن دار النشر ROBERT LAFFONT، إمكانية نشوب جائحة عالمـية    ظهور مرض تنفسي جديد، فتاك وسريع الانتشار، لا دواء له، يمكن أن يؤدي إلى ظهور جائحة عالمية. إذا ظهـر مثل هذا …

فيليب ميريو: لما يقوض الأدب اليقين بالطفولة

30 يوليو 2020 ترجمةمجلاتنصوص 0

ترجمة عبد السلام اليوسفي  بين مورياك وبياجي ذات يوم، قلت في ندوة جامعية جادة حول تكوين المدرسين أنه كي يصبح المرء مدرسا، فإن “قراءة رواية “ساغوين”[1] (Sagouin) لفرانسوا مورياك (Mauriac) ربما كانت تستحق قدر ما تستحق قراءة كل سيكولوجيا جان بياجي (Piaget). ولم تكن الصيغة خرقاء فحسب، بل كانت غير …أكمل القراءة »

فيليب ميريو: يجب الكف عن توثين التكنولوجيا الرقمية

6 مايو 2020 ترجمةمجلاتمفاهيم 0

ترجمة عبد السلام اليوسفي فيليب ميريو (Philippe Meirieu) منظر وتربوي تقدمي معروف، يشتغل منذ فترة طويلة على موضوع المدرسة، وبالخصوص اللامساواة بين الأطفال داخلها، تلك اللامساواة التي تعيق الرسالة التحررية والتربوية التي تضطلع بها.  منذ الإغلاق العام للمؤسسات المدرسية بفرنسا بسبب أزمنة كوفيد 19 يعمل فيليب ميريو على تناول المشكلات …أكمل القراءة »

حوار مع فيليب ميريو: “المدرسة عن بعد يجب ان تظل جماعية”

14 أبريل 2020 أخرىترجمةمجلاتمفاهيم 0

ترجمة عبد السلام يوسفي في مواجهة خطر تعاظم اللامساواة المدرسية في سياق التعليم عن بعد، يشدد فيليب ميريو، الأستاذ الفخري في علوم التربية بجامعة لوميير ليون، على ضرورة الوصول إلى ” بناء المشترك”. س: يضع الحجر الصحي المدرسة، بوصفها فضاء مشتركا، قيد الاختبار. كيف يمكن التغلب على الأمر ؟ ج: …أكمل القراءة »

فيليب ميريو: التعليم عن بعد يفاقم أوجه اللامساواة

7 أبريل 2020 أخرىترجمةحواراتمفاهيم 0

ترجمة عبد السلام يوسفي مقدمة المترجم في هذا الحوار القصير الذي أجراه الصحافي إيمانويل فرانسوا مع الخبير التربوي فيليب ميريو ، يعود هذا الأخير إلى مفهوم “الاستمرارية البيداغوجية” (Continuité pédagogique ) الذي اعتمدته وزارة التربية الوطنية الفرنسية، كتدبير وإجراء، لمكافحة وباء كورونا المستجد، والتخفيف من وقعه القوي والمكلف على المنظومة …أكمل القراءة »

فيليب ميريو: التعليم عن بعد يزيد من التفاوتات

5 أبريل 2020 ترجمةحواراتمجلاتمفاهيم 0

ترجمة: خالد جبور بقلم: فيليب ميريو، باحث متخصص في علوم التربية حاورته ايمانويل فرونسيز ترجمة حصرية لكوة ما الذي تعنيه ” الاستمرارية البداغوجية” التـي نادت بها وزارة التربية الوطنية في علاقتها مع الأساتذة؟ بالنسبة لي، هذه الاستمرارية تعنـي الحفاظ على الاتصال بين المتعلمين والمدرسين. هذا ليس بالأمر السهل؛ بحيث أن …أكمل القراءة »

فيليب ميريو: من الخوف ما بنى طفلا*

13 نوفمبر 2019 العلوم الإنسانيةالفلسفة للأطفالترجمةمجلات 0

نور الدين البودلالي Philippe Meirieu ترجمة: نورالدين البودلالي مشاعر الصغار ليست مشاعر صغيرة كوركشاك، عالم التربية البولوني، المتوفى في تريبلينسكا لعدم رغبته التخلي عن الأطفال اليهود في دار الأيتام التي أنشأها في حي اليهود بفارصوفيا، ومؤلف كتاب «إعلان حقوق الطفل» في سنوات العشرينات، لم يتوقف عن ترديد أن الطفل هو، …أكمل القراءة »

الأطفال والتفلسف

‏6 أيام مضت الفلسفة للأطفالمقالاتمنتخبات 0

محمد بوبكري محمد بوبكري يفصل بعض الناس بين مختلف الحقول المعرفية ويقيمون جدرانا شاهقة وسميكة  بينها، لعدم فهمهم طبيعة هذه الحقول ولغياب إدراك ما يمكن أن يجمع بينها من علاقات وتكامل… وهكذا، فهناك من يفصل فصلا تاما بين الأدب والعلوم، وبين الفيزياء والكيمياء، وبين الأدب والفلسفة، وما إلى ذلك. بل …أكمل القراءة »

جين رولاند مارتن: لماذا يجب أن تتغير المدرسة؟

‏أسبوع واحد مضت أخرىترجمةحواراتمفاهيم 0

ترجمة: نورة آل طالب أجرى محرر نيو فيلوسوفر زان بواغ مقابلة مع جين رولاند مارتن، أستاذة الفلسفة المتقاعدة في جامعة ماساتشوستس في بوسطن. زان بواغ: لقد ركَّزَت أبحاثك على التعليم على مدار سنوات عديدة. لماذا تركزت جهودك في هذا المجال؟ جين رولاند مارتن: كانت أمي معلمة ودائمًا كنت أقول إني …أكمل القراءة »

سيفرين كرافالو: أقسام – الخارج لمواجهة فيروس كورونا

‏أسبوعين مضت ترجمةمتابعاتمفاهيم 0

مقاربة جديدة في تدبير العملية التعليمية  تكتسب شعبية واسعة خالد جبور ترجمة: خالد جبور        يساهم نقل العملية التعليمية إلى خارج الحجرات الدراسية في نجاح برتوكول الوقاية من العدوى؛ خاصة بضمان التباعد الجسدي. في الآونة الأخيرة عبر المدافعون عن هذه الممارسة التربوية عن انشراحهم وتفاؤلهم، وهم يلحظون الاهتمام المتزايد، خلال …أكمل القراءة »

دوني سيمار: التربية والثقافة أو مسألة المعنى في عالم إستشكالي (ج 4-4)

‏4 أسابيع مضت أخرىترجمةكتبمفاهيم 0

ترجمة: نورالدين البودلالي نور الدين البودلالي 4. مسؤولية النقل والاقتضاء السياسي كما أكدنا ذلك من قبل، تؤدي الملاحظتان الخامسة والسادسة بالتأويلية إلى حدودها القصوى، حيث ترتبط بعلاقات مع ميادين أخرى، نذكر منها على الخصوص علم الاجتماع التربوي، وعلم الاجتماع الثقافي والفلسفة السياسية. بالنسبة للملاحظة الخامسة، إذن، فالعالم المتأشكِل، كما يشير 

الغرب ما بعد الحداثي وعصر المواطنة لايت

7 يوليو 2020 عامةمفاهيممقالات 0

عبد القادر ملوك عبد القادر ملوك أكاديمي مغربي ما أشبه ما آل إليه وضع المجتمعات الغربية المعاصرة، بما عاينه أليكسيس دي توكفيل خلال رحلته إلى أمريكا، ولا إخال إلا أن صرخته المدوية – التي تتخذ صورة وصف لواقع حال دولة حديثة العهد ينعم شعبها بالديمقراطية ويرفلون في نعيم البذخ والاستهلاك …أكمل القراءة »

المدرسة المغربية بين الأسوار واللا أسوار في زمن الكورونا

10 يونيو 2020 تغطيةمتابعاتمجلاتمفاهيم 0

أزمة في التعليم عن بعد وفشل ذريع في التعليم عن قرب أسامة حمدوش    لا مندوحة أن رهانات التعليم عن بعد بالمغرب في زمن الكورونا في ظل التطورات التقنية والتكنولوجية التي يشهدها العالم قاطبة لن تكون سهلة المنال بالقياس إلى دولة في طور النمو والتقدم كالمغرب، وخاصة في منظومة التربية …أكمل القراءة »

إريك دوبروك: جينيولوجية السلطة والمؤسسة التعليمية: المراقبة والمعاقبة* (الجزء II)

8 يونيو 2020 ترجمةمجلاتمفاهيم 0

ترجمة: نور الدين البودلالي نور الدين البودلالي في أوجه قصور التصور الفوكوي ذلك، وإن المؤسسة المدرسية تُقدم، في المراقبة والمعاقبة، على أنها جزء من هذه الإجراء التأديبي للتقويم والتكوين الشائع في كل أنحاء المجتمع الحديث. بهذا يصبح الجهاز التعليمي مماثلا أو «مشاكلا isomorphe» لسلطة سجنية جديدة للمراقبة. صحيح أنه كان …أكمل القراءة »

إريك دوبروك: جينيولوجية السلطة والمؤسسة التعليمية – 1 – المراقبة والمعاقبة* ج I

1 يونيو 2020 ترجمةمفاهيممقالات 0

نور الدين البودلالي ترجمة: نور الدين البودلالي                 أنوي من خلال هذا العمل، ومن خلال بعض الخطاطات التحليلية التي تنبئ عن دراسةٍ أكثر تعميما (التي أتمنى التوسع فيها في عمل تحت عنوان عام «قلب طفل»)، بسط فرضية عمل وضمان تماسكها. أود في نفس الوقت أن أستع رض بإيجاز بعض العناصر المنهجية، …أكمل القراءة »

روابط 76 مقالة نشرتها كوة حول كورونا

6 مايو 2020 أخرىعامةعلم الإجتماععلم النفسمتابعاتمفاهيممقالات 0

فريق كوة نقدم لكم هنا مجموع ما نشره موقعنا حول أزمة كورونا من مختلف المقاربات الفلسفية والسيوسيولوجية والنفسية والادبية والفنية… نجمعها في صفحة واحدة لتجنب عناء البحث في الموقع هل سنشهد”عالما جديدا” بعد فيروس كورونا؟ ‏5 دقائق مضت عامة, مساهمات, مفاهيم 0 أ.كرام ياسين أستاذ فلسفة بجامعة سطيف 2 – الجزائر-          وضع العالم …أكمل القراءة »

الوضعية – المشكل في درس الفلسفة

3 أبريل 2017 ديداكتيك الفلسفة 0

تقديم: لا نكاد نجد تعريفا يناسب الاشتغال على الوضعية المشكلة في الفلسفة، بالنظر الى الصعوبات التي تعترض المشتغلين بديداكتيك الفلسفة فيما يتعلق بتوظيف بيداغوجيا الوضعية – المشكلة في درس الفلسفة. لذلك سنكتفي بالتعريف الاجرائي الذي جاء في مصوغات تكوين اساتذة الفلسفة سنة 2009 والصادر عن “الوحدة المركزية لتكوين الأطـر”، ونقرأ …أكمل القراءة »

أي براديغم للدرس الفلسفي بالتعليم الثانوي؟

28 نوفمبر 2019 دراسات وأبحاثديداكتيك الفلسفةعامة 0

محمد ميلان بقلم الدكتور/ ميلان محمد مفتش التربية الوطنية لمادة الفلسفة – مليانة / الجزائر.                إن الفلسفة كمادة تعليمية داخل المؤسسات التربوية بالتعليم الثانوي تواجه بلا شك صعوبات على مستوى تبليغها وتدريسها وتقبلها في عصر الرقمنة وهيمنة الصورة وزحف التكنولوجيا، من هنا تقوم بالنسبة إلينا مشروعية الحديث عن اتحرير

شاهد أيضاً

روجي غارودي: بابلو بيكاسو حول وظيفة الفن وقيمته الجمالية

ترجمة: كمال بومنير هذه الترجمة مهداة للبروفيسور الشريف طاوطاو النص: ليست وظيفة العمل الفني إعادة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *