الرئيسية / منتخبات / تغطية / الفيلم المغربي : “العد العكسي 48 ساعة”

الفيلم المغربي : “العد العكسي 48 ساعة”

عندما تتحول النوايا الحسنة لانقاذ المدرسة إلى إغراق الفيلم

محمد تسكمين

محمد تيسوكمين

   من المفيد أن ينخرط التلفزيون المغربي في معالجة إشكالات المنظومة التربوية، ومن الجميل أن يتم تناول هذه القضايا والإشكالات تناولا فنيا محكما،عبر تسخير مختلف إمكانات التواصل الجماهيري للفيلم التلفزي كوسيلة تعبيرية راقية و كأداة للتنشئة الاجتماعية الأكثر قدرة على النفاذ إلى وعي و لاوعي المتفرج المغربي. والأجمل من كل هذا محاولة تشكيل وعي تربوي ناضج لدى الأسر والتلاميذ ومختلف الفاعلين التربويين، عبر الاشتغال على تعديل وتقويم،وتصويب التمثلات السائدة عن المدرسة ومهامها وتداخل أدوار الفاعلين .

العد العكسي لإنقاذ المنظومة التربوية

    جاء عنوان الفيلم:” العد العكسي 48 ساعة” للمخرج ادريس المريني ، سيناريو عبد الاله زيرات، تشخيص فاطمة الزهراء بناصر، عبد الحق بلمجاهد، كريم النوري، انتاج الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة المغربية 2020 . جاء هذا العنوان قويا، دالا ومعبرا عن الحالة الراهنة للمنظومة التربوية المغربية، التي وصلت إلى مراحل ترديها ما قبل الأخيرة، والتي تم الاعتراف بها على مستويات رسمية عليا وتم التعبير عنها في وثائق وتقارير رسمية. يَعتبر العنوان أيضا أن عملية الإنقاذ لا تحتمل المزيد من التأجيل والمماطلة و لا يمكن لها إلا أن تمر إلى السرعة النهائية، يتم عدّ لحظاتها عدّا عكسيا، بعدما تم استنفاذ كل الأزمنة والعقود المخصصة لزمن الإصلاح بلا جدوى.

   48 ساعة لم تكن زمنا قصيرا ولا مبالغا فيه، كحيز لانقاد سفينة على وشك الغرق،وفق تقويم أضحى متسارعا، تحسب آنيّاته بالدقائق والثواني تستطيع كل منها أن تشكل فرقا.

   48 ساعة هي المدة الزمنية التي تحاول فيها الأستاذة سليمة أستاذة الفلسفة أن تصنع هذا الفرق،سخرت خلالها كل قواها الفكرية والحجاجية، وعلاقاتها الاجتماعية، وإمكانياتها المادية وطاقتها العاطفية، للمرافعة على حق التلميذ ريان في الدراسة والحيلولة دون اتخاذ عقوبة تأديبية في حقه نتيجة لحظة طيش منفلت.

   فما الذي يدفع أستاذة الفلسفة للدفاع عن تلميذ أقدم لتوه على كسر ذراع أستاذ زميل لها؟

الجواب بسيط منذ البداية، إنه واجبها المهني كأستاذة ومربية. ولكن ما الذي يمنع باقي الأساتذة من القيام بواجبهم المهني؟ بل ما الذي يدفعهم إلى اعتبار أن واجبهم المهني يحثهم علي إنزال أقسى العقوبات بالتلميذ؟ هنا تأتي الفرضية الثانية المؤسسة على كونها أستاذة فلسفة، إنه الواجب الأخلاقي إذن.   فمن غيرها درس الأخلاق الكانطية؟ ومن غيرها تأهل معرفيا وقيميا للتحرر من الدوكسا وبادئ الرأي؟

   إنها مقدمات جميلة ترفع سقف أفق الانتظار لدى المتفرج بأنه أمام فيلم استثنائي. لكن ليست كل المقدمات الصحيحة تؤدي إلى نتائج صحيحة، بل تقود أحيانا إلى نتائج خاطئة نتيجة سوء الاستدلال والبناء.

العد العكسي لإغراق الفيلم

بغض النظر عن المجهود التقني والتشخيصي المحترم جدا لفيلم “العد العكسي 48 ساعة” فإنه يعاني من ارتباك في السيناريو، وخاصة في ما يتعلق ببناء الشخصيات الرئيسية ، أثر بشكل واضح على انسيابية الأحداث وردود أفعال الشخصيات:

  • سليمة : عندما تنبري شخصية معينة للقيام بفعل بطولي فينبغي أن تتحقق فيها سمات وخصائص محددة لا تتوفر في غيرها ، فالبطولة أمر غير متاح للجميع، وتبدأ هذه الخصائص في البروز بمجرد أن تقرر الشخصية لعب هذا الدور ونميز في هذا الأمر بين من أجبرته الأحداث رغما عنه أن يتحول إلى بطل وفي هذه الحالة لا حرج أن يرتجل في بداية الأمر ويجرب، يخطئ ويصيب ولكنه في الأخير ينتزع الإقرار باستحقاق البطولة. وبين من يختار البطولة طواعية ، وهذه هي حالة شخصية الأستاذة سليمة، هذا الاختيار يجعل مهمتها مضاعفة. كما أن هذه ليست أي مهمة ،بل بطولة من النوع المأساوي ، فليس من السهل مواجهة سيل جارف من الأحكام والتصورات والقوانين أيضا، بصدر عار إلا من قيم النبل والشجاعة والوفاء للحق والخير المطلق الذي لا يسنده ، في الغالب ،أي أساس في الواقع.                                                                                    فعلا فالأستاذة لا تعرف عن التلميذ شيئا، حتى تفوقه الدراسي لم تكتشفه إلا بعد انخراطها الاندفاعي في المغامرة. كل هذا جميل ويحيطها بهالة من الكاريزما ويعطي لمرجعيتها الفلسفية معنى وقيمة. لكن أية فلسفة أخلاقية مثالية هذه؟                                                                             اعتقدنا في البداية أنها فلسفة الأمر الأخلاقي المطلق عند كانط ، حيث تحاول ” أن تعامل الإنسانية في نفسك وفي غيرك كغاية وليس أبدا كوسيلة”  ( القاعدة الثانية من قواعد الأمر الأخلاقي)

لكن تصورنا هذا سيتغير بمجرد أن نرى ممارساتها التي تفتقد إلى الأخلاقية الكانطية وتركز هدفها كليا على المصلحة( بالمفهوم الكانطي دائما) . أورد هنا نماذج من هذه الممارسات “غير الأخلاقية”

1 إشراك التلميذ أسرار مفاوضاتها مع زملائها،أعضاء مجلس القسم،والسماح له بمقتهم

2 ابتزاز أحد زملائها لدفعه للتصويت ضد القرار

3 إقدامها بفعل “عضلي” على إفراغ أدوات الصيد لزميل آخر لها

4 تقديم رشوة لأب الطفل قصد التعاون

   أتكون الأستاذة متأثرة بإحدى الفلسفات الروحانية الشرقية، خاصة فلسفة اللاعنف والمقاومة السلمية لدى الماهاتما غاندي؟ عندما تقبّلت ردود أفعال التلميذ وأبيه المبالغة في العدائية خاصة تجاهها وهي تحاول انتشاله؟  وتمني النفس بقدرة سلميتها على صنع المعجزات ودحر العنف المفرط ؟  هذه الفرضية أيضا تنهار عندما أتت أفعالا تقع خارج النسق الغاندي.

أتكون إذن مناضلة ماركسية؟! مشهد خروجها من القسم، وترك التلاميذ وراءها والتوجه نحو ساحة المؤسسة لمعرفة ما يحدث، ثم اقتحام مكتب المدير والمرافعة لفائدة التلميذ منذ اللحظات الأولى لظهور المشكل،  ممارسة نضالية تتسق فعلا مع الماركسية لكنها ممارسة بدون نظرية !!

   كان من الممكن انقاد شخصية سليمة من كل هذا الارتباك باعتماد حافز شخصي أقوى يعطى المعنى لانخراطها في هذا الفعل البطولي وهذا الالتزام مع التلميذ،  يتيح لها المراوحة بين الأخلاقي واللاأخلاقي والانتصار للفلسفة البراغماتية القادرة على احتضان مثل هذه التناقضات، لو تم تقديمها كأم ثكلى فقدت ابنها الوحيد مبكرا، وخاصة أن التلميذ في سن ابنها، كما أن ليس لها أولاد، وهكذا سترى في التلميذ تعويضا عن ابنها وتتصرف وفق مقتضيات غريزة الأمومة.

  • ريان: تلميذ متفوق على صعيد المؤسسة كلها، لدرجة أن صورته واسمه ومعدله العام يزين إحدى واجهات المؤسسة . تلميذ موهوب أيضا فنيا، فهو موسيقي، رسام، وقارئ للرواية!! كيف يتحول ملاك بهذه الصفات إلى شيطان مارد؟ لا أتحدث هنا عن إمكان أن يكسر يد أستاذه، فهذا حدث عارض يمكن أن يقع لأي كان. بل أتحدث عن الصورة القاتمة التي قدم بها خلال أغلب أطوار الفيلم: ناقم ،عنيف، سليط اللسان، يضرب أباه أمام الأستاذة،يعتدي على سيارة المدير في عز أزمته، لحظة محاولة الأستاذة تحصيل تعاطف لصالحه،… كيف يتسنى للمتفرج المغربي الناقم بدوره والمعادي عموما للمدرسة وكافة مؤسسات التنشئة الاجتماعية، التعاطف مع هذا النوع من التلاميذ؟ وبالتالي تبني قضيته والتورط عاطفيا مع بطلة الفيلم في سيرورة بحثها عن الحل.

 على مستوى الأحداث سيكون من المفيد دراميا  أن يكون المصير الذي ينتظر التلميذ مصيرا يستحق كل هذا العناء الذي بذلته الأستاذة سليمة وتأسس عليه الفيلم ككل،مصير يشكل تهديدا حقيقيا لمستقبل التلميذ ،وليس مجرد مجلس تأديبي لن تتجاوز مدته أياما معدودات، واعتقد أن هذا الحدث الدرامي يسمح به الفيلم في بنائه العام،والشهادة الطبية موجودة !!! انه المتابعة القضائية .

نهاية العد العكسي

  وصل العد العكسي إلى نهايته،بعد مجهود فني كبير ونوايا حسنة في معالجة إحدى المشاكل العويصة للمنظومة التربوية المغربية،بانعقاد المجلس التأديبي،وتطبيق القانون وتأديب التلميذ المعتدي ، خسرت الأستاذة قضيتها. لكن ماذا حصل ؟ لاشيء ! سيستريح التلميذ 10 أيام ثم يعود

  من المفروض أن ننتبه أثناء معالجتنا لمثل هذه القضايا إلى الرسائل التي نمررها، خاصة أننا بصدد فيلم تلفزيوني يدخل البيوت ويعالج مشكلا تربويا يؤرق أغلب الأسر، وكل المؤسسات التعليمية.

  ويبدو لي أننا لم نعالج المشكل التربوي إياه بل على العكس من ذلك مررنا رسالة تكرس الخطاب العدمي المتغلغل في كل الأوساط  تحت شعار:” ماكاينش مع من” فكما فقدت سليمة معركتها في الفيلم سيفقد الكثير من الأساتذة ممن هم على شاكلتها ، منشطي الحياة المدرسية وجنود الخفاء بالمدرسة العمومية ، إيمانهم بجدوى الفعل التربوي النبيل .

*******************

فيلم خميس 1984: بين يوتوبيا النضال وديستوبيا السينما

‏4 أسابيع مضت تغطيةشاشةمتابعات 0

محمد تيسُكمين محمد تيسوكمين      الفيلم خميس 1984، فيلم سينمائي ناطق بالريفية، أخرجه وكتب له السيناريو المخرج محمد بوزكو وأنتجته شركة بروديكسيون، بطولة الممثلون والممثلات: ميمون زنون، سميرة المصلوحي، شيماء علاوي محمد بن سعيد ، رفيق برجال،رشيد أمعطوك، بن عيسى المستيري، وليديا فرح .      لم يكن هذا الفيلم فيلما …

من يحب الحياة يتحرر من الجناح “ج”

‏3 أسابيع مضت تغطيةشاشةمتابعات 0

قراءة نقدية في الفيلم المغربي نساء الجناح “ج” محمد تيسُكمين محمد تيسوكمين بطولة أسماء الحضرمي، جليلة التلمسي ، ايمان مشرافي ، ريم فتحي، سيناريو محمد نظيف وأسماء الحضرمي . اخراج محمد نظيف في مشروعية الموضوع    “من يحب الحياة يذهب للسينما”. يمكن الإقرار بأن فيلم نساء الجناح”ج” قد تمثل هذه …

فيلم سيد المجهول: في محاولة تأسيس سينما العبث مغربيا

‏أسبوع واحد مضت شاشةمتابعاتمفاهيم 0

محمد تيسُكمين محمد تيسوكمين       من الضروري التمييز بداية ، في السينما المغربية بين عبث السينما كصفة أصبحت تلازم المشهد السينمائي المغربي أكثر فأكثرمن جراء اختلالات تنظيمية وإبداعية حاول الكثير من المهتمين والمهنيين الوقوف عندها كل حسب تخصصه، وبين سينما العبث كرؤية إبداعية واختيار جمالي واع رغم أن المفهوم لم …أكمل القراءة »

قراءة في سيناريو الفيلم المغربي البركة ف راسك لعادل الفاضلي

10 مايو 2020 تغطيةشاشةمتابعات 0

محمد تيسُكمين محمد تيسوكمين         “البركة فراسك “فيلم تلفزيوني  جديد للمخرج عادل الفاضلي، انتاج الشركة الوطنية للاداعة والتلفزة المغربية . فيلم أبدع فيه المخرج تقنيا ،وقدم منتوجا جديرا بالتقدير .          ولكونه منتوجا جديا  ارتأيت أن أبدي حوله بعض الملاحظات على مستوى كتابة السيناريو منطلقا من مسلمة أن الفيلم لو …

قراءة في سيناريو الفيلم المغربي البركة ف راسك لعادل الفاضلي

10 مايو 2020 تغطيةشاشةمتابعات 0

محمد تيسُكمين محمد تيسوكمين         “البركة فراسك “فيلم تلفزيوني  جديد للمخرج عادل الفاضلي، انتاج الشركة الوطنية للاداعة والتلفزة المغربية . فيلم أبدع فيه المخرج تقنيا ،وقدم منتوجا جديرا بالتقدير .          ولكونه منتوجا جديا  ارتأيت أن أبدي حوله بعض الملاحظات على مستوى كتابة السيناريو منطلقا من مسلمة أن الفيلم لو …

الفيلم القصير طالب اتران

4 يونيو 2017 Non classé 0

فيلم قصير اخراج حسن أمرير وسيناريو صديقي محمد تسكمين: فيلم حجاجي في موضوع: “الإنسان كخالق للدلالة وصانع للمعنى”، أي حول المسافة التي يتيحها التأويل بين فعل أر ارترا: يتقيأ، وفعل أر اترا: أي يكتب، وهذه المسافة بين التقيؤ والكتابة ينسبان معا للفقيه في التصور الشعبي وآفاق التأويل الممكنة. فيلم يحكي

رواية رواء مكة بين تنطع المقرئ وانضباط القارئ

17 مايو 2019 تغطيةصدر حديثاكتبنصوص 0

كوة: محمد تسكمين محمد تسكمين بحضور مجموعة من الدعاة والشيوخ، تفضل الداعية المغربي المقرئ أبوزيد الإدريسي بتقديم حماسي للسيرة الذاتية للدكتور حسن أوريد رواء مكة [1]باعتبارها أفضل ما قرأه طيلة عمره المديد من بين آلاف الكتب والمؤلفات،  ناصحا بها مستمعيه قصد اكتشاف هذه التحفة ، ودون  الانسياق مع التفاصيل فإن 

شاهد أيضاً

جورج آرثرغولدشميث: بيتر هاندكه على طرف اللسان

ترجمة : الحسن علاج         للكاتب دراية عميقة بعمل المؤلف النمساوي، الذي ظل لفترة طويلة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *