الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / أيها القديس الغامض “سبينوزا” سامحنا

أيها القديس الغامض “سبينوزا” سامحنا

هناء السعيد

هناء السعيد

وكما قال محمود درويش ..

“في الرَّحيل الْكبير أُحبك أَكْثَرَ”

٢١ فبراير ذكرى رحيل القديس الغامض ، في هدوء كما عاش بعلة الرئة فارق عالمنا ،المفكر الذي خرج من طائفته قبل أن يُخرجوه منها ..

بعد قرنين من وفاة “سبينوزا” يتراجع من نكلوا به ولعنوه وطردوه بل وحاولوا قتله

يتراجعوا عن طرده ووصفه بالهرطقة ، هو منهم وهم أهله ، بعد رحيله تقال!! ، قيلت لما اضطروا إليها ، قيلت لمصلحة كما أتهموه زورًا لمصلحة ..

علة غموض “باروخ سببنوزا” أو “بنتو” باللاتيني ، فإنه كما تبرءوا منه ،فقد تبرأ منهم بتبديل اسمه العبري “باروخ”

الحرم وأسبابه :

إخراج “سبينوزا” من طائفته كان يرجع ليس لفكره الديني فقط ،بل لتهديده بأفكاره الإقتصادية والإجتماعية مصالح يهود أمستردام

وقيل ” كان في وسع قادة يهود امستردام أن يتسامحوا مع الخلاف اللاهوتي ،ولكنهم لم يعودوا قادرين على التسامح مع شخص متحرر سياسيًا واقتصاديًا ”

وايضًا قيل أن سبب طرد “سبينوزا ” هو خشية رجال الدين اليهودي أن يظن فيهم المسيحيون التفريط في دينهم ، ورغم السياسة المتساحة التي سادت في العهد الجمهوري مع الزعيم “يان ديفيت” ، إلا إن اليهود نفذوا قانونهم الجائر على “سبينوزا” ،وقد صرف الزعيم الجمهوري لسبينوزا معاشًا عند طرده وبعد بضع سنوات حرمت على جموع اليهودية فرض عقوبة الحرم .

وقيل السبب في طرده هو نية إعادة اليهود لانجلترا ، التي لم تكن متسامحة في ذلك الوقت مثل هولندا ، حيث سافر “منسى بن إسرائيل” رئيس المجمع الذي قضى بطرد “سبينوزا” للتفاوض على تلك الإعادة ، فلا يمكن أن يتسامحوا مع المارقين والمهرطقين .. كما زعموا طبعًا .

بعد أن أصبحت قيمة سبينوزا لايمكن تجاهلها إلا من جهلاء برر اليهود طرده والهروب من مسألة أنهم يومًا اضطهدوه كأنه عار يلحق بهم ، لدرجة أنهم شبهوا طرده بإعدام “سقراط” الذي لم يجعل منه شخص غير يوناني ، فان طرد “بنتو” لا يمكن أن يحرم أمة اليهود من مفكرها العظيم !!

وشتان الفرق ..

ففد حكم على سقراط بسلطة مدنية جنسيته ليست موضوع الحكم هنا ، بينما طرد “سبينوزا” طرد ديني لعن فيه وحرمت كتبه وظل يُلعن .. إلى أن أحرجهم لعنهم وجعلهم في مصاف المتخلفين .

سبينوزا ليس يهوديًا فحسب حتى ترسل إسرائيل إلى لاهاي حجر جرانيت في ذكرى سبينوزا كتب عليه ( أهلك ) سنة ١٩٥٦ ،

يريدون ضمه إليهم بعد كل ما لاقاه جراء التمرد عليهم ، سبينوزا ملك الإنسانية كلها.

مما أثر في “سبينوزا” أيضًا غير الطرد الذي قبله كثمن لحرية فكره ، فقد كان خلع طائفته قبل أن تخلعه ، حادثة أخرى علقت في ذهنه من طفولته جعلته فيلسوف يقتصد في افكاره يخفي نفسه على كتبه ، حذر في رسائله ،يكتب بالشفرات ،يتكلم بلغة تحمل معاني كثيرة غير مباشرة ، إنه لو بإمكانه أن يصير نسيًا منسيًا لفعل .

إنه مشهد التنكيل ب “أورييل داكوستا” ، المفكر الذي واجه تشدد رجال الدين وقاد حركة تفسير تاريخية للكتب المقدسة ، “داكوستا” طرد واحتقر وأذلوه ، كانوا يبصقون على وجهه ويلقون عليه النتن واحتمل ذلك ٧ سنوات ، استسلم ولكنهم ايضًا حرضوا ضده ، فأعلن توبته ، وطالبوه بالتندم أمام جموع الناس ، وجلدوه علنًا وخلال ذلك كانوا يلعنوه ، وطُلب منه الركوع أمام باب المعبد ليدهسه الناس إمعانًا في إذلاله ، لم تحتمل نفس “دا كوستا ” كل هذا ،فعندما عاد لبيته دون الواقعة واطلق على نفسه النار وانتحر .

اعتقد ان حياة “سبينوزا ” الذي شاهد هذا وهو في عمر الثامنة تدور حول كيف يتجنب مصير “داكوستا” ، كيف يفكر ويتمرد وتبقى رأسه على جسده

لعل هذا سبب إرتداؤه خاتم كتب عليه كلمة اتخذها قانون حياته هي :

Caute .. كن حذرًا

الأمة التي لا تريد إنجاب مفكرين أو تجعلهم يستترون كمن أرتكب فاحشة ،يكفي أن تفعل مرة مثلما فعل رجال الدين المتشددين مع “داكوستا” .

ظهر مقام “سبينوزا ” أخيرًا حيث قيل في فلسطين، ومن فوق منبر الجامعة العبرية عام ١٩٢٧ ، تصريح للمرشح الأول للانتخابات الرئاسية الأولى المؤرخ جوزيف كلوانسر بعد إقامة إسرائيل، في إبطال الحرم والتكفير عما فعله اليهود باسبينوزا في القرن ١٧

“إلى سبينوزا، اليهودي؛ نصيح من قمة جبل المشارف، من ملجئنا الجديد – ألغِيَ قرار الحَرْم! لقد أُلغي الخطأ الذي ارتكبه الدين اليهودي ضدّك، ومهما كان إثمك فإنه سيُغفر، فأنت أخونا، أنت أخونا.”

سامحوه على تعصبهم وقسوتهم ، وكل الأمم التي تقدمت أدركت أنها لم تكن تخرج من جاهليتها إلا بفضل عقولها التي أخصتها يومًا ، فلولا من “تجرأ” وأشعل النار حينها لم نكن لندرك أننا في الظُلمة نحيا .

فهل نسامح مفكرينا علنًا يومًا ما على

أقدس أراضينا ، هل يمكن أن تدعوا بالرحمة أكبر القامات الدينية التي نكلت بكل من اعمل عقله واتهموهم في دينهم ؟

هل تسامح أمتنا الحلاج وابن رشد وغيرهم ممن جاءونا بالنور فاسقيناهم الويل والثبور ؟؟

أم إننا نشكو التأخر ونحن نجعل من كل من فكر عبرة لمن يعتبر ، كل يوم لدينا “داكوستا” ، وكل يوم يشاهده طفل إما أن يصبح “سبينوزا” عندًا في الواقع،أو تموت أفكاره في مهده مرضاة للواقع .

السلام على كل من حرروا روح البشر ، والسلام على المبارك “سبينوزا” في ذكرى رحيله .. نحبك أكثر وأكثر 

شاهد أيضاً

الشك في منهج الشك الديكارتي

علي محمد اليوسف   علي محمد اليوسف                                        تقديم لعل تنسيب المنهج بمفهومه الفلسفي على وجه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *