الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / الفالنتان والرأسمالية.. العلاقات الخطرة..

الفالنتان والرأسمالية.. العلاقات الخطرة..

منير الحجوجي

طورت النفسانية ايفا ايلوز illouz أطروحة أعتبرها قوية جدا تقول بأن مشاعرنا الأكثر حميمية تجد جذورها لا في تاريخنا النفسي الفردي، فينا نحن، في لاوعينا (وهذه كما تعلمون أطروحة فرويد) ولكن في مكان أخر/أكبر، أعقد، هو الاجتماعي، التاريخي.. ان الفشل في حيواتنا العشقية، تقول ايفا، يرجع لا فقط الى شخصياتنا النفسية المعطوبة défaillantes ولكنه ثمرة مؤسساتنا، صراعاتنا الثقافية والاجتماعية الخاصة بالحداثة، بالتطورات الحاصلة في العلاقات الاجتماعية بين الرجل والمرأة، بانبثاق “سوق جديدة للحب”، بل وحتى بقيم نعشقها بقوة من مثل قيمة الحرية.. من الممكن القول بأن النزعة الفردية – كنتاج للحداثة- تجعل الفرد هشا جدا في الحب.. ففي المجتمعات ماقبل الرأسمالية، كان الرجال والنساء يلتقون في عالم حيث كانوا محميين عاطفيا وأخلاقيا من طرف الجماعة.. فمغازلة امرأة كانت تتم في ظل قواعد/طقوس واضحة، صارمة.. كانت هناك سنن واضحة ومقتسمة للقاء والالتزام العاطفي.. وكان مطلوبا من هذا البروطوكول أن يقنن العلاقة العاطفية، وينظم/يضبط العواطف، ويقلص الشكوك واللايقين، ويضمن بالتالي الاستمرار الفعال للعلاقة..

في النموذج التقليدي عندما كان أي رجل يقوم بمغازلة أية امرأة وينسحب ولا يلتزم معها يتعرض للتو للإدانة من قبل المرأة وكل الذين يحيطون به.. و لكن أيضا و خصوصا من طرفه هو ذاته.. لقد اختفى هذا الوضوح الأخلاقي من دائرة العلاقات العشقية، مما يجعلنا أكثر فأكثر هشاشة.. أما اليوم فان ما يهيمن هو اللايقين والمخاطرة..

ان ما يحكم العلاقة العشقية الأن هو اللايقين والشك.. لا ندري ما نحس به، لاندري ما يحس به الأخر، و الأهم أو الأخطر من ذلك لا نعرف ما هي دلائل les preuves الحب لدى الأخر وحتى لدي أنا نفسي.. هناك طبعا حالات حيث نعرف بدقة ما اذا كنا نحب أم لا.. لكن واذا استثنينا هاتين الحالتين القصوتين، فان العلاقات تعاش تحت دائرة اللايقين، وهو ما سماه الكبير أولريش بيك “فوضى العلاقات العشقية” و الجميل الأخر زكمون بومان “الحب السائل” .. في العلاقات العشقية لم تعد هناك قاعدة.. يمكن طبعا أن نطلب ونفرض أن تكون هناك قواعد واضحة لكن ما يحصل أننا نفهم بسرعة أننا كما لو أننا نخاطب أنفسنا..

وهنا يمكن أن نقرأ البنية الجديدة للألم العشقي souffrance amoureuse .. في عالم انتفت فيه المعالم والمحكيات الكبرى المانحة للمعنى، أصبح الحب يلعب دورا كبيرا جدا بل الدور الأكبر في “بناء” الذات وبناء العلاقة بالعالم.. الحب هو ما يمنحنا الاحساس بقيمتنا ( لا العمل أو الأخلاق أو اختراع تقنية تنفع البشرية). لذلك فان الألم العشقي ينظر اليه و يستدخل كأنه أكبر ما يهدد الهوية الشاملة للأفراد l’intégrité du moi des individus..

ان ما يمكن أن نسميه بسوق الحب هو سوق موسوم بالفوضى dérégulation، بسبب انفلات العلاقة العشقية من الأطر الأخلاقية/الدينية التقليدية التي كانت تنظمه في السابق.. لقد أصبحت العلاقة العشقية ذاتها تخضع لقانون المنافسة/اللهث وراء كل ما يمكن أن يجعلنا نحب.. و في حلبة السباق هاته لايتوفر الكل على نفس المقدرات.. وهذا اللهث هو ما ينظم ويشرعن اللامساواة في عيش الحب..

بالنسبة لايلوز وبيك وبومان والخطير الأخر جيل لبوفتسكي يجب البحث عن هذه المشاعر “الفردية” عميقا في التحولات الأنتروبولوجية لعالمنا.. وهي التحولات الموسومة بنزع طابع القداسة عن الأخر.. لم يعد الأخر مهما لأن القيم التقليدية الكبرى (الزواج، العائلة، الأطفال…..) لم تعد تهمنا. ما أصبح يهمنا هو العيش بلا التزامات اكراهية.. تجد هذه التحولات أساسها في عودة الذات الى ساحة الوجود. في تفجر النزوعات الفردية. الرغبات. الأهواء. ليس فقط في المجال العشقي، بل في كل قطاعات الحياة الأخرى..

تخلق الاستقلالية والحرية واتساع أفاق الاختيار نوعا من النسبية العاطفية بل الوجودية.. لاشيء يهم بقدر ما يجلب لي سعادة ظرفية، هي السعادة التي أحتاجها في لحظة ما من حياتي.. هل يمكن وقف هذا المسار؟ لا – تقول ايفا الوز- لأنه لا يمكن التراجع عن الحرية.. فتقدم الحرية يجعل من الصعب الثبات على القيم التقليدية: الالتزام، الوفاء، التضحية.. التي ينظر اليها في على أنها سجن للحرية.. لكن الحرية الجديدة هي ذاتها تتحول الى قفص صارم: فالأخر لامعنى له في العلاقة الا بمقدار تحقيقه لحريتي العشقية والجنسية..

Eva Illouz, Les sentiments du capitalisme, 2006.

Ulrich Beck, The normal chaos of love, 1990, et Zygmunt Bauman, L’amour liquide, 2004.

Gilles Lipovetsky, Le bonheur paradoxal, Gallimard, 2006.

شاهد أيضاً

جابريل مارسيل .. الآخرون هم النعيم

علي حسين ارتبطت الوجودية بالمقهي ، فعندما نسمع كلمة وجودية نتذكّر دوماً صورة جان بول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *