الرئيسية / Non classé / هيغل: مكر التاريخ

هيغل: مكر التاريخ

عثمان بويا

لم يكن الحديث عن التاريخ – كما نعرفه اليوم – ممكنا قبل كانط، وقبل ما سماه هو “الثورة الكوبرنيكية”، التي أسفرت عن اعتبار الزمان مقوما داخليا في الإنسان ومقولة تنتمي إلى ماهيته، بعدما كان خارجيا ينتمي إلى الوجود، وبعدما كان الإنسان يتأرجح بين الزمان المقدس والزمان المدنس[1]؛ ما أدى بهيغل إلى دراسة التاريخ وفقا لهذه النظرة، أي باعتباره مركبا من تصور الفيلسوف ومن جماع الوقائع التي شهدتها الإنسانية من صرخة استهلالها إلى شيخوختها ونضجها. لذلك يعرف هيغل فلسفة التاريخ بأنها «لا تعني شيئا آخر سوى دراسة التاريخ من خلال الفكر»[2] أو هي التاريخ نفسه.

ليس في وسع المؤرخ الأصلي والمؤرخ النظري إلا أن يقدما مادة التاريخ عبر سرد الوقائع والأحداث، وهو تاريخ غفل وصلد لا حركة فيه ولا حياة. في حين، يأتي الفيلسوف بصورة هاته المادة التي تعيد إليه حياته وحركته. فالتاريخ في جدل، وكذلك ينبغي للمنهج أن يكون. وكما أن التاريخ يتقدم بصراع الأنداد فإن الفلسفة تعبر عنه في صراع الأضداد، مسلمة بفكرة مفادها أن «العقل يسيطر على العالم، وأن تاريخ العالم، بالتالي، يتمثل أمامنا بوصفه مسارا عقليا»[3].

لإيلافنا هذه الفكرة يعود بنا هيغل إلى “الناموس” عند أنكساجوراس، ذلك القانون الكلي، أو تلك القوانين المطلقة التي تخضع لها الطبيعة الفيزيائية وينساق لها الكون. ويمكننا أن نشير إلى ما أشار إليه هيرقليت بقوله: «لا تنصتوا إلي، إنما أنصتوا إلى صوت اللوغوس»، وفي هذه الشذرة دليل على أن اللوغوس ليس شيئا خارجيا فحسب، بل هو محايث للإنسان أيضا، ووحده الانتباه إليه ما يخول للإنسان التناغم مع “الفيزيس”. نفس الفكرة تتكرر مع هيغل، لكن في سياق آخر. فبمجرد ما يستيقظ الإنسان من “سرنميته”[4] ويلتفت إلى طبيعته العاقلة وإلى جوهره كفكر، تنبثق الحرية، ويلوح وميض الروح، ومن ثمة يبدأ التاريخ.

 يؤكد هيغل على أن «جوهر أو ماهية الروح هي الحرية»[5]، أي أنها عودة العقل إلى ذاته وانطواء الفكر على نفسه[6]، وهذا «الوجود للروح في ذاتها ليس سوى الوعي الذاتي – وعي الروح بوجودها الخاص»[7]. بهذا المعنى يمكننا القول أن الروح هي من يصنع التاريخ الكلي، أو بشكل أوضح، هي من تعمل على تحقيق ذاتها (كروح) بذاتها (كعقل) في ذاتها (كتاريخ عام).

في سعي العقل لتحقيق ماهية الروح (الحرية)، وفي تلكأ التاريخ صوب تجسيد غاية  الروح (الدولة)، يكمن مكر التاريخ، مكر هذا الذي يطبع آثار خطوه بالدماء. قلنا أن التاريخ يبدأ عند غض الشخص لطرفه عن الموضوعات وتوجيه اتباهه نحو الفكر ونحو كائنات مفكرة وراغبة، ما يضع رغبته في صراع ضد باقي الرغبات، لذلك، تتحقق الحرية على أنقاض الحروب والمعارك، وتتجسد الدولة على أنقاض الخراب والدمار والجثث.

يجتهد الأفراد – من حيث أنهم كائنات راغبة – في تحقيق مصالحهم، ويبذلون أنفسهم في سبيل ذلك، ظنا منهم أنهم يفعلون في الطبيعة، بيد أنها هي من تفعل بهم من حيث لا يدرون. إذ أن قدرة فاعليتهم رهينة بمدى انفعالهم، وانفعالهم إنما ينم عن «الحاجة والغريزة، والميل، وعواطف الإنسان»[8]. وكما تفعل بهم الطبيعة من جانب الغريزة، فإنها تفعل بهم كذلك من جانب ثان هو الفكر، فالعقل الجزئي ينتمي إلى العقل الكلي، وكل فكرة أو مبدأ أو هدف صادر منه إنما يكون صادرا عن العقل الكلي. وما يعود إلى شخصيته هو شدة اقتناعه بهذه الفكرة أو تلك، وهذه الشخصية نفسها في العموم لها محددات جغرافية مرتبطة بالمناخ والتضاريس، وهو ما أكده مونتسكيو من قبل في كتاب روح القوانين، وهو نفسه ما أدلى به ابن خلدون قبلهما في مقدمته.

يدفع «الجانب الذاتي» الأفراد إلى تحقيق مصالحهم الجزئية، ليربط العقل الكلي بينها وبين باقي العلل اللامتناهي والمشكلة لنسيج التاريخ، فمثل الفرد هنا كمثل سجارة أنشبت حريقا في غابة. ووحده العبقري من بمكنته التماهي مع روح عصره، وبه وحده يمكن للروح أن تتحقق، فهو إذن، شرط لتصير الروح موجودة بالفعل لا بالقوة فحسب. لكنه هو الآخر مهما فرّ من الواقع فإنه لا مفر له منه إلا فيه، ومهما بلغ علمه في التاريخ فإن ذاك لن ينجيه من براثن الطبيعة؛ إذ «ما تعلمه التجربة والتاريخ هو أن الشعوب والحكومات لم تتعلم شيئا قط من التاريخ»[9]. لذلك دائما ما إن يُثبَت الفعل (الغاية القصوى)، حتى ينفى الفاعل، ونفس القانون يسري إلى أن يتضخم وتتحقق الحضارة في كامل تجلياتها، وما يلبث أن يأذن بزوالها، و”لكل شيء إذا ما تم نقصان”. هكذا هو عالم الظواهر، في صيرورة تنفي وتثبت باستمرار، كحطب لهب الروح، التي تزداد اتقادا بازدياد الأفراد الذين تفعل بهم فيها، وبازدياد هذا الإثبات والنفي، لتستمر الروح في عزف سمفونية القدر على أوتار التاريخ.

قد تكون ممن رأى في إحدى الحلقات دجاجة ترقص، فيذهل لأمرها الجمهور ويعجب له، إلا أنها لا ترقص فرحا كما يظن المشاهد، بل ترقص لشدة احتراقها من أخمص قدميها بالنار المخفية تحتها عنهم. إن الحقيقة هكذا، دائما ما تكون مخفية، وإن الملك أو الإمبراطور لا يدخل الحروب حبا فيها، وإنما هو كتلك الدجاجة يرقص فوق نار هيرقليت في موقف تراجيدي. قد يغبطه الناس على مكانته، إلا أن الانفعال في الحقيقة يفعل فيه ما يصعب تحمله.

والحق أن هذه الفكرة ليست جديد على الفلسفة، وإنما نجد لها نظيرتها عند سبينوزا، فالإنسان ليس سيدا على الطبيعة كما ذهب ديكارت بل هو حال من أحوالها، خاضع هو الآخر لمبدأ الكوناطوس، ولا يكون فاعلا إلا إذا كان منفعلا. وإذا أكد هيغل على أن التاريخ يستغل الأفراد لتحقيق مآربه ثم يرمي بهم كما يرمى بقشور الموز، فإن شوبنهاور هو الآخر يؤكد على أن «الفرد لا تكاد الطبيعة تحفل به في ذاته، وإنما كل قيمته عندها أنه وسيلة لحفظ النوع، حتى إذا أصبح غير قادر على تحقيق تلك الغاية قذفت به إلى الفناء»[10].

غير أن هذه الفلسفة أنجبت في المقابل فلسفات معارضة من قبيل فلسفة برغسون مثلا، والذي يذهب إلى إمكانية غدر الإنسان بالطبيعة وتجاوزه للحدود التي وضعتها له، بقوله في صريح العبارة: «وعلى هذا يكون الإنسان قد خدع الطبيعة وغدر بها.»[11] ويقصد به إمكانية خرق البنية الأصلية للنظام الاجتماعي الذي أرادته الطبيعة للإنسان. ويضرب مثالا ليوضح خداع هذا الفرد للطبيعة، هو قدرة الإنسان على اختراع أساليب تحول بين العمل الجنسي وغاية الطبيعة منه في التناسل إلى أكبر حد ممكن.


[1] انظر في هذا الصدد كتاب: إلياد، ميرسيا، المقدس والمدنس، ترجمة المحامي عبد الهادي عباس، دار دمشق، 1988، ص: 57

[2] هيغل، فريدريك، العقل في التاريخ، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير ببريوت، 2007، ص: 77

[3] المصدر نفسه، ص: 78

[4] السرنمية: من السير نائما، والمقصود بها الحياة الطبيعية التي لا تعي ذاتها.

[5] هيغل، المصدر السابق، ص:86

[6] يعني انطواء الفكر الذي هو جوهر للإنسان على الفكر الذي هو جوهر للطبيعة.

[7] نفس المصدر، ص: 87

[8] نفس المصدر، ص 92

[9] المصدر نفسه، ص: 75

[10] بدوي، عبد الرحمان، شوبنهاور، دار القلم ببيروت، ص: 232-233

[11] برغسون، هنري، منبعا الأخلاق والدين، ترجمة سامي الدروبي والدكتور عبد الله الدائم، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، 1971، ص: 64

*************

نظام العدالة في فكر هيغل

11 سبتمبر 2020 دراسات وأبحاثعامةمفاهيم 0

حمزة الودان حمزة الودان من مبدأ الحق إلى مبدأ القانون       يقول هيغل أن: «التحقق الموضوعي للحق [يعتمد] أولا: على وجود أمام الوعي، أعني أن يكون معروفا بطريقة أو بأخرى للآخرين، ويعتمد ثانيا: على كونه صحيحا وأيضا على أن يُعرف على أنه صحيح على نحو كلي»([1]). هذا الوجود الموضوعي هو …أكمل القراءة »

هيغل: الإبن المغرور

17 يوليو 2020 عامةفلاسفةمقالات 0

عبد الفتاح الحفوف عبد الفتاح الحفوف إن الحديث عن فلسفة هيغل الفيلسوف الألماني (1770/ 1831)،هو الحديث عن فلسفة أشبه ما تكون معقدة إن لم أقل صعبة على المتمرس وغير المتمرس، ولعل سبب غموضه في ما أعتقد، قدرته على إخفاء الفلسفات السابقة عنه، سواء بوعي أو بغير وعي منه. فلا يمكن …أكمل القراءة »

هيغل والحضارة الشرقية القديمة؛ الصين أنموذجا

29 مارس 2020 أخرىتغطيةدردشةمقالات 0

بقلم عبد الكريم لمباركي لقد عاش الإنسان منذ بداية خلقه صراعا قويا مع الطبيعة، لا لشيء سوى لفهم هذه الأخيرة وسبر أغوارها، لكن طالما كان منهزما في هذه الحرب وخاضعا لها، فالطبيعة تمّاز بصفة المكر والخداع مما يجعلها تصنع من الإنسان ما تريد وفي أي وقت تريده؛ إنه عقل ما …أكمل القراءة »

هيغل وابن عربي تفسير أم تَعقلٌ الواقع

19 أكتوبر 2019 فلاسفةمقالاتمواعيد 0

عبد الفتاح الحفوف     بقلم: ذ عبد الفتاح الحفوف     من الصعب جدا أن نكون  أشد إلماما ، بل من شبه المستحيل الجمع بين رجلين عظيمين، كالعلامة محيي الدين ابن عربي ( 1165/1240) الذي جمع بين مختلف علوم زمانه  (الفتوحات المكية)، والفيلسوف الألماني هيغل ( 1770/ 1831) الذي أسدل الستار …أكمل القراءة »

فجوة هيغل: “دَنْيوَة” المطلق… وذريعة مكر العقل

7 يونيو 2019 فلاسفةمجلاتمقالات 0

محمود حيدر*  هل نمضي إلى هيغل كمثل من مضوا إليه وهم على حذر مقيم؟لسنا على يقين من ان هؤلاء جانبوا الصواب في ما حذَّروا منه. لكن سيبدو تحذيرهم كما لو كانوا يومِئون إلى مفزعةٍ معرفيّة ستواجه كل من شاء الدخول الى عالم هذا الفيلسوف. وأنىَّ كان الأمر فمن المفيد للداخل الى …أكمل القراءة »

باولين بوتيت: الفلاسفة المتعاركون

‏يومين مضت ترجمةفلاسفةمجلات 0

ترجمة : الحسن علاج إذا كانت الفلسفة هي البحث عن الحكمة ، فإن طريق الوصول إلى ذلك لا يخلو من مشقة . ضد أنفسهم ، خصومهم أو منافسيهم ، لم يتوقف ال” حكماء ” عن المقاومة ، مع احتمال أن يصبحوا متعاركين حقيقيين . روسو ، خصومات متحول معتزل    …أكمل القراءة »

القانون في فلسفة العدالة الكانطية: تحليل من منظور هابرماسي

‏يومين مضت دراسات وأبحاثفلاسفةمجلات 0

بقلم/ الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ ساهم كانط في الفلسفة القانونية كثيرًا كما فعل في فروع الفلسفة الأخرى، تمامًا. لقد تأثر واستلهم جان جاك روسو، الذي سعى عقده الاجتماعي إلى حل مشكلة التوفيق بين الإكراه والحرية الفردية. سعت فلسفة كانط للعدالة التي تلعب فيها الحرية دورًا رئيسيًا بالطريقة نفسها إلى تقديم …أكمل القراءة »

ميشيل فوكو: حوار على هامش وصول اليسار الى الحكم وانتخاب فرانسوا ميتيران رئيسا للجمهورية

‏5 أيام مضت ترجمةحواراتفلاسفة 0

محمد ازويتة ترجمة : محمد ازويتة سؤال : مساء الانتخابات ، طلبنا ردود فعلك الأولى  . لم ترغب في الجواب . اليوم ، تبدو مرتاحا للكلام …. جواب : فعلا ، أعتبر التصويت في ذاته  طريقة في التصرف و العمل ، ثم على الحكومة أن تقوم بدورها . الآن يمكن …أكمل القراءة »

برفيز هودبهوي: لماذا لم تحدث الثورة العلمية في الإسلام؟*

‏7 أيام مضت بصغة المؤنثترجمةمفاهيم 0

Why Didn’t the Scientific Revolution Happen in Islam? جميلة حنيفي ترجمة جميلة حنيفي تدوّن كل حضارة عُظمى تاريخها الخاص بها، وتستخلص الأفكار من الماضي بشكل انتقائي، ثم وبغرض تحقيق رضاها عن ذاتها تعمل على إثبات أن عظمتها ليس لها نظير ولا منافس. كذلك حدّدت “حضارة الغرب”، وهي الحضارة المهيمنة في …أكمل القراءة »

مصطفى بوعمامة: الفنون التشكيلية الجزائرية، من 1962 إلى يومنا هذا

‏أسبوعين مضت ترجمةكتبمتابعات 0

نظرة إجمالية(ج3) ترجمة: كمال بومنير يُعتبر محمد خدة (1930-1991) أحد أبرز الفنانين والمثقفين الجزائريين المعاصرين. تأثرت حياته وأعماله كلها بالثقافة الوطنية التي كانت سائدة قبل وبعد الاستقلال. كان فنّانا عصاميا، ومن عائلة متواضعة. هذا، ومن الملاحظ أنّ مساره الفني قد ارتبط ارتباطا وثيقا بمصادفات مصير بلاده، وكان مندمجا مع ما …

شاهد أيضاً

ميشيل دوفلاي: علوم التربية اليوم ( الجزءI)

نور الدين البودلالي ترجمة: نورالدين البودلالي تم إحداث شهادات الدولة الخاصة بعلوم التربية بكليات الآداب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *