الرئيسية / ترجمة / جان جيونو: ثلاث قصص

جان جيونو: ثلاث قصص

يوسف سليم

(1) اليد

كان الصباح. عندما غادرت البلدة، كان الفجر، بالكاد، مثل قطرة ماء. وكانت تسمع همهمات كل الينابيع. استقبلت أولى أشعة الشمس وأنا أصعد منتصف التلة. وها أنا أجلس على المنحدر، الآن، ويتناهى إلى سمعي وقع خطوات تنزل على الطريق. من يكون هذا المبكر قبلي؟

كانت الخطى النازلة ثقيلة، شديدة الثبات في صلابتها وقوتها، لكنها بطيئة. كان يتهيأ أن الرجل يجس قاعدة الصخر ويتكئ عليها بحذق ومهارة. كنت أسمع صوت عصا تضرب الأرض وتلتمس الطريق. إنه فيدلين الضرير. وها هو عند المنعطف؛ إنه واقف هناك بطوله الفارع، وعيناه تعكس الشمس كشظايا زجاج، وعلى كتفه معول. ناديت الرجل من بعيد كي لا أبغته.

فأجابني قائلا:

– أنا قادم

وبالفعل، سار نحوي بتؤدة، وقد انحرف قليلا نحو المنحدر، فقلت له:

– ها أنت قد استيقظت باكرا هذا الصباح! كم الساعة تقريبا الآن؟

فأجابني:

– لا أدري، ربما الرابعة.

وأردفت:

– أظن ذلك

ثم واصلت: ” إنها الساعة الرابعة بالضبط، يا رفيقي”، ثم فكرت: “إنه يعرف الساعة أفضل منك”، وهذا ما جعلني أثوب إلى نفسي.

الساعة الرابعة! ربما كان لدي من الوقت ما يكفي لأواصل جولات من النوم.

كم أحب ذلك؛ الدخان الشفيف الذي يعانق المصباح. السرير الذي ينتظرني غضا عبقا برائحة الخزامى مع ملاءات جافة حديثة الغسل، ولحاف واسع دافئ مبطن بثوب حرير ناصل اللون.

– هل تعتني بشجرات الزيتون؟

– نعم.

وسألته من جديد:

– من أخبرك بأن الساعة جاوزت الرابعة؟

وجس أرض المنحدر بعصاه ثم بيده، ثم قال وهو يتهيأ للقعود على صوت طقطقة عظامه الهرمة:

– ” دودة الأرض”،

ثم واصل:

” دودة الأرض. عندما تخرج من الأرض، تكون الساعة الخامسة. أنا بحاجة للمس. ولا شيء يدخلني من خلال عيني، إنهما منطفئتان، لذلك ألمس بيدي.

وقلت له:

– هل تلمسها بيدك؟ بيديك يا فيدلين، هكذا كما ألمس أنا طاولة أو عشبا، أو حتى وجوها؟

ونظرت إلى يدي الرجل الغليظتين، المتشققتين، والخشنتين. يدان مدبوغتان بالغ الدبغ. يدان مشويتان، ميتتان، يدان ألقمتا في قشرة من الجلد الميت كما في قفاز من طين.

” وأحسن!” قال فيدلين.

رفع يده اليمنى، ولوح بها، وحينذاك، ودفعة واحدة، لمحت الذكاء كله لأصابع تلك اليد، كل القلق المتعرج للراحتين، وكل حذق جذر الإبهام ذاك، وكل شراهة تلك اليد التي تبصر.

” وأحسن! تعرف أني فقدت البصر صغيرا. يوم موكب القديس بانكريس. كان الجو حارا دأب شهر ماي هنا، كثير من الشمس وبخار الأرض الثقيل. وسرت خلف موكب القديس، حاسر الرأس، في عز الهاجرة وحمارة القيظ. وكان الشخص الذي يحمل ضريح القديس في المقدمة رجلا يدعى ماتورين، وكان يشتغل نجارا في حارة الأوبسيرفاتين. وعند بلوغ الكنيسة، دلفت. كان الناس ينزلون الضريح إلى القبو. وأشار لي ماتورين قائلا:” أيها الصغير، هات يدك، إنه ثقيل”. وضعت كتفي تحت الضريح، بجانب كتف ماتورين، وساعدت في إنزال الجسد المقدس. وكنت أقول في نفسي:” شيء ما مشوش في رأسك يا فتى”. في الأسفل كان الظلام مطبقا. ومنذ ذلك الحين أطبق الظلام على عيني. سحبتني أياد من القبو. لم يقولوا شيئا، ولم أقل شيئا أيضا”.

“كنت ذاهلا عن نفسي، وكنت صغيرا. وآخر شيء أتذكر رأيته: كتف ماتورين، ثم شمعة كبيرة تسيل، ثم درج تحت قدمي. انحطت قدمي عليه، ثم تلاشى كل شيء”.

“ولزمت كرسيي فترة طويلة. كنت أوضع فوقه أمام الباب. وكانت والدتي تقول لي دائما: ” انظر، انظر، ابذل جهدا.” وكنت أبذل قصارى جهدي، لكن دماغي بقي مظلما. في النهاية استسلمت، بكيت، تركت عيني وشأنها، قلت لا. لذلك، ومنذ تلك اللحظة، وكل من يحيط بي قال نعم، وبدأت أرى. »

وأنظر تلك اليد فوق العشب. إنها تلمس ساق نبتة الزعتر. وتتسلق الأصابع الكبيرة الأعواد، بينما الراحة تداعب خد الزهرة ذاك. “أتذكر ذلك الزمن عندما كنت شابا، وقد نبتت لحيتي، كان يوجد قبالة بيتنا ورشة خياطة. عند الساعة الرابعة من صلاة الغروب، كان يسمح للعاملات بالذهاب إلى فناء البئر ذي الباب الحديدي، كما تعلمون، هناك حيث توجد شجرة التوت الهرمة من بين كل أشجار المدينة. كن يقتربن مني، وينادينني:” فيدلين، فيدلين”،” ثم، “ها هي عصاك”، ثم” تبدو مثل يسوع المسيح”. كن شديدات اللطف معي، وممعنات في التحكك بي وهن يتكئن علي، حريصات على جعلي أشعر بفتحات الصدار، واستدرار ضحكي، ويقلن لي:” هات يدك”، ويضعن في يدي أشياء مدورة وساخنة، أشياء من لحم، علمت لاحقا أنها الأثداء. لكن، كنت ألمسها من فوق الصدار. يا لتعاستي! شاب في العشرين من عمره بدون عيون! هل تفهم يا سيد جان؟”.

– أعرف، فيدلين، أعرف ما كنت سأقاسيه أنا من معاناة. أعرف كل المعاناة التي جنبتها. لن أتذمر بعد الآن أبدا، فيدلين. كنت في العشرين من عمري مثلك وكانت لي عينان، ولازال الرب الطيب يحفظهما لي.

– لا، ليس هذا المقصود. أتعرف السيد جان، كل السعادة التي حظيت بها؟ لم تكن لئيمات. في يوم من الأيام، جاءت واحدة بمفردها. وقالت لي:” إنه المساء”، ثم تابعت:” الظلام دامس هنا، لقد كسر مصباح ناصية الشارع”، ثم ” أنا من كسرت المصباح رشقا بالحجارة الليلة الماضية”. وقلت:” سمعت ذلك”.

” المس”، قالت لي. ثم أخذت يدي وبسطتها على وجهها. ” المس العينين” قالت لي:” المس الأنف؛ المس الفم؛ المس الذقن؛ هل تشعر بشرتي، كم هي ناعمة؟ هل تشعر ما يحفره الجدول، هنا، بين الخد والأنف؟ هل تشعر بالخد كم هي مدورة، مدورة بالكامل، ثم هنا، بين الأنف والفم، هذه الحاشية الصغيرة ذات المنحدرين، ثم هنا، مرر أصابعك، هنا، فوق شفتي، أتشعر كم هي ناعمة؟ ثم تقاطيع الوجه، تعقبها، ثم، أترى، إني أقبل أصابعك، المس شعري…»، “بلى، قلت، أنت جميلة”. ” اسمي انطونيا”، ثم قالت لي” أحبك، وأنت؟”

ثم سكت

*****************

(2) جوسلي أو الرجل الذي يأكل الشمس

جلس جوسلي قبالة الشمس.

وكانت الشمس تنحدر كتلة من لهب؛ أضرمت النار في الغيوم، وجعلت السماء تنزف فوق الغابة؛ قطفت كل غلال الدغل، وداستها وعصرتها شرابا ذهبيا، دافئا، سال في الطرقات. وعندما يحلق طائر في السماء كان يترك خطا طويلا أسود متشابكا مثل فتلات غصن الكرمة. وهناك خلف التلال كان يسمع رنين الأجراس في أبراج القرى، وجلبة القطعان العائدة، وصياح قاطفي آخر شجرات الزيتون في المرتفعات، يتنادون من بستان إلى بستان بأصوات تبدو مثل النقر على الكاسات.

– مرحبا، جوسلي، صحت به.

– مرحبا، أجابني دون أن يدير رأسه.

– إذا أنت ترقب الشمس؟

– نعم، كما ترى.

وكانت الشمس الآن تعارك بطن سحابة كبيرة، تمزقها بطعنات نجلاء، وتغمر لحية جوسلي فيما يشبه عصارة فاكهة الدراق، فتخضب جوانب الفم، وتغمر العينين والخدين، فتتملك المرء رغبة في أن يصيح به: “اغسل وجهك.”

– ماذا؟ أ تأكل هذه الشمس؟ قلت له مرة أخرى.

– ايه! نعم، أنا آكلها. أجاب جوسلي.

وفعلا، مسح جوسلي فمه بظاهر يده، وازدرد لعابه كما لو كان قد عطره بفاكهة سماوية كبيرة.

ولما لم تكن قد بقيت في السماء إلا تلك الخضرة الشاحبة التي تسبق المساء، وقطرة ضوء ضئيلة ترتعش بشدة كقمرية هناك بين أشجار الصنوبر على التلة، طفق جوسلي يشرح:

” هذا ما عرفته قبل كل شيء آخر. هل سمعت إشاعة أنني سيد المطر، وأهمد الحروق بالبصاق فقط؟ وهل سمعت كذلك أنه لما يكون المرء مصابا بداء “نطاق القديس أنطوان “، ويستيئس كل علاج ويناله التعب، يقصدني، فيكفي أن ألمس الرجل أو المرأة لمسا خفيفا في موضع النطاق، كي يذهب الداء؟ أمسح بدني بقطعة قماش، ثم تُحْرَقُ، وينتهي الأمر. وأكيد، قيل لك أيضا أني أجبر العضو المخلوع بكلمة

وإذا عَلِقْتَ بحب امرأة حد التقلب ظهرا لبطن، كما فوق النار، تقصدني، فنتفاهم. أقرأ طالعك في النجوم، وأضع يدي خلف رأسك لبرهة، وها هي المرأة مضطجعة تحتك، على الفور، تحضر في اللحظة، حتى لو كانت في أقاصي الأرض. طبعا، أفعل هذا معك مرة واحدة لأسري عنك، وبعد ذلك لك الكلمة. أنا أعطيك ما تحتاجه، إنه سري الدفين. وإذا عملت بما أخبرك به، لن تقوى المرأة على صدك، ستأتي إليك، وحينذاك رتب الأمر معها.

وقاطعته:

-” قل لي جوسلي، هل هذا عملي؟

– طبعا إنه عملي؟ ثق بي إنه عملي!

– وهل أفدت منه أنت؟

ثم أدار نحوي كاملا وجهه العريض، وجه المتوحش الأصهب، وتحت لحيته رفت ابتسامة صامتة شديدة البياض والاحمرار.

“نعم، أفدت منه، لكن الآن….”

ثم حاكى بيده جناح طائر يحلق:

“لقد مر بي ذلك!

” نعم، لقد مر بي، وقد أخذ الأمر مني وقتا طويلا، لكني زهدت في النساء، إن ذلك يزعجني. إنه يفرغك من القوة. لا يبدو هذا القرار سليما: لكننا نعتاد عليه، إنه لذيذ، أو يتهيأ لنا ذلك. وذات صباح، تضرب بكفك على جبينك. يخرج الرنين مصمتا. تناجي نفسك:” أوه! كم أنا خفيف؛ أوه! ها أنا أمشي؛ أوه ها أنا أقفز!”. وتحس بنفسك مفرغا، وقد فسد داخلك كاملا. أما أنا فقد كنت بحاجة للقوة…القوة…القوة، كلما استقويت أكثر كان ذلك أفضل. لذلك أطفأت الصنبور.

– لقد قدمت تضحية كبيرة، قلت له.

– تضحية كبيرة، تقول؟ أصدقك.

ثم حدجني بعينيه الصفراوين، ثم استطالت النظرة ابتسامة على شفتيه.

“لكن الأمر كان يستحق كل ذلك العناء.”

ولبث صامتا للحظة. وراح ينظر إلى الدغل العظيم، في الأعلى، وقد شرعت حياة الليل تدب فيه. أنا أيضا أنظر إلى الدغل.

” نعم، كان الأمر يستحق التضحية. هيا اجلس. سأشرح لك. العالم، كما ترى، آلة ضخمة، هناك تروس ونوابض، وبخار يجعل كل شيء يعمل. وهناك دواليب بأسنان، وهذا الدولاب يدير دواليب أخرى بأسنان، وهكذا دواليك، كل شيء يدور، الأشجار، البهائم، الأحجار، الناس، السماء، التلة، لادورانس ، البحر، البحار التي في النجوم، جبال النجوم، حيوانات كوكب القمر، حتى الديدان في باطن الأرض، وفي قاع السماء، هناك حيث لا تراب البتة، ما عدا وحول السماء المجبولة من كل أغبرة العالم، وما قطر من كل البحار التي تدور…. هل ترى ذلك! عندما نعرف ذلك سنعرف الكثير، ومع ذلك لا نعرف كل شيء. ما دامت كل هذه الدواليب تشد الواحدة الأخرى، ولما تدور الواحدة تلحقها الأخرى أيضا. يدور الدولاب الكبير قليلا، ويدور الصغير ثلاث دورات، والأصغر منه يدور عشرين دورة، والأكبر قليلا لا يدور إلا دورة واحدة. أتفهم ما أقصد؟ إذن، ها أنت تنظر إلى الدولاب الكبير، وهو يتحرك قليلا بالكاد، فتقول في نفسك:” الصغير هناك سيدور ثلاث دورات. وفي تلك اللحظة بالذات يقوم بالدورات الثلاث. لكن الآخر هناك، الأبعد منه، والأصغر، يتريث للحظة قبل أن يدور دوراته العشرين. ولذلك تقول: ذلك الدولاب هناك سيدور عشرين دورة”. ثم ترقب، فإذا هو يدور عشرين دورة. وحينئذ ينظر الناس إليك، ويقولون لك: لقد خمن فقط، هل تفهمني؟ إنه لم يخمن، لا، هو يعرف ذلك. في بعض الأحيان، تستغرق الحركة من هذا الدولاب الذي يدور تحت ناظريك إلى الدولاب الآخر هناك، عامين، عشرة أعوام، عشرين عاما. إذن، ها أنت تعرف الأمر مقدما، هذا كل ما في الأمر. ولهذا السبب، لو شئت أخبرتك بألف شيء سيحدث لك، لا مفر لك منها، ودونما خطأ، أشياء حسنة وأخرى سيئة.

– جوسلي، أفضل ألا أعرف، دعنا نواجه الأمر، ربما أكون حركت الدولاب الكبير…

– لقد أسأت فهمي، لست أنت الذي يحرك الدولاب. أنت الدولاب، أنت فعلت هذا أو ذاك، وسيحدث لك هذا أو ذاك لأن الحركة التي قمت بها…لكن هذا ليس هو السؤال، وبعد ذلك، أنت…”

وطفق يضحك:

” …ثم أنت، أنت لم تقدم التضحية الكبيرة، كان حريا بي أن أشرح لك ذلك، فلن تتوصل إلى معرفته … ما لم ….

– ما لم أحسم أمري لأقوم بهذه التضحية الكبيرة؟ هل تعلم جوسلي، أنت تغريني بالمحاولة.

– لا أظن، هذا غير ممكن بالنسبة لك، إلا إذا كنت، أقصد، كدست القوة فيك.

– هنا، جوسلي، أنا رجلك. فكل صباح أقوم بساعة من العمل في قطع الخشب، ثم أمشي خلال التلال، ثم أتناول طعام الفطور…

– لا أتحدث عن هذه القوة، هذه القوة عند كل الناس …

– عن أي قوة تتحدث إذن؟

– قوة الشمس، تقف هناك قبالة الشمس، في المساء، عندما تلطف حرارتها، ثم تشرع تأكل وتأكل قدر ما تستطيع، وسريعا، سريعا، تغص بها. حينذاك، تدرك أن القوة ليست في السواعد. بل القوة في الرأس، وتدرك كيف تصنع الحياة.

آذنت الشمس بالمغيب. وأصبحت السماء الآن ساكنة مثل المرج، وعاد قاطفو الزيتون إلى المنازل، ومن المداخن كان يتصاعد دخان أزرق.

وقلت له:

” جوسلي، ثم بخفوت، جوسلي، هل يستحق هذا كل هذا العناء: التضحية الكبيرة ثم أكل الشمس؟ رجل وامرأة يتحابان، ثم يصنعان الحياة، الأمر بسيط! هؤلاء هم من يصنع الحياة. أنا أحب امرأة، وهي تحبني، أصنع الحياة، أنجب طفلا…

قال جوسلي وقد رفع يديه في الهواء:

– كلا، كلا، لكنه البخار الذي يجعلك تتحرك، إنها التروس، إنه الدولاب. أنت دولاب، وهي دولاب. وهذا الأمر وحده جوسليه يعرفه، جوسليه وحده…”

ثم انتصب واقفا. وخارج الحشائش، لم يكن أكثر من رجل ضخم مثل دالية عنب بقدمين مثل الخيوط، وذراعين من دخان، وعلى منكبيه كمنكبي طائر، يتهزز رأسه الضخم مثل ثمرة قرع.

************

(3) سيلفيا

من هنا أراها، إنها هناك تحت أشجار الزيتون، واقفة وقدمها اليسرى منغرسة بانحراف في الأرض لتقف بثبات في وجه رياح الألب التي تلعب بتنورتها. كانت مكبة في حياكة جورب. أرى رقبتها كاملة الاستدارة مثل عنق الحملان الصغيرة، وأرى تلك الحزمة الجميلة من الأوراق الصهباء التي هي شعرها. كان دبور يطير في شكل دائري يهاجمها، فتحرك يدها قليلا، وهي تخال نفسها وحيدة، وتصيح به:” هيا، ابتعد؟”، فيبتعد الدبور.

سمعت جلجل خروفها الطاعن في السن، إذ لم يعط لها كبش يتقدم القطيع، لأنها فتاة أولا، ثم لأن هيلين حظيت بذلك الكبش، وأخيرا، لأن حراسة قطيع من عشرين شاة، هنا، على الخصر الدافئ من هذا التل، لا يحتاج إقلاق راحة كبش.

ثم فكرت: سيلفيا هناك في الأعلى. ودفعني ذلك إلى أن أترك مكاني المشمس وأعرض نفسي للريح. كانت ريحا بطيئة، مسطحة وحادة مثل السكين، وتنفذ ببالغ البطء، تحط وديعة على زهر الجرب وأشجار الزيتون. كانت تهب على هواها وهي تنجز عملها. سوف تجلد الليلة.

نعم، فكرتُ: سيلفيا هناك في الأعلى. وماذا بعد… جعلني ذلك أتذكر عصر ذلك اليوم الذي عادت فيه من المدينة. كنت قد وصلت إلى المنزل على أعقابها تقريبا، ودون أن أعلم بالأمر. دخلت الضيعة. ورأيتها. لقد مرت خمس سنوات ونيف الآن. كانت هناك، تجلس وحدها على الطاولة. ولم تكن نزعتْ لا معطفها الجميل، ولا قبعة الساتان؛ كانت تمسك بين أصابعها الدقيقة وعاء يبخر بشاي أعشاب؛ كانت له رائحة الزوفاء (2) والشمار (3) المغليين. وقفت الأم أمامها، ويداها على المئزر، تنظر إليها تحسو الشراب؛ وإلى جانبها، وقف الأب ينظر إليها وهو يمص طرف غليونه. ولما دخلتُ، نظرتْ إِلَيَّ من فوق الوعاء دون أن تتوقف عن الاحتساء، واستدار الجميع نحوي بعيونهم وكأنهم يشيرون إلي:

– لا ضوضاء، إنها تشرب.”

وبقيت قرب الباب.

ولما تنهدتْ، والوعاء على الطاولة، بالغة السرور، وهي تستعرضنا نحن الثلاثة بنظراتها، تمكنتُ من النظر إلى وجهها. عندئذ هَجَسْتُ:

” جان، إنها امرأة الآن، لم تعد آنسة” (يقال هكذا عندنا، آنسة، للفتاة التي هي فتاة، هل تفهم ما أعنيه؟ الفتاة الرشيقة، الحسناء، ولأجمل القول: البكر). كان في فمها، في نظراتها، وفي جسدها، أشياء بالغة الوضوح، لا يمكن أن تخدعني.

وظللت في داخلي أكرر:” سيلفيا، سيلفيا، من كان ليتوقع…؟” ثم:” إنها الحياة، أنت لم ترغب في ذلك؟ … هل تغار؟ إنها الحياة، هذا هو نظام الكون، هذا هو القانون. إنها امرأة. إذن، وماذا بعد؟”

يومذاك، لم أتعرف إلا على سيماء وجهها: رسم صغير في هيأة نجمة، هناك، تحت عينيها، خُطَّ من طيات الجلد؛ شفتاها اللتان تنتفخان في منتصفهما، في بعض الأحيان، ويسري الانتفاخ فيهما طولا، كما لو كانتا تنشدان القبل؛ وأيضا، يداها اللتان تحملان سيماء بادية لي أنا الذي أحببتها.

إنها لن تعرف ذلك أبدا، ثم، من أكون أنا؟ …

وأخيرا، وبعد كل شيء، لما عرفت أنها باقية هنا من جديد ” في شوسيير”، وأنها طلبت إحضار ملابسها القديمة، ومسحت أحمر الشفاه، عدت أفكر، أنا، في قدمي المفلطحتين.

أقول هذا لأني إنسان متوحش. وكما تعلمون، كنت مجبرا على ذلك، لأني عشت حياتي وحيدا، بين حقول الخزامى وقفائر النحل، ولأن عادة تعهد النحل هذه، على وجه التحديد، تتطلب الأناة والدقة، وجعلني ذلك بطيء الخطوات، فأبدو كما لو أن قدمي كبيرتان.

هذا ليس صحيحا. نظرت إليهما في الجدول. إنهما ليستا كبيرتين. إنها أقدام رجل، بالتأكيد، لكنها ضيقة من الوسط. ثم إن كل أصابع الأقدام عريضة.

وهكذا، شيئا فشيئا، ومن موضوع لآخر، انخرطنا في الحديث، أو بالأحرى، هي التي راحت تتحدث، أما أنا فكنت أقول:” نعم آنسة، لا آنسة”. وهذا كل شيء. وهذا كل شيء.

وهكذا عرفت، أه! ولم يكن ذلك جيدا، إنها ما انفكت تعتقد أن الأمر جيد، أو بالأحرى كان جيدا. وعندما أقول لها:” ولماذا كان يفعل معك ذلك؟”، تجيبني:” كان يحبني، أنت تعرف ذلك”، فأقول لها:” نعم، آنسة”، وفي دخيلتي كنت أقول: «لا، آنسة”.

إنها لا تعرف، لأنها لم تتلق الدروس الجيدة، دروس الكلبة والكلب، العصفور والعصفورة، وكل هذا الخليط المسكر الذي يُنْضِجُ، حتى هذه الساعة، ثمرة الكون.

كانت تحوك الجورب وهي ترعى خرافها. البارحة قالت لي: ” أرأيت عندما بدأت، كنت ثائرة الأعصاب، فكانت حياكتي مهلهلة. انظر! أما الآن، وبفضل مثابرتي، فقد أصبحت أمتن، إنها تتحسن كثيرا!”

. نعم، إنها تتحسن، كما لو أن عصيرا سماويا يتدفق فيها الآن”

وأنا، هناك وسط الحشائش، أنظر إليها، وأنا غارق وسط الحشائش الصفراء. هي لا تراني. لن تستطيع أن تراني. لن تراني أبد الدهر.

أما أنا فأراها.

***************************

الكاتب: جان جيونو (Jean Giono) ( مارس 1895- 9 أكتوبر1970)، كاتب فرنسي من مواليد مدينة مانوسك، جنوب فرنسا. لزم الكاتب هذه المدينة الصغيرة، ولم يغادرها إلا في مرات نادرة حتى مماته. اشتهر بشغفه الكبير بالطبيعة، وخاصة الفضاءات الطبيعية الجميلة بمقاطعة لابروفانس، جنوب فرنسا، بالإضافة إلى نزعته الإنسانية القوية التي تشي بها أعماله الروائية والقصصية. من أشهر أعماله الأدبية:

-أنشودة الكون (le chant du monde) رواية؛

-زارع الأشجار (L’Homme qui plantait des arbres) قصة طويلة؛

– القطيع الكبير(Le Grand Troupeau) رواية؛

-النفوس القوية (Les Âmes fortes) رواية؛

– وليبق فرحي دائما (Que ma joie demeure) رواية؛

– عزلة الشفقة (Solitude de la pitié) مجموعة قصصية؛

– الفارس فوق السقف (Le Hussard sur le toit) رواية؛

* النصوص المترجمة مأخوذة من المجموعة القصصية ” عزلة الشفقة”، عن دار النشر غاليمار، سلسلة قرأت.

****************

جاك طاسين: الحجر الصحي أو أفول حاسة اللمس

13 أبريل 2020 ترجمةعامةمفاهيم 0

ترجمة سليم يوسف الكائن البشري كائن لمسي بامتياز، فلمس العالم حاجة ومصدر سعادة له. لكن يلزمنا، وبأسرع وقت ممكن، أن نعيد تعلم العيش وفق أهواء أجسادنا. لم تخلق الأزمة الصحية الحالية شكلا من أشكال التذرية الجسدانية التي لا سابق لها فقط، ولكن خلقت أيضا شكلا من أشكال الحذر حيال كل …

شاهد أيضاً

ضد أيديولوجية الكفايات، يجب أن تعلم المدرسة التلاميذ التفكير

حوار متقاطع مع فيليب ميريو (Philippe Meirieu)، المربي والباحث، ومارسيل غوشيه (Marcel Gauchet)، المؤرخ والفيلسوف. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *