الرئيسية / منتخبات / تغطية / فيلم خميس 1984: بين يوتوبيا النضال وديستوبيا السينما

فيلم خميس 1984: بين يوتوبيا النضال وديستوبيا السينما


محمد تيسُكمين

محمد تيسوكمين

     الفيلم خميس 1984، فيلم سينمائي ناطق بالريفية، أخرجه وكتب له السيناريو المخرج محمد بوزكو وأنتجته شركة بروديكسيون، بطولة الممثلون والممثلات: ميمون زنون، سميرة المصلوحي، شيماء علاوي محمد بن سعيد ، رفيق برجال،رشيد أمعطوك، بن عيسى المستيري، وليديا فرح .

     لم يكن هذا الفيلم فيلما تاريخيا ولا توثيقا للذاكرة الجماعية للريفيين والمغاربة بالمعنى الحرفي، لا من جهة الاحتفاء واستعادة الأمجاد ولا من جهة التبخيس أو التطبيع مع ما جرى ولا يسعى إلى أي تبرير أو إقحام أية أحكام بارا سينمائية. بل هو فيلم خيالي فقط

    لقد وجدت نفسي مضطرا إلى التصريح بهذه المقدمة كبداية للتحليل من أجل غايتين مترابطتين:

  • تحرير الفيلم من التقييمات والأحكام الباحثة فيه عن موضوع لا يتضمنه
  • إخراج موضوع الفيلم من بين أنقاض الأحكام السابقة والاشتغال عليه بمعزل عنها

بعيدا عن خميس 1984 التاريخ

     شكل ارتباط الفيلم ، من خلال العنوان وبعض القصاصات الإعلانية ،بأحداث 19 يناير 1984 بالحسيمة والناضور، إرباكا كبيرا على مستوى التلقي والاحتضان النقدي والإعلامي للفيلم. وقد كانت خيبة أفق الانتظار كبيرة لدرجة أن حجبت أي تلقي آخر للفيلم. فالأحداث التاريخية لم تكن إلا خلفية زمانية لأحداث الفيلم ، ولكنها مؤثرة ومشوشة على التلقي والإدراك لجمهور ظلت ذاكرته حية، بل لازالت جروحها تنزف. ولم يكن  هذا خطأ المخرج على الإطلاق بل على العكس من ذلك يعتبر انجازه تمرينا فنيا ومجهودا كبيرا للفصل بين التاريخ ومهمة السياسي والمناضل من جهة، وبين الخيال ومهمة المخرج وحريته في بناء الأحداث والشخصيات وفق رؤيته الفنية والتحرر من سطوة الأحداث الواقعية والسقوط في الخطابات المباشرة الفاقدة للمشروعية الفنية من جهة أخرى .

   خيبة أفق انتظار المتلقي تزداد أيضا إلى حدود إنتاج مواقف عدائية تجاه ” النص” عندما تكون المسافة بين الأفق وتكسيره كبيرة، فما بالك بالمسافة الفلكية كما هو الأمر في الفيلم، فأعطاب الفحولة أو العجز الجنسي من الصعب تقبله داخل مجتمع محافظ، كالمجتمع المغربي ، وهذا أيضا ليس مشكل المخرج ومن حقه الدفاع عن حرية الإبداع والدفع بها إلى حدودها القصوى، لا أن يساير رغبات وأهواء الجمهور.

قريبا من خميس 1984 الفيلم

   يتعلق الأمر إذن بخميس، الشخصية العاجزة جنسيا، المنسحبة كليا من العالم الضَاج بالأحداث خارج جذران بيته، ( أصوات حناجر المتظاهرين، وهدير الرصاص والدبابات…) خميس المنشغل بعالمه الخاص الذي تقلص في حدود قضيبه المنكمش منذ خمس سنوات فأفقده كل صلة بالعالم خارجا، فلا هو يهتم بالحرية و لا يشغله غلاء الأسعار ، عجزه الجنسي أفقده حتى التركيز على العمل الذي أصبح روتينا يوميا ، بل آليا بلا روح . أما ما تبقى من روحه فقد تشبثت بآخر قشة وهي المحاولات  المستمرة  لشحذ ما اعتبره آلته الوحيدة لمواصلة الحياة . مستعينا بفونتازمات حلت أمام عينيه مصادفة مما يعني أنه قد استنفذ كل ذخيرته الخيالية منها خلال مدة عطالته. سايرته زوجته أثناء محاولاته دون حماس، ربما لعلمها المسبق أن ما أفسده الدهر لن تصلحه صابونة أو قفاز. أما ابنه المسكين ، الشغوف باللعب والذي لم يجد له أخا يبادله اللعب ، لا يعلم وهو ينادي أباه للعب معه أن هذا الأخير لا يستهويه هذا النوع من اللعب ، ولا يريد منه إلا الظفر خفية بلعبة من لعبه (قفاز بلاستيكي) لتسخيره استعدادا للعبته الكبرى !!

   ولأن الطبيعة تخشى الفراغ، فلن تظل زوجته مكتوفة اليدين فهي امرأة لها شهوتها، بل بالأساس أنثى تحركها غريزة الأمومة ، وبحكم كون هذه الغريزة متجذرة في الطبيعة الإنسانية الممتدة في الماضي السحيق، فلا يمكن أن تصمد أمامها كل أشكال الثقافة والأخلاق اللاحقة . فانقادت نحو غريزة إعادة الإنتاج كما كانت تفعل أسلافها من الإناث في المراحل البدائية فواقعت ذكرا فحلا وفق منطق الانتخاب الطبيعي، شخص وسيم وقوي بيولوجيا وذو مكانة اجتماعية(مقدم) ! . نظرة مقت واشمئزاز إلى زوجها العنين وهو يقدم يد المساعدة لامرأة على وشك الولادة، أثناء أكثر اللحظات جنونا ورائحة الدم والموت تخنق المكان تؤكد على اشتغال غريزة الأمومة وليس مجرد استمتاع جنسي .

    حالة الديستوبيا المطلقة التي عاشتها الشخصيات هذه الليلة المتاخمة للشر المطلق: النزيف حتى الموت،الانتحار،بثر الشخص لعضوه التناسلي، الاغتصاب، العيش وسط الأشلاء،الإحساس بالخيانة والعجز…

   حالة الديستوبيا هذه دعوة لاكتشاف أغوار النفس السحيقة وقدراتها على المقاومة و البقاء، وإعادة ترتيب لسلم الأولويات وقياس مدى قدرة القيم على الصمود، فقد تحولت سلوكات الشخصيات وردود أفعالها كليا فصارت مختلفة عن الاعتيادي.

  صارت رصاصة الرحمة أرحم من ألم النزيف الجسدي والروحي، وصار الانتحار أفضل من جر مهانة الاغتصاب طول العمر، وصار الإكراه يحول دون أخلاقيات الطب وقسم أبوقراط ، وصار تقديم  المساعدة لشخص أهم من أخلاقيات الحياء ، وصارت غريزة الأمومة تطغى على الموت نفسه…. إنها البشرية غريبة الأطوار في لحظة الخطر !

من خميس الفيلم إلى خميس التاريخ

      كان من المفترض أن يتخذ التلقي النقدي للفيلم مسارا مختلفا عن الذي حصل ، وهو الانطلاق من الفيلم إلى الأحداث التاريخية وليس العكس، وهو الأمر الذي سيُمكن المتلقي من مواجهة الفيلم بذهن “فارغ” ودون خلفيات أو توجيه مسبق، يجعله يبحث فيه عما يريد عوض التعامل مع ما هو كائن ومعبر عنه في الفيلم فعليا. وهكذا ستسمح المشاهدة غير الآثمة للفيلم من تقييم عناصره الداخلية، وانطلاقا مما تبوح به، كما يمكن أيضا تشغيل التأويل بعديا والتفكير بما تتيحه عناصر الفيلم من مضمرات كامنة. وليس هناك ما يمنع حينها من ربط أحداث الفيلم بالأحداث الأليمة ل 19 يناير 1984 والدلالات التي حملها الفيلم إياها. بعد الإقرار بداية على أن الفيلم تناول قصة رجل يعاني عجزا جنسيا مزمنا أفقده معنى الحياة وأوصله إلى أسفل دركات الجحيم وما اقتحام قوات القمع للمنزل بحثا عن التلميذين إلا تعقيدا لحالته هو ووسيلة لإبراز عجزه المطلق في الجوانب الأخرى غير الجنسية.

   التركيز على قصة معينة على هامش الأحداث التاريخية وغض الطرف عن تفاصيل الأحداث ، بل الإمعان في انتقاء فقط ما له علاقة بالقصة، هو ما يهم المخرج، بل هو حصنه الحصين ضد السقوط في المباشرة واليومي والاعتيادي. أما المتفرج فله الحق في الاشتغال على امتدادات القصة خارج الكادر مستندا إلى التاريخ والذاكرة وقدراته في الفهم والتحليل والتأويل. و لا أعتقد أن المتفرج سيحتاج منها الكثير ليعقد مقارنة بين خميس الفيلم وخميس الأحداث المطابقين ، إنه العجز نفسه هنا وهناك، إنه البثر والإخصاء، إنه النزيف نفسه نزيف الجسد والروح

     ويمكن للتأويل أيضا أن يتخذ مسارات أـخرى يتيحها الفيلم ضمنيا كالعلاقة بين التحرر الجنسي والتحرر الفكري والسياسي ، واعتماد العافية الجنسية كأساس لبناء الإنسان، القادر على صنع مصيره والتعويل عليه في تقرير مصير الآخرين. وهو أمر غير متحقق في خميس الفيلم الذي فجر عجزه الجنسي المزمن عبر التحالف مع قوات القمع ضد رفاقه في المنزل ، بل مارس قوته الجسدية لشل حركة التلميذة   وتمكين أحد الجنود من اغتصابها .

       في الختام، ينبغي الإشادة بمغامرة المخرج محمد بوزكو في هذا الفيلم ، مغامرة ثلاثية الأوجه، لا يستطيع أي مخرج في السياق الثقافي المغربي الإقدام على إحداها منفردة إلا بعد تفكير طويل، وقد تكلفه الكثير:

  • اقتحام موضوع غاية في الجرأة ، يتعلق بالحياة الجنسية وهو أمر صادم للمتفرج
  • ربط الفيلم في هذا المستوى من الجرأة، بالذاكرة الجماعية والأحداث التاريخية الأليمة
  • المعالجة وفق الرؤية الديستوبية غير المهادنة للمتفرج الباصمة علامة المنع الحمراء .   
  •  

*****************************

من يحب الحياة يتحرر من الجناح “ج”

‏3 أسابيع مضت تغطيةشاشةمتابعات 0

قراءة نقدية في الفيلم المغربي نساء الجناح “ج” محمد تيسُكمين محمد تيسوكمين بطولة أسماء الحضرمي، جليلة التلمسي ، ايمان مشرافي ، ريم فتحي، سيناريو محمد نظيف وأسماء الحضرمي . اخراج محمد نظيف في مشروعية الموضوع    “من يحب الحياة يذهب للسينما”. يمكن الإقرار بأن فيلم نساء الجناح”ج” قد تمثل هذه …

فيلم سيد المجهول: في محاولة تأسيس سينما العبث مغربيا

‏أسبوع واحد مضت شاشةمتابعاتمفاهيم 0

محمد تيسُكمين محمد تيسوكمين       من الضروري التمييز بداية ، في السينما المغربية بين عبث السينما كصفة أصبحت تلازم المشهد السينمائي المغربي أكثر فأكثرمن جراء اختلالات تنظيمية وإبداعية حاول الكثير من المهتمين والمهنيين الوقوف عندها كل حسب تخصصه، وبين سينما العبث كرؤية إبداعية واختيار جمالي واع رغم أن المفهوم لم …أكمل القراءة »

قراءة في سيناريو الفيلم المغربي البركة ف راسك لعادل الفاضلي

10 مايو 2020 تغطيةشاشةمتابعات 0

محمد تيسُكمين محمد تيسوكمين         “البركة فراسك “فيلم تلفزيوني  جديد للمخرج عادل الفاضلي، انتاج الشركة الوطنية للاداعة والتلفزة المغربية . فيلم أبدع فيه المخرج تقنيا ،وقدم منتوجا جديرا بالتقدير .          ولكونه منتوجا جديا  ارتأيت أن أبدي حوله بعض الملاحظات على مستوى كتابة السيناريو منطلقا من مسلمة أن الفيلم لو …

قراءة في سيناريو الفيلم المغربي البركة ف راسك لعادل الفاضلي

10 مايو 2020 تغطيةشاشةمتابعات 0

محمد تيسُكمين محمد تيسوكمين         “البركة فراسك “فيلم تلفزيوني  جديد للمخرج عادل الفاضلي، انتاج الشركة الوطنية للاداعة والتلفزة المغربية . فيلم أبدع فيه المخرج تقنيا ،وقدم منتوجا جديرا بالتقدير .          ولكونه منتوجا جديا  ارتأيت أن أبدي حوله بعض الملاحظات على مستوى كتابة السيناريو منطلقا من مسلمة أن الفيلم لو …

الفيلم القصير طالب اتران

4 يونيو 2017 Non classé 0

فيلم قصير اخراج حسن أمرير وسيناريو صديقي محمد تسكمين: فيلم حجاجي في موضوع: “الإنسان كخالق للدلالة وصانع للمعنى”، أي حول المسافة التي يتيحها التأويل بين فعل أر ارترا: يتقيأ، وفعل أر اترا: أي يكتب، وهذه المسافة بين التقيؤ والكتابة ينسبان معا للفقيه في التصور الشعبي وآفاق التأويل الممكنة. فيلم يحكي

رواية رواء مكة بين تنطع المقرئ وانضباط القارئ

17 مايو 2019 تغطيةصدر حديثاكتبنصوص 0

كوة: محمد تسكمين محمد تسكمين بحضور مجموعة من الدعاة والشيوخ، تفضل الداعية المغربي المقرئ أبوزيد الإدريسي بتقديم حماسي للسيرة الذاتية للدكتور حسن أوريد رواء مكة [1]باعتبارها أفضل ما قرأه طيلة عمره المديد من بين آلاف الكتب والمؤلفات،  ناصحا بها مستمعيه قصد اكتشاف هذه التحفة ، ودون  الانسياق مع التفاصيل فإن 

شاهد أيضاً

كتاب كوة 3: سلافوي جيجك – عالمٌ أقلّ اغتراباً بعد كورونا

صدر لموقع كوة الكتاب الثالث من الكتب الرقمية بعنوا سلافوي جيجك عالمٌ أقلّ اغتراباً بعد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *