الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / ميكي مارتن وتجربة الموت الرحيم

ميكي مارتن وتجربة الموت الرحيم

إيمان الرياحي

تعمل ميكي مارتن المختصة في الفلسفة الأخلاقية مستشارة في القطاع المالي وتهتم عموما بالمسائل الإيتيقية والإنسانية في السياق العملي وفي الفضاء العمومي. أما انشغالها بموضوع الموت الرحيم، فقد كان يتعدى مجرّد التفكير في مشكل فلسفي راهن، إلى الحديث عن تجربتها الشخصية حول الموضوع. وهو ماضاعف لدى الكاتبة حسّها الإشكالي والإنساني،الأمر الذي جعلنا ننتبه لمثل هكذا نوعا منالتجارب الاستثنائية.

تسرد مارتن في كتابها، الصادر باللّغة الهولنديّة عن دار سيكلوس للنشر سنة 2019 والمعنون ب “يجب أن أغادر الآن: ثلاثية المرض والموت الرّحيم والحداد”، مجموعة الأحداث الحافة بمرض ابنها بيتر بالسرطان وبمفارقته الحياة، حيث قرر الشاب البالغ من العمر ستة وثلاثين عاما أن يضع حدّا لحياته عن طريق الموت الرحيم بعدما استفحل الداء داخل جسده. لقد اتّخذ هذا القرار بسرعة وفي غضون شهرين من مرضه حتى ينهي شعوره بالآلام المبرحة التي يعاني منها ويريح عائلته من حزنها وقلقها ومن مشقّة السعي إلى العلاج بلا جدوى وحتى يجنبها أيضا المزيد من الخسائر الماديّة. لكن، نعثر في الحوار بين الأم الكاتبة وابنها على سبب آخر لقراره وهو عدم تقبل صفة “المريض”، باعتباره شخصا عاجزا ولا تُرجى منه فائدة لتنفعه أو لتنفع الناس. فهو لا يريد أن يظلّ مقعدا بلا عمل أو أن يكون عالة على عائلته وعلى المجتمع بشكل عامّ.  يعتقد بيتر أيضا أنّ جدارة الحياة تكمن في نوعيّتها وفي جودتها وليس في طول أيّامها، لذلك لا يودّ أن يُقضّي ما تبقى من حياته تحت سطوة الوثائق الطبية وصور الأشعة والرنين المغناطيسي.

تصف الكاتبة يوم وداع ابنها على نحو مؤثّر ومربك. لقد كان ذلك الوداع في غرفته حيث التفّ حوله بعض أفراد العائلة والأصدقاء المقربين منه. وتذكر ارتفاع صوت الطبيب وسط حلقة الأصحاب والأحبة يسأل بيتر إن كان مستعدا للرحيل، فكانت حكمة الشاب الأخيرة هي التالية ” يمرّ الزمن سريعا، فلا تؤجّل ما ترغب في القيام به مطلقا إلى يوم غير معلوم.”

ميكي مارتن

تدفعنا خواطر كتاب “يجب أن أغادر الآن” إلى التساؤل حول ظاهرة “الموت الرحيم” التي تعتبرها اللجنة البريطانية الخاصة بآداب مهنة الطب في مجلس اللوردات، “تدخلا طبيا متعمّدا لإنهاء حياة شخص مّا قصد التخفيف من معاناته المستعصية على الحلّ” يكون ذلك مثلا بعدم تمكين المريض من أجهزة الإنعاش أوحقنهأو إعطائه جرعات قويّة من المسكّنات ممّا يعجّل وفاته. لا يعدّ هذا الشكل من التدخل الطبي جريمة إذا ما كان  مبرّرا من الناحية الطبيّة و إذا ما استوفى بعض الاستثناءات القانونية في بعض البلدان مثل بلجيكا و سويسرا و هولندا ، حيث  تسمح هذه الدول  بالموت الرحيم الطوعي، فلا يعتبر  جناية و لا يقع تتبع الطبيب قضائيا إذا ما توفرت مجموعة من الشروط، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر : اتفاق الأطباء حول تدهور صحة المريض و معاناته الشديدة و استعصاء حالته على الشفاء و رغبته في الموت و تقديمه لطلب صريح في الغرض أو موافقة عائلته إن استعصى عليه طلب ذلك… و لا بدّ أن يعاين الطلب من طرف لجنة مكوّنة من مجموعة من الأطباء و القضاة لدراسة المسألة و التثبت من توفر شروط إمكانها الطبيّة و القانونية.

       على العكس من ذلك، ترفض جلّ بلدان العالم وعلى رأسها فرنسا، الموت الرحيم وتمنع تطبيقه حتى وإن كانت حالة المريض ميؤوسا منها لأنّها تعتبره شكلا من أشكال القتل بالنسبة للطبيب وضربا من الانتحار بالنسبة إلى المريض.وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ المرجعيّات الدينيّة والفلسفيّة المحافظة تنتقد الموت الرحيم وترفض الحجج الطبية المبرّرة له، فتقدّم بدورها تبريرات إنسانية لرفضها، من ذلك أنّ رعاية المريض والمحافظة على أمل شفائه خير وأولى من وضع حدّ لحياته. ثمّ قد يكون المريض مكتئبا أو في حالة نفسية حرجة لا تخوّل له الحكم السليم على وضعه، لذلك يكون من الأجدر على المقربين منه دعمه ورعايته بدلا من تشجيعه على مغادرة الحياة.

لا تعدّ ظاهرة الموت الرحيم ظاهرة جديدة في تاريخ البشرية، حيث تشير العبارة اليونانية “أوتاناسيا” إلى الموت اليسير الذي ينفذه الطبيب بدافع الرأفة والشفقة على مريضه الذي استحال شفاؤه. يقول الفيلسوف بيكون” يجب أن يسعى الأطباء إلى إعادة الصحة إلى المرضى وتخفيف آلامهم. أمّا إذا لم يجدوا أملا في شفائهم، فيتعيّن عليهم حينها أن يهيئوا لهم موتا هادئا وسهلا.”

 تعرف مسألة الموت الرحيم اليوم اهتماما متزايدا وجدلا واسعا ونقاشا جديرا بالمتابعة حول مدى قيمته وجدواه لا سيما أنّه يطرح صعوبات بيو اتيقية وإشكاليات حقوقية وطبية وفلسفية غاية في التعقيد. نلمس تلك الصعوبة في كتاب “يجب أن أغادر الآن”حيث نلاحظ  تداخلا بين الانفعال العاطفي و الحيرة الفكرية مع رغبة في التقدير الموضوعي لطبيعة الأشياء.

يتعدى الكتاب في نظر الطبيب النفسي ديريك دي واتشتر سردية تجربة طبية خاصة، ليعكس بعدا كونيا لهواجسنا البشرية ممّا يدعونا للتفكير مليا في مسألة الموت الرحيم.

ورغم بعده الشخصي لا يخلو “يجب أن أغادر الآن” من بعد حقوقي وإنساني حيث تبدو ميكي مارتن وفيّة لمبدئها الحرّ أي الحق في الحياة الكريمة ومع ذلك تطرح الكاتبة أسئلة عديدة حول فنّ الحياة وما إذا كان هنالك ” موتا كريما” أو “فنّا للموت”؟

على كل حال، ترجح مارتن كفّة الاختيارأي أن يكون الإنسان حرّا في شأنه الشخصي وفي اتّخاذ قراراته المصيريّة.فالاختيار الحرّ هوشرف الإنسان الفعلي في الوجود.

شاهد أيضاً

سلطة الخطاب: لماذا لاهوت اللغة؟

سامي عبد العال سامي عبد العال          لا تسود الخطابات( شكلاً واسلوباً ومرجعيةً ) بصور …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *