الرئيسية / ترجمة / ماريلان مايسو: فيلسوف بالرغم من أنفه

ماريلان مايسو: فيلسوف بالرغم من أنفه

لا إله ولا عقل

لقد حاول كامو ، بعيدا عن أي نسق ، تفسير تناقضات عالم ممزَّق .

ترجمة : الحسن علاج

” لا يتعلق الأمر بمن أكون ، بل ، تبعا للمذهب أو الخطة ، ما ينبغي علي أن أكون . ” ذلك هو جواب كامو عام 1952 لجورج كونيوت (Jeorges Cogniot) ، الذي وصفه ب” الفاشستي ” . كان هذا الوصف حينئذ مألوفا لدى الشيوعيين الذين يتوقون إلى إقصاء ، بجهد قليل ، كل من لا يفكر داخل الإجماع العام ، وكمثل نعت ” البلشفي ” لدى الموالين للكتلة الأخرى ، في ظل حرب باردة واستقطاب مزدوج لطبقة المثقفين الفرنسيين ، حيث إن عدم الانحياز كان يستحق الاعتراف بالولاء للعدو وحيث كانت النزعة المانوية هي القاعدة . إذا ما تم تقييم تلقي العمل الكاموي ، الأمس كاليوم ، فإن ذلك الجواب يبدو مثل تشخيص قوي جدا . مفكر الحدود ، والفروق الدقيقة ، متحرز من العقل الموالي وأيضا نحو العقل النسقي هل كان يمكن إدراكه بخلاف ” متحذلق ” filousophe) (ومثالي غير قادر على أن يمنح لنفسه الوسائل لتمجيد مبادئه ؟

    من يتذكر من أولئك الذين أعابوا عليه تشاؤمه ، الحب الذي يشع في [كتاب ] الوجه والظهر ، أعراس أو الصيف ، والثقة الأخوية التي يزعق بها [كتاب] الطاعون و الإنسان الثائر ؟ من سوف يكون ، من بين معارضيه الذين أعاد رسمهم في روح طيبة ، قادرا على الحفاظ على هذه المحاكمة الزائفة على ضوء [مسرحية ] العادلون أو [كتاب] رسالة إلى صديق ألماني ؟ كما شكل موضوعا عجولا في غالب الأحيان ونادرا ما تمت قراءته بطريقة جدية وشاملة ، فكامو هو ذلك الذي يعتقد الجميع معرفته ، لكن قلة هي من بذلت جهدا لدراسته .

    ضمن استمرار المسعى الجنيالوجي الذي كان يهتم به ، علينا أن ننطلق من جديد من سمعته السيئة لاكتشاف ، وكما تحت الإتلافات المترسبة التي تلطخ تمثال غلوكوس Glaucus) ( ، إشعاع فكره . ولمعرفة من كان كامو ، لا بد من معرفة ما كان الكثيرون يرغبون في أن يكون .

صفارات الإنذار المفرطة

” فيلسوف الأقسام النهائية ” ، بحسب عنوان الكتيب النقدي الذي كرسه له جان جاك بروشييه (Jean – jacques Brochier) ؟ في ما وراء الهجوم الشخصي الذي يهدف إلى إحياء شجار أقل لمعانا ، ومن دون الحديث عن استخفافه يتعلم هذا التخصص لعقول شابة ، يقول هذا التعبير الكثير حول ومن دون الحديث عن استخفافه بتعلم هذا التخصص لعقول شابة ، يقول هذا التعبير الكثير حول تصور مقتضب للفلسفة التي تسائلها نصوص كامو بالرغم منهم . أولئك الذين انكروا عليه تمثال الفيلسوف فقد واتاهم الحظ بالتذكير وهو ما قام هو بنفسه باستعادة تلك المناداة . لكنهم نسوا بسهولة بإعادة تتمة المقابلة : ” أنا لست فيلسوفا . لا أؤمن كثيرا بالعقل كي أؤمن بنسق . فما يهمني ، هو كيف ينبغي التصرف . وبالضبط كيف يمكن للمرء ان يتصرف عندما لا يكون مؤمنا لا بالله ولا بالعقل . “

    يتم لتلفظ بتلك الكلمات في زمن كانت الفلسفة مجسدة بواسطة مؤلف الوجود والعدم ، ليس التخلي عنها [الفلسفة] على هذا النحو ، لكن يظل بعيدا بالنسبة لنمط من التفكير الذي أدرك عيوبه وحلل عقباته . أي حركة أكثر فلسفة من الحركة التي تكمن في فحص الصروح النظرية بعناية التي شيدناها من أجل التساؤل حول الطريقة التي تؤثر في علاقتنا بالعالم ؟ ( هل ساعدنا على فهمه ؟ هل ابتعدنا ، على خلاف ذلك ، عن محسوسية عاملة على سجننا في عالم مفاهيمي مُعقّم ومجرد من المادة ؟ ) وهكذا قام كيركيغارد ، قبله ، بانتقاد النسق الهيغيلي ، الذي عارضه بالانفتاح والحدوث ، وليفيناس ، من بعده ، حذرنا من الأخطار التي تصيب الفرد وغيريته الثمينة بسبب الحمى الشمولية للفكر البشري ، يشهد عمل كامو عن انشغاله بتفسير حقبة ممزقة ومتناقضة ، حيث العقل البشري ، يستسلم لصفارات الغطرسة ، يحرق جناحيه حتى يفسر بما ينكره .

من العبث إلى العصيان

” من السهل ، من السهولة جدا أن  يموت المرء بتناقضاته من أن يحياها ” ، تصرخ دورا Dora) ( في العادلون . رافضا سهولة التخلي ، اختار مؤلف أسطورة سيزيف معانقة زمنه من أجل فهمه فهما جيدا . باسم ماذا ، باسم أي فكرة ملموسة للفلسفة ، يعتبر أن المثقف لا يستطيع تلافي مسؤولياته هي قرن تتم فيه عملية الموت باسم المنطق هل سيكون فيلسوفا أقل من الذي يعزل نفسه في موقده للتأمل في حين ان الحرب تحتدم في الخارج ؟

    إنه حكم كامو ذاته الذي ، وهو بدون شك حكم خادع بواسطة سياق فضفاض ، سيكون في حاجة إلى إعادة تقييم . لأن ، معارضة الفلسفة بالبحث في السلوك الملائم في فترة تنهار فيها المعالم التقليدية الكبرى ، وهو عدم الأخذ بعين الاعتبار ببعدها [الفلسفة] الإيثيقي ومساهمة كل أولئك الذين ، من سقراط إلى سارتر ، حاولوا إدراك التحديات والتغييرات التي شكلت مجتمعاتهم أو سهرت على انهيارها .

    إذا كانت هناك فلسفة كاموية ( نسبة إلى كامو ) ، فما هي ؟ هنا أيضا ، الخلاصات كثيرة . فما يُسمى غالبا ” فيلسوف العبث ” لم يتوقف عن القول بأن العبث لم يكن سوى مرحلة من سيرورة تدعو إلى التمرد مثل حروق الشمس تدعو إلى حمام بحر والتي تنتهي كما بدات : في الحب الذي يربط نصوص الشباب بالمخطوط غير المكتمل الإنسان الأول  . واعيا بتعرضه لسوء الفهم ، فقد اختار أن يجيب بدعابة عن ارتباك يئس من تبديده : ” لا ، لست وجوديا . لطالما أصبنا بالاندهاش ، أنا وسارتر ونحن نرى الربط بين اسمينا . حتى أننا نفكر في يوم من الأيام بإصدار إعلان مشترك وأنهما يرفضان الاستجابة للتعهدات التي سيبرمانها على التوالي . ” كما أن ” فكره في منتصف النهار ” لم يفلت من المنظور المشوه . تشبيهه خطأ بسلوك حذر جدا ، فقد كان يزعم أن علاجا ضد الصداع الناجم عن الإسراف في شرب الخمرة في فترة كانت ” المغالاة رفاهية ، على الدوام ، ومهنة ، أحيانا ” ( الإنسان المتمرد ) . لذغة حقيقية لأولئك الذين يتبنون موقفا جذريا ، مضاعفا من اليقين المتعجرف والوجود بدون غد محدد ، إيديولوجيا مطابقة لذوق العصر ، تزيح النظر كي لا تلطخ العيون في رؤية أكوام الجثث الجانبية التي تتركها هذه الأخيرة في أثرها . ليس فاترا ولا قُعدة ، يعتبر القياس توترا صافيا ، تماما مثل سمت الرأس ، منتصف ” الظهيرة ” هذا الذي يستوجبه شعر رونيه شار والذي يصور لحظة توقف الشمس . وإذا ما اختار كامو أن يخصص لذلك الجزء الأخير لمقاله حول العصيان ، فلكي يذكر أنه ، أثناء القتل المنطقي ، لن يكون الضمير الحي إلى جانب من يثبت أن ” رجلا ، يتم إيقافه ” ، بل إلى جانب من يكفل الرعب الأعمى ابتداء من مكتبه وحيث أن الأبدي ، لا يزعج سارتر ، لم تكن ملطخة أبدا ماعدا بالمداد .

ليست الموافقة هي التخلي

هل لأن العنف كان محركا لعصره مثل ـ من كل تلك التلفيقات التي اتخذ منها المؤلف موضوعا ـ تلك التي تخص مقاربته للعنف وهي مقاربة عصية على التغيير إلى حد كبير ؟ وبعد مرور عام على موت كامو ، استمر سارتر في محاورة ذلك متعجبا ، في تقديمه ل[كتاب] ملاعين الأرض لفرانتز فانون Frantz Fanon) ( : ” لقد كان غير العنيفين يبدون في صحة جيدة : لا ضحايا ولا جلادون ! ” ، بالإحالة على عنوان لسلسلة مقالات لكامو منشورة في [كتاب] معركة . ومع ذلك ، فقد قام هذا الأخير بنفي هذه الشائعات بشكل لا لبس فيه في جوابه على أستييه دو لا فيجيري (Astier de La Vigerie) سنة 1948 : ” وفي الواقع ، فإن تفنيدي ليس كمثل تفنيد اللاعنف . […]إنه وضع يُمنح لي من أجل ملاءمة الجدل . […]

أنا أقول فقط بوجوب إلغاء العنف تماما ، وهو أمر سيكون مرغوبا فيه ، لكنه طوباوي ، فعلا . أقول فقط بوجوب رفض كل شرعنة للعنف ، فإن تلك الشرعة تصدر عن اعتبار للمصلحة العامة ، أو عن فلسفة شمولية . […] إني أكره العنف المريح . أكره أولئك الذين يقولون أكثر مما يفعلون . وهذا ما يجعلني أنفصل عن البعض من عقولنا العظيمة ، حيث سأتوقف عن احتقار المناداة بالقتل حينما يمسكون هم أنفسهم ببنادق الإعدام . ”

هذا الخطأ الطوعي الطويل ليس تاريخا لموعد تم تفويته والذي يستوجب التباكي عليه ، بل هو انعكاس لا زمني لاشمئزاز بالنسبة للكتاب الذين يحركون السطور . كامو هو ذلك الغريب الذي يهدأ ، ضد الرياح السجالية والمد والجزر الثوريين ، بأن الموافقة بيست هي التخلي ، بأن ” أي نصر لا يسدد ، في حين أن أي تشويه للإنسان إلى البد ” ثم إن العصيان هو أولا ضرورة نحو الذات عينها قبل أن يكون مطالبة تمنح للغير . فكر يتعذر سماعه بالأذن شديدة الحساسية من التفرد . مرآة يصعب الدفاع عنها بالنسبة للعين المشدودة إلى الثنائية المطمئنة لعالم بالأسود والأبيض .

مصدر النص :

المجلة الأدبية الفرنسية Le Nouveau magazine Littéraire  دجنبر 2019 عدد : 24

حوار مع بيتر هاندكه

‏أسبوع واحد مضت حواراتكتبمتابعات 0

أجرى الحوار : كلير شازال ترجمة : الحسن علاج الكتاب . يعتبر الانتقال والحركة ، مثلما أكد ذلك فليب لانسون Philippe Lançon) ( في تقديمه لعمل بيتر هاندكه ، شيمتين مركزيتين في كتابة نوبل للأدب ، إنهما يشكلان ” بداية “ . إنها المسيرة مرة أخرى ، ذلك الهروب الذي 

أنياس سبيكول: من الغريب إلى الإنسان الأول – أشكال الأسلوب

‏أسبوع واحد مضت ترجمةمتابعاتمفاهيم 0

ترجمة: الحسن علاج لا يمكن اختزال كتابة كامو إلى الحد الأدنى من الصفحات الأولى لرواية الغريب . فهو ، في أعماله الأدبية ، لا يتوقف عن التجديد عاملا على التنويع بين الإيقاعات والنبرات . الجمل القصيرة ، ذات تركيب في حده الأدنى ، التي تفتح [رواية ] الغريب بطريقة لافتة 

مكسيم روفير: سينيكا، المُنتحر الرائع

‏أسبوع واحد مضت ترجمةفلاسفةمجلات 0

ترجمة : الحسن علاج ارتبط بالإمبراطور نيرون ، الذي عمل أستاذا له ، ثم صديقا ، سيعمل الفيلسوف طيلة حياته ، على تطبيق المبادئ الأكثر صرامة للرواقية . صارفا النظر عن الحياة طواعية . يعتبر انتحار سينيكا ، عام 65 ميلادية ، واحدة من أكثر اللحظات مأساوية في تاريخ الفلسفة …

جورج باتاي: نيتشه والفاشستيون

‏3 أسابيع مضت ترجمةفلاسفةمقالات 0

ترجمة: الحسن علاج هل كان نيتشه مذهبيا نازيا؟ في يناير 1937 ، نشر جورج باتاي Georges Bataille) ( ” نيتشه والفاشستيون ” في مجلة لاسيفال L’Acéphale) ( . فقد كان شاهدا ، في آن واحد ، على تحريف عمل نيتشه بواسطة أخته إليزابيث ، يشجعها على ذلك النظام النازي واليمين …أكمل القراءة »

لورانس هانزن ـ لوف: نهاية الميتافيزيقا، كونت، نيتشه، ماركس

4 أكتوبر 2020 ترجمةمجلاتمفاهيم 0

ترجمة: الحسن علاج كل بطريقته الخاصة ، أوغست كونت ، فريدريك نيتشه وكارل ماركس عملوا على إطلاق برنامج تقويض ثقيل للميتافيزيقا . بالإمكان قول ذلك بلا مواربة ، لم يكن القرن التاسع عشر رحيما بالميتافيزيقا . لقد كانت لدى العديد من الفلاسفة الرغبة الجامحة في التشديد على بطلانها وسمّيتها . …

جيل دولوز: كيف الخروج من العدمية

‏أسبوع واحد مضت ترجمةمفاهيممقالاتنصوص 0

ترجمة : الحسن علاج في وقت كان فيه الفكر الماركسي مهيمنا بفرنسا ، نشر جيل دولوز Gilles Deleuze) ( [كتاب] نيتشه والفلسفة (1962) ، بعد ذلك أصدر كتاب نيتشه ، حياته ، عمله (1965) . كان ينوي إبراز وجود فلسفة جدلية ، نقد الدولانية étatisme) ( والشيوعية المساواتية ، إطراء …أكمل القراءة »

موريس بلانشو: العزلة الجوهريـــــــة

‏4 أسابيع مضت ترجمةكتبنصوص 0

ترجمة : الحسن علاج يبدو أننا نتعلم شيئا ما حول الفن ، حينما نسعى إلى اختبار ما الذي تشير إليه عبارة عزلة . وقد أسيء كثيرا إلى هذه العبارة . ومع ذلك ، ما معنى أن ” يكون المرء وحيدا ” ؟ متى يكون المرء وحيدا ؟ إن طرح هذا …أكمل القراءة »

ميشيل أونفراي: نيتشه، حياة فلسفية.. كونوا بقـــراً!

6 يوليو 2020 ترجمةفلاسفةمجلات 0

بقلم: ميشيل أونفراي ترجمة: الحسن علاج لقد تفلسف نيتشه (Nietzsche) بالمطرقة في مستودع الخزف الصيني للفلسفة الغربية. وبالرغم من مجال الانهيارات، فإنه يوجد دائماً متشيعون لتلك الفلسفة المهيمنة، التي تكون الأولوية فيها للفكرة، التصور، التجريد أكثر مما تعطى لشبقية العالم. تفكر الفلسفة المؤسساتية في العالم أقل من تفكيرها في أفكار

برنار إيدلمان: يمتدح نيتشه ديونيزوس، إله المعاناة واللذة

‏أسبوعين مضت ترجمةجرائدفلاسفة 0

ترجمة : الحسن علاج كتب فيلسوف القانون ، برنار إيدلمان (Bernard Edelman) واحدا من من الكتب النادرة جدا مبرزا تماسك الفكر النيتشوي ـ قارة مفقودة ( 1999 ، puf ) ـ في حين كانت الفاشية تعتبره مفكرا مفكّكا ، متناقضا ، متصرفا بواسطة جوامع الكلم . يبرز هنا ، في تحرير

شاهد أيضاً

نرسيس والخطيئة: أو لماذا نكره أنفسنا؟

فتحي المسكيني فتحي المسكيني ذكر المسعودي، في “مروج الذهب”، أنّ بعض الحيوان، مثل الفيلة والخيل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *