الرئيسية / Non classé / سبينوزا يحكم بين العقل والنص

سبينوزا يحكم بين العقل والنص

هناء السعيد

بقلم / هناء السعيد .. ( مصر ) .

إن كل من حاول التوحيد بين العقل والنقل ،كان ذلك نوعًا من النصب على كليهما ،وعلى كل سؤال بداخلنا اعتبر ذنبًا علينا التوبة منه والإستعاذة من الفهم والإستفهام .

في الواقع لقد انتابت عقولنا الحيرة ،وتوقفت عند نصوص “مقدسة” تتعارض مع العقل ، نعم هذا ما نخشى الإعتراف به حتى بين أنفسنا ، لكنه دائمًا كان لدينا فائض من “رقع” لترقيع أي خرق بينهما ،ولو حتى كانت هذه الرقعة لا تليق على الثوب ،المهم أن لا ينقطع بالكلية ،ولو بدا كملابس بهلوان .

كثير منا مر بتجربة تعارض نص مع عقله ، ودومًا كان هناك من يطمأنك وبمعنى أدق “يُخدرك ” أن لا تعارض وأن الحق لا يُضاد الحق ..كما قال “ابن رشد”

والذي برغم محاولاته للإسهام في هذا الترقيع ،إلا أنه قيل عن طريقته ( الرشدية ضلالة فلسفية ) ، ثمة إنفصال بين الحكمة والشريعة يا “ابن رشد” ،يا أخر من حاول إنقاذ مركب التدين بمعاهدة سلام مع التمنطق .

هناك تعارض بين النص والعقل أحيانًا ،علينا أن نعترف بذلك ..

إعتراف لم يَصدر إلا عن شجعان وأحرار ،وإمامهم كان المبارك ( باروخ سبينوزا) ،الذي استند إلى حجته في تثبيت قلبي بأن ما شعرت به يومًا لم يكن مسًا من رجيم ، ولا شُبهة متأمر لئيم .

قال سبينوزا ( اللاهوت ليس خادمًا للعقل ،والعقل ليس خادمًا للاهوت .. )

نعم .. لا يمكن البرهنة على حجية الكتاب بشيء أقوى مما اعتادوا الأنبياء استخدامه لإقناع الناس به .

والأنبياء كان معهم ( آيات ) تؤيدهم ، وكذلك طبيعتهم التى تميل للخير والعدل ، بحسب سبينوزا ( الإتفاق التام بين كلام الله الذي أعطاه الأنبياء ، وكلام الله الذي يوجد في أعماق سرائرنا أمر له أهميته القصوى ) .. تفسير الحق لا يُضاد الحق .

البرهنة هنا لاسبيل لها رياضيًا ،البرهان هو ما استخدمه النبي للبرهنة ولا شيء غير ذلك .

وجب الفصل في المقال ، بين طبيعة الحكمة والشريعة في الإتصال ..

الدين والإيمان لا يمنع إعمال العقل ، ولكن يجب أن نؤكد قبل هذا الإقرار أن ( اللاهوت ليس خادمًا للعقل ، والعقل ليس خادمًا للاهوت ،بل إن لكل منهما مملكته الخاصة .. للعقل مملكة الحقيقة والحكمة ، وللاهوت مملكة التقوى والخضوع ) كما أشار سبينوزا وعليه ..

فمهمة العقائد الطاعة والخضوع، ومهمة تحديد المعنى الذي تُفهم به العقيدة متروكة للعقل .

وهنا لا ينبغي نسيان تاريخية الكتب المقدسة، وطرق الرسل في دعوة أقوامهم والتي تتناسب ووعيهم وإدراكهم في تلك الفترة ،كي لا نقيس اللاحق بكل تطوراته على السابق بكل بدائيته .

الهروب بالمجاز والإعجاز ..

لا تضع عقلك تحت الحذاء كما ينصحوك من لا يملكوا رد مقنع على شكوكك ، بل ثق أن التلفيق لا يَصلح كمُسكن طويل المدى، إن كل ما يربكك في النص يستخدمون معه حيل كإعتباره ورد على سبيل “المجاز” ، أو إعتبار ظهوره في الواقع “إعجاز ” ولو لم يكن كذلك، لم يُوضع في النص ما يشير إلى التعامل مع الإرباكات بالمجاز ولا بالسطو باسم الإعجاز.

ما العمل إذا عارض النص حكم العقل ؟

تأكد إن الشك لا ينقص من تقواك ،العمى ضد التقوى .

نقع بين خيارين لسنا في إضطرار للترجيح بينهما بالمرة ، هل يخضع الكتاب للعقل ،أم يخضع العقل للكتاب؟

لو اخترنا سيصبح العقل أو الكتاب فاسدًا بالضرورة ،كما رأى سبينوزا

وقال ( الكتاب لا يُعلم الفلسفة ،بل يدعو إلى التقوى وحدها .. الكتاب مهيأ لفهم العامة )

وقال أيضًا ( من يريد اخضاع الكتاب للفلسفة ،فإنه ينسب بخياله إلى الأنبياء أفكارًا لم تخطر ببالهم )

فأي محاولات للمنطقة مصالحة فاشلة .

معيار قبول الكتب المقدسة :

بعد ثبوتها بالآيات ، أصبح معنا الآن شهادة عدد كبير من الأنبياء توصلنا لليقين بطريقة تناسب طبيعة الكتب المقدسة نفسها

حيث يشير سبينوزا إلى أنه ( من خطأ الرأي حقًا ألا تُقبل عقيدة تؤيدها شهادات كل هذا العدد من الأنبياء )

ويشير إلى أن البرهنة رياضيًا على شرعية اللاهوت ، تؤكد شرعية العقل قبل اللاهوت

العقل لا يستغني عن الوحي :

برغم أن لكل منهما مملكته ،إلا أن ذلك لا ينفي احتياج العقل للوحي واحتياج الوحي للعقل ليتم التكامل بينهما..

فكما قال سبينوزا ( العقيدة الأساسية للاهوت لا يمكن معرفتها بالعقل ، والأمور النظرية المحضة لا تستمد من الروح )

وقال مؤكدًا ( لا يستطيع النور الفطري أن يُبين لنا أن الطاعة وحدها طريق الخلاص ، بل أن الوحي وحده هو الذي يخبرنا بأن ذلك يتم بفعل إلهي خاص يند عن فهم العقل ) .

وقال ( الكتاب يقدم عزاء كبيرًا للناس ،إذ يستطيع الجميع طاعته على حين تستطيع فئة ضئيلة للغاية من البشر أن تصل إلى حالة الفضيلة عن طريق العقل )..

إن التفرقة بين أرض الوحي وأرض العقل هامة في كثير من الأمور،منها قضية الإيمان والكفر التي يقع فيها كل من يُعمل عقله،التكفير مصير التفكير ،ومن ربط المصيرين معُا من الأساس !!

الأنبياء يٌحاكون العامة لا الفلاسفة ، جاءوا لكي يجعلوهم طائعين لا متفلسفين ، التفلسف عمل فردي متفرد ،لذا فهم بعثوا للجميع ، ولكن الإيمان يَستقطب الناس بصور مختلفة ،فمنهم من يأتي إليه بالموعظة الحسنة _ إن وجدت _ ومنهم من يغويه الجدل مثلي ، والإله حاضر في كل الصور ، هو معكم أينما كنتم ، هو معكم وإن تفلسفتم رغم أنف أعداء الحكمة .

كانت هذه عملية “سبينوزية” .. إنقاذًا للنص من ورطته في ضرورة مواكبة العلوم بل وسبقها أحيانًا ،وهو ليس مطالب بهذا، وإنقاذًا للعقل الذي يريدون أن ينطفأ نوره بجعله يَقتل منطقه كي لا يُلعن ويستبعد .. أكثر مما هو رغم تنازلاته من قرون لم يزل مستبعد ومستعبد .

شاهد أيضاً

الرأسمالية من كارل ماركس إلى أكسل هونيت

سارة دبوسي أستاذة الفلسفة بجامعة قفصة تونس تمهيد: ترتكز هذه الدراسة على تقديم رؤية استقرائية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *