الرئيسية / صدر حديثا / قصَّتي مع العَوسَج: سيرة ترجمة كتاب

قصَّتي مع العَوسَج: سيرة ترجمة كتاب

سالِم أَحمد الزّريقانيّ

تعودُ صِلَتي بكتابِ الفيلسوفِ جان غريش Jean Greisch المشهورِ الذي عُنوانُهُ العَوسَجُ المُلتَهِبُ وأَنوارُ العَقلِ: ابتِكارُ فَلسَفَةِ الدِّين Le Buisson Ardent et les lumières de la raison: L’invention de la philosophie de la religion إلى سنواتٍ طويلةٍ جدًّا، مُنذُ أَن فكَّرْتُ جدِّيًّا في ترجمةِ أَعمالِ بول ريكور التي شرَعْتُ في إصدارِها في بدايةِ الأَلفِيَّةِ والتي لا تَزالُ تَصدُرُ تِباعًا(*)، ولا سِيَّما حينَ كُنْتُ أُطالِعُ مُسَوَّداتِ التَّرجمةِ في صُوَرِها النِّهائيَّةِ قبلَ البَدءِ عَمَليًّا بِطِباعتِها ونَشرِها. إذ لَفَتَ نَظَري حينَذاكَ أَنَّ ريكور كانَ دائمَ الإحالَةِ في مسائلَ مُعَيَّنةٍ على غريش، تلميذِهِ وصديقِهِ وصَفِيِّه لاحِقًا، على الرَّغمِ من شُهرتِهِ ونُجوميَّتِهِ وأُستاذيَّتِهِ وفارِقِ السِّنِّ والتَّجرِبَةِ بَينَهُما.

والحَقُّ أَنَّ سَعيي في البِدايةِ كانَ مُتَّجهًا صوبَ الاطِّلاعِ على كتابِهِ المشهورِ آنَذاك الذي عُنوانُهُ الأنطولوجيا والزَّمانِيَّة على أَساسِ أَنَّهُ كانَ يُمثِّلُ حتّى ذلك الوقتِ ذروة إنتاجِهِ الفلسفيِّ وقِمَّتَهُ، لِيَأتِيَ بَعدَ ذلكَ التَّفكيرُ جدِّيًّا في اتِّخاذِ الخطواتِ اللازمةِ لِترجمتِهِ، وهيَ الخطواتُ أَنفُسُها التي اتَّخَذْتُها في جَميعِ كُتُبي المُتَرجَمَةِ التي أَصدَرْتُها طَوالَ عِشرينَ عامًا، وما زِلْتُ أَتَّخِذُها في جَديدِ ما يُتَرجَمُ عِندي.

غيرَ أَنِّي حينَ بَدَأْتُ أُتابِعُ بِدِقَّةٍ الكُتُبَ المُهِمَّةَ والمفصليَّةَ في مَساقاتِها، التي تُصدِرُها دورُ النَّشرِ الغربيَّةُ المختلفةُ والتي تَنسَجِمُ مع المَحاورِ التي انتَقَيْناها في عَمَلِنا لِما وَجَدْنا في مُعالَجَتِها مِن نَقصٍ كبيرٍ في الثَّقافةِ العربيَّةِ، وذلكَ بزِيارَةِ مَعارضِ الكُتُبِ العالميَّةِ وفي مُقَدِّمَتِها معرضُ فرانكفورت ثُمَّ مَعرضُ لندن والاتِّفاقِ على شِراءِ حُقوقِ التَّرجَمَةِ من النّاشرِ نَفسِهِ مُباشَرَةً، اكتَشَفْتُ بِالمصادَفَةِ صُدورَ هذهِ الدُّرَّةِ النَّفيسَةِ واليَتيمةِ دفعَةً واحدةً، عِلمًا بأَنَّ الكتابَ كانَ قَد صدرَ مُنَجَّمًا بينَ عامَي 2002 و2004، فانحرَفَتْ نَظرَتي كلِّيًّا صوبَ هذا الكتابِ. وما زِلْتُ أَذكُرُ أَماراتِ الدَّهشَةِ على وَجهِ مُديرِ دارِ سيرف، السَّيِّد ric T. de Clermont-TonnerreÉ، حينَ رَآني أَحمِلُ الكتابَ الضَّخمَ من الرَّفِّ الذي كانَ مَعروضًا عليه إلى مكتبِهِ، ولا أَنسى كلِماتِهِ التي وَجَّهَها إلَيَّ، إذ قال لي ما تَرجَمَتُهُ الحَرفيَّةُ: “هذا الكتابُ ضَخمٌ وصَعبٌ جِدًّا وهوَ في مُجَلَّداتٍ كبيرةٍ ويَعسُرُ، إن لَم يَستَحِلْ، أَن تُتَرجِمَهُ وتَتَحَمَّلَ نَفَقاتِهِ وَحدَكَ؛ لأَنَّ ترجمتَهُ ليسَتْ هيِّنةً أَبدًا وتَحتاجُ إلى خطَّةٍ وفَريقِ عملٍ من مُترجمِينَ ومُراجعِينَ وغَيرِهِم”. وزادَ على ذلكَ أَنَّ الكِتابَ، لِفَرطِ صُعوبتِهِ ودِقَّتِهِ وتَخَصُّصِهِ، لَمّا يُتَرجَمْ بَعدُ إلى أَيَّةِ لُغَةٍ مِن لُغاتِ دُوَلِ العالَمِ الغَربِيَّةِ مِنها والشَّرقِيَّةِ، ولا شَكَّ في أَنَّ لِذلكَ دَلالَتَهُ ومَغزاهُ. بَيدَ أَنَّ كُلَّ ذلكَ لَم يَثْنِ نِيَّتي ولَم يُقْعِدْ هِمَّتي، فأَخبَرْتُهُ أَنِّي عازِمٌ عَلى الاتِّفاقِ مَعَهُ على ترجمتِهِ، معَ عِلمي سَلَفًا بِأَنِّي سأَدخُلُ في نَفَقٍ طويلٍ جدًّا، لكِنَّ نِهايَتَهُ مُضيئةٌ والسَّيرَ فيهِ مُمتِعٌ. وشَعَرْتُ بِأَنِّي أَمامَ تَحَدٍّ كبيرٍ، ولَم أَكُن موقِنًا بِأَنِّي سأُنهي المهمَّةَ على النَّحوِ المأمولِ، لكنِّي قَرَّرْتُ أَن أَتَوَكَّلَ على اللهِ وأَخوضَ لُجَّةَ هذهِ المُغامَرَةِ، وها هيَ ذي ثَمَرَتُها بينَ أَيدي القُرّاءِ الكِرامِ، والحُكمُ عليها مَتروكٌ لَهُم.

وحينَ جَلَبْتُ مَعي الكتابَ بِمُجَلَّداتِهِ الضَّخمةِ إلى بيروت بدَأَتْ مَرحلَةٌ أُخرى هيَ البَحثُ عن الأَساتذةِ والباحثِينَ المهتمِّينَ بِفلسفةِ الدِّينِ والهيرمينوطيقا والفينومينولوجيا، ولا سِيَّما أَصدقاءُ المؤَلِّفِ الذين زامَلوهُ في قاعاتِ الدَّرسِ، أَو أَصفِياؤُهُ وتلاميذُهُ الخُلَّصُ، وهُم قلَّةٌ قَليلَةٌ جدًّا في العالمِ العربيِّ كلِّهِ، ورُبَّما لا يتجاوزُ عَدَدُهُم أَصابعَ اليدِ الواحدةِ. وكُنْتُ في أَثناءِ ذلكَ أَتَواصَلُ دائمًا معَ النّاشرِ الفرنسيِّ والفيلسوفِ غريش نَفسِهِ الذي شَدَّ على يَدي وشجَّعَني كثيرًا على ترجمةِ كِتابِهِ. وقَد طالَبْتُهُ بِأَن يُرسِلَ إلَيَّ سيرتَهُ العلميَّةَ، فلَمّا بَلَغَتْني هالَتْني؛ إذ أَلفَيْتُها تزيدُ على أَربعينَ صفحةً حافِلةً، هذا من ناحيةٍ، ومن ناحيةٍ أُخرى أُحبِطتُّ كثيرًا حينَ بَلَغَتْني إجاباتُ الاستشاراتِ العلميَّةِ التي أَرسَلْتُها إلى ذَوي الشَّأنِ والتي تتعلَّقُ بِإمكانِ تَرجَمَةِ هذا الكِتابِ، إذ خَذَّلَني غَيرُ واحِدٍ مِنهُم عَن ذلكَ ولامَني لاتِّجاهي دائمًا إلى تَرجَمَةِ الكُتُبِ الكبيرةِ والموسوعيَّةِ والصَّعبةِ، بِحُجَّةِ أَنّا نَحنُ العرب لَسْنا مُؤَهَّلِينَ بَعدُ لِذلكَ. وهناكَ من قالَ إنَّ الكتابَ يُعالجُ ظواهرَ تَخُصُّ سياقاتٍ في ثَقافاتٍ أُخرى ليسَ لدينا مُتَخَصِّصونَ فيها، ولا سِيَّما أَنَّ أَغلبَ المعلوماتِ فيهِ رُبَّما تَرِدُ أَوَّلَ مَرَّةٍ في المكتبَةِ العربيَّةِ، وإنَّهُ يتناولُ حقلًا بِكرًا في الثَّقافةِ العربيَّةِ المعاصرةِ، وإنّا لا نمتلكُ ما يَكفي مِن المعرفةِ والخِبرةِ لِترجمةِ بعضِ ما يَرِدُ فيهِ مِن مُصطَلَحاتٍ فَلسَفِيَّةٍ أَو لاهوتيَّةٍ مُتَخَصِّصةٍ لأَنَّها غيرُ معروفةٍ وغيرُ متداوَلَةٍ عندَنا، وإنَّ الفلاسفةَ واللاهوتِيِّينَ الذين يُحاوِرُهُم غريش في هذا الكتابِ ما زالَتْ أَغلبُ أَعمالِهِم غيرَ مُترجَمَةٍ إلى العربيَّةِ، إلى غَيرِ ذلكَ من رُدودٍ مُحبِطَةٍ ومُخَذِّلَةٍ.

لكِنْ، على الرَّغمِ مِن كلِّ تلكَ المُثَبِّطاتِ قَرَّرْتُ أَن أُتَرجِمَ هذا الكتابَ وأَن أَسيرَ إلى نهايةِ الطَّريقِ فيهِ وأَن أَتَحمَّلَ تكاليفَهُ وَحدي، معَ عِلمي بِضَخامتِهِ وسَعَتِهِ وعُمقِهِ وصُعوبةِ ترجمتِهِ، وبِأَنَّ كثيرًا مِن القضايا التي يَعرِضُها رُبَّما تُثارُ أَوَّلَ مَرَّةٍ في العربيَّةِ؛ إذ إنَّ المكتبةَ العربيَّةَ تكادُ تَخلو إلى يَومِنا هذا من كتابٍ مَرجعيٍّ جامعٍ في فلسفةِ الدِّينِ، وأَغلبُ ما تُرجِمَ في هذا الحَقلِ ليسَ سِوى كتاباتٍ مُقتضبَةٍ لا تُسمِنُ ولا تُغني من جوعٍ، بِحيثُ يُمكِنُ القَولُ إنَّ كلَّ ما نُشِرَ بالعربيَّةِ في فلسفةِ الدِّينِ لا يَعدو، إذا ما قِيسَ بِعملِ غريش الهائلِ في موسوعتِهِ هذه، أَن يكونَ نُتَفًا من هُنا أَو هُناك وإضاءاتٍ لِنِقاطٍ مَحدودَةٍ، أَمّا كتابُ غريش فيُحيطُ بالموضوعِ وأَعلامِهِ إحاطةَ شُمولٍ واستيعابٍ.

وقَد وَضَعَتْنا سَعَةُ معارفِ الكتابِ والمعلوماتِ التي يحتويها أَمامَ تحدِّياتٍ صعبةٍ أَخَذَتْ مِنّا كُلَّ مَأخَذٍ، بحيثُ استَغرَقَت ترجمتُهُ ومُراجعتُهُ وإعادَةُ تحريرِ قسطٍ وافرٍ منهُ عَشرَ سَنواتٍ كاملةً، كانَتْ حِصَّةُ التَّرجمةِ مِنها خمسَ سنواتٍ، أَمّا السَّنَواتُ الخَمسُ الأُخرى فاستَهلَكَتْها عمليّاتُ المراجَعَةِ على النَّصِّ الأَصليِّ، وتَدقيقِ التَّرجمةِ، وضبطِ المصطلحاتِ وتَوحيدِها، وكتابةِ المقدِّماتِ، وعَمَلِ الفهارسِ.

ولا بُدَّ مِن كَلِمَةٍ بِشَأنِ المُقَدِّماتِ المُتَعَدِّدَةِ لِهذا الكِتابِ. فقَد اتَّفَقْتُ مع غريش على أَن يَكتُبَ مقدِّمةً خاصَّةً للتَّرجمةِ العربيَّةِ، فكتَبَها في نَحوِ عشرينَ صفحةً أَو أَكثَرَ تحدَّثَ فيها عن التَّطوُّراتِ التي حدثَتْ في هذا الحقلِ بعدَ صُدورِ الكتابِ، وهي مُقدِّمةٌ عَميقةٌ ومُهمَّةٌ تُكمِلُ مسيرةَ الكتابِ. واتَّفَقْتُ كذلكَ مع الأُستاذِ الدُّكتور مُشير عون على أَن يكتُبَ مُقَدِّمةً خاصَّةً تَكونُ بمَنزِلَةِ بحثٍ مُفَصَّلٍ في فلسفةِ الدِّينِ يُكتَبُ للكتابِ خاصَّةً. أَمّا الدُّكتور عزُّ العرب فقَد تَكفَّلَ بكتابةِ مُقَدِّمةٍ ضافِيةٍ لكلِّ جُزءٍ مِن أَجزاءِ الكتابِ، حتّى الجُزءِ الأَوَّلِ الذي ترجَمَهُ الدُّكتور محمَّد عليّ مقلد، إذ كتَبَ مُقدِّمةً لهُ، وراجَعَ التَّرجمَةَ كامِلَةً.

أَمّا عَمَلُنا نَحنُ في دارِ الكِتابِ الجَديدِ في هذا الكتابِ فأَمرٌ لا يَعلَمُهُ إلّا اللهُ، وبَعضُ مَظاهِرِهِ حَملُنا مُسَوَّداتِ تَرجَمَتِهِ من بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، وإعادَتُنا تَحريرَ جُزءٍ كبيرٍ مِنهُ، وبَذلُنا فيهِ جُهودًا وأَوقاتًا وأَموالًا ما كانَ لَنا أَن نَبذلَ عُشرَ مِعشارِها لَو حَصَرْنا تَفكيرَنا في الرِّبحِ الماليِّ والكَسبِ التِّجاريِّ، فنَسأَلُ اللهَ أَن ينفَعَ بِهِ القُرّاءَ.

(*) ستَصدُرُ بِعَونِ اللهِ عَن دارِ الكِتابِ الجَديدِ تَرجَمَةُ كتابٍ جَديدٍ لريكور عُنوانُهُ في مَدرَسَةِ الفينومينولوجيا A L’ecole de La Phénoménologie ، وكتابٍ آخَرَ صَغيرٍ عُنوانُهُ الشَّرّ Le mal.

شاهد أيضاً

الأوبئة والعيش المشترك

عز العرب لحكيم بناني عز العرب لحكيم بناني يطرح السؤال اليوم على الفلاسفة، كيف يواجهون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *