الرئيسية / Non classé / فلسفة النوابت إمكانيات الإستئناف وحدود الإنحسار

فلسفة النوابت إمكانيات الإستئناف وحدود الإنحسار

حسن العلوي

 يبدو أن فعل التفلسف كما يقاربه كتاب: “فلسفة النوابت” للمفكر فتحي المسكيني، لا يزال يتأبى في بيئتنا الفكرية والثقافية؛ إذ لا يزال في نظر تربة هذه البيئة “نبتة” غريبة وأجنبية غير أصيلة. رغم كل المحاولات المبذولة في سبيل التبيئة والتطبيع.

ويكفي دليلا عليه أن جهود “المتفلسفة” أو منتسبي الفلسفة المحدَثين عندنا، قد انزاحت بفعل التفلسف باتجاه غير فلسفي؛ إذ ما فعلته، في كثير من حالاتها هو تحويل الفلسفة إلى أداة، وليس غاية في ذاتها؛ أي أداة لقراءة التراث أو للتبشير بالحداثة. وإذا كان القدماء، رغم تركيز جهدهم على افق التبيئة من خلال خوض معركة “الشرعية” لفعل التفلسف أو للاستعمال العمومي للعقل، قد شارف الكثير منهم على عتبة الإبداع والابتكار، فإن المحدثين يبدو أنهم حصروا الفعل والفلسفة في نطاق “الأداتية”.

تلك هي المفاصل التي يقاربها المقال من خلال منجز قرائي لكتاب: “فلسفة النوابت”، للمفكر والفيلسوف التونسي فتحي المسكيني.

  إذا بدأنا بعتبة الكتاب، وهو عنوانه، نجد ان عبارته الأولى تدل على فعل التفلسف الذي ينجزه “النوابت”؛ أي الفلاسفة الذين تدل تسميتهم “نوابت” على الوضع غير الطبيعي، بما هم فلاسفة، داخل بيئة ثقافية ترفض فعل التفلسف؛ أو بعبارة المسكيني، داخل مدينة “اللافلسفة”. ولا يقتصر المشكل الذي واجهه ويواجهه هؤلاء “النوابت” على طبيعة بيئة الإنتماء؛ بل هو ناتج أيضا من كونهم “نبتة،” في أرض تلك البيئة من تلقاء أنفسهم، كما ينبت العشب بين الزرع؛ أي بين النباتات المتعهدة بالرعاية، “فالنوابت” في هذه البيئة يبدون كأنهم مجرد “لقطاء”، أو مجرد عملاء لدولة أجنبية هي “دولة العقل”.

يقارب الكتاب مدى إمكانية استئناف فعل التفلسف عندنا، تأسيسا على المنجز الفلسفي للقدماء، الذين هم جزء من مصادر أنفسنا، وهو أمر حتم على المسكيني تشخيص ذلك المنجز، وبالتالي ابراز ما وقف عليه من مشارف آفاقية يمكن التأسيس عليها، وفي ذات الوقت الكشف عن حدود الإنحسار، والعوامل التي حالت دون تطوره نحو الافاق الممكنة له من ذاته. وفي سياق ذلك التشخيص، يرد تشخيص آخر وإن عرضا، أو بشكل ضمني يتعلق بالمنجز الفكري لمنتسبي الفلسفة المحدثين.

  وقفت القراءة النقدية التحليلية الكفؤة والعميقة لفتحي المسكيني على الخطاب الفلسفي لدى الفارابي وابن باجة وابن رشد من القدماء، والمنجز الأدبي والفكري لجبران خليل جبران من المحدثين، وفي سياقه انتقد ثلاثة من المثقفين المحدثين المعاصرين؛ وهم عابد الجابري، وطه عبد الرحمن، ومحمد أركون.

مهد المسكيني لعمله بما يقرب من العمل الذي قام به هيدغر في تاريخ الفلسفة الحديثة، حيث قام: “بمهمة اخراج إمكانية التفلسف إلى أفق غير الأفق الميتافيزيقي” معلنا: “نهاية الميتافيزيقا”، وذلك بعد المنعرج الأرسطي والأفلاطوني الذين رسما الميتافيزيقا في افق الفلسفة، التي كانت قبل “فلسفة عملية” في أول أمرها. (ص8)

فما قام به هيدغر هو استئناف: “لما طمسه ذلك المقصد الميتافيزيقي، وقام حائلا دونه” وهو: “إعادة تأهيل الأفق الإتيقي”. (ص9) ولهذا صرح ان عمله هو أيضا، هو محاولة استئناف “للفلسفة العملية”، أو للفلسفة: “بوصفها حكمة عملية، وبخاصة على أرضية التراث الفلسفي الذي يخصنا”. (ص10)

  يتبدى فعل الإستئناف لدى المسكيني في أمرين؛ أولهما ما يرى أن المنجز الفلسفي الذي يخصنا، قد أشرف فيه المتفلسفة على انجاز تفلسف جدي وحقيقي، ومحاولة تجاوز ما أخفق فيه. وثانيهما التماس السبل التي تفتح على أفق فلسفي يخصنا “نحن” اليوم في عصر الحداثة، وتجاوز المنعرج الذي تعثر فيه المتفلسفة اليوم، بتوجيه الفلسفة نحو الاشتغال بالماضي التراثي وقراءته، فهؤلاء، كما يقول المسكيني، لم يضعوا: “قراءاتهم على محك الإشكالية الأساسية للفلسفة المعاصرة، إشكالية نهاية الميتافيزيقا”.

فما يهمنا اليوم من موروث الفلاسفة؛ ليس الإخبار عما صنعوا، وكيف صنعوا، وإنما: “ما ابتدعوه في ملة متمنعة بما لديها من فصل الخطاب”. (ص11) فلا يتعلق الأمر عندنا اليوم بمعرفة دقيقة لمتون الفارابي وابن رشد وابن باجة، وإنما: “الإنخراط في تأويل جوهري للمسائل التي تنطوي عليها تلك المتون صراحة أو ضمنا”. (ص12)، فرسم وضعية هيرمينوطيقية للتراث هي التي تجعلنا جزءا من الحداثة في نظر المسكيني.

وفي سياق تشخيص وضع الفلسفة اليوم عندنا، أبرز أن فعل التفلسف، لا زال وهينا لردود فعل “الحداثة” او بعبارته: ” لانفعالات الحداثة”؛ إذ هناك فرق كبير بين المعرفة وبين التفكير؛ مثلا المعرفة بفلسفة فيلسوف ما والتفكير به أو معه. يتطلب الفكر الإشتغال على اللامفكر فيه الذي يلاحق كل مسار عقلي، ويهدد كل قدرة على التفكير. والتفكير كما علمنا هيكل، يقول المسكيني، يتم: “داخل تاريخ ما” أي داخل تاريخ الفلسفة، واي تفكير خارجه: “فهو اللافلسفة التي يمكن أن تكون مادة طيعة لنشاطات غير فلسيفة أصلا”. في سياق هذا سال” ما طبيعة تفكيرنا اليوم؟ وفي الإجابة يقول: “إن أقرب تشخيص لذلك هو أن مرضا عضالا قد ألم بنا؛ ألا وهو مرض قراءة التراث وتأويله، لقد أصبحت الفلسفة عندنا بسبب ذلك حيوانا تراثيا هجينا”. (ص 29)

إن الوضع المأساوي لفعل التفلسف عندنا اليوم، رغم الأفق الروحي الذي أتاحته وتتيحه الحداثة أمامنا، لا يختلف عن وضعه لدى القدماء الذين اضطلعوا بمهمة أصعب، وهي: “استنبات الفلسفة في بيئة الملة”. إن حجم ثقوب ذاكرتنا يكفي، يقول المسكيني، لطرح أسئلة: “يمكن أن تهز التراث نفسه”. (ص30) وخلص إلى أن: ” مرحلة قراءة التراث: لقد آن لها أن تنتهي لكي تبدأ الفلسفة، إننا غير محتاجين لعناوين مثل نقد العقل “العربي”، او “الإسلامي” لكي ننقد العقل؛ بل إن الأمر يتعلق اليوم بما تبقى لنا من عقل ومعقولية لكي نواجه العالم الحالي”. عقل به يمكن أن نشارك وننتج ونقاوم؛ فأن تفكر كما يقول دولوز: ” هو أن تخلق”، وأن تخلق يعني ان تقاوم ما هو راهن، “وأن تقاوم معناه أن تفكر بلا ذاكرة جاهزة؛ أي دون نظام للخطاب يجعل تفكيرك ممكنا وبالتالي محددا سلفا”. (ص 30-31)

  انتقل؛ بعد التشخيص، إلى ما يرى أنه: “ما تبقى لنا من عقل ومعقولية” من منجز الماضي، فبدا بجبران خليل جبران، الذي وضعه أمام نيتشه، فعده أنه بمثابة: “النسخة العربية من العدمية”. فجبران في نظره هو: “القارئ العربي الأول لمفكر العدمية الغربية”، لكن أهميته أنه: “لم يقلد الغرب في موضوعاته الجامعية، كما يفعل بعضنا اليوم؛ بل شارك في تجربة الحداثة كما تحدث في أفق المجتمع الصناعي وعلاقات القيم والسلطة” في أمريكا. (ص33-34)

فكما شخص نيتشه أمراض الحضارة الغربية وانحطاطها القيمي، فحاول تدمير كل ما هو ارتكاسي فيها، بعد أفول أصنام الإنسان الكلاسيكي: الإله والحقيقة والفضيلة والعقل والخير …إلخ. فقد طارد جبران: “عدَما قيميا عنيدا، هو فقدان العرب لإمكانيات الولادة والاختلاف واختراع الزمان الخاص، والقدرة على دفع الجسد إلى أقاصيه”. (ص 35-36)

استبدل جبران مطرقة نيتشه الكاسرة بما سماه “حفار القبور” لأصنام الشرق: “بعدما يئس حتى من تكسيرها”، فقد جعل التفكير: “مقبرة نشيطة” للموتى العاجزين عن المشي إلى أفكارهم. (ص36) يكتشف المفكر العربي أن شبحا عنيدا يسكنه، فهذا الشبح يدعوه إلى الكشف عن اسمه، فيجيب: “اسمي عبد الله. فقال له: ما أكثر عبيد الله، وما أعظم متاعب الله بعبيده (…) فهلا دعوت نفسك سيد الشياطين؟”. يدعوه إلى تجريد الإسم من ميتافيزيقاه.

 لكن مفكرنا أخذ يدافع عن الميتافيزيقا التي جعلته ممكنا. يقول: “هو اسم عزيز أعطاني إياه والدي يوم ولادتي، فلن أبدله باسم آخر”. كشف “مفكرنا” أن علاقته بالتراث هي علاقة ميراث أصلي، لا يريد التخلي عنه مغيبا وملغيا ذاته، فالأب هو الموجود في الإسم، أما المسمى فمجرد مطية وخارجي. (ص39) يعقب المسكيني على ذلك بالقول، لا يمكن لمن يتشبث بميتافيزيقا لم يشارك في صنعها؛ بل ورثها كاسم، ان يكون فكره جديدا وراهنا، تلك هي الثغرة التي اكتشفها جبران في الفكر السائد في فضائنا اليوم.

  ولهذا اقترح الشبح في الجواب عن سؤال مفكرنا: “ماذا عساي أفعل بأيامي وليالي؟” قائلا: “اتخذ حفر القبور صناعة تريح الأحياء من جثت الأموات المكردسة حول منازلهم ومحاكمهم ومعابدهم”. (ص 40) أخذ جبرا يحفر القبور على جسد التراث؛ إذ الإنسان في الشرق: “يعبد نفسه، ولكن يلقب ديانته بأسماء؛ فيدعوها تارة البعل، وطورا المشتري، وأخرى الله”. (ص 43)

   حفر القبور هي مهنة الفكر في عصر جنون الأله (مقابل موت الاله في الغرب) الذي تعب من الاعتقاد فيه. والجنون هو التفكير خارج قرون الانحطاط: “وشكل الانعتاق المرجو من علاقات المعرفة والخطاب والاعتقاد”. (ص46) هذه القراءة “العدمية” الخاصة بالعرب، والتي تضاهي قراءة نيتشه “العدمية”، هي التي تستحق الاستئناف في نظر المسكيني.

  انتقل بعد جبران تحت عنوان: “نوابت الملة” إلى السؤال كيف يكون التفكير في نصوص الفارابي وابن رشد وابن باجه (…) مدخلا “لبناء فلسفة مساوفة لحداثتنا الخاصة”. ويرى ان ما لم نتملكه من تلك الفلسفة هو: “ماهيتها التي تحددت (…) بوصفها في جوهرها إتيقا؛ أي معرفة الإنسان نفسه وبقدر طاقة الإنسان”. فالانزياح بالتفلسف من البحث في الموجود الأول، إلى البحث في الإنسان، خاصة عند ابن طفيل وابن باجة وابن رشد، هو المنجز الذي لم يدركه قراء التراث، وبالتالي هو الذي يستحق الإستئناف، فهو الذي يضعنا في الأفق الروحي لعصرنا وهو الحداثة.

يقول لم تظهر الفلسفة: “في فضاء الملة سوى شكل من الإتيقا (…) وعمل الفيلسوف الدائم هو تحويل الوجود إلى مدينة السعادة”. والإتيقا هي الخيط: “الذي يشد مقاصد الفلاسفة من الكندي إلى ابن طفيل مرورا بالفارابي وابن باجة (…) لقد كان كل منهم “حي بن يقظان” على طريقته؛ يدبر وحدته كفن في السعادة” (ص 70) ما يهم فيها هو سؤالها عن الإنسان، وليس انطولوجيتها المتحدرة من علم الفلك القديم “الذي لم يعد ممكنا التفكير من خلاله” اليوم.

  يتأتى التفلسف مع الفارابي من مسائل: “لم يطرقها، لكنه يفكر فيها من خلالها أو يفترضها”، وهي محددة بميدان “الإتيقا” التي يقول عنها بأنها: “شوق كل انسان إلى السعادة والسعي نحوها على أنها كمال له”. (ص 72) فالإتيقا عنده غير مشروطة، كما عند الغزالي، بإحداثيات الحلال والحرام؛ بل: “هي محصلة تنبه الإنسان إلى قدرته على أن يصير ما هون وذلك باستعمال ما هو ممكن فيه؛ أي ماهيته بوصفه كائنا مندوبا إلى استكمال نفسه بنفسه”. (ص 72)

متوحد ابن باجة أمام الفلسفة الحديثة

  يختلف “مفهوم “التوحد” عن مفهوم “الوحدة” كما قاربته الفلسفة الحديثة؛ إذ غلب على معناها الطابع الوجودي. بينما: “التوحد فإنه موقف إتيقي يتكلف معنى الوحدة على نحو يقصد إليه قصدا (…) هو مطاوعة الوحدة (…) وطلبها واتخاذها اسما والانتساب إليها”. (ص 84-85) يقدم “التوحد” تأويلا موجبا لمشكلة الخلود؛ فهو تدرب عليه يجعل: “الفلسفة مذهبا في السعادة وليس هيرمينوطيقا لواقعة الموت”. فالفرق بين المتوحد والوحيد: “كالفرق (…) بين فلسفة في الموت وفلسفة في الحياة”. (ص 85)

ويختلف مفهوم “الغربة” في فلسفة “التوحد” لدى ابن باجة، عما حضر به في الفلسفة الحديثة، حيث ينطوي على ضرب من اللاوطن، لأنه ارتبط بموضوعة “القلق”؛ مثل مفهوم “الوحدة” أيضا. يقول ابن باجة: “وكأن السعداء إن أمكن وجودهم في هذه المدن، فإنما يكون لهم سعادة المفرد (…) وهؤلاء هم الذين يعنيهم الصوفية بقولهم الغرباء؛ لأنهم وإن كانوا في أوطانهم وبين أترابهم وجيرانهم، غرباء في آرائهم قد سافروا بأفكارهم إلى مراتب أخر؛ هي لهم كالأوطان (…) ونحن في هذا القول نقصد تدبير هذا الإنسان المتوحد”. (ص 86)

مطلب الغربة الصوفية هو السعادة، وليس العودة إلى ذات مفقودة؛ بل: “إن معنى الغربة لديهم يضاهي الوطن”. (ص 86) وذلك: “لأن الغريب لا يعاني (…) من القلق إزاء إمكانية الموت. إنه على العكس من ذلك سفر سعيد إلى أفق الموت. إن الموت هنا يتخلص من شحنة العدمية (…) إن التوحد غربة في الرأي وليس فقدانا للذات”. (ص 87)

  غربة المتوحد هي تدريب: “عسير على الإقامة على حدود وطن عقلي هو مطالب سلفا برسمه في كل مرة”. (ص 90) وبعد هذا المنعرج الإتيقي لفلسفة “المتوحد”، عرض المسكيني انزياحا آخر لمنجز هذه الفلسفة، يتمثل في: “نقل معنى التدبير من أفق الإله إلى أفق الإنسان”، وهو قرار خطير؛ إذ هو إزاحة الإعتبار التقليدي لمبحث الإله الذي كان يبدأ به الفلاسفة قبله، وتنصيب الإنسان في أفق صناعة الفلسفة.

لم يكن أفق تفكير ابن باجة تدبير المدينة ولا البيت؛ لم يعد التفلسف عنده: “افتراض مدينة فاضلة (…) بل صار مطلوبا الإنكباب على واقعة الفيلسوف” كما يوجد في المدن غير الفاضلة. (ص 92) يدفع السكن في هذه المدن إلى التفلسف، ويوجد الفيلسوف فيها: “مثل العشب النابت من تلقاء نفسه بين الزرع”. انزاح ابن باجة بهذا بالفلسفة: “من إشكالية المدينة الفاضلة إلى إشكالية النابتة” (ص 94) فخرج بالفيلسوف من وضعه التقليدي عائدا به إلى أفقه قبل “الأفلاطوني” حيث كان: “مقصوده حب الحكمة، وليس حب المدينة حتى وإن كانت فاضلة”، ولم تكن المدينة(السياسة) في أفق الفلسفة. (ص95)

  لقد خَلص ابن باجة التفلسف من الحدث الأفلاطوني. يقول المسكيني معقبا: “قد وقع على مشارف انزياح عميق في صناعة الفلسفة، لا يبدو أنه أفلح في إنجازه على الوجه الذي هو شأنه؛ بل ما لبث أن انحسر بحثه عنه”. (ص 96) مساءلة الفيلسوف للموقع الذي يقف فيه، في المدن الناقصة، وفتح أفق التفكير فيه: “هو ما يجعل كتاب تدبير المتوحد على درجة عالية من الإبتكار”؛ فليس سهلا الخروج من التقليد الأفلاطوني الذي بيئه الفارابي في فضاء الفكر العربي.

ووقف المسكيني عند منعطف آخر لفلسفة ابن باجة، وهو ربطه بين “التوحد” والاعتزال؛ أي اعتزال الجماعة بوصفها آلة اللافلسفة ومدينة بلا وطن لكنه: “ليس اعتزالا بالمعنى المدني، الذي هو شر كله؛ إذ يهدم الوجود البشري كما يقول ابن باجة. فالاعتزال المقصود عنده ليس الاعتزال بالذات، وإنما الاعتزال بالعرض”. وهو رفع لإشكال: “يبدو أنه لم يسبق إلى طرحه” في نظر المسكيني. (ص 98) فقد ربط فيه بين أفقين فلسفين: أفق التفكير المدني المستند إلى الفكر اليوناني، والاعتزال الذي هو أفق فكري ابتكره الفضاء الثقافي العربي، فالتوحد: “هو ثمرة سعيدة عن التفكير بهما معها”.

وبناء على ذلك لم يخض المتوحد في العلم المدني؛ ففلسفته “ليست مدنية إلا بالعرض”، كما أنها لست “اعتزالا إلا بالعرض” أيضا. “والتدبير فن مدني بالعرض لأن مقصوده سعادة المفرد لا سعادة المدينة”، وفي نفس الآن ليس هدما للحياة المدنية للإنسان. لقد انقلب مبحث المدينة في فلسفة المتوحد: “من أفق فلسفة الذات إلى أفق فلسفة بالعرض”، فهامش المدينة هو مركز إشكالية المتوحد؛ أي تدبير النفس. (ص 99)

طرح جديد، في نظر المسكيني، هو ما سماه ابن باجة “الصور الروحانية” أراد أن ينشئ حوله: “قولا صناعيا في الإنسان”. فهذه الصور هي صور الإنسان الجسمانية والروحانية والعقلية، كما وفرتها العلوم القديمة، الطبيعية والمدنية، وأضاف إليها الأقاويل البلاغية؛ فباستطاعة المتوحد، في نظر ابن باجة، استعمال: “كل الأقاويل (…) حتى يبلغ مقصوده” وهو فهم: “طبيعة الإنسان على نحو غير مسبوق”. (ص 103-104)

يقول المسكيني معلقا فقد شارف: “على طرح أنطولوجي أصيل لمعنى طبيعة الإنسان بما هو موجود ينطوي على ضرب من الوجود يخصه؛ هو هذا التوسط العسير بين الأبد éternité والتناهي finitude”. (ص 106) فالإنسان: “كالواسطة بين السرمدية، والكائنة الفاسدة”؛ وهو ما يفرض أن يكون فيه معنى سرمدي، ومعنى فاسد. فهذا التأويل، في رأي المسكيني، اخراج جديد للإنسان من أفق المدينة الفاضلة الذي كان حبيسا له، إلى الاهتمام به من: “زاوية الوجود الذي يخصه” (ص 105) وهو: “أيضا وضع الفلسفة في أفق تأصيل إشكالية الإنسان بما هي إشكالية عملية في جوهرها”.

وكشف المسكيني في الختام سبب انحسار المنجز الفلسفي المبتكر لابن باحة، بأن الرجل سأل عن الإنسان: “لكن بواسطة عدة نظرية لم تتجاوز بنية المنطق الأرسطي، فقد فكر في قضية مبتكرة بجهاز نظري لا علاقة له بها”. (ص 107)

وقارب في الأخير “النابتة” ابن رشد، فرأى أن الجدير باستئناف النظر في منجزه الفلسفي اليوم هو: “الاستعمال العمومي للعقل” الذي خاض في شأنه معاركه “في أرض لا فلسفية”. فقد دافع ابن رشد عن الفلسفة بوصفها نحوا من الاستعمال العمومي للعقل، ودخل في نزاع ضد من يريد التحكم في ذلك الاستعمال في فضاء النقل. غير أنه لم يتجاوز في تفكيره حدود الملة ومن أجلها، لأنه “قاضي في مدين الملة”.

إن اشتباكه ضد من يدافع عن اللافلسفة، حال دون أن “يترك مؤلفات مبتكرة في مسائل تخصه (..) فلم يطمح إلى تأصيل فلسفي يخصه” (ص 115)؛ بل إنه انجر في سياق النزاع ذاك إلى توظيف الآليات اللافلسفية في الرد على المدافعين عن بقاء الفلسفة خارج أفق الملة، ومنها آلية “التكفير”؛ فهو بعدما أخذ على الغزالي تكفير الفلاسفة، عمد هو أيضا إلى اصدار “التكفير”. (ص 123)

  إن تشخيص ما بقي حيا في عمل ابن رشد، بالنسبة إلينا اليوم، في الاستعمال العمومي للعقل، يدل على أن الإشكال لا يزال معلقا في ثقافتنا اليوم، رغم كل المحاولات المرتسمة في هذا الفضاء. وقد فرض هذا الوضع المزمن للفلسفة على المسكيني الختم بالسؤال: من هو الفيلسوف؟ وما هي الفلسفة بالنسبة لنا “نحن” اليوم؟ وقال بالعبارة الصريحة في الإجابة إن “النحن”: “لم تصبح بعد مفهوما فلسفيا” نستطيع بها: “تمثل إمكانية أصيلة للتفكير على طريقتنا”. (ص 125) فهي لا تزال بعد لافلسفية؛ فهي إما “عرقية ” (عربية)، او “دينية” (إسلامية).

بل حتى المحاولات التي لعبت: “ورقة الحداثة (…) ضد العرق، أو الحداثة ضد الدين” لم تكن إلا “حملا كاذبا؛ إذ لم يتحول” أصحابها: “إلى فلاسفة؛ وإنما إلى مبشرين بالحداثة؛ أي بديانة تاريخانية”. يتقاطع منتسبو الفلسفة اليوم، في التوظيف الأداتي للفلسفة، والفرق أن البعض يستعملها أداة لتثبيت “الملة”، والبعض الآخر يستعملها أداة للتبشير بالحداثة، وكلاهما بعيدان عن الأفق الملائم للفلسفة بما هي فلسفة.

  ختم المسكيني بأن مقترحه للتجاوز والتصحيح، مجرد: “حدوس لم تصبح بعد أدوات تفكير”، ومهد لها بتحديد ماهية الفلسفة بأنها “معاني” يتم اختراعها؛ وهذه المعاني تتولد في الأصل من منبعين: العلم والشعر. ولهذا فالمطلوب من الفلسفة: “أن تعاصر العلم من حيث هو استفزاز جذري للعالم. وتعاصر الشعر من حيث هو استفزاز جذري للإنسان (…) العلماء والشعراء هم السكان الأصليون للأرض (…) ونحن اليوم لا نملك علماء ولا شعراء بالمعنى الجذري.

والحال أن الفيلسوف ليس سوى من يستأنف هذا الإمكان الذي يفتحه العلماء والشعراء لعصر ما”. الاستئناف الذي: “من شأنه تنبيه حضارة إلى موضع المعاني الذي لا تملكه بعد”. وليس هذا الموضع إلا أفق السؤال الحاسم: “من نحن اليوم؟”.

قدم الكتاب تشخيصا دقيقا وعميقا لوضع الفلسفة بما هي شرط الإمكان الوحيد للعيش في العصر، يبدو فيه أن وضع التفلسف قديما أفضل مما هو عليه اليوم؛ إذ أشرفت محاولات القدماء على الابداع الفلسفي، بعد معارك “استنبات” الفلسفة في: “أمة لها صناعتها المبجلة وفنونها الشرعية، سواء لتدبير البدن أو لتدبير النفس”. (ص 110)

******************

كتاب جديد لحسن العلوي

5 ديسمبر 2020 صدر حديثا 0

حسن العلوي   يتأطر هذا الكتاب ضمن مشروع نقدي ننجزه في حقل المعرفة الدينية، ويتناول فكر واحد من الشخصيات البارزة في هذا الحقل؛ وهو فكر إبراهيم بن موسى، المشهور بأبي اسحق الشاطبي. يقارب الكتاب بالنقد والتحليل فكر الرجل عامة، وكتابه: “الموافقات في أصول الشريعة” بصفة خاصة؛ وهو الكتاب الذي يحتوي على …أكمل القراءة »

كتاب جديد لحسن العلوي: تمهيد لنقد التراث التحديثي، 1 – لسان عمل أهل الحديث

3 فبراير 2019 أخرىعامةنصوص 0

لا يتناول هذا الكتاب الأحاديث، بل موضوعه عمل أهل الحديث الموسوم في الأدبيات الدينية ب: “بعلم الحديث”، وتحديدا التعريف به من خلال أهل الحديث أنفسهم، دون تدخل من المؤلف بالتأويل أو الشرح أو… فهو يقدم المكتبة الحديثية ملخصة، عبر تصنيف موضوعاتي، يمكنك من الإطلاع على تلك المكتبة دون جهد العودة إلى مئات الكتب والمؤلفات،والوقوف على حقيقة الأدوات التي اعتمدها المحدثون في قبول الأحاديث ورفضها بنفسك وبدون وسائطأكمل القراءة »

الشأن العام بين الدين والسياسة: قراءة في كتاب الدين وخطاب الحداثة لرشيد العلوي

8 سبتمبر 2018 رشيد العلويكتبمساهماتمفاهيم 1

بقلم عبد الرحيم رجراحي   لعل ما يلفت الانتباه في التقديم الذي أعده سعيد ناشيد للكتاب هو اعتباره أن “هذا الكتاب مدخل نظري ونضالي إلى أخلاق المدينة، أخلاق الفضاء العمومي، أخلاق الحداثة السياسية”.[1] وسنسعى في مقالنا إلى الكشف عن هذه الأخلاق التي هي من جنس الشأن العمومي، والتي من فرط …أكمل القراءة »

الفلسفة في المغرب إلى أين؟ حوار رشيد العلوي مع جريدة الاتحاد الاشتراكي

27 يونيو 2018 تربية و تعليمحواراترشيد العلوي 0

  حاوره حسن إغلان   1 – كيف ولجتم شعبة الفلسفة؟ جئت إلى الرباط من الهامش (الجنوب المغربي) لاستكمال دراستي الجامعيَّة في شعبة الفلسفة بكلية الآداب – جامعة محمد الخامس، وقد سنحت الظروف التي نشأت فيها في المرحلة الثانويَّة من اهتمامي بالفلسفة بفضل نشاطي الجمعوي المبكر وارتباطي باليسار.   2 …أكمل القراءة »

استئناف النَّظَر في الفلسفة الرُّشدية قراءة في كتاب رشيد العلوي[1]

18 يونيو 2018 رشيد العلويفلاسفةكتب 0

بقلم عبد الرحيم رجراحي   قد يتساءل سائل، ما الهدف من إنجاز قراءة في كتاب يبحث في مشكلة فلسفية؟ ويردف ثان، ما الحاجة للنظر في مشكلة فلسفية تعود لفلسفة العصور الوسطى ونحن أبناء القرن الواحد والعشرين؟ ويتعجب ثالث، هل لازال لابن رشد راهنيته وهو الذي قضى نحبه منذ قرون خلت؟! …أكمل القراءة »

وفاء لروح الرشدي: جمال الدين العلوي

30 مايو 2017 عامةفلاسفةمساهمات 0

كوة: العلوي رشيد رحل الرجل في صمت ذات يوم من سنة 1992 بفاس الي ولد فيها سنة 1945 ولم يغادرها إلا لسفر عابر أو لمحاضرة هامة. اشتغل منذ أواسط السبيعينيات في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس بعد أن نال دبلوم الدراسات العليا في الفلسفة سنة 1974. اشتغل جمال الدين العلوي …أكمل القراءة »

ملف: 3 – وضع تدريس الفلسفة في المغرب: العلوي رشيد

8 مايو 2017 دراسات وأبحاثديداكتيك الفلسفةرشيد العلويمساهمات 0

قليل من أصدقائنا من باقي البلدان الذين يعرفون بدقة ما يجري في تدريس الفلسفة بالتعليم الثانوي التأهيلي بالمغرب، ورغم أن المشكلات المتصلة بطرق التدريس وبالعدد المعتمدة بيداغوجيا وديداكتيكيا تبقى إلى حد ما مشتركة على الأقل في البلدان التابعة للنظام الفرنسي، ناهيك عن المشكلات السياسية المتصلة بالأنظمة الحاكمة والأهداف العامة المقيدة …أكمل القراءة »

في نقد العقل السردي: كتاب جديد للدكتور إسماعيل مهنانة

‏4 أيام مضت صدر حديثاكتبمتابعاتمفاهيم 0

إسماعيل مهنانة صدر هذه الأيام كتاب للدكتور إسماعيل مهنانة، بعنوان: “في نقد العقل السردي” عن دار الاختلاف/ الجزائر، ودار ضفاف/ بيروت. وهو عبار عم مدخل فلسفي وابيستمولوجي حول ظاهرة السرديات، التي لا تزال تحكم عصرنا، فرغم كل التطور التكنولوجي الذي حققته البشرية وتغيّر نظام الحقيقة لديها، لا تزال المجتمعات تؤمن …أكمل القراءة »

في رحلة الوعي إلى اللاوعي.. إلى أين نمضي؟

7 ديسمبر 2020 علم النفسمفاهيممقالات 0

إبراهيم صباحي يسوقني موج من الأفكار في بحر كبير من الأحداث دون أدنى معرفة إلى أين أمضي؟ مع الوقت صرت لا أكترث لغرقي في هذه الأفكار، ولم يعد يساورني أي خوف تجاه حقيقة هذه التجربة التي قد تنتهي خلالها حياتي بهذا الوجود في أي لحظة. أمّا الأمر الذي يزعجني حقا …أكمل القراءة »

فرناندو سافاتار و تصوّره للعالم بعد كوفيد 19

18 أكتوبر 2020 ترجمةمتابعاتمفاهيم 0

ترجمة: منعم الفيتوري تحدّث الفيلسوف الاسباني فرناندو سافاتار عن كوفيد-١٩، وما سيكون عليه العالم بعد الوباء في إطار مشروع رقمي تم التّرويج له في مهرجان هاي. تساءل الفيلسوف بقسوةٍ عن الذين يعتقدون أنّ هذا الوضع الذي تمرّ به الإنسانيّة، الغير عادي، بأنّه حالة حرب. وأكّد بأنّ هؤلاء الذين يريدون تطبيق …

شاهد أيضاً

سبينوزا يحكم بين العقل والنص

هناء السعيد بقلم / هناء السعيد .. ( مصر ) . إن كل من حاول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *