الرئيسية / منتخبات / تغطية / من يحب الحياة يتحرر من الجناح “ج”

من يحب الحياة يتحرر من الجناح “ج”

قراءة نقدية في الفيلم المغربي نساء الجناح “ج”


محمد تيسُكمين

محمد تيسوكمين

بطولة أسماء الحضرمي، جليلة التلمسي ، ايمان مشرافي ، ريم فتحي، سيناريو محمد نظيف وأسماء الحضرمي . اخراج محمد نظيف

في مشروعية الموضوع

   “من يحب الحياة يذهب للسينما”. يمكن الإقرار بأن فيلم نساء الجناح”ج” قد تمثل هذه القولة بشكل عميق، بعدما صارت شبه مبتذلة بفعل السينما التجارية التي سارعت إلى النقل الحرفي والمرآوي للحياة العادية في حالتها الخام إلى السينما بدعوى “هذا ما يريده الجمهور” فصارت السينما تنغمس في اليومي أكثر فأكثر دون القدرة على تحليله أو النفاذ عميقا إلى ما وراء ما يظهر. بل أصبحت تتجه بقصد الفرجة الجماهيرية إلى التركيز على العاهات الاجتماعية ذات الطبيعة المادية والاقتصادية الواضحة باعتبارها الأكثر تأثيرا. وهذا بالطبع ما لن تجده  في فيلم نساء الجناح “ج”. لن تجد فقرا ولا بطالة و…، ولكن بالطبع ستجد فقرا وبؤسا من نوع آخر، إنه النوع الذي تخفيه مظاهر الإشباع والامتلاء ذات الطبيعة المادية ويتوارى بعيدا عن الأنظار، ومادام كذلك( يعني متواريا،ومتخفيا وغير مفكر فيه) فإنه على العكس من ذلك يحقق الشرط الأولي لتناول سينمائي  ناجح، في تصويب لمعنى قولة ” الفن محاكاة للواقع”.  فحياة الناس الواقعية مأساوية في عمقها، فما جدوى الفن إذا كان مجرد تقليد للحياة بهذه الصيغة وإعادة إنتاجها؟

   على العكس من ذلك يبدع الفنان عالما بديلا مختلفا عن الواقع، غايته بث الجمال اعتمادا على أكبر قدر من الحرية في صياغته وفق رؤيته الجمالية، عالم الإمكان وليس عالم التحقق، وهذه وظيفته وقيمته المضافة، عالما ليس متخيلا بالكامل منفصم العرى عن الحياة الواقعية، بل ينطلق منها ولا ينقلها بشكل غُفل، يجري عليها تعديلات و يُدخل تفاصيل ويجرب إمكانات غير متحققة، يحرص على صياغتها بأبهى صورة ممكنة، عالما مشحونا بالجمال والخير والعدل، وعندما يعرضه على المتلقي يصبح قابلا للتذوق والفهم لأنه يحمل  دلالة إنسانية عامة ومشتركة، بل يصبح موضوعا للتبني لدى المتلقي وينبهر أمام روعته.

    وقد تحققت هذه الرؤية في فيلم نساء الجناح”ج” من خلال الاشتغال على مرض الاكتئاب الحاد كموضوع غير معطى -غير ملقى على قارعة الطريق- وكذلك من خلال طبيعة المعالجة النافدة إلى أعماق هذه الظاهرة ليس فقط على مستوى التمكن المعرفي من أعراض المرض وحيثياته ، ولكن أيضا من خلال الانفتاح الإبداعي على علاج المرض بتفجير إمكانات وقدرات الذات  البشرية متمثلة في شخصيات الفيلم في إطار ما تسمح به الأحداث والزمان والمكان.

داخل أسوار الجناح “ج”

  عندما يتم إيواء المكتئب بمستشفى الأمراض النفسية، وإحاطته بالعناية الطبية اللازمة، فهذا يعني أن الأمر يتعلق بمرحلة متقدمة من الاكتئاب يسمى بالاضطراب الاكتئابي الحاد أو السريري، عنوانه الأبرز هو عدم قدرة الشخص على ممارسة حياته اليومية بالشكل المعتاد نتيجة اضطراب يصيب طريقة التفكير والتصرف لديه يفقده الرغبة في الحياة.

  داخل فضاء الجناح”ج” لأحد المستشفيات نتعرف على الشخصيات الرئيسية للفليم، بشكل تدريجي يضمن تدفق المعلومة حسب أحداث الفيلم، ويتعلق الأمر ب:

1 أمل: امرأة عانت سابقا من عدم القدرة على الإنجاب، وبعد محاولتين فاشلتين(سقط فيهما الجنين) تنجب ابنها الوحيد ثم تفقده في حادث أمام عينيها لتتهاوى أمام عذاب ضمير حاد أودى بها إلى المستشفى.

2 ريم: نالت من الأزمات أكثر مما يمكن أن تتحمل يافعة مثلها، بدأت حتى قبل ولادتها غير المرغوب فيها كأنثى. تعرضت للاغتصاب من طرف أبيها، واجهته قضائيا، فتخلى عنها الجميع لجرأتها في الفضح والمواجهة

3 ابتسام: لم تتراكم أزماتها بالتدريج لإنتاج ميكانيزمات الدفاع وتقوية الشخصية، بل حصلت دفعة واحدة، صدمة اكتشاف مثلية زوجها، وتواطؤ محيطها القريب لإخفاء حقيقته عنها

4 حليمة: هي مريضة بالاكتئاب فعليا دون أن تسجل كذلك رسميا، فتواجدها بالجناح كان بصفتها ممرضة وليس مريضة، ولكن المرض لا يعترف بالأوراق الرسمية ، تكفيها الخيانة المزدوجة لزوجها لتصبح مريضة من درجة “شاف د الحمقات”

   رغم اختلاف أسباب المرض من شخصية لأخرى ووثيرة تمكنه منها، واختلاف قدرات الشخصيات على التحمل والتعايش والمقاومة، تظل المعاناة واحدة: فقدان الرغبة في الحياة وانخفاض المعنويات وتدهورها وغياب الحوافز الداخلية على المواصلة مهما كانت الحوافز الخارجية ودرجة انخراط المحيط في الدعم والاحتضان، وبعد محاولات عديدة للبحث عن الحلول الفردية بما فيها الانتحار! تضطر الشخصيات الى ابداع حل جماعي مشترك تسعيد من خلاله الحياة نبضها العادي، أو أكثر قليلا من خلال بث معاني جديدة في حياتهن. طبعا دون نسيان مجهودات الآخرين من حولهن حيث انخرط  كل من موقعه.

  الاكتئاب طبعا ليس قضية المكتئب الخاصة، بل هي بالأساس قضية أهله والمجتمع برمته، لذلك وقفنا على تداخل وتفاعل هذه الجهود للتوجه بشكل تدريجي نحو النهاية:

  • تدرج موقف المريضات من عدم الاعتراف وعدم الاحساس بالجدوى إلى القبول والسير تدريجيا نحو العلاج.
  • تدرج موقف الأهل ، ابراهيم مثلا، من موقف سلبي كامل جعل زوجته تزور أختها سرا ، إلى مرافقتها، إلى الاقتناع بقضيتها والتورط كليا في الحلول.

   قبل الخروج من أسوار الجناج “ج” أعتقد أن اختياره كعنوان للفيلم كفضاء يحتضن الأحداث كان موفقا. ويدل حرف الجيم على ترتيب الجناح متأخرا مقارنة مع الأجنحة “أ” و”ب” و…  حيث يصاغ ترتيب الأجنحة بالمستشفيات حسب أهمية وخطورة المرض . وهكذا فقد أخذ الجناح “ج” ترتيبا متأخرا – هو السابع في الأبجدية اللاتينية- كإقرار رسمي من السلطات الصحية- واضعة الترتيب- بعدم أولوية المرض مقارنة مع أمراض أخرى.

خارج أسوار الجناح “ج”

   رغم كل ما يقع داخل الأسوار، فالحياة تستمر خارجا. لازال الناس يلعبون، يتزوجون، يرتادون أرقى المطاعم والحانات، يحتفلون … لن تتوقف دورة الحياة في انتظار أن يتعافى أحدهم من مرضه، وكأن الحياة تقول لهم :” ورغم ذلك فاني أدور” ، فما عليكم -خاصة كمرضى الاكتئاب يرتبط مرضكم بطريقة التفكير والتصرف- إلا الكف عن “الدلع”(التبوحيط) والالتحاق بصخبي خارجا.

   وفي انتظار التعافي الكلي- لأن التعافي كما المرض ليس اختياريا- ما على المريضات إلا فتح كُوَات غير شرعية، للتزود بأكبر قدر من المعنويات من الحياة خارجا، ما عليهن إلا سرقة لحظات حياة ممنوعة، ولو تطلب الأمر المغامرة من أجل ذلك، لحظات يتم تجريب أن تعاش ربما لأول مرة بهذه اللذة، أما من قبل فلم يسبق أن وضع معنى الحياة موضع سؤال من طرفهن، مادامت تعاش بشكل مجاني ودون تكاليف.

  وستصير هذه اللحظات المسروقة بمثابة نافذة المريضات نحو الحياة الحقيقية التي أضعن معناها قبل ولوجهن أسوار الجناح ، وإن لم يكن الولوج برغبتهن،فإن التفكير في الحياة الآن صار مختلفا، وصار لزاما الدفاع عنه بكل ما أوتين من رغبة في العلاج. وهنا نكتشف الدور العلاجي للممرضة حليمة، المختلف عن الأدوار الاعتيادية للممرضات، المختزن للحكمة الشعبية “سول المجرب ما تسول الطبيب” كتعبير عن نجاعة التركيز على الحوافز الداخلية والبحث عن المعنى داخليا، خاصة وأن أسباب الاختلال لم تكن إلا داخلية ، ترتبط بتمثل الذات والعالم.

خاتمة

    الجميل في فيلم نساء الجناح “ج” أن المخرج وهو يصور الدوائر المغلقة لعالم النساء، لم يستسلم للإغواء أو الإغراء الذي قد تمارسه هذه الدوائر على مخرج آخر من مجاراة الأحكام الذكورية وتصوير هذا العالم بمنطق إيروتيكي، بدعوى هذا هو الواقع أو هذا هو مايطلبه الجمهور،  فالفيلم خال من الكليشيهات من هذا النوع، بل ظل وفيا بشكل مخيب لأفق انتظار المتلقي الذي تربي على هذا النوع.       الجميل كذلك أن المخرج في ذلك لا تحركه أية نزعة محافظة أو ادعاء ” عفة ونظافة” السينما فشخصياته النسائية لا يخفين أجسادهن، وفي المقابل لا يظهرنها لأنها بكل بساطة أجسادهن الخاصة (الحاضنة لنفوسهن المعذبة) وليست سلعا للإظهار أو للإخفاء.  حتى أكثرهن سمنة والتي دخلت الجناح بسبب ذلك اقتنعت بهذه الحقيقة أخيرا. هن ببساطة “عيالات حرات” كما جاء على لسان إحداهن في مواجهة أحد المواقف اليومية المختزلة لأكثر الأفكار الذكورية شيوعا في المجتمع المغربي. “حنا عيالات حرات” قالتها بنبرة عادية مفصولة حتى عن مرجعيتها الخطابية النسوانية.

الرئيسية / نتائج البحث عن : محمد تيسوكمين

نتائج البحث عن : محمد تيسوكمين

فيلم سيد المجهول: في محاولة تأسيس سينما العبث مغربيا

‏أسبوع واحد مضت شاشةمتابعاتمفاهيم 0

محمد تيسُكمين محمد تيسوكمين       من الضروري التمييز بداية ، في السينما المغربية بين عبث السينما كصفة أصبحت تلازم المشهد السينمائي المغربي أكثر فأكثرمن جراء اختلالات تنظيمية وإبداعية حاول الكثير من المهتمين والمهنيين الوقوف عندها كل حسب تخصصه، وبين سينما العبث كرؤية إبداعية واختيار جمالي واع رغم أن المفهوم لم …أكمل القراءة »

قراءة في سيناريو الفيلم المغربي البركة ف راسك لعادل الفاضلي

10 مايو 2020 تغطيةشاشةمتابعات 0

محمد تيسُكمين محمد تيسوكمين         “البركة فراسك “فيلم تلفزيوني  جديد للمخرج عادل الفاضلي، انتاج الشركة الوطنية للاداعة والتلفزة المغربية . فيلم أبدع فيه المخرج تقنيا ،وقدم منتوجا جديرا بالتقدير .          ولكونه منتوجا جديا  ارتأيت أن أبدي حوله بعض الملاحظات على مستوى كتابة السيناريو منطلقا من مسلمة أن الفيلم لو …

قراءة في سيناريو الفيلم المغربي البركة ف راسك لعادل الفاضلي

10 مايو 2020 تغطيةشاشةمتابعات 0

محمد تيسُكمين محمد تيسوكمين         “البركة فراسك “فيلم تلفزيوني  جديد للمخرج عادل الفاضلي، انتاج الشركة الوطنية للاداعة والتلفزة المغربية . فيلم أبدع فيه المخرج تقنيا ،وقدم منتوجا جديرا بالتقدير .          ولكونه منتوجا جديا  ارتأيت أن أبدي حوله بعض الملاحظات على مستوى كتابة السيناريو منطلقا من مسلمة أن الفيلم لو …

الفيلم القصير طالب اتران

4 يونيو 2017 Non classé 0

فيلم قصير اخراج حسن أمرير وسيناريو صديقي محمد تسكمين: فيلم حجاجي في موضوع: “الإنسان كخالق للدلالة وصانع للمعنى”، أي حول المسافة التي يتيحها التأويل بين فعل أر ارترا: يتقيأ، وفعل أر اترا: أي يكتب، وهذه المسافة بين التقيؤ والكتابة ينسبان معا للفقيه في التصور الشعبي وآفاق التأويل الممكنة. فيلم يحكي

رواية رواء مكة بين تنطع المقرئ وانضباط القارئ

17 مايو 2019 تغطيةصدر حديثاكتبنصوص 0

كوة: محمد تسكمين محمد تسكمين بحضور مجموعة من الدعاة والشيوخ، تفضل الداعية المغربي المقرئ أبوزيد الإدريسي بتقديم حماسي للسيرة الذاتية للدكتور حسن أوريد رواء مكة [1]باعتبارها أفضل ما قرأه طيلة عمره المديد من بين آلاف الكتب والمؤلفات،  ناصحا بها مستمعيه قصد اكتشاف هذه التحفة ، ودون  الانسياق مع التفاصيل فإن 

شاهد أيضاً

في نقد العقل السردي: كتاب جديد للدكتور إسماعيل مهنانة

إسماعيل مهنانة صدر هذه الأيام كتاب للدكتور إسماعيل مهنانة، بعنوان: “في نقد العقل السردي” عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *