الرئيسية / صدر حديثا / التباسات الحداثة: هابرماس في مواجهة دريدا

التباسات الحداثة: هابرماس في مواجهة دريدا

خلدون النبواني 

خلدون النبواني

معتمدة على النص الذي تفككه، بدت تفكيكية دريدا الشاب – أي منذ مؤلفات الستينات وحتى منشورات 1972 – وكأنها مجرد استراتيجية قراءة فإذا لم يكن هناك “ما هو خارج النص”، فإن التفكيك في هذا الحالة لا يتجاوز النص الذي يفككه بل يظل عالقاً بشباكه ومتشبثاً بنسيجه ومعتمداً كلية عليه لا يخرج عنه وإن كان يخرج دائماً عليه. لا شك أن دريدا أدرك بعدها بسرعة أن التفكيك يجازف باستنفاد نفسه إن بقيّ مجرد استراتيجيات قراءة نصيّة، وهو سينجح بالخروج من هذا القفص اللغويّ الضيق نحو فضاءات أخرى دون أن يتخلى عن اسم “التفكيكية”، كاسم علم أو كعلامة تجارية وحصرية لأعماله ودون أن يهجر طريقته في الكتابة السرية الصوفية البوحية المُلغزّة التي ستزداد وضوحاً في نصوصه اللاحقة حيث سيتحرر من الحديث عن نفسه بصيغة النحن nous الأكاديمية التي تخفي الأنا أكثر مما تشير إليها نحو صيغة الأنا المفرد je، صيغة الاستقلال والانعتاق، والمسؤولية الفردية بالتالي وستصبح نصوصه جزء من سيرة ذاتية متلعثمة ومترددة بين الفلسفة والأدب

مقدمة المؤلف

عن دار لآرماتان الباريسية صدر لي باللغة الفرنسية في مطلع حزيران/جوان عام 2017 كتاب: L’ambivalence de la modernité-Habermas vis-à-vis de Derrida . لم أكن صراحةً أتوقع لهذا العمل ذلك الاستقبال الواسع الذي حظي به في الأوساط الأكاديمية الغربية، فحتى تاريخ كتابة هذه الكلمات انتشر هذا الكتاب في أكثر من 35 جامعة غربية منها 18 جامعة أمريكية مثل هارفارد وبرنستون وستانفورد وبيركلي و 8 جامعات فرنسية بما فيها السوربون (باريس 1 و 4 و 5 ديكارت)، وجامعتان ألمانيتان وجامعات أخرى في بريطانيا وبلجيكا (جامعة لوﭭان) وهولندا وكندا وغيرها. لكن لتجنب الانسياق وراء وهم النجاح السريع أو الانزلاق في فخ النرجسية السهل فإن عليّ التوضيح أن هذا الانتشار ما كان له أن يكون لولا توافر ثلاثة أسباب أساسية: يتمثّل السبب الأول في ثورة المعلومات والتكنولوجيا والمكتبات الهائلة الحديثة المتوفرة في جامعات الغرب، والتي تُسهِّل وصول الطلاب والباحثين إلى المراجع والأبحاث بسرعة وسهولة لم يعرفها تاريخ البشرية من قبل؛ بينما يعود السبب الثاني إلى تلك الحقيقة المؤلمة وهي أن ما ينتشر في الغرب أولاً ثم يعوّلم ثانياً يكون بأغلبيته الساحقة مكتوباً بإحدى لغات الغرب المُسيطرة والمهيمنة على العالم، ولو كان هذا الكتاب مكتوباً بالإنجليزية لحقق انتشاراً أوسع أيضاً؛ لكن بالإضافة إلى هذه العوامل الظرفية التي تساعد على نشر الكُتب والأبحاث هناك برأيي سبب ثالث موضوعيّ وهو جدّة طرح الكتاب وجديته (كما تؤكد على ذلك الآراء النقدية حوله) وإلا ما كان له، وهو كتابٌ أكاديميّ تخصصيّ أن يحظى بمثل ذلك الاستقبال النقديّ في بعض جامعات الغرب ولبقي مجرد كتاب مؤرشف ومهمل على الرفوف كجثة في مقبرة تحمل شاهدتها معلومات عن الميت. ولا بد لي، حرصاً على الموضوعية، من الإشارة هنا إلى أن الاستقبال النقديّ لهذا العمل – وعلى الرغم من انتشاره الواسع – لم يخرج خارج نطاق جامعات الغرب ومكتباته وحلقات طلابه التخصصية الضيقة اللهم إلا مع استثناء وحيد، على حد علمي، وهو اعتماده من قبل ويكيبيديا (الصفحة الفرنسية) كأحد المراجع التي يمكن العودة إليها في البحث عن مفهوم “الحداثة” .

منذ صدور هذا العمل بالفرنسية وأنا أنوي حقيقةً نقله كاملاً إلى العربية ، لكن الظروف وضغوط العمل كانت تؤجل هذا المشروع دائماً وأعترف أنّني خلال كل تلك المدة التي مرت على ظهوره بالفرنسية، منحتُ الأولوية لكتابة الجديد على ترجمة القديم المُنجز.

خلال هذا التأجيل المستمر لنقله إلى العربية عبّر لي أحد المترجمين العرب عن رغبته في ترجمة العمل بنفسه إلى لغة الضاد. ولأني كنتُ أُفضل القيام بهذه المهمة بمفردي فقد وافقتُ متردداً مُكرهاً بسبب ضغوط العمل مُشترطاً عليه مراجعتي للترجمة بعد انتهائه منها. وفعلاً هذا ما حصل، لكن حين شرعت بمراجعة الترجمة وجدتُ أن الكتاب يظل بترجمته كتاباً أجنبياً مُترجماً وأنا أريدُ له أن يكون كتاباً مكتوباً بالعربية لا غريباً عنها.

وأنا أراجع الترجمة العربية الوفية للنص الفرنسيّ والتي قام بها الصديق المترجم تذكرتُ ديكارت – الذي كان قد راجع ترجمة كتابه مقالة في المنهج من الفرنسية التي كتبه بها إلى اللاتينية (التي يتقنها ويكتب بها) وهي لغة العلم السائد آنذاك لكن التي تكلّف بها أحد أصدقائه – وهو يقول:

يحيي ديكارت قراءه. إن هذا المقال الذي كنتُ قد كتبته بالفرنسية ونُشر منذ ست سنوات قد تُرجِم بعد وقتٍ قصير إلى اللاتينية على يد أحد الأصدقاء وقد حوُّلت إليّ هذه الترجمة لأغيّر فيها بحرية ما أشعر بالحاجة لإعادة قوله. وهذه ما فعلته في العديد من المقاطع، ولكن من الممكن أنيّ قد أهملت العديد غيرها بحيثُ سيُلاحظ الفرق بين هذه وتلك وذلك لحقيقة أن المترجم الوفيّ قد حاول نقل نصيّ كلمة كلمة، في حين أنيّ غيّرت غالباً من طرفي العبارات نفسها وقد كلفتُ نفسي في كل مكان تصحيح المعنى الذي كنتُ قصدته في النص لا كلمات المُترجم.

لكن في حالتي أدى “تصحيح المعنى الذي كنتُ قصدته في النص “الأصلي مدفوعاً لأغيّر في الترجمة “بحرية ما أشعر بالحاجة لإعادة قوله” إلى تغيير الترجمة بالكامل ولم أكتفِ كديكارت “في كل مكان بتصحيح المعنى الذي [كان قصده] في النص لا كلمات المُترجم”. لا يعني هذا الكلام أبداً أن الترجمة التي قُدِّمت إلي سيئة، لكن رغبتي في تقديم كتاب مكتوب مباشرة بالعربية تقريباً أجبرني على الاعتذار عن ترجمة الأستاذ المترجم الممتازة على كلٍ، وإعادة كتابة الكتاب بالكامل من جديد ليظهر قدر الإمكان كما لو أنه مكتوب بالعربية مباشرة دون مراعاة الأسلوب الفرنسيّ الذي كتبتُ به الكتاب ولا أدري بصدق إلى أي مدى نجحتُ في ذلك إذ عليّ الاعتراف أولاً أن اليد اليسرى التي كتُب بها الأصل الفرنسي ظلت تمارس شيئاً من السُّلطة على اليد اليمنى التي نقلت به هذا الكتاب إلى العربية وأن، التنقل في الكتابة بين الفرنسية والعربية والإنجليزية أحياناً يبدو واضحاً في الأسلوب بهذه اللغات الثلاث التي أكتب بها فهو مزج غير إرادي ولا واعي أرجو أن يكون خلّاقاً وليس مسخاً فرانكنشتانياً في الأسلوب. وعليّ الإيضاح للقارئ كذلك أني لم أكتفِ بنقل مضمون الكتاب الفرنسيّ إلى العربية، فقد قمتُ بإضافة وتوضيح وتصويب وحذف بعض النقاط والمسائل عمّا كانت عليه في النص الفرنسيّ الأصلي. هو إذن نُسخة مُنقّحة عن النسخة الفرنسية، ولعله بذلك كتاب آخر تماماً إذ أليست الترجمة هي كتابة جديدة دائماً، ونص جديد مختلف عن النص الأصلي مهما حاولت استنساخه؟!

نقد الدين عند هابرماس 3-3

16 أكتوبر 2020 دراسات وأبحاثفلاسفةمجلاتمفاهيم 0

خلدون النبواني  خلدون النبواني “الدين والفضاء العام”: سيتوضح موقف هابرماس ومطالبه بتغيير نظرة الدولة الحديثة ومواطنيها العلمانيين نحو دور الدين والمتدينين في الحياة السياسية أكثر في مقاله الثالث والأخير من كتاب بين الطبيعانية والدين والمعنون ﺑ “الدين والفضاء العام”. يُبرّر هابرماس، مرة جديدة، هنا اهتمامه بالمسألة الدينية لكونها فرضت نفسها 

نقد الدين عند هابرماس 1-3

‏3 أيام مضت دراسات وأبحاثفلاسفةمقالات 0

خلدون النبواني  خلدون النبواني  يأتي هابرماس في مقدمة الطبعة الفرنسية لمؤلفه الضخم نظرية الفعل التواصلي على تطور تفكيره من نظرية الوعي إلى نظرية التواصل وصولاً إلى علاقة الأخلاق والقانون والديمقراطية. بالإضافة إلى هذه المراحل الثلاث في انتقال هابرماس، أو توسيع دائرة اهتمامه، من مبحث إلى آخر، فإن هناك من يتحدث …

نقد الدين عند هابرماس 2-3

‏3 أيام مضت دراسات وأبحاثكتبمفاهيم 0

خلدون النبواني  خلدون النبواني العقل والدين: الحوار مع راتزنغر (2004) على خلاف خطاب “الإيمان والمعرفة” المتحمس لعودة الديني، سيتدارك هابرماس حماسه ذاك ويعود إلى دقته وحذره المعهودين وإلى مواقعه العقلانية الرصينة حين سُيدعى بعد ثلاث سنوات من ذلك إلى مدينة ميونخ الألمانية وتحديداً في 19 جانفيي/كانون

هل كان دريدا فيلسوفاً ما بعد حداثيّ؟

9 ديسمبر 2018 فلاسفةمساهمات 0

– خلدون النبواني ما خلا بعض الأمثلة النادرة، فقد درج المشتغلون بالفلسفة المعاصرة على تصنيف الفيلسوف الفرنسيّ جاك دريدا كأحد فلاسفة ما بعد الحداثة إن لم يكن عرَّابهم. والسؤال الذي سنحاول أن نجيب عليه في مقالنا هذا هو : هل كان دريدا حقّاً فيلسوفاً ما بعد حداثيّ؟ وهذا السؤال سيقودنا …

فكر تيودور أدورنو

10 أبريل 2017 عامة 0

خلدون النبواني حول استقبال فرنسا المتأخر لفكر تيودور أدورنو:   إننا إذ نختار فكرة “الحضور” بدلاً من فِكرة “التأثير” عنواناً لمقاربتنا هذه، فإننا نفعل ذلك بدواعي عدَّة قد تستدعي منّا بعض التوضيحات؛ فما نقصده ﺑ”الحضور” هنا هو محاولة إظهار التجلّي الشبحيّ لفكر أدورنو الذي “يسكن” hante نظرية السُّلطة عند ميشال فوكو …

برفقة يورغن هابرماس

17 أغسطس 2020 عامةفلاسفةمجلات 0

ترجمة: حسونة المصباحي في ألمانيا يُخصص اسم «الفيلسوف» لمن أثبت باعه وجدارته في هذا المجال، والأفضل لمن هم رحلوا عن الدنيا(أفلاطون، كانط، هيغل، الخ…) لكن كيف لنا أن نحرم منه يورغن هابرماس الذي يلغ سن التسعين، وتمكن وحده من أن يبلور موروثا فلسفيا ألمانيا هو بقطع النظر عن التاريخ، يحافظ …أكمل القراءة »

هابرماس والوباء… تحديات سياسية وأخلاقية

22 مايو 2020 Non classéجرائدفلاسفةمقالات 0

فهد سليمان الشقيران يرتبط اسم الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس بقراءة التحولات ودرس المنعطفات؛ طوال حياته التي تناهز القرن من الزمان، حيث ولد في 1929، لم يغب عن درس التحديات التي تعصف بالبشرية، وبقي قريباً من نظرية كانط الأخلاقية مطوّراً لها، ومحامياً عن الحداثة داعياً إلى استكمالها، معتبراً الحداثات البعدية ليست …أكمل القراءة »

يورغن هابرماس: في هذه الأزمة، يجب أن نشتغل على المعرفة الواضحة من لا معرفتنا

7 مايو 2020 ترجمةفلاسفةمجلات 0

يورغن هابرماس ترجمة: رشيد الدكالي أجرى المقابلة نيكولاس ترونج Nicolas Truong وترجمها عن الألمانية فريديريك جولي Frédéric Joly ونشرت المقابلة بجريدة “لوموند” يوم 10 أبريل 2020. في مقابلة مع جريد لـ «MONDE»، يقوم الفيلسوف الألماني بتحليل المرونة الأخلاقية والسياسية لأزمة الصحة العالمية التي تسببها جائحة كوفيد-19 ويحث الاتحاد الأوروبي على …أكمل القراءة »

”جدلية العلمنة – العقل والدين” يورغن هابرماس – جوزف راتسنغر

14 أغسطس 2019 كتبمفاهيممقالات 0

ِ حمزة بومليك باحث في الفلسفة والعلوم الإنسانية يتناول الكتاب مفهوم العلمانية والمواطنة، في إطار العلاقة الجدلية بين العلم والدين، في المجتمعات الغربية، خلال فترة ما بعد الحداثة، أو كما يحلو للبعض نعتها بالمجتمعات المصنعة ما بعد الحديثة. صدر الكتاب عن دار جداول، لبنان، للكاتب والمترجم حميد لشهب، في طبعته الأولى 

شاهد أيضاً

الرأسمالية من كارل ماركس إلى أكسل هونيت

سارة دبوسي أستاذة الفلسفة بجامعة قفصة تونس تمهيد: ترتكز هذه الدراسة على تقديم رؤية استقرائية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *